الأربعاء، ٢٨ مايو، ٢٠٠٨

الرابع: هذه كلماتٌ كثيرة!

(يرتبط هذا السبب – كالثالث – بمسابقة الرواية القومية الأمريكية NaNoWriMo)
تسعى مسابقة رواية في شهر القومية الأمريكية إلى رواية من خمسين كيلو كلمات، لكنهم يعترفون أن الخمسين كيلو كلمات روايةٌ قصيرة أكثر منها رواية – حيث أنها تكون مائة وخمسة وسبعين صفحة). بينما تزن رواية أكثر نمطية على تسعين كيلو كلمات تقريباً. ويتجاوز ستيفن كنغ عادة مائتي كيلو.
هذه كلماتٌ كثيرة! كم سيستغرقك كتابة خمسين إلى تسعين كيلو كلمات، حتى لو لم تكن مهتماً بالنوعية؟
جورج سيمنون، كاتب ألغاز الجرائم البلجيكي الأسطوري، وزير النساء الأسطوري كذلك، كان يستطيع كتابة ستين إلى ثمانين صفحة في اليوم الواحد، ونشر أربعمائة وخمسة وعشرين رواية في حياته، بمعدل روايتين أو ثلاث في الشهر، وبقي لديه ما يكفي من الوقت ليغوي عشرة آلاف امرأة (كما يدعي).
على أي حال، أنت لست جورج سيمنون، مهما أردت أن تكونه.
تحتاج مسابقة الرواية القومية إلى متوسط كلماتٍ قدره 1666.666في اليوم. وعلى الأرجح، لم تكتب هذا العدد من الكلمات منذ أنهيت امتحان اللغة الإنكليزية في المدرسة الثانوية. واقعياً، ستحتاج من ساعتين إلى ثلاث يومياً لتكتب هذا القدر، أي تسعين ساعة في الشهر، ما يعادل أسبوعي عمل.
إذا كنت تمتلك هذا القدر من الوقت، فأنت تحتاج إلى هواية أفضل. فحتى لو حققت ذلك، ستكون قد أهلكت نفسك لتنتج مسودة أولية لنصف رواية! مرحى!

شون لندسي، 1 نوفمبر 2006
Reason #4: That's A Lot Of Words

تعليق: أكثر من اللازم!
يعود هذا السبب – أيضاً – إلى البحث في تعريف الرواية. هل الرواية نصٌ مكتوبٌ يُعرف بعدد الكلمات؟
ألفٌ وستمائة وستٌ وستون كلمةً في اليوم لإنجاز روايةٍ من خمسين ألف كلمةٍ في شهر، والحصيلة ليست غير هُراء ممتد على خمسين كيلو كلماتٍ!
كثيرٌ من الروائيين الكبار يجدون أنفسهم في حالة توتر مستمرة عندما يتعلق الأمر باللغة، ففيها الكثير من الأحمال الثقيلة التي ينبغي التحرر منها. غابرييل غارسيا ماركيز يكره الأحوال ويحاول تجنبها ما استطاع لأنها صناعيةٌ برأيه. يشتكي غيره من حروف الجر، وآخرون من أدوات الربط والمفاعيل المطلقة. ويضع شكسبير الأمر ببساطة حين يقول أنه سيغير العالم بثلاثة آلاف كلمةٍ فقط!
البلاغة في الإيجاز، لكن التلامذة المعتادين على حشو أوراق التعبير - أو الإنشاء - في امتحان اللغة العربية بأي شيء ليزيدوا عدد الأوراق فيقتنع المصحح بقدراتهم ويهبهم العلامات، يصبحون كُتاباً فاشلين يميتون أوراقاً بريئة بكيلومتراتٍ من هراء خيرٌ منه كلام المجانين الذي يشتكي منه روائيون كجورج أورويل!

الأحد، ٢٥ مايو، ٢٠٠٨

في صنعة الشعر

(ترجمة لمقالٍ في مادة وظائف اللغة)

من موقعه في قمة الأشكال الأدبية، تحول الأدب - تدريجياً - إلى تعبيرٍ لغويٍ ناءٍ لا يخاطب غير الشاعر ومن وُجِهَت القصيدة إليهم من أصدقائه – غالباً –، ولا يؤثر في سواهم. أوجدت المسافة بين الشعر والناس وضعاً حرجاً فقد فيه الشعر تبرير بقائه في الزمن المعاصر.

