لا مناص!
كلما قررت التوقف عن الكتابة عن المستعمرة، يحدث فيها ما يعيدني إلى الكتابة عنها.
ذات صباحٍ صيفي جميلٍ في المستعمرة، كنا نناقش موضوعاً لا يصلح للحديث الاجتماعي الودي: تقرير كرتز عن إخضاع المتوحشين في إفريقيا الواقع في سبعة عشر صفحة من البلاغة المعجزة المنتهية بعبارة: "أبيدوا جميع المتوحشين". ذكرتني عبارة كرتز بأفكار سلفه المستعمر الأوروبي روبنسون كروزو الذي فكر هو الآخر في إبادة المتوحشين بالبارود قبل أن يكتشف أن باروده لا يكفي، ويقرر أن يسامحهم كأي (مسيحي صالح). - بالحديث عن كروزو، كنت قد تحدثت سابقاً عن منهج اللطف في النقد. - فأشرت إلى التشابه في الموقف، وإلى كون كروزو سلف كرتز، ولم أحلم بالرد الذي تلقيته أبداً!
!I LOVE Robinson Crusoe
طيب، وما شأني؟
لا! لا يُمكنك قول شيء مريع كهذا عن روبنسون كروزو! أنا أحب روبنسون كروزو! لقد كتبت ورقة عن روبنسون كروزو!
ما شأن الحب بالنقد الأدبي؟
ليس في النقد حبٌ أو كره، فهذان يحولان النقد من مساقه كتقييم موضوعي إلى مجرد شذراتٍ ذاتيةٍ لا تضيف شيئاً إلى التجربة الفكرية لمتلقي النص النقدي، أو حتى لمنتج النص النقدي نفسه. قد يحدث أن يحب المرء شعر وووردزوورث ويمقت شعر إليوت، لكن عليه - حين يتصدى لمهمة النقد - أن (يُعقلن) أحكامه، وأن يعطي كل ذي حقٍ حقه. وإذا لم يشأ الناقد أن يقوم بمهمة النقد الموضوعي، فإن عليه أن يعي أن هُناك آراء كثيرة غير رأيه، وأن يتقبل فكرة الإختلاف. لا أن يرفض أن يقول أحدهم عن كروزو إنه مراءٍ يستخدم الدين لمصلحته الخاصة، لمجرد أنه يحب كروزو.
على أن لمنهج النقد الحُبي فوائد، فإذا لم يعجبني رأيٌ في فاوست أو خوفينال أوربينو، فإن كل ما علّي أن أقوله لأرفضه - الرأي الآخر - جملةٌ وتفصيلاً من دون أي عناء لدحض الحجج المقدمة:
بحبه يا بابا!
كلما قررت التوقف عن الكتابة عن المستعمرة، يحدث فيها ما يعيدني إلى الكتابة عنها.
ذات صباحٍ صيفي جميلٍ في المستعمرة، كنا نناقش موضوعاً لا يصلح للحديث الاجتماعي الودي: تقرير كرتز عن إخضاع المتوحشين في إفريقيا الواقع في سبعة عشر صفحة من البلاغة المعجزة المنتهية بعبارة: "أبيدوا جميع المتوحشين". ذكرتني عبارة كرتز بأفكار سلفه المستعمر الأوروبي روبنسون كروزو الذي فكر هو الآخر في إبادة المتوحشين بالبارود قبل أن يكتشف أن باروده لا يكفي، ويقرر أن يسامحهم كأي (مسيحي صالح). - بالحديث عن كروزو، كنت قد تحدثت سابقاً عن منهج اللطف في النقد. - فأشرت إلى التشابه في الموقف، وإلى كون كروزو سلف كرتز، ولم أحلم بالرد الذي تلقيته أبداً!
!I LOVE Robinson Crusoe
طيب، وما شأني؟
لا! لا يُمكنك قول شيء مريع كهذا عن روبنسون كروزو! أنا أحب روبنسون كروزو! لقد كتبت ورقة عن روبنسون كروزو!
