(ترجمة لمقالٍ في مادة وظائف اللغة)من موقعه في قمة الأشكال الأدبية، تحول الأدب - تدريجياً - إلى تعبيرٍ لغويٍ ناءٍ لا يخاطب غير الشاعر ومن وُجِهَت القصيدة إليهم من أصدقائه – غالباً –، ولا يؤثر في سواهم. أوجدت المسافة بين الشعر والناس وضعاً حرجاً فقد فيه الشعر تبرير بقائه في الزمن المعاصر.
الشعر والعامة:تنص المقولة العربية على أن "المعنى في بطن الشاعر"، وطبقاً لهذه العبارة، فلا أحد يستطيع أن يستشعر المعنى الحقيقي للقصيدة على الإطلاق، وفي الزمن المعاصر، أساء الناس إلى هذه الفكرة بتطبيقها على معظم الشعر العربي – والأجنبي في السياق ذاته – نائين بأنفسهم عن التأمل في المعاني بتقدير الاستخدام المفرد للكلمات المجوفة. يتفادى الناس الشعر كمادة للقراءة لكنهم لا يستطيعون تفاديه كجزء من حيواتهم.
لا يوجد حفلٌ رسمي أو مهرجان يُقام دون أن يكون الشعر جزءاً منه في العالم العربي، ما يجعل الشعر – شعر المناسبات في هذه الحالة – حاضراً دائماً في حيوات الناس. وحول العالم، لا يوجد طالبٌ لم يعانِ محن شعره الأصلي في المدرسة، أو المحنة الأعظم في الواجبات المدرسية التي تتطلب كتابة قصيدة.
كل امرئٍ يملك فكرة ثابتة، لكنها مغبشة، عن الشعر. الشعر "كلامٌ موزون مقفى" كما يقترح تعريف له. يفتقد هذا التعريف شيئاً ما، لذا يضيف الناس عادة: يحتوي على أفكارٍ، أخيلة شعرية، ومعاني عليا معيدين صياغة معتقد كون الشعر أعمق بكثير من مجرد كلماتٍ موزونة مقفاة، ومحاولين البقاء في الجانب الآمن متبعين تعريفاً ناقصاً عوض الضياع في فوضى الأشكال الأدبية غير المعرفة.
التعريف اللغوي للشعر:في العربية، غالباً ما يُربط بين كلمة "شِعْر" وما يختلج في الوجدان من أحاسيس وانفعالات، مع أن الكلمة مأخوذة من جذر لغويٍ بمعنى فطِن أو علِمَ كما جاء في لسان العرب:
والشِّعْرُ منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإِن كان كل عِلْمٍ شِعْراً من حيث غلب الفقه على علم الشرع، والعُودُ على المَندَلِ، والنجم على الثُّرَيَّا، ومثل ذلك كثير، وربما سموا البيت الواحد شِعْراً؛ حكاه الأَخفش؛ قال ابن سيده: وهذا ليس بقويّ إِلاَّ أَن يكون على تسمية الجزء باسم الكل، كقولك الماء للجزء من الماء، والهواء للطائفة من الهواء، والأَرض للقطعة من الأَرض.
وقال الأَزهري: الشِّعْرُ القَرِيضُ المحدود بعلامات لا يجاوزها، والجمع أَشعارٌ، وقائلُه شاعِرٌ لأَنه يَشْعُرُ ما لا يَشْعُرُ غيره أَي يعلم.
وشَعَرَ الرجلُ يَشْعُرُ شِعْراً وشَعْراً وشَعُرَ، وقيل: شَعَرَ قال الشعر، وشَعُرَ أَجاد الشِّعْرَ؛ ورجل شاعر، والجمع شُعَراءُ.
ويقال: شَعَرْتُ لفلان أَي قلت له شِعْراً؛ وأَنشد: شَعَرْتُ لكم لَمَّا تَبَيَّنْتُ فَضْلَكُمْ على غَيْرِكُمْ، ما سائِرُ النَّاسِ يَشْعُرُ ويقال: شَعَرَ فلان وشَعُرَ يَشْعُر شَعْراً وشِعْراً، وهو الاسم، وسمي شاعِراً لفِطْنَتِه.
بينما تأتي كلمة Poetry بالإنكليزية من الجذر الإغريقي poiesis بمعنى "الصُنع" أو "الخلق". خاصية الصنع تُعلِم الحصول على مادةٍ جديدة من أشياء مختلفة قد لا تكون مرتبطة ببعضها، بينما الخلق مرتبطُ بتكوين شيء لم يكن موجوداً من قبل أبداً. ويقترح المعنيان – في العمق – معنى المعرفة كما تقترحه الكلمة العربية.