الشعر والعامة:
تنص المقولة العربية على أن "المعنى في بطن الشاعر"، وطبقاً لهذه العبارة، فلا أحد يستطيع أن يستشعر المعنى الحقيقي للقصيدة على الإطلاق، وفي الزمن المعاصر، أساء الناس إلى هذه الفكرة بتطبيقها على معظم الشعر العربي – والأجنبي في السياق ذاته – نائين بأنفسهم عن التأمل في المعاني بتقدير الاستخدام المفرد للكلمات المجوفة. يتفادى الناس الشعر كمادة للقراءة لكنهم لا يستطيعون تفاديه كجزء من حيواتهم.
لا يوجد حفلٌ رسمي أو مهرجان يُقام دون أن يكون الشعر جزءاً منه في العالم العربي، ما يجعل الشعر – شعر المناسبات في هذه الحالة – حاضراً دائماً في حيوات الناس. وحول العالم، لا يوجد طالبٌ لم يعانِ محن شعره الأصلي في المدرسة، أو المحنة الأعظم في الواجبات المدرسية التي تتطلب كتابة قصيدة.
كل امرئٍ يملك فكرة ثابتة، لكنها مغبشة، عن الشعر. الشعر "كلامٌ موزون مقفى" كما يقترح تعريف له. يفتقد هذا التعريف شيئاً ما، لذا يضيف الناس عادة: يحتوي على أفكارٍ، أخيلة شعرية، ومعاني عليا معيدين صياغة معتقد كون الشعر أعمق بكثير من مجرد كلماتٍ موزونة مقفاة، ومحاولين البقاء في الجانب الآمن متبعين تعريفاً ناقصاً عوض الضياع في فوضى الأشكال الأدبية غير المعرفة.
التعريف اللغوي للشعر:
في العربية، غالباً ما يُربط بين كلمة "شِعْر" وما يختلج في الوجدان من أحاسيس وانفعالات، مع أن الكلمة مأخوذة من جذر لغويٍ بمعنى فطِن أو علِمَ كما جاء في لسان العرب:
والشِّعْرُ منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإِن كان كل عِلْمٍ شِعْراً من حيث غلب الفقه على علم الشرع، والعُودُ على المَندَلِ، والنجم على الثُّرَيَّا، ومثل ذلك كثير، وربما سموا البيت الواحد شِعْراً؛ حكاه الأَخفش؛ قال ابن سيده: وهذا ليس بقويّ إِلاَّ أَن يكون على تسمية الجزء باسم الكل، كقولك الماء للجزء من الماء، والهواء للطائفة من الهواء، والأَرض للقطعة من الأَرض.
وقال الأَزهري: الشِّعْرُ القَرِيضُ المحدود بعلامات لا يجاوزها، والجمع أَشعارٌ، وقائلُه شاعِرٌ لأَنه يَشْعُرُ ما لا يَشْعُرُ غيره أَي يعلم.
وشَعَرَ الرجلُ يَشْعُرُ شِعْراً وشَعْراً وشَعُرَ، وقيل: شَعَرَ قال الشعر، وشَعُرَ أَجاد الشِّعْرَ؛ ورجل شاعر، والجمع شُعَراءُ.
ويقال: شَعَرْتُ لفلان أَي قلت له شِعْراً؛ وأَنشد: شَعَرْتُ لكم لَمَّا تَبَيَّنْتُ فَضْلَكُمْ على غَيْرِكُمْ، ما سائِرُ النَّاسِ يَشْعُرُ ويقال: شَعَرَ فلان وشَعُرَ يَشْعُر شَعْراً وشِعْراً، وهو الاسم، وسمي شاعِراً لفِطْنَتِه.
بينما تأتي كلمة Poetry بالإنكليزية من الجذر الإغريقي poiesis بمعنى "الصُنع" أو "الخلق". خاصية الصنع تُعلِم الحصول على مادةٍ جديدة من أشياء مختلفة قد لا تكون مرتبطة ببعضها، بينما الخلق مرتبطُ بتكوين شيء لم يكن موجوداً من قبل أبداً. ويقترح المعنيان – في العمق – معنى المعرفة كما تقترحه الكلمة العربية.
الصنعة واحدة من خصائص الشعر، فصناعة قصيدة لا تتطلب الموهبة فقط، بل أيضاً الصنعة الجيدة أو الحرفة. اعتاد الشعراء على القول أن بيتين من القصيدة – أو بيت واحدٌ حتى – إلهامُ علوي، وبقيتها نتيجة التفكير والحرفة. إدراك عنصر الحرفة في الشعر قديم جداً، وأحد الأمثلة المشهورة عليه مناظرة أبي الطيب المتنبي مع سيف الدولة الحمداني حول بيتين قالهما الأول في مدح الأخير:
وقفت وما في الموت شكٌ لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
ووجهك وضاحٌ وثغرك باسم
فاعترض سيف الدولة على ترتيب البيتين، مقترحاً ترتيبهما ترتيباً آخر:
وقفت وما في الموت شك لواقف
ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
كأنك في جفن الردى وهو نائم
فرد عليه المتنبي بمحاججته المشهورة حول صنعة الشعر:
أصلح الله الأمير. إن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك، فأنا لما ذكرت الموت في أول البيت اتبعته بذكر الردى ليجانسه، ولما كان وجه الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً، وعينه باكية فجمعت بين الأضداد في المعنى، وإن لم يتسع اللفظ لجميعها.
يذكر القرآن هذا العنصر في الشعر عندما يدفع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم الاتهامات بكونه شاعراً في سورة ياسين: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له". التعبير المستخدم هو "التعليم" وليس "الإلهام"، ولم يعترض العرب وقتها على هذا التعبير، ما يعني أنهم يتفقون مع القرآن حول حقيقة كون الشعر صنعة المعرفة.
القرآن والشعر:
بلاغة القرآن هي المعجزة التي لم يستطع العرب إنكارها أو تحديها، فكانت هجماتهم المتواصلة على القرآن دعوته شعراً كتبه النبي. في العصر الجاهلي، لم يكن الشعر الشكل الأدبي الوحيد المعروف، فقد عرف الجاهليون النثر والخطابة ورواية الحكايات، ومع ذلك، اعتبروا القرآن شعراً رغم أنه مكتوبٌ بطريقة شبه نثرية. أجبرهم على ذلك تعبيره اللغوي، رغم أن الصيغة الشعرية الوحيدة التي عرفوها واعتمدوها للشعر وقتها كانت العمود فقط، ورغم أن القرآن احتوى التعاليم الإلهية، وأخبار الأمم الغابرة، بينما كان شعرهم غنائياً وتعبيراً عن الصوت الواحد للشاعر.
