يُقال - والعهدة على الراوي - أن مناطق عربية بأكملها لا تذكر كلمة امرأة ومشتقاتها إلا مردفة بتعبير: أعزكم الله، الذي يُستخدم لتنزيه المُستمع عما يُستقذر من أشياء وأفعال كالأحذية والحمامات وما يتعلق بها. ونتيجة لهذا التفكير المُعادي للمرأة، لا يزال أغلب نقاد الأدب مختلفين حول ماهية (الأدب النسائي) - قبل أن يتفوق عليهم الجيل الجديد من رواد الإنترنت ليُناقشوا ماهية (الأدب الذي يُسمح للمرأة بقراءته) - حيث تنطلق فرضية هؤلاء الأساسية من كون المرأة كائناً مُعاقاً فكرياً لا يستطيع القراءة والإبداع، وعليه فإن أي إنتاجٍ لهذا الكائن غير القادر على التفكير يوضع آلياً في خانة القطع التي تكتبها القردة على الآلات الكاتبة لدراسة محتواه بمعزلٍ عن المسار العام للفكر الإنساني بوصفه شيئاً خارجاً عنه.
والتدوين - البدعة الجديدة - جزء من المسار العام للفكر الإنساني، وعليه فإن أي نزعاتٍ تدوينية نسائية يجب أن تُدرس بمعزلٍ عن الإطار العام للتدوين بوصفها عجائب كقصائد القردة على الآلات الكاتبة. لذا يستفسر الجميع: لماذا تدون المرأة؟ وما الذي أضافته إلى التدوين؟ ولماذا كثيرٌ من المدونات النسائية عبارة عن دفاتر شخصية؟
تفترض هذه الأسئلة - التي لا علاقة لها بروح التدوين - أن المدونات الرجالية - بالمقابل - (ترش) الفائدة رشاً على زوارها، وأن كُل قارئ للمدونات الرجالية سيجد الأجوبة على كُل شيء، ابتداء من سؤال البيضة والدجاجة، إلى نظرية كُل شيء التي يحاول علماء الفيزياء العثور عليها كما حاول الخيميائيون قبلهم إيجاد حجر الفلاسفة.
كذلك، تفترض هذه الأسئلة أن المدونين مجموعة من الأقلام في جوقةٍ واحدةٍ، وأن كُل مدونٍ مسؤول عن بقية المدونات، وعن الخط العام للتفكير عند المدونين الآخرين. وتعكس نزعاتٍ قمعية تجعل جميع المدونين عُرضة للمحاسبة على محتويات مدوناتهم، وعلى أجناسهم وأنماط تفكيرهم واهتماماتهم وهواياتهم، بل وحتى اختياراتهم للألوان في مدوناتهم. بحيث يُصبح الجميع مجرد خيوطٍ بنية مهترئة مترادفة في نسيج واحدٍ مدعٍ.
المضحك في الأمر النساء أنفسهن، فهُناك تعطشٌ شديد من قبلهن لأن يعترف الرجال بهن يجعلهن يوافقنهم على كُل ما يقولونه ويدعونه، ويجعلهن يتقبلن التهميش والإخراج من المسار الفكري العام للإنسانية بوصفهن حالاتٍ شاذة ينبغي أن تُدرس بمعزلٍ عما حولها معنونة بلافتة: تدوين نسائي. إنهن مستعداتٌ لأن يمسخن أنفسهن، ويُغيرن أفكارهن ومعتقداتهن، ويزن آراءهن دوماً بميزانٍ رجالي، فقط ليحظين بإشادة رجالية: "والأخت [فلانة] من خيرة المدونات التي يعتز بها التدوين النسائي [الإسلامي]".
التدوين فعلٌ فردي. والعلاقات القائمة في المجتمعات التدوينية علاقاتٌ مبنية على الاختيار والتكافؤ، لا على التصنيف والتجيير، وحشر البيض كله في سلةٍ واحدة اسمها التدوين النسائي.