الصنعة واحدة من خصائص الشعر، فصناعة قصيدة لا تتطلب الموهبة فقط، بل أيضاً الصنعة الجيدة أو الحرفة. اعتاد الشعراء على القول أن بيتين من القصيدة – أو بيت واحدٌ حتى – إلهامُ علوي، وبقيتها نتيجة التفكير والحرفة. إدراك عنصر الحرفة في الشعر قديم جداً، وأحد الأمثلة المشهورة عليه مناظرة أبي الطيب المتنبي مع سيف الدولة الحمداني حول بيتين قالهما الأول في مدح الأخير:
وقفت وما في الموت شكٌ لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
ووجهك وضاحٌ وثغرك باسم
فاعترض سيف الدولة على ترتيب البيتين، مقترحاً ترتيبهما ترتيباً آخر:
وقفت وما في الموت شك لواقف
ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
كأنك في جفن الردى وهو نائم
فرد عليه المتنبي بمحاججته المشهورة حول صنعة الشعر:
أصلح الله الأمير. إن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك، فأنا لما ذكرت الموت في أول البيت اتبعته بذكر الردى ليجانسه، ولما كان وجه الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً، وعينه باكية فجمعت بين الأضداد في المعنى، وإن لم يتسع اللفظ لجميعها.
يذكر القرآن هذا العنصر في الشعر عندما يدفع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم الاتهامات بكونه شاعراً في سورة ياسين: "وما
علمناه الشعر وما ينبغي له". التعبير المستخدم هو "التعليم" وليس "الإلهام"، ولم يعترض العرب وقتها على هذا التعبير، ما يعني أنهم يتفقون مع القرآن حول حقيقة كون الشعر صنعة المعرفة.
القرآن والشعر:بلاغة القرآن هي المعجزة التي لم يستطع العرب إنكارها أو تحديها، فكانت هجماتهم المتواصلة على القرآن دعوته شعراً كتبه النبي. في العصر الجاهلي، لم يكن الشعر الشكل الأدبي الوحيد المعروف، فقد عرف الجاهليون النثر والخطابة ورواية الحكايات، ومع ذلك، اعتبروا القرآن شعراً رغم أنه مكتوبٌ بطريقة شبه نثرية. أجبرهم على ذلك تعبيره اللغوي، رغم أن الصيغة الشعرية الوحيدة التي عرفوها واعتمدوها للشعر وقتها كانت العمود فقط، ورغم أن القرآن احتوى التعاليم الإلهية، وأخبار الأمم الغابرة، بينما كان شعرهم غنائياً وتعبيراً عن الصوت الواحد للشاعر.
بالقطع، ليس القرآن شعراً، ومع ذلك أعطانا الكفار نظرة إلى جوهر الشعر كتعبيرٍ فني لا يلتزم بهيئة أو بنية. فرقوا بين البنية والجوهر قبل ألفٍ وخمسمائة سنة، وقرروا نهائياً أن الشعر ليس أبيات العمود، وأنه ليست كل أبيات العمود شعراً.
الشعر والنظم:يشيع معتقدٌ أن كُل شيء عند العرب يمكن أن يُقال شعراً، لذلك يمكن أن توجد قصائد في مواضيع مختلفة كالرياضيات والنحو والفلسفة والكيمياء. في الواقع، منذ أن فرق الكفار بين بنية الشعر وجوهره، واصل العرب هذا التفريق بالفصل الواضح بين ما هو شعر وما هو (نظم). واحتل الشعر المرتبة العليا فوق النظم الذي عُني به تقديم المادة المدروسة بطريقة سهلة للطلاب، لذا كانت هناك أبياتٌ في كل فرعٍ من المعرفة ساهم فيه العرب، ولم يعتبروا هذه الأبيات شعراً وقتها، لكنها الآن تُحسب شعراً بشكلٍ خاطئ.
أغراض الشعر العربي القديم وقيمته الجمالية:كان الشاعر، في معظم الثقافات، وزير إعلام قبيلته، وكل قصائده كانت بيانات تمجد القبيلة وتعكس علاقاتها مع القبائل الأخرى. كان المسجل لتاريخها، والمنشد الذي ينشد أفعال أبطالها.
تمجيد النفس والقبيلة كان الغرض الرئيسي لمعظم الشعر العربي القديم – مختلطاً بأغراض أخرى-، وخدم هذا القبيلة سياسياً، غير أن مرور الزمن حرم الشعر العربي القديم من قيمته السياسية، وأبطل غرضه في الفخر. ومع ذلك، بقي الشعر لقيمته الجمالية.
تفوق القيمة الجمالية على الغرض المباشر للشعر ثبت مبكراً في التاريخ العربي. مثالٌ شهير وممتازٌ على هذا يرد في قصيدة (البردة) الشهيرة التي مدح فيها كعب بن زهير النبي فخلع بردته ووهبه إياها. اعترض بعض النقاد على شهرة القصيدة باعتبار أنها لم تركز على المدح، غرضها الرئيسي، بل على محبوبة الشاعر وفكرة الرحيل. تعدد أغراض القصيدة واختلافها أضعفها كما يقولون، لكن ما ينبغي ملاحظته هنا هو أن النبي لم يقدر غرض القصيدة، المدح المجرد، وإلا كان كافأ كل من مدحه، لكنه قدر القيمة الجمالية لقصيدة كعب على وجه الخصوص.
