السبت، ٤ أبريل، ٢٠٠٩

ويليام ومود

مود غون
هناك من يقول إن الشعر الإنكليزي - والشعر العالمي - يدين بالكثير لامرأة إيرلندية جميلة وحادة الطباع اسمها مود غون، لسببٍ وحيد: رفضها الاقتران بعاشقها الأزلي ويليام بتلر ييتس. يقولون إنها لو وافقت على الاقتران به لحققت له السعادة، وحرمته من منابع شعره. بينما جعله رفضها له يعاني من فقدها، ويُعيد رسم ملامحها في كل قصائده، ويعاود طلب يدها بين حينٍ وآخر بين الرجاء واليأس، معلقاً بخيطٍ واهٍ من الأمل يذكي قريحته الشعرية ويجعل مود حاضرة في كل مفردة من مفردات وجوده.
كما يُفترض بالشعراء أن يكونوا، كان ييتس معارضاً لكل أشكال العُنف، لكنه انضم إلى الحركة الثورية الإيرلندية المتطرفة إرضاء لمود الثائرة المتطرفة التي تُحرك الجماهير بخطبها الهادرة في ساحات دبلن. بسبب مود، تعرف ويليام على قادة الحركة الثورية الإيرلندية الذين لم يكن يميل إليهم، وعايش عن قرب ثورة عيد الفصح التي تمحورت حولها قصيدته: "عيد الفصح، 1916"، وتكرر فيها السطر الذي أصبح دلالة على القرن العشرين فيما بعد:
"وُلِدَ جمالٌ رهيب"
في "عيد الفصح، 1916" يذكر ييتس أسماء بعض الثوار ويصفهم بأنهم أشخاصٌ عاديون لا يُثيرون أي انتباه محتفظاً بقسطٍ وافرٍ من الاحتقار لواحدٍ منهم: الرائد جون مكبرايد الذي تزوجته مود غون لأسبابٍ لا يعلمها إلا الله مفضلة إياه عليه (ويكرهه لأنه غريمه، ولإساءته لها ولابنتها - التي أنجبتها من اللا سلطوي الفرنسي لوسيان ميليفوي بشكلٍ غير شرعي - طوال السنوات الثلاث التي ظل فيها متزوجاً منها.) مع ذلك، يقول ييتس إن مكبرايد أيضاً تغير، وخرج من إطار العادي المبتذل ليصبح جزءاً من الجمال الرهيب الذي وُلد، خصوصاً بعد إعدامه.
بعد طلاق مود، تقدم ويليام مجدداً، لكن مود رفضته مجدداً، وأبقته دائراً في حلقتها التي كانت تدير مسرحاً. خلال تلك الفترة ركز ييتس على التراث الإيرلندي وإحيائه، وكتب عدداً من المسرحيات المرتبطة بالموروث الإيرلندي مكرساً إياها لحبيبته مود التي داومت على رفضه، قبل أن تنتقل إلى الإقامة في باريس لفترة من الزمن.
بقي ويليام مقيماً على حُب مود - مخففاً ارتباطه بالثوار الإيرلنديين خصوصاً بعد حملة الإعدامات بالجملة التي طالت قادة ثورة عيد الفصح. ولم تكن مود لتلومه، فويليام شاعرٌ خُلق لأشياء أخرى غير السياسة والسجن - وإن كانت له علاقات غرامية عابرة من وقتٍ لآخر. ظلت مود ملهمته التي خلدها في الكثير من قصائده، وكتب لها مسرحياته، وبلغ من حبه لها أن قال في قصيدته "آيداه يتمنى ثياب الجنة":
"فرشت أحلامي تحت قدميك،
فدوسي برفق،
لأنك تدوسين على أحلامي."