قريباً جداً، سيُطالب كل عابرٍ في مدونةٍ بإبداء بطاقة هويته للمساعدة في تقديم كشف حساب: كم عدد زوار المدونات النسائية من الرجال والنساء؟ كم عدد زوار المدونات الرجالية من النساء والرجال؟
طبعاً، ينبغي على كُل امرأة أن ترتدي خمارها حين تدخل مدونة رجلٍ، ويا حبذا لو ارتدت قفازين وجاءت بمحرمٍ إلى جوارها. أما الرجال، فينبغي عليهم غض البصر، والاستئذان قبل الدخول. وبالتأكيد، ينبغي على الطرفين تجنب كتابة "هههههه" وإلا كان مصيرهم جهنم وبئس المهاد.
مرحباً بكـ(ـن) في القرن الحادي والعشرين.
والتدوين - البدعة الجديدة - جزء من المسار العام للفكر الإنساني، وعليه فإن أي نزعاتٍ تدوينية نسائية يجب أن تُدرس بمعزلٍ عن الإطار العام للتدوين بوصفها عجائب كقصائد القردة على الآلات الكاتبة. لذا يستفسر الجميع: لماذا تدون المرأة؟ وما الذي أضافته إلى التدوين؟ ولماذا كثيرٌ من المدونات النسائية عبارة عن دفاتر شخصية؟
تفترض هذه الأسئلة - التي لا علاقة لها بروح التدوين - أن المدونات الرجالية - بالمقابل - (ترش) الفائدة رشاً على زوارها، وأن كُل قارئ للمدونات الرجالية سيجد الأجوبة على كُل شيء، ابتداء من سؤال البيضة والدجاجة، إلى نظرية كُل شيء التي يحاول علماء الفيزياء العثور عليها كما حاول الخيميائيون قبلهم إيجاد حجر الفلاسفة.
كذلك، تفترض هذه الأسئلة أن المدونين مجموعة من الأقلام في جوقةٍ واحدةٍ، وأن كُل مدونٍ مسؤول عن بقية المدونات، وعن الخط العام للتفكير عند المدونين الآخرين. وتعكس نزعاتٍ قمعية تجعل جميع المدونين عُرضة للمحاسبة على محتويات مدوناتهم، وعلى أجناسهم وأنماط تفكيرهم واهتماماتهم وهواياتهم، بل وحتى اختياراتهم للألوان في مدوناتهم. بحيث يُصبح الجميع مجرد خيوطٍ بنية مهترئة مترادفة في نسيج واحدٍ مدعٍ.
المضحك في الأمر النساء أنفسهن، فهُناك تعطشٌ شديد من قبلهن لأن يعترف الرجال بهن يجعلهن يوافقنهم على كُل ما يقولونه ويدعونه، ويجعلهن يتقبلن التهميش والإخراج من المسار الفكري العام للإنسانية بوصفهن حالاتٍ شاذة ينبغي أن تُدرس بمعزلٍ عما حولها معنونة بلافتة: تدوين نسائي. إنهن مستعداتٌ لأن يمسخن أنفسهن، ويُغيرن أفكارهن ومعتقداتهن، ويزن آراءهن دوماً بميزانٍ رجالي، فقط ليحظين بإشادة رجالية: "والأخت [فلانة] من خيرة المدونات التي يعتز بها التدوين النسائي [الإسلامي]".
التدوين فعلٌ فردي. والعلاقات القائمة في المجتمعات التدوينية علاقاتٌ مبنية على الاختيار والتكافؤ، لا على التصنيف والتجيير، وحشر البيض كله في سلةٍ واحدة اسمها التدوين النسائي.
قريباً جداً، سيُطالب كل عابرٍ في مدونةٍ بإبداء بطاقة هويته للمساعدة في تقديم كشف حساب: كم عدد زوار المدونات النسائية من الرجال والنساء؟ كم عدد زوار المدونات الرجالية من النساء والرجال؟
طبعاً، ينبغي على كُل امرأة أن ترتدي خمارها حين تدخل مدونة رجلٍ، ويا حبذا لو ارتدت قفازين وجاءت بمحرمٍ إلى جوارها. أما الرجال، فينبغي عليهم غض البصر، والاستئذان قبل الدخول. وبالتأكيد، ينبغي على الطرفين تجنب كتابة "هههههه" وإلا كان مصيرهم جهنم وبئس المهاد.
مرحباً بكـ(ـن) في القرن الحادي والعشرين.

2 التعليقات:
طبعا ما ذكرته تحصيل حاصل. وللأسف أصبح هذا هو الوضع الطبيعي.