في سياقٍ مشابه، مدح علي بن الجهم الخليفة المتوكل بقصيدة يقول فيها:
أنت كالكلب في وفائه
وكالتيس في قراع الخطوب
أراد أفراد حاشية الخليفة معاقبة الشاعر الجاهل، لكنه منعهم وسمح له بالإقامة في الرصافة ليطور حسه الجمالي، ولاحقاً كتب علي بن الجهم:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
خليلي ما أحلى الهوى وأمره!
أعرفني منه بالحلو وبالمر!
لم يمدح الخليفة في قصيدته، لكنه فضلها مع ذلك لأن القيمة الجمالية تفوق أي غرضٍ مباشرٍ للقصيدة.
الشعراء باعتبارهم الشخصيات الأدبية المهيمنة في اللغة:لا تحتاج حقيقة أن أكثر الشخصيات الأدبية هيمنة في أي لغة هم الشعراء للذكر. يمكن أن يُفهم هذا في الزمن الماضي حين كان الشعراء من يسجلون التاريخ. كان على هوميروس أن يكون المهيمن على أدب اليونان لأنه حقق للثقافة اليونانية ما لم يحققه سواه.
ليس العامل التاريخي الوحيد الذي أسس لهيمنة الشعراء، فشعراء كالمتنبي لم يكونوا مسجلين لأي تاريخ، ولم يهتموا به، ومع ذلك فإن المتنبي هو شاعر العربية كما يُقال، ومثله لوركا في الإسبانية، وطاغور في البنغالية، وبوشكين في الروسية، وحافظ في الفارسية، وشكسبير في الإنكليزية. وجدير بالملاحظة أن معظم الشعراء المذكورين قُتِلوا.
ارتقى الشعراء ليصبحوا ضمير الأمم، وبقي هذا دورهم لفترة طويلة قبل أن يتحول الشعر إلى اهتمامٍ أكاديمي مجرد. وضع الشعر الحالي لا يعني أن الشعراء تخلوا عن كونهم ضمير العالم لأنهم مازالوا العارفين والرائين لما لا يستطيع الآخرون معرفته أو رؤيته، والصوت الأعلى للحقيقة. كان البردوني من تجرأ على تذكير الثوار بأن ثورتهم قد انحرفت عن مسارها مبكراً جداً في العيد العاشر للثورة حين قال:
أيها الآتي بلا وجهٍ إلينا
لم تعد منا ولا ضيفاً لدينا
غير أنا.. يالتزييف الهوى!
نلتقي اليوم برغمي رغبتينا
ولم يلتزم الشعراء بدورهم كثوارٍ سياسيين، لكنهم بقوا العارفين بأحوال الإنسان في أوجه الوجود المختلفة، وبلغتهم الشعرية حولوا الاعتيادي والمألوف إلى أكثر اللحظات أبدية ليعبروا عن تشوش وشجن الإنسان أينما كان، كما في قصيدة محمد حسين هيثم: "بانتظار الملاك على الأرصفة":
رحلوا
لم يجدوا ما يفي بارتحالاتهم من قبور
ما سيكفي لموتٍ كثير كهذا
ما سيكفي لموتى كثار.
الشعر في الدراما:قيل مراراً وتكراراً أن الشعر على ألسنة الشخصيات الدرامية صناعي لأنه لا أحد يتحدث شعراً في الحياة الواقعية. وفي بعض الثقافات، انهار المسرح الشعري بكامله كما حدث مع المسرح الشعري العربي الذي حاول أحمد شوقي إنشاءه. ولم يكن رفض الجمهور للشعر بحد ذاته، بل لصيغة الشعر العمودي التي اختارها شوقي، لأن العمود العربي يتطلب حرفة وصنعة تفوق تلك التي يتطلبها شعر التفعيلة الذي كتب به مارلو وشكسبير في الإنكليزية مثلاً، وهذه الحرفة الظاهرة هي ما دمر التواصل بين الجمهور والشخصيات.
الدراما إعادة تمثيل لفعل مكتمل، وهذا الاكتمال في الفعل يسمح باكتمالٍ مماثلٍ في اللغة. ليس غرض الدراما كسر الحاجز بين الجمهور والشخصية لأن الأحداث الدرامية أكبر في مقاييسها من الحياة. الدراما مكتملة وخالدة، على عكس الحياة.
عبر التاريخ، كان للشعر سقطات ونهضات، وفي هذا الزمن خبا نور الشعر قليلاً، لكن هذا لا يعني، بأي شكلٍ من الأشكال، أنه فقد تبريره، وأن صنعته باتت كاسدة.