بالقطع، ليس القرآن شعراً، ومع ذلك أعطانا الكفار نظرة إلى جوهر الشعر كتعبيرٍ فني لا يلتزم بهيئة أو بنية. فرقوا بين البنية والجوهر قبل ألفٍ وخمسمائة سنة، وقرروا نهائياً أن الشعر ليس أبيات العمود، وأنه ليست كل أبيات العمود شعراً.
الشعر والنظم:
يشيع معتقدٌ أن كُل شيء عند العرب يمكن أن يُقال شعراً، لذلك يمكن أن توجد قصائد في مواضيع مختلفة كالرياضيات والنحو والفلسفة والكيمياء. في الواقع، منذ أن فرق الكفار بين بنية الشعر وجوهره، واصل العرب هذا التفريق بالفصل الواضح بين ما هو شعر وما هو (نظم). واحتل الشعر المرتبة العليا فوق النظم الذي عُني به تقديم المادة المدروسة بطريقة سهلة للطلاب، لذا كانت هناك أبياتٌ في كل فرعٍ من المعرفة ساهم فيه العرب، ولم يعتبروا هذه الأبيات شعراً وقتها، لكنها الآن تُحسب شعراً بشكلٍ خاطئ.
أغراض الشعر العربي القديم وقيمته الجمالية:
كان الشاعر، في معظم الثقافات، وزير إعلام قبيلته، وكل قصائده كانت بيانات تمجد القبيلة وتعكس علاقاتها مع القبائل الأخرى. كان المسجل لتاريخها، والمنشد الذي ينشد أفعال أبطالها.
تمجيد النفس والقبيلة كان الغرض الرئيسي لمعظم الشعر العربي القديم – مختلطاً بأغراض أخرى-، وخدم هذا القبيلة سياسياً، غير أن مرور الزمن حرم الشعر العربي القديم من قيمته السياسية، وأبطل غرضه في الفخر. ومع ذلك، بقي الشعر لقيمته الجمالية.
تفوق القيمة الجمالية على الغرض المباشر للشعر ثبت مبكراً في التاريخ العربي. مثالٌ شهير وممتازٌ على هذا يرد في قصيدة (البردة) الشهيرة التي مدح فيها كعب بن زهير النبي فخلع بردته ووهبه إياها. اعترض بعض النقاد على شهرة القصيدة باعتبار أنها لم تركز على المدح، غرضها الرئيسي، بل على محبوبة الشاعر وفكرة الرحيل. تعدد أغراض القصيدة واختلافها أضعفها كما يقولون، لكن ما ينبغي ملاحظته هنا هو أن النبي لم يقدر غرض القصيدة، المدح المجرد، وإلا كان كافأ كل من مدحه، لكنه قدر القيمة الجمالية لقصيدة كعب على وجه الخصوص.
في سياقٍ مشابه، مدح علي بن الجهم الخليفة المتوكل بقصيدة يقول فيها:
أنت كالكلب في وفائه
وكالتيس في قراع الخطوب
أراد أفراد حاشية الخليفة معاقبة الشاعر الجاهل، لكنه منعهم وسمح له بالإقامة في الرصافة ليطور حسه الجمالي، ولاحقاً كتب علي بن الجهم:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
خليلي ما أحلى الهوى وأمره!
أعرفني منه بالحلو وبالمر!
لم يمدح الخليفة في قصيدته، لكنه فضلها مع ذلك لأن القيمة الجمالية تفوق أي غرضٍ مباشرٍ للقصيدة.
الشعراء باعتبارهم الشخصيات الأدبية المهيمنة في اللغة:
لا تحتاج حقيقة أن أكثر الشخصيات الأدبية هيمنة في أي لغة هم الشعراء للذكر. يمكن أن يُفهم هذا في الزمن الماضي حين كان الشعراء من يسجلون التاريخ. كان على هوميروس أن يكون المهيمن على أدب اليونان لأنه حقق للثقافة اليونانية ما لم يحققه سواه.
ليس العامل التاريخي الوحيد الذي أسس لهيمنة الشعراء، فشعراء كالمتنبي لم يكونوا مسجلين لأي تاريخ، ولم يهتموا به، ومع ذلك فإن المتنبي هو شاعر العربية كما يُقال، ومثله لوركا في الإسبانية، وطاغور في البنغالية، وبوشكين في الروسية، وحافظ في الفارسية، وشكسبير في الإنكليزية. وجدير بالملاحظة أن معظم الشعراء المذكورين قُتِلوا.
ارتقى الشعراء ليصبحوا ضمير الأمم، وبقي هذا دورهم لفترة طويلة قبل أن يتحول الشعر إلى اهتمامٍ أكاديمي مجرد. وضع الشعر الحالي لا يعني أن الشعراء تخلوا عن كونهم ضمير العالم لأنهم مازالوا العارفين والرائين لما لا يستطيع الآخرون معرفته أو رؤيته، والصوت الأعلى للحقيقة. كان البردوني من تجرأ على تذكير الثوار بأن ثورتهم قد انحرفت عن مسارها مبكراً جداً في العيد العاشر للثورة حين قال:
أيها الآتي بلا وجهٍ إلينا
لم تعد منا ولا ضيفاً لدينا
غير أنا.. يالتزييف الهوى!
نلتقي اليوم برغمي رغبتينا
ولم يلتزم الشعراء بدورهم كثوارٍ سياسيين، لكنهم بقوا العارفين بأحوال الإنسان في أوجه الوجود المختلفة، وبلغتهم الشعرية حولوا الاعتيادي والمألوف إلى أكثر اللحظات أبدية ليعبروا عن تشوش وشجن الإنسان أينما كان، كما في قصيدة محمد حسين هيثم: "بانتظار الملاك على الأرصفة":
رحلوا
لم يجدوا ما يفي بارتحالاتهم من قبور
ما سيكفي لموتٍ كثير كهذا
ما سيكفي لموتى كثار.
الشعر في الدراما:
قيل مراراً وتكراراً أن الشعر على ألسنة الشخصيات الدرامية صناعي لأنه لا أحد يتحدث شعراً في الحياة الواقعية. وفي بعض الثقافات، انهار المسرح الشعري بكامله كما حدث مع المسرح الشعري العربي الذي حاول أحمد شوقي إنشاءه. ولم يكن رفض الجمهور للشعر بحد ذاته، بل لصيغة الشعر العمودي التي اختارها شوقي، لأن العمود العربي يتطلب حرفة وصنعة تفوق تلك التي يتطلبها شعر التفعيلة الذي كتب به مارلو وشكسبير في الإنكليزية مثلاً، وهذه الحرفة الظاهرة هي ما دمر التواصل بين الجمهور والشخصيات.
الدراما إعادة تمثيل لفعل مكتمل، وهذا الاكتمال في الفعل يسمح باكتمالٍ مماثلٍ في اللغة. ليس غرض الدراما كسر الحاجز بين الجمهور والشخصية لأن الأحداث الدرامية أكبر في مقاييسها من الحياة. الدراما مكتملة وخالدة، على عكس الحياة.