ما شأن الحب بالنقد الأدبي؟
ليس في النقد حبٌ أو كره، فهذان يحولان النقد من مساقه كتقييم موضوعي إلى مجرد شذراتٍ ذاتيةٍ لا تضيف شيئاً إلى التجربة الفكرية لمتلقي النص النقدي، أو حتى لمنتج النص النقدي نفسه. قد يحدث أن يحب المرء شعر وووردزوورث ويمقت شعر إليوت، لكن عليه - حين يتصدى لمهمة النقد - أن (يُعقلن) أحكامه، وأن يعطي كل ذي حقٍ حقه. وإذا لم يشأ الناقد أن يقوم بمهمة النقد الموضوعي، فإن عليه أن يعي أن هُناك آراء كثيرة غير رأيه، وأن يتقبل فكرة الإختلاف. لا أن يرفض أن يقول أحدهم عن كروزو إنه مراءٍ يستخدم الدين لمصلحته الخاصة، لمجرد أنه يحب كروزو.
على أن لمنهج النقد الحُبي فوائد، فإذا لم يعجبني رأيٌ في فاوست أو خوفينال أوربينو، فإن كل ما علّي أن أقوله لأرفضه - الرأي الآخر - جملةٌ وتفصيلاً من دون أي عناء لدحض الحجج المقدمة:
بحبه يا بابا!

2 التعليقات:
حديثك عن النقد الأدبي وضرورة أن يتسم بالموضوعية وإعطاء كلّ ذي حقّه صحيح ولا غبار عليه.
وبالمناسبة، قرأت روبنسون كروزو منذ سنوات عديدة. لم أر فيها أكثر من رواية جميلة ومشوّقة.
لكن في بالي سؤال.
ترى هل كان في ذهن دانييل ديفو كلّ هذه الأمور، التي يذكرها بعض النقاد، عندما كتب الرواية؟ اقصد هل أراد من ورائها فعلا أن تكون دعوة مقنّعة لإبادة البدائيين والمتوحّشين؟
الظاهر أن البريطانيين استخدموا ديفو رمزا لحملاتهم الاستعمارية في غير مكان. فهل كان هذا مبتغاه فعلا من وراء كتابتها؟
قد يكون هذا مجرّد احتمال لا أكثر. الغريب أنني عندما قرأتها تصوّرتها تجربة لإنسان كان يحاول مصارعة الخطر من اجل البقاء. كان كروزو ذا إرادة صلبة وعزيمة قويّة واستطاع في النهاية أن يتكيّف مع الطبيعة وان يطوّعها لمصلحته لكي يبقى على قيد الحياة.
طبعا قلت إنني قرأت الرواية منذ زمن. لكن من يدري، لو أنني قرأتها اليوم لاستنتجت أمورا أخرى مختلفة.
وعلى كلّ فالموضوع جميل ويثير الأسئلة كما هو الحال مع مواضيعك الأخرى الرائعة.
مع خالص مودتي.
بروميثيوس
مرحباً بك بروميثيوس..
تعليقاتك الرائعة تغني النقاش دوماً وتفتح آفاقاً جديدة للأفكار. جميلٌ ما طرحته وما سألته عن روبنسون كروزو.
حكاية ضياع روبنسون كروزو وتشرده في الطبيعة مثيرة للاهتمام، لكن ديفو يغرق في تأملات كثيرة حول طبيعة العالم حتى أن الحبكة تضعف، ويُصبح ممكناً القفز فوق فصولٍ بكاملها من دون أن تتأثر الحكاية.
فيما يتعلق بتساؤلاتك الهامة، فالفن حمال أوجه دائماً. قراءتك للرواية صالحة تماماً، فروبنسون كروزو رمزٌ لصراع الإنسان ضد الطبيعة وإرادة البقاء. غير أنه أيضاً رمزٌ لأمور أخرى.
سأخرج عن إطار [روبنسون كروزو] لأتحدث عن سوفوكليس و[أوديب ملكاً] كمثال. حين كتب سوفوكليس مأساته قبل آلاف السنين، لم يضع في ذهنه قارئ مسرحيته أو مشاهدها في القرن الحادي والعشرين. لكننا لا نزال نقرأ [أوديب ملكاً] أو نشاهدها تُمثَلُ إن استطعنا. نحن نعي مكان [أوديب ملكاً] في التقليد المسرحي الإغريقي، وعلاقتها بالأساطير، وإطارها الزمني المتعلق بزمن سوفوكليس نفسه. لكن المسرحية تخرج عن إطار زمن الكتابة إلى الأزمنة المعاصرة، بحيث يُصبح من الممكن قراءتها وفقاً لزماننا، مما يجعلها مرتبطة بالتكوين الإنساني، وجزءاً من الوعي الجمعي للإنسانية. بينما لو حُصرت قراءتها بظروفها التاريخية، لكان من الصعب أن تصبح جزءاً من نسيج زماننا هذا.