افهم أن يسعى الرجل إلى تكريس سلطته وتهميش دور المرأة ما أمكنه ذلك.
لكن ما لا افهمه ولا استطيع أن استوعبه أن تدافع بعض النساء باستماتة عن استبداد الرجال بل وان يهاجمن بنات جنسهن ممن نذرن أنفسهن وناضلن بشجاعة وما زلن من اجل نيل ولو الحد من حقوقهن وإنسانيتهن.
حدث هذا مرارا وما يزال يحدث.
والغريب أن هؤلاء الداعيات إلى استمرار عبودية المرأة وسلبها حرّيتها كثيرا ما يستشهدن بالدين وكأن هذا الذي يحدث من إذلال وتهميش لنصف المجتمع هو مما يأمر به الدين ويحثّ عليه.
بالأمس شاهدت بالصدفة فيديو يصوّر قيام أفراد من طالبان باكستان بجلد وتعذيب فتاة قاصر لأنها تعرّفت على فتى في مثل عمرها. ومن حسن الحظ أن اليوتيوب قام بحذف المقطع لكي لا تجرح مشاهد التعذيب الوحشي مشاعر الناس. وقال احدهم معلقا بشماتة: دعوا الناس يروا كم أن ديننا رحيم وإنساني.
أخوف ما أخافه أن أمام النساء مشوارا طويلا من النضال لردّ اعتبارهن وانتزاع حقوقهن. فما غرسته العادات والتقاليد والفتاوى المزعومة من أفكار وتصوّرات متخلفة ربّما لن يمحى من أنفس ووجدان الناس إلا بعد ألف سنة أخرى، اللهمّ إلا إذا حدثت معجزة وهذا احتمال بعيد.
تحياتي ومودّتي.
بروميثيوس
مرحباً بك، بروميثيوس..
أتفق معك في كل ما قلته، وأشاركك استغرابك من مواقف بعض النساء تجاه أنفسهن وبنات جنسهن. غير أن مواقفهن قد لا تكون خارجة تماماً عن طيف السلوك البشري. فغالباً ما يميل أي جنسٍ بشري مُنتَقَص الحقوق إلى رؤية نفسه بمنظور الجنس المسيطر، كما هو الحال مع البيض والسود، فالنظرة البيضاء قد حددت الهوية السوداء، وقسمت المجتمع الأسود، حيث أصبح هناك السود (المتبيضون) والسود (الجهلة) وكلاهما قالبان أنشأتهما ذهنية ترى نفسها وفق منظور الرجل الأبيض. الأمر ذاته حدث مع الإنكليز والهنود من قبل، حيث باتت الآداب الإنكليزية غاية المجتهد الهندي لأن الجنس الإنكليزي كان الغالب.
غير أنه قد حان الوقت لأن تزول الغمامة، فالعالم قد تقدم إلى القرن الحادي والعشرين، والإنسان الحديث قد أتم مليوني سنة على الأرض. فما هي فائدة التقدم البشري إذا كانت عُقد القرون السابقة وظلاماتها مستمرة حتى الآن من دون أن يتعلم الناس كيف يكونون أنفسهم ويصيغون هوياتهم الفردية؟
طبعاً، الدين أداة المستَعمِر والمُستعبِد، فليس أسهل من أن يقول المُستبد للناس إن أفعاله قضاء ممن لا رد لقضائه.
آلمني كثيراً الفيديو الذي ذكرته. بأي عقلٍ يُفكر أولئك؟ وكيف استُبدلَت قلوبهم بجلاميد؟ ليس هذا دينَ أي مخلوقٍ عاقل ليُعلق مُعلق بشماتة. رُبما كان البشر يتصرفون هكذا قبل عشرة آلاف سنة، لكن المرء يفترض أن عشرة آلاف سنةٍ من المدنية قد علمت الإنسان أنه إنسانٌ وليس وحشاً كاسراً.
أخاف ما تخافه، وتُخيفني كذلك الوصمة التي باتت تلحق كل من يطالب بحقوق المرأة: "الإباحية"، "العلمانية"، "العمالة"، "هدم المجتمع"، وطبعاً التهمة الأشنع والأكثر تكراراً: "المروق من الدين مروق السهم من الرمية" (!)
تحياتي القلبية..
إرسال تعليق