عبر التاريخ، كان للشعر سقطات ونهضات، وفي هذا الزمن خبا نور الشعر قليلاً، لكن هذا لا يعني، بأي شكلٍ من الأشكال، أنه فقد تبريره، وأن صنعته باتت كاسدة.

الخميس، ٢٢ مايو، ٢٠٠٨

The Madness of King Scar


من فيلم الأسد الملك، أتذكر أغنية "كُن مستعداً" بوضوحٍ شبه تام، صوت جيريمي آيرونز القططي، مناظر الخراب في مقبرة الأفيال، الإنفجارات البركانية، جيش الضباع بخطوة الإوزة، الزلزال النهائي وصعود سكار إلى القمة. كثيرٌ جداً لأتذكره من فيلم شاهدته مرة واحدة وأنا في السابعة من عمري. في الفيلم أغانٍ أخرى شهيرة مثل"هكونا متاتا" و"هل يمكنك أن تشعر بالحب الليلة؟"، لكن الحيوية الفائقة لأداء سكار تجعل أغنيته التي يكشف فيها خططه للاستيلاء على السلطة وقتل أخيه وابن أخيه رقعة متميزة فيه.
في مسرحية الأسد الملك التي تُعرض في برودواي دون انقطاع منذ عشر سنواتٍ، فطن المنتجون إلى الحيوية الشديدة لشخصية سكار، وإلى الإمكانيات الدرامية الثرية لفترة حكمه لأرض العزة، فأضافوا له أغنية أخرى في الفصل الثاني من المسرحية - ليست من أداء جيرمي آيرونز بطبيعة الحال - هي: "جنون الملك سكار". الأغنية طويلة نسبياً، لكنها حيوية للغاية، وتقدم فترة حكم الملك سكار لأرض العزة من وجهة نظر الجالس على العرش - تعاكسها في ذلك أغنية "أرض الظلال" التي تقدم وجهة نظر أهل البلاد. - عارضة جنونه، ووساوسه، وهواجسه، وظل موفاسا الذي يخنقه، ووحشته بدون أصدقاء ولا رفاق. بأداء صوتي متناغم، وموسيقى حيوية من إلتون جون، وكلماتٍ موفقة من تيم رايس تمضي الأغنية بانسيابية لتقدم جنون الملك سكار بشكلٍ تدريجي.
قليلاً، قليلاً، يبدأ سكار محدثاً زازو الببغاء - نفسه أكثر -:
زازو، لماذا لستُ محبوباً؟
أنا شيء نادرٌ ومذهل
ملكٌ في كل شبرٍ مني
ومع ذلك، أشعر بوخزة شك
كلما تجولت في الأرجاء
عندما يُهمس اسمي في أرض العزة
أيكون كلام الحب أم اغتيال الملك؟
تتدخل الضباع التي استعان بها سكار ليصل إلى الحكم بغباء شديد، تقاطع استرسال أفكاره، ورثاءه لذاته. تزعجه. يأتون إليه بأمر جللٍ يناقشونه فيه - عظمةٍ ينهشونها معه، حسب تعبيرهم -، ويشكون إليه الجوع، فيرد عليهم:
أنتم وشكواكم التافهة!
أنتم لا تعرفون الجوع الحقيقي
الذي ينهش جوهر وجودي
يوماً إثر آخر
وفي حوارٍ عبثي يكشف الهوة بين سكار العالق في معضلته الوجودية، والذي لا يستطيع أن يتواصل مع أيٍ كان، ومساعديه الذين لا يستطيعون فهم الأزمة التي يُعاني منها ضميره، والعزلة القاتلة للمك المكروه، فينسبون ألمه الداخلي إلى الديدان، ويضطر إلى توضيح المزيد لهم عن شعوره:
لا! لا! لا!
إنه كحكاك، عميق، ملح، مستقر
فيستمرون في نسبة وجعه إلى الديدان، ويقترحون عليه أن (يقرفص) و(يهرش)، ليرد عليهم:
شكراً على المعلومة!
يا ناكري الجميل! لولاي لكنتم تتوسلون العقبان
لقمتكم التالية!
يغنون له معترفين بأنه مُخلصهم، لكنهم جائعون، ويتمنون قليلاً من اللحم في تتابع غنائي مُبهج، يتدخل الببغاء زازو ليختمه - على الوزن - معلناً افتقاده لموفاسا، ما يتسبب في صمتٍ مفاجئ للموسيقى والغناء، ويجعلها تعود في المقطع التالي لتتوتر مع كلمات سكار المُهدِدة:
موفاسا! موفاسا!
كيف تجرؤ؟
أمرتك بألا تذكر هذا الاسم مجددا!
ثم تتحول الموسيقى لتكشف توتر سكار الروحي:
حتى في الموت يُلقي بظله علّي!
إنه هناك! بل هُناك!
وهناك!
بعدها يرد بأنه بخيرٍ، لتنطلق الموسيقى في توترٍ شديدٍ كاشفة الانقسام في سكار الذي يكاد يصاب بانفصام شخصية تام، في أفضل مقاطع الأغنية من وجهة نظري :
أنا أفضل من موفاسا!
أنا موقر!
أنا محتقر!
أنا معبود!
أنا ممقوت!
أنا هادئ!
أنا أجن!