الأمرُ ذاته ينطبق على [روبنسون كروزو] ودانييل ديفو. ديفو ابن عصره، والتساؤلات التي تشغل روبنسون كروزو إشكاليات القرن الثامن عشر: صعود الطبقة الوسطى، علاقة الدين بالمجتمع، الفردية، دور الرجل الأبيض في المجتمعات البدائية - الذي سيسميه رودريارد كبلنغ لاحقاً "عبء الرجل الأبيض"، ومفهوم العلاقة بين الإنسان والرب.
رُبما لم يقصد ديفو مباشرة أن يرمز روبنسون كروزو للاستعمار، لكن الكاتب ليس السلطة المخولة بالحديث عن العمل، فإذا أعطى الكاتب رأياً في عمله، فإنه مجرد رأيٍ نقدي غير ملزم كبقية الآراء، ويُمكن نقضه. مع الثورة الصناعية وبدء مرحلة الاستعمار، دخلت [روبنسون كروزو] الفكر الإنساني من حيث علاقتها بالمواقف الاستعمارية. روبنسون كروزو الذي يتحدث دوماً عن حاجته إلى الرفقة البشرية لا يستعلم حتى عن اسم فرايدي، ويسميه كذلك مباشرة، ثم لا يعلمه ان اسمه روبنسون كروزو، بل يعلمه أنه: "السيد". روبنسون كروزو يفر مع صبي مغربي من قبضة القراصنة ومن ثم يبيع صديقه المغربي كعبد، لأنه مغربي ضال - غالباً مسلم - من دون أدنى بادرة ندم، إلا حين احتاج ليدٍ عاملةٍ معه في الجزيرة، تبددت حين عثر على فرايدي.
حين صادف كروزو البدائيين لأول مرة وتجسس عليهم، كان قراره أن يحفر حفرة كبيرة ويملأها بالبارود والديناميت لينسفهم جميعاً في عملية إبادة شاملة، ثم حين اكتشف أنه لا يملك باروداً كافياً للقيام بالمهمة، عدل عنها. بعدها قرر أن يُبرر عمله بالعودة إلى الإنجيل والتسامح. الإنجيل علامة هامة، فكروزو يحتل الجزيرة بشيئين السلاح والإنجيل، كما فعل المستعمرون في الأمريكيتين وإفريقيا وآسيا حينما استخدموا الدين لمُباركة أفعال البندقية.
كروزو مراءٍ لأنه يستخدم الدين لتبرير أفعاله التي تفتقد إلى الروح الأخلاقية، كما أنه يقيم علاقاته بالرب بميزانٍ تجاري يحسب الخسائر والأرباح حساباً دقيقاً. حين جاء آخرون إلى الجزيرة لم يعاملهم كروزو كإخوة - كما ادعى مراراً أنه سيفعل - وإنما عاملهم كرعايا في مملكته وظيفتهم المساهمة في استمرار ثرائه - خصوصاً وأن غلة الأرض والماشية زادت عن حاجة كروزو فيما بعد -. صحيح أن كروزو هو الذي بدأ استغلال موارد الجزيرة - كما فعل المستعمرون - لكن الإبقاء على موارد الجزيرة لنفسه حارماً منها الآخرين - ومنهم سكانٌ أصليون كفرايدي وأبيه - واستعباده لهم ليعملوا عنده لزيادة ثروته الخاصة كان فعلاً استعمارياً بامتياز.
المستعمر ليس فقط من يقفز على ظهر مركبٍ أو طائرة ويذهب إلى بلاد الآخرين. المستعمر أيضاً من يبرر استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، واضطهاده له. المستعمر من يقول إن على الرجل الأبيض عبئاً تجاه الشعوب الأخرى - محو ثقافتهم، طبعاً. من يقول إن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعود إلى الزمن الإستعماري لأن التاريخ أثبت أن الشرق الأوسط لا يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه.
كلامك صحيح، كل قراءةٍ جديدة للعمل تقود إلى استنتاجات جديدة. فالنصوص أحادية الأبعاد لا تصلح لأن تكون أدباً.
أشكرك لتعليقك الجميل والغني، وللأسئلة التي أثرتها كعادتك الرائعة.
تحياتي القلبية..
إرسال تعليق