أقول لنفسي أنني بخير
نعم، أنا بخير، لا، لستَ كذلك!
نعم، أنا بخير، لا، لستَ كذلك!
أقول لنفسي أنني بخير

لا، لستَ بخير، نعم، أنا كذلك، لا، لستَ بخير!
نعم، أنا كذلك!
لا، لستَ بخير!
نعم، لا، نعم، لا، من أُكلم؟!
وبعد أن تصل الموسيقى إلى ذروتها، ويصل التوتر الدرامي حداً يجب معه أن ينخفض، تهدأ الموسيقى، ويبدأ سكار في عرض مظلمته بمسكنة (كالتي بدأ بها فرولو عرض مظلمته على ماريا المباركة):
زازو، زازو، زازو، زازو!
لا أحد أحبني! هذه هي المشكلة! حتى عندما كُنت شبلاً!
ما الذي يميز أخي ولا أملكه؟
بالرجوع إلى أدبيات ديزني، وُلد سكار باسمٍ آخر هو تاكا الذي يعني القذارة باللغة السواحيلية، ما يؤكد على أن سكار - الذي اكتسب اسمه الجديد من ندبته - مكروهٌ منذ طفولته أو غير محبوبٍ - على الأقل -، بينما يحظى أخوه الأكبر موفاسا بكل الحُب والتدليل. إساءة المُعاملة التي تعرض لها سكار في طفولته رافقته منذ مولده، وأعلنت عن حضورها حتى في اسمه الذي يستحيل أن يختاره أهلٌ سعداء بمجئ طفلٍ جديدٍ إلى العائلة.
سكار يُخاطب زازو، الببغاء الذي كان بمثابة وزير إعلامٍ لشقيقه الملك الميت، لكنه في الحقيقة يخاطب نفسه، فلا أحد يستطيع أن يفهمه، ولا أحد يتقبل فكرة أن ما يريده ليس غير الحب. وكامتداد لعبثية الحوار، يرد عليه زازو بطريقة متفاصحة تتجاهل تماماً مشكلة سكار:
رعية تحبه، عائلة تحبه، ملكة مخلصة له...
الرعية لن تحبه والضباع تقتات على قوتها، وعائلته لم تحبه أبداً دونما ذنبٍ جناه. لم يبق له إلا أن يجد ملكةً مخلصةً له لتحبه. هذا ما يريده! ملكة! سينشئ عائلة تحبه! لن يعود فرداً!
في ذلك الوقت تظهر نالا - التي قد تكون ابنة سكار أو ابنة أخيه موفاسا - لتراجعه في إجباره اللبوات على الصيد الجائر لتغذية أعوانه من الضباع. الصيد الذي يترك الأرض يباباً، ولا يُشبع ضباعه أو يشبعه، لكن الملك مشغولٌ بأمرٍ آخر، فنالا تصلح لأن تكون ملكته!
يرقص حولها، وتكلمه عن أمرٍ فيما يكلمها عن آخر مختلف. يكرر:
قولي أنني محبوب!
تخدشه نالا بأظافرها، فينقلب موقفه من الجميع. سكار يُطالب في جنونه بالحُب، وما يجده ليس سوى جهل أتباعه وجشعهم، سخرية الببغاء، وصفعة ممن أرادها أن تكون ملكته. إنه ضحية لوضعه، والآخرون ضحايا لوضعه أيضاً. كل ما يسأله إياهم قليلاً من الحُب لا يمكنهم أن يهبوه إياه، فهم جلادون في كونهم ضحايا، وهو الجلاد والضحية أيضاً. لذا يُقرر إنهاء الأمر. أنتم لا تحبونني لكنني أمتلككم!
أنا أمتلككم! أنا أمتلككم جميعاً!
ويمضي في غيه إلى النهاية، لقد قرر التخلي عن مطالباته ليندفع في انتقامٍ مفتوحٍ من الجميع. سينتقم من رعيته، من أتباعه، من كل من حوله. إنه الملك، وإليه يرجع أمرهم جميعاً!
نتيجة جنون الملك سكار كانت أغنية "أرض الظلال" التي تغنيها نالا عند رحيلها بعد أن تدرك أن أرض العزة لم تعد تسعها. وأرض الظلال تعبيرٌ قاتم عن وجع الفرد والطبيعة تحت نير الظلم، وتعبير عن نفس سكار المظلمة التي لم يعد فيها بقعة نور بعد أن تحول جنونه إلى سجن هائل حبس فيه كُل من يملكهم!

أغنية جنون الملك سكار من يوتيوب.

الإثنين، ١٩ مايو، ٢٠٠٨

كلمات مراجعة الكتب السبع المميتة

بوب هاريس
Seven Deadly Words of Book Reviewing - Paper Cuts - Books - New York Times Blog

ككل التخصصات، لمراجعة الكتب معجم خاص. ولكسلهم، أو تسرعهم، أو جهدهم الضال ليظهروا بمظهرٍ (أدبي)، يستخدم المراجعون كلماتٍ مستهلكة وقابلة للتنبؤ بها بشكلٍ مزعج. كلٌ من هذه الكلمات السبع المذكورة جيدة بحد ذاتها، لكنها تتجمع في المراجعات النقدية للكتب باستمرار مستهلك، جاعلة التحذيرات المستمرة منها عديمة الفائدة. يكتب فوليت: "أفضل النقاد أولئك الذين يستخدمون أبسط الكلمات، ويجعلون ذوقهم عقلانياً بوصف الأفعال لا بتقرير أو تمثيل الانفعالات."

هنا، القائمة:
موجع:
أحياناً، تقرأ ما يؤثر فيك أو يحركك. هذا لا يعني موجع. الموجع شيء يؤثر فيك بشكل مؤلم. عندما تموت أم بامبي، سيفكر راشد بأن هذا موجع، بينما سيعتقد طفل – على الأرجح – أنه مريع.

مسيطر:
أشياء كثيرة في الحياة، وفي الكتب، مسيطرة. لكن المشكلة تكمن في أن مراجعات الكتب تُثبت أن معظم الكتب كذلك! قد يكون الكتاب مشوقاً، لكن هذا لا يجعله بالضرورة مسيطراً. الاستخدام المفرط لهذه الكلمة أضعفها رغم أنها تتضمن قوة قاهرة.
غالباً ما يجمع المراجعون الكلمتين الأوليتين، كبندقية تشيخوف، فإذا كانت هُناك "موجع" في المُراجعة، فإن "مُسيطر" ستلحقها على الأرجح. وفي معظم الأحوال، فإنهم يتخلون عن التشويق ويضعون الكلمتين مباشرة مع بعضهما البعض كما في: "هذه الرواية الموجعة والمسيطرة....."

آسر:
لا تعني هذه الكلمة مجرد مثير للاهتمام أو مذهل، رغم أنها تستخدم غالباً مكان إحدى هاتين الكلمتين. وعندما تستخدم بهذه الطريقة، ينمحي إيحاؤها الغامض بالمحظور.

يحاذر:
لا تُستخدم هذه الكلمة غالباً في الحياة اليومية. وتظهر غالباً في الكتابة عندما يبالغ الكاتب باستخدام مرادفٍ مبهرج لكلمات: يتجنب، يرفض، ينأى بنفسه.

يصوغ:
بعزمٍ لا يكل، يستخدم المراجعون هذه الكلمة عندما يخشون – بدون داعٍ – استخدام الكلمة القديمة يكتب. حتى أنهم يحاولون تحويل كلمة قلم إلى فعلٍ كما في: "يقلم ملحمة"!!

يلهم:
أشياء قليلة في العالم مُلهَمَة، فالأشياء غالباً: مكتوبة، مُعتقدة، أو مقولة. "الحرب جحيم،" أُلهِم. هناك كثيرٌ من الاجترار في المسألة.
امتداد الوهم – كتابة "يصوغ" بدلاً عن "يكتب"، و"يلهم" بدلاً عن "يقول أو يفكر" – علامة فارقة على الكتابة الركيكة.

غنائي:
يستخدم المراجعون هذه الصفة عندما يريدون القول بأن شيئاً ما مكتوبٌ بشكل حسن، لكن استخدام الكلمة بهذه الطريقة يفقد حسها في التعبير عن العواطف بطريقة تخيلية عذبة. وفر كلمة غنائي للمرة المقبلة التي تنشر فيها مراجعة عن ووردزوورث.

من الممكن حتى أن (يُساء) استخدام الكلمات السبع جميعها في جملة واحدة: "رواية ماريو بوزو الآسرة تحاذر الغنائية حيث يصوغ الكاتب بدلاً عن ذلك حكاية موجعة عن حياة عائلة ويُلهَم بالأفعال الآسرة للعصابة."

طبعاً، ليست هذه الكلمات السبع الوحيدة التي استهلكها مراجعو الكتب، فعلى أية حالٍ، أنا لم أذكر حتى كلمة يرسم. ربما يشاء القراء إضافة الكلمات التي يعتقدون أن مراجعي الكتب أساؤوا استخدامها مراراً وتكراراً.

الجمعة، ١٦ مايو، ٢٠٠٨

You Are Not Kind!

أو
في التفسير العملي للأدب

تواجهني العبارة في العنوان غالباً عندما أحلل الشخصيات الأدبية، وتحيرني، فلم أسمع في حياتي - القصيرة حتى الآن - عن شيء اسمه اللطف في تحليل الشخصيات، أو نقد الأعمال الأدبية. ولو فرضنا أن ثمة (لُطفاً) فعلاً في التحليل الأدبي، فكيف نَعْرِفُه ونُعَرِفُه؟
أجيب على سؤالٍ حول السبب الذي حدا بشخصية فلان إلى عدم اتخاذ قرارٍ واحدٍ كان سيقلب الوضع تماماً بمنتهى الصدق قائلة: "لأن الكاتب لم يشأ أن يكتب في هذا المسار، بل أراد أن يفي بخطته التي وضعها منذ البداية". فيتغير وجه من يتلقى الإجابة، ويغمغم بغضب:
"You are not kind!"
ولا أعرف ما هي علاقة (الكايندنس) بالرأي النقدي، وبالتفسير العملي الذي أعطيته لعدم اتخاذ شخصية معينة قراراً ما!
أسمع العبارة نفسها عندما أقول في تبرير مجموعة ثغرات في الحبكة: "أراد الكاتب أن يُسلم المسودة بسرعة فلم يراجع ما كتبه". أو في تبرير السبب الذي يحمل كاتباً على تكرار حدثٍ سابق: "أراد أن يُطيل الرواية لتصبح سميكة ويدفع له الناشر مبلغاً أكبر". حتى أنني بدأت أعتقد أن اللطف شرطٌ ضروري للتعبير عن الرأي، ولو كان الكاتب قد مات منذ قرون كما هو الحال مع (شيخنا) شكسبير مثلاً. ينبغي أن أعتصر دماغي لأبرر أفعال الشخصيات بأي طريقةٍ، وألتمس دوماً العذر لأشد أفعالها شراً وأنانية. ينبغي ألا أفسر ثغرات الحبكة، والحشو الزائد في بعض المواضع، ونسيان بعض الشخصيات، والتخلخل في البنية الدرامية، بتفسيرات عملية ترتبط بحالة الكاتب المادية، أو المزاجية حتى، بل ينبغي أن أعتبر الكاتب إلهاً مطلق القدرة في نصه، لا يؤثر فيه هوى أو ميل، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ما نقع فيه غالباً هو النظرة الحالمة للأدب باعتباره نصاً مقدساً ينزل من السماء كما هو، واعتبار التفسيرات العملية له أشياء لا تليق، إن لم تكن هرطقة صريحة. ورغم وجود معتقدٍ بأن الشخصيات داخل العمل الأدبي شخصيات ورقية لا يُمكن أن تخرج إلى الحياة، أو تنطبق عليها، إلا أن التحليل النفسي للشخصيات - المستخدم غالباً في صفوف التحليل الأدبي - يعتبر الشخصيات الأدبية حقيقية أكثر من اللازم، حتى أنه يعتبر المسافة التي يضعها الكاتب بين الشخصية والجمهور عن عمد - كما في الدراما الشكسبيرية - مشكلة في البنية الفنية تلغي خاصية التماهي.
حين وضع دوستويفسكي نموذج "كارمازينوف الكاتب" في روايته الشياطين، كان يسخر من (خبيره) إيفان تورغنيف سخرية موجعة. الغرض من الشخصية لم يكن إلا (فش غل) دوستويفسكي في صاحبه، وأي تحليل نفسي للشخصية يصبح عبثاً، فتفسير الشخصية مرتبطٌ بمزاج كاتبها، وعدائه لصاحبه. الأمر ذاته ينطبق على رواية فرجينيا وولف الليل والنهار، فقد كتبتها لتثبت لنفسها ومنتقديها أنها قادرة على كتابة رواية كلاسيكية الطابع، وتفسير بنية الرواية يكمن في هذه الرغبة الطارئة من خارجها. كان يوكيو ميشيما رجلاً كثير النفقات، لذا كان عليه أن يكتب مسلسلاتٍ شعبية مسلية، ولذا كان يُطيل رواياته أحياناً في تأملاتٍ مضجرة تصيب المتن بالترهل وتبدو دخيلة عليه. ولأن دانيال ديفو وصل إلى مرحلةٍ لم يعد فيها قادراً على الكتابة، حشا روبنسون كروزو بتكرارٍ لحطام السفن وأفكار البطل حول السفن المحطمة. ولأن شكسبير كان يكتب تحت الطلب، لم يكن يملك وقتاً لتصحيح مسودات مسرحياته، فقد كان عليه إرسالها إلى المسرح لتُمثَل حالاً. أما كريستوفر مارلو فقد عكس غروره الذاتي في مدخل تاريخ دكتور فاوستوس المأساوي، ثم قدم مشاهد هزلية ساخرة عقب كل مشهدٍ جادٍ ليسلي جمهوره ويأمن جانبه فلا يُحرق المسرح.
السبب الذي جعل فاوستوس يرفض أن يخطو الخطوة الأخيرة نحو التوبة هو أن التراجيديا ستنتفي بها، وهذا يُنافي خطة مارلو، وهو بالضبط ما جعل فاوست غوته مزعجة لمن يحاول أن يصنفها، فوفق المفهوم الأرسطي، ليست تراجيديا، كما أنها ليست كوميديا، وليست شيئاً وسطاً بين الاثنين. ووفق هذا القياس تٌقاس أمورٌ عديدة.
ليس التفسير العملي هو التفسير الوحيد للأدب، لكن رفضه تماماً بحجة أنه يسلب الأدب سحره ويحوله إلى عملٍ اعتيادي مبتذل أمرٌ يخلو من الحكمة، فالأدب لم يوجد ليساعد الناس على الحُلم، بل على استكشاف الحياة، والتفسير العملي له جزء من تأثيره فيها.

الثلاثاء، ١٣ مايو، ٢٠٠٨

الثالث: أنت تعتقد أن أياً كان يُمكنه أن يكون كاتباً

(يرتبط هذا السبب والذي يليه بالمسابقة القومية الأمريكية: رواية في شهر NaNoWriMo، التي يعارضها لندسي بشدة)
يجعلك وضع خمسين ألف كلمة بشكلٍ شبه عشوائي في ثلاثين يوماً (كاتباً) بالمعنى ذاته الذي يجعلك به تغيير مائة لمبة كهربائياً.
هذا وهم مسابقة NaNoWriMo الأساسي، فكرة أنك ستصبح (كاتباً) إذا جربت تحديهم الاعتباطي. حتى أنهم يتباهون بذلك في قائمة الأسئلة المتكررة الخاصة بهم. الأمر يتعلق بارتداء الفكرة (المرومسة) عن الكاتب.
مهما حدث لارتداء ربطات العنق، وعدم غسل شعرك، وحمل دفتر ملاحظات مليء بقصائد الهايكو المبعثرة، واحتضان ذات كوب القهوة كل اليوم؟ ينبغي الآن أن أكتب شيئاً؟

شون لندسي، 1 نوفمبر 2006
Reason #3: You Think Anyone Can Be a Writer


تعليق: وتعتقد أن الأدب يُقاس بالمسطرة
كانت المسطرة تصلح لقياس طول المخطوطات قديماً، أما الآن، فتوفر برامج معالجة الكلمات – عدا البدائية منها – مساطر حديثة تعدُ الكلمات، وتقيس أطوال الصفحات إن لزم الأمر، لتوفر للمُقايس كُل وسائل ضبط القياس المطلوب للكتابة.
سمعنا – وقرأنا – في محاضرات النقد والرواية كُل أنواع المقولات الاعتباطية عن الرواية. هُناك من قال أن الرواية قطعة سردية طولها خمسون ألف كلمةٍ لا تقل عنها كلمة، وهُناك من حصرها بين خمسين وثمانين ألف كلمة. وهُناك من خفف التشدد فقال أنها عملٌ سردي لا يقل عن ثمانين صفحة، يحكي واقعة فنية منبثقة عن واقعة خارجية لها دلالة.............
والنتيجة؟
خمسون، ثمانون، مائة ألف كلمة!
هل تقاس الرواية بعداد الكلمات؟!
كُل روائي حقيقي – وروائية – أحنقه هذا التعريف حتى أوشك على خنق أصحابه، ومع ذلك، لا تزال كثيرٌ من القواميس وغالبية كتب النقد محتفظة به بكل سرورٍ ليكون التعريف الوحيد الباقي منذ ما يزيد عن قرنٍ وكأن الفساد لم يداخله أبداً.
في فيلم جمعية الشعراء الموتى، يطلب الأستاذ كبلنغ من طلابه قراءة مقدمة كتابهم عن الأدب. تتحدث المقدمة عن كيفية (قياس) عظمة القصيدة بمعادلة رياضية. يطبقها الأستاذ، ثم يطلب من تلاميذه تمزيق الصفحة لأن المكتوب هُراء. لا أحد يقيس عظمة القصيدة بمعادلة، ولا يعد الصفحات التي تُنشئ رواية!
لأن الكُتاب فئةٌ نادرة ندرة الماس، يشيع هذا التعريف، وينسكب المقايسون من كُل الشقوق ليقيسوا ما لا يُقاس!

الإثنين، ١٢ مايو، ٢٠٠٨

ثُمَ لا يُسمع بعدها أبداً

كان ينبغي أن تموت بعدئذٍ.
كان ينبغي أن يكون وقتٌ لنبأ كهذا.
غداً، وغداً، وغداً،
ينسل بخطواته البائسة من يومٍ ليوم
حتى آخر مقطع في سجل الزمن،
وكُل أمسٍ مضى أضاء طريق الحمقى
إلى الموت المغبر.
انطفئي، أيتها الشمعة الهزيلة، انطفئي!
الحياة ليست غير ظلٍ عابرٍ، ممثلٍ بائسٍ
يختال ويُبددُ ساعته على المسرح،
ثم لا يُسمع بعدها أبداً.
حكايةٌ يرويها أحمق،
ملؤها الصخب والعنف،
ولا معنى لها.

الخميس، ٨ مايو، ٢٠٠٨

حيرة فاوستوس النهائية

Sic probo…
يرن صوت فاوستوس في قاعات الجامعة الباردة، "هكذا أثبت..."
هكذا أثبت في العقائد، وهكذا أثبت في الطب، وهكذا أثبت في القانون، وبهذا المنطق أثبت ما سبق. يتحمس الطُلاب الذين ستطوي الحياة معظمهم، بينما سيصل قلةٌ منهم إلى مقعده، وربما لن يكون أحد مثله. الإثباتات موجودة، ومنطقه سليمٌ لا يداخله فساد. ثقته التي تصل حد العجرفة معديةٌ. إنه هو. جون فاوستوس، العالم الذي وصل إلى حيث يُريدُ كُل زملائه. عالم اللاهوت ذي الحجة التي لا تبطل، الطبيب الذي أنقذ مُدناً من الأوبئة وعُلقت وصفاته الطبية على مداخلها احتراماً، رجل القانون الذي يعرف كُل دهاليزه. أغاية المنطق أن يُجادل جيداً، فحسب؟
لا أحد يستطيع دحض ما يقوله، لكنه وصل إلى الحافة الأخرى. لم يعد يؤمن بما يقوله. يعيش في عزلةٌ قاتلة لأنه غير قادرٍ على إقامة صلةٍ عقليةٍ وروحيةٍ مع من حوله، لذا تناوشته شكوك عزلته التي تزيدها عجرفته استعصاء على الاختراق، رغم أنه – في أعماقه – رجلٌ طيبٌ، مخلصٌ، ينطوي على شيء من سذاجة. وصل إلى القمة، وهناك أرداه الشك، وأجهز عليه الطموح.
طموحه لا ينتمي إلى عالم البشر، فقد تجاوز لوسيفر الذي رماه طموحه عن وجه السماوات. يُريدُ أن يكون إلهاً يحيي ويميت ويسخر الريح. رغباتٌ شعريةٌ لروحٍ قلقةٍ متطلعة إلى الخفي. ماذا هناك في الناحية الأخرى؟ ماذا لو جرب الثمرة المحرمة، ثمرة السحر. روحه روح شاعرٍ، وستقوده إلى الحدود القصوى.
يحاور فاوستوس نفسه أكثر مما يحاور من حوله، ويدعو أصدقاءه من ليسوا كذلك. يواصل حواره الداخلي فلا يعي إشارات مفستوفيليس له، ويتحدى التحذير الأخير الذي يُكتب على ذراعه. استهلك اللاهوت حياته كلها، وما أعطاه غير حيرةٍ قاتلة: The reward of sin is death، وإذا ادعينا أننا بلا خطيئة، فإننا نخدع أنفسنا، ولا حقيقة فينا. فاستبدله بالعلمِ المُحرم عله يجد بعض حقيقة. هو خاطئ، وسيظل. بماذا ستضره الخطيئة القصوى إذا كان قد قُدر له أن يكون كذلك؟ ستجعله يقضي في الجحيم مُدة أطول من محكوميته الأصلية؟
لينقذ نفسه من التخبط في الحيرة، ألقى بنفسه تماماً في اتفاقيته مع الشيطان، وأوفى بكافة عهوده. فاوستوس لا يخاتل ولا يخون. سيفي بكافة التزاماته، وبالمقابل يتوقع من مفستوفيليس أن يفي بالتزامه. سيصبح رفيقه الدائم لأربعة وعشرين عاماً قادمة، ولأول مرة في حياته سيكون له صديقٌ يستطيع إطلاعه على دواخله. منذ البداية عامل فاوستوس مفستوفيليس كصديقٍ له. لم ينتبه إلى تحذيراته المبطنة، وإلى تصريحاته بأنه خادم لوسيفر فقط. ودون أن يُدرك، صار رهينة لوسيفر ومفستوفيليس الذين خرقا العقد، ولم يُكسباه غير الوهم والظلال. رغم أنه تعرض للغش، إلا أنه لم يُطالب بفسخ العقد، وبقي محافظاً على جانبه فيه. لا بدافع الخوف فقط، بل لشجاعته وشعوره بمسؤوليته عن العقد الذي وقعه. الإله عادلٌ، ويعرف أن فاوستوس قد وقع روحه للوسيفر. الإخلال بالاتفاق يُنافي العدل، وعقله يُقيم العدل، غير أن روحه تطلب الرحمة.
في حيرته النهائية، ظل يتخبط بين الظلال والأوهام مُدركاً أنه لم يعُد هو نفسه. العدل يُنافي الرحمة كما يراه، والخير والشر صنوان طالما أنهما مُقدران من ربٍ واحد. في النهاية، لم يعد أمله إلا أن يكون لعذابه في النار نهاية ولو استمر لعشرة آلاف سنة. المُهم ألا يخلد فيها، فالخلود فيها منافٍ للعدل، لأن خطيئته كانت عقداً استمر أربعةً وعشرين عاماً فقط. يعي انتهاء الزمن، لكنه - تحت وطأة نفاده – يفقد اتزانه، وتقتله الحيرة. فالعدل الصارم ليس خيراً مُطلقاً، ولا الرحمة كذلك. وحين يكاد يعزم على طلب الرحمة، لا تخرج منه غير الحسرة..
"آه! مفستوفيليس!"

الإثنين، ٥ مايو، ٢٠٠٨

زمن الحديث عن زمن الرواية

نعم، ليس هذا زمن الرواية، بل زمن (الحديث) عن زمن الرواية.
مُنذ عشر سنواتٍ أو يزيد وأنا أقرأ في الصحف الأدبية – وغير الأدبية – تصريحاتٍ شبه رسمية عن زمن الرواية، ويُرفق التصريح المُهيب عادة بتصريحٍ كئيب عن موت الشعر، دون أدنى إشارةٍ إلى أسباب موته. ولأن هذه التصريحات قاطعة، باترة، صارمة، فقد كُنت أخافها وأنا صغيرة، وأعتبرها كتصريحات المسؤولين السياسيين والعسكريين عن الحروب والمجاعات، كلمات تعني أن ما وراءها أسوأ.
اللغط الدائر حول زمن الرواية وموت الشعر يترافق مع تصريحاتٍ أخرى لا تقل إرهاباً عن السابقين، كموت الأدب – قطع رأس الفتنة –، ونهاية التاريخ. ولا بُد من أن يُذكر صدام الحضارات من حينٍ لآخر، مع أشياء مثل موت المؤلف، ينبغي أن تُفهم مجازياً.
في هذا المجاز تتخذ المشكلة سكنها. موت المؤلف – مثلاً – كناية – حسب رولان بارت – عن انتهاء علاقته بالنص بانتهاء كتابته. الرواية كون من ورق، ولا شأن للقارئ بصانعها الذي أدى مهمته ورحل. نهاية التاريخ قد تعني انتفاء الحاجة إليه في الزمن المُعاصر، وصدام الحضارات يشير إلى الاختلافات الثقافية التي تفرق نسل آدم وحواء فرقةً لا رجعة فيها – وتعبير "لا رجعة فيها" مبالغة من أنبياء صدام الحضارات الجدد –. هنا ينتهي المجاز القابل للتفسير بشكلٍ عقلاني، ويبدأ كلام المجانين – مشكلة المجاز أن المبالغة فيه تقود المتكلم إلى الهذيان بكلامٍ لا يفهمه أحد، حتى هو نفسه، كالإفراط في استخدام البناء للمجهول – كيف يموت الأدب؟ هل يعني ذلك نهاية الحاجة إليه كما جاءت نهاية التاريخ؟ وكيف يموت الأدب مع كُل هذه الفوضى عن زمن الرواية؟
وبافتراض أن الأدب حيٌ يُرزق – وهذا مجاز مجانين آخر – لكن جزءاً منه فقط هو الذي مات، الشعر، كيف يموت الشعر؟ ولماذا؟
واحدةٌ من أقدم وأكثر مشاكل الفكر العربي استفحالاً الاستهلاك المفرط للمصطلحات والتعبيرات التي (يظهر) عليها (الذكاء) دون حكمة. وترديد الكلام لذاته دون فهمٍ حقيقي لمعناه – أو حتى اهتمامٍ به –. الزعم بأن الشعر قد مات يقتضي إثبات الكيفية، والسبب. ولا أحد – حسب علمي المتواضع – قد بين حقاً لِمَ مات الشعر – رغم محاولات مجموعة من الناشرين المتذمرين، والشعراء البائسين الذين ينسون أنهم يبيعون كُتباً لأمةٍ لا تقرأ –.
عندما ثبتت الرواية نفسها كشكلٍ أدبي مُعترفٍ به، هلل مناصروها تهليل الجوعى عند وليمةٍ، وأعلنوا في كُل محفل أن روايتهم ستمحو كل الأشكال الأدبية السابقة لها باعتبار الرواية إسفنجة قادرة على الامتصاص إلى ما لا نهاية، وقادرة على حمل الحكاية، بينما لا يستطيع الشعر حملها لذا سيتراجع أمامها. وهذا ادعاء لا سند له، ففي قصائده التي لم تُنظم لتكون جزءاً من ملحمة شعرية – كقصائد الإدا التي تحمل حكايات آلهة سكندنافيا، وقصيدة "بيوولف"، وغيرها – أو جزءاً من مسرحية شعرية – كما في مسرحيات شكسبير ومارلو، ومحاولات شوقي لإنشاء مسرحٍ شعري عربي. مشكلة شوقي أن مسرحه الشعري عمودي، بينما في زمن شكسبير ومارلو، كتب المسرحيون شعر تفعيلة. – يستطيع الشعر أن يحمل الحكاية كما في قصيدة تنيسون "سيدة شالوت"، أو قصيدة ميلن "كريسماس الملك جون"، وحتى في الشعر العربي كما في قصيدة هيثم "غبار السباع".
تتفوق الرواية على الدراما في منظورها للشخصية، فالرواية تستطيع تقديم الشخصية من الداخل والخارج بكفاءةٍ تفوق تلك التي في مُستطاع الدراما، وتعدد ضمائر السرد فيها يُتيح للروائي حُريةً أكبر في كشف شخصيته للقارئ بالصورة الأمثل. ويزيد من امتيازها التزام المسرح بوحدات أرسطو الثلاث – وحدة المكان، الزمان، الحدث – بينما تمتلك الرواية كامل الحُرية في تشظية الزمان والمكان إلى ما لا نهاية – نظرياً –، وفي تقسيم الحدث أو عرضه من وجهات نظرٍ مختلفة، وبضمائر سرد مختلفة. كما أن الرواية – دون حياء – تستعير الحوار من الدراما لتقتبس أقوال شخصياتها كما هي. غير أن الواقع يؤكد أن المسرح لم ينتظر الرواية لتُحلق بعيداً حاملةً كُل ما يخصه، فأعاد – كالشعر – اختراع نفسه، ولم يعد محكوماً بالوحدات الأرسطية، أو بحواجز الخشبة، وأضاف إلى تراث شخصياته المزيد دون توقف، وتعددت أساليبه ومدارسه وحركاته دون أن يفقد هيئته الأساسية، ودون أن يستطيع أحدٌ أن يقول – بضمير مرتاح – أن مسرحيات اليوم لا شأن لها بالمسرحيات الإغريقية التي أُديت في أثينا قبل الميلاد. بينما تكاد الرواية تكون ابنة عاقة للتقاليد الأدبية السردية التي سبقتها، كالقصة والخُرافة والرومانس.
تمتص الروايةُ داخلها كُل الأشكال الفنية الأُخرى دون أن تفقد هيئتها الروائية، وفي هذا امتيازٌ هائل تكاد تنفرد به وحدها، لكنها لا تُلغي أي شكلٍ آخر، ولا تحدُ من آفاقه، فما الذي يحمل النقاد وأشباههم على إعلانه زمن الرواية بامتياز؟ ويجعل بعض عتاتهم يضيفون أنه زمن موت الشعر والأشكال الأدبية الأخرى – بالتوازي –؟
وبافتراض أنه زمن الرواية فعلاً، فهل حقق المنجز النقدي العربي شيئاً استثنائياً في نقد الرواية يؤيد هذا الاعتقاد؟!.. النقد في تراجع مستمرٍ، والتجديد فيه متوقف إلى أجلٍ لا يعلمه إلا الله، فكيف يُمكن أن تكونُ هُناك نهضة روائية بوجود روايات دون متونٍ نقدية؟!..
الحُجة الوحيدة شبه المُقنعة التي يستطيع أن يسوقها دُعاة زمن الرواية هي أرقام مبيعات الروايات التي تتفوق دائماً على مبيعات الشعر والمسرحيات وغيرها من الأشكال الأدبية. لكن، هل ما يبيع حقاً روايات؟
باستثناء أسماء مثل نجيب محفوظ وغارسيا ماركيز وأليندي ممن يبيعون كثيراً دون أن يؤثر ذلك على قيمة رواياتهم الفنية، فإن الرائج في سوق النشر بيع خيالاتٍ طويلة يسمونها رواياتٍ مجازاً، بينما لا تتجاوز في الحقيقة كونها قصصاً Fiction تفتقد إلى العُمق الذي يُفترض أن تحتويه الرواية، وإلى المعاني والمباني التي تُكون جوهرها وماهيتها. ما يكتبه دان براون يبيع بشكلٍ خيالي، لكن، هل ما يكتبه رواية Novel أو Fiction مُعاد مراراً وتكراراً؟ الأمرُ لا يحتاج إلى تأمل، فبراون مفضوح لأنه يجتر ما يكتبه وفق خطةٍ محفوظة تفتقد العُمق الإنساني بشكلٍ مخزٍ. (ومع ذلك، هُناك من يعتبر شيفرة دافنشي كتاباً حوى كُل حكمة العالم، وأعرف منهم جبلاً كثيراً). يوجد كتابٌ آخرون يصعب فضحهم مثل باولو كويلهو الذي يُعامل بقداسة شديدة في العالم العربي، مع أن أنغيلا شرويدر، المحررة الأدبية النمساوية صُعقت عندما قُلت لها أنني من قُراء كويلهو. كويلهو بالنسبة لنقاد الأدب الأوروبيين – الذين يتذمر منهم بشدة في روايته الزهير – Charlatan أو دجال يدعي أنه يستطيع تحويل الرصاص إلى تبر. هُناك قدرٌ من الإنجاز في روايته، الخيميائي، لكن بقية رواياته تدور في نفس الفلك، وتعزف على ذات الوتر. تجربته الروحية مع الجماعة الغريبة التي ينتمي إليها عدا استثناءات – أراها – تظهر في الشيطان والآنسة بريم وفيرونيكا تُقرر أن تموت، التين يعتبرهما مع على ضفة نهر بييدرا جلستُ وبكيت ثلاثية يُسميها: في اليوم السابع. الروايتان السابقتان متأثرتان بالفكر الديني، خصوصاً الشيطان والآنسة بريم، لكنهما لا تتحدثان عن الطوائف العجيبة التي يحشرها كويلهو كُل مرة. وفي الشيطان والآنسة بريم حضورٌ للواقعية السحرية يُذكر بلاتينية كويلهو. هُناك أيضاً إحدى عشرة دقيقة، لكنه يملأ الرواية بأبحاثٍ واستنتاجات وينسى أن الرواية في بُنيتها الأساسية حكاية، وليست استعراضاً لمعارف الروائي وقدراته البحثية. وعليه، فحتى استثناءاته تُعاني من خللٍ خطير، فالمرء لا يستطيع أن ينسى باولو كويلهو بعد الصفحة الأولى لأنه يقفز بين الصفحات ويقول لك كُل وقت: "أنا هُنا!" – أعرف، بالمناسبة، المقابل العربي لكويلهو لكنني سأحتفظ بالاسم حتى يأذن الله. –
بسقوط حُجة المبيعات، ينبغي العودة إلى الأصول. إلى النقاد الذين ينبغي أن يكفوا عن وظيفة مندوب مبيعات المصطلحات الجديدة في العالم العربي الذي يُروج سلعاً قد لا يفهم حتى فائدتها، وكُل ما يهمه (عمولته) التي يقبضها عن مبيعاته، ليعودوا إلى وظيفتهم الأصلية، مفكرين يصوغون – بالملاحظة والتحليل – القواعد النظرية المُجردة للبُنى والمعاني الأدبية ثُم يُنشئون عليها تطبيقاتهم العملية، ومراقبين دقيقين لتطور التجربة الأدبية، ومؤرخين لها. عندها فقط، سيكون للحديث عن زمن الرواية معنى فعلي، وقد يسقط هذا المجاز سقوطاً مدوياً بعد أن يُدرك النُقاد أنه محض فقاعة.

الخميس، ١ مايو، ٢٠٠٨

ينبغي أن يموت قيصر

ينبغي أن يكون موته.
لا أعرف سبباً خاصاً لأكرهه، غير
أنه الخير العام. سيتوج.
كيف سيغير هذا طبيعته، هُنا السؤال.
سطوع النهار يُخرج الأفاعي التي
تُجبر الماشي على الحذر. نتوجه؟
وعندها، أشهد، سنضع فيه السم
الذي سيضر به.
تُمتهن العظمة حين تُفرق الندم عن السلطة،
ولأقول الحقيقة عن قيصر،
لم أعرف أن عاطفته حكمته أكثر من عقله.
لكن هذا عرفٌ شائع،
لأن الوضاعة سلم الطموح المبتدئ،
حيث يولي الصاعد وجهه.
وحين يصل إلى الحد الأقصى،
يولي سُلمه ظهره، ينظر في السحاب
ساخراً من درجات القاعدة التي
ارتقى عليها. وذلك، قد يفعله قيصر.
إلا إذا منعناه. هذا النزاع لا يُلون،
لأنه، وهو ما يكونه، متضخماً
سيصل إلى الحدود القصوى.

لذا، أراه بيضة ثعبان،
ستكبر– إذا فقست – شريرة، كنوعه.
وسأقتله في قشرته.