ويليام بتلر ييتسيميلُ كتاب سيرة ييتس إلى اعتبار مود غون مثالاً للتضحية بالذات في سبيل الفن، فرفضها المستمر لييتس جاء لحماية فنه من السعادة التي قد تجفف قريحته الشعرية. وهُناك من يقترح أن غرورها جعلها ترفضه لتبقى ملهمة أشعاره البعيدة عن متناوله، وبذا يتحقق لها الخلود الفني والحضور في معظم أشعاره. غير أن هذه الرؤية تتعامى عن حقيقة أن مود إنما رفضت ويليام لأجل نفسها، لا لأجله أو لأجل أشعاره، فويليام كان دائم الشجار معها بشأن نشاطاتها السياسية، وكان يرى أن المرأة الجميلة تنتمي إلى البيت حيث تقوم بنشاطاتٍ نسائية كالطهو أو الحياكة أو التطريز، لا إلى الشارع حيث تخطب في الجماهير وتحرك جموعهم الهادرة ضد الحكومة الإنكليزية، أو إلى الاجتماعات التي تهدف إلى تحرير المرأة وإعادة صياغة الأدوار الاجتماعية. لم تكن مود لتحتمل تسلط ويليام ورغبته في السيطرة عليها والاحتفاظ بها لنفسه، ولم تكن لتهجر القضية الإيرلندية التي كرست حياتها لأجلها، أو نزواتها الشخصية التي ربطتها بعدد من الرجال ذوي الشخصيات المميزة حولها. لم تشأ مود أن يتملكها ويليام، لذلك رفضته. لسعادتها الشخصية، لا لسعادته.
بحلول عام 1916، بلغ ويليام بتلر ييتس الحادية والخمسين وقرر الزواج ليكون له وريث، غير أنه استبعد مود من حساباته هذه المرة، فمود بتاريخها الثوري المتطرف وسلسلة علاقاتها المضطربة وزيجاتها السابقة بالثائر الذي أُعدِم جون مكبرايد - الأمر الذي يجعل الاقتراب منها خطراً سياسياً - وإدمانها على الكلورفروم ليست أماً مناسبة لورثة ويليام بتلر ييتس. مع ذلك، شعر بأنه مدينٌ لها بأن يتقدم للمرة الأخيرة، وأمِل في أن ترفضه لأنه تقدم بسبب إحساسه بالواجب تجاهها في محنة إعدام مكبرايد وعددٍ هائل من الثوار، وتشريد آخرين ونفيهم - وهي منهم. الغريب أنه بمجرد رفض مود له، تحول اهتمامه إلى ابنتها إيزوِل غون التي كانت الثمرة الباقية من علاقتها الطويلة بالمفكر الفرنسي لوسيان ميليفوي، والتي كانت وقتها في الحادية والعشرين، أي أنها كانت تصغر ويليام بثلاثين عاماً كاملة. صدت إيزوِل ويليام، ورفضت عرضه الزواج منها بعد أن كان حبيب أمها، فتحول اهتمامه عن مود ودائرتها.
كان ويليام بتلر ييتس ذا اهتماماتٍ غريبة، فقد كان يؤمن بتحضير الأرواح والجان وما شابه ذلك، وفي واحدٍ من اجتماعات طائفته قابل جورجي هيد-ليز التي كانت في الثانية والعشرين من عمرها عندها، وتقدم لها بعد أشهرٍ قليلة من رفض إيزوٍل غون فقبلت الزواج منه رغم تحذيرات المقربين منها، وتزوجته بعد شهر لتنجب طفليه آن ومايكل. فيما بعد، أرسلت جورجي رسالة إلى زوجها قالت فيها: "عندما تموت، سيتحدث الناس عن علاقاتك الغرامية، ولن أقول شيئاً لأنني أعرف كبرياءك."
واصلت مود غون عملها السياسي بعد توقفها لفترة لتتعامل مع مشاكلها الشخصية، وفي 1918 اعتُقلت في دبلن وسُجِنت في إنكلترا لستة أشهر. ثم عملت مع الصليب الأبيض الإيرلندي خلال حرب الإستقلال الإيرلندية، وعارضت المعاهدة الإنكلو-إيرلندية في 1922 متحدثة باسم الجمهورية الإيرلندية والجمهوريين. ثم استقرت في دبلن لتواصل من هناك العمل على تحقيق ما أُعدِم مكبرايد ومكدوناه وكونلي وذُبحَ الآلاف لأجله: الجمهورية الإيرلندية المستقلة. بينما حصل ويليام بتلر ييتس على جائزة نوبل في 1923، واستقرت أحواله.
كان أقصى ما بلغته علاقة مود غون وويليام بتلر ييتس الغرامية ليلة واحدة في 1908، تذكرها ييتس بعد عشرين عاماً - قبل وفاته بزمنٍ قصير - في قصيدته: "رجلٌ شاباً وشيخاً":
"ذراعاي كعرشٍ ملتوٍ
ومع ذلك رقد الجمال هناك.
أول كل القبيلة رقدت هناك
وتلقت لذة هائلة.
هي التي كسرت هكتور العظيم
وجلبت الخراب على كل طروادة."
لم تكن هذه القصيدة أول قصيدة يُشبه فيها ويليام مود بهيلين طروادة، فبالنسبة له كان جمالها الآسر بخطر جمال هيلين الذي أدى إلى دمار طروادة. كانت فتنتها الأخاذة كفيلة بتحطيم بطل طروادة العظيم هكتور، وتدمير طروادة. كانت كفيلة بتحويلها إلى هاجس حياة ويليام ليتذكرها في شيخوخته المتأخرة بعد أن افترقا فراقاً باهتاً.
اقتران مود غون بهيلين طروادة في مخيلة ويليام بتلر ييتس يظهر مُبكراً، ويحضر في قصائده القديمة مثل قصيدته "ليست طروادة الثانية" التي ختمها بتساؤل:
"هل توجد طروادة أخرى لتحرقها؟"
مُشيراً - رُبما - إلى مناجاة فاوستوس الشهيرة لشبح هيلين في فاوستوس مارلو بمطلعها المتسائل في ذهول:
"أهذا الوجه الذي أجرى ألف سفينة
وأحرق أبراج إليوم الشاهقة؟"
قادت هيلين فاوستوس إلى ارتكاب خطيئته العظمى الثانية - والوحيدة - بعد بيعه روحه للشيطان. ورُبما كانت مود خطيئة ويليام التي أبعدته عن نفسه، وعرفته على عالمٍ رهيب الجمال، حيث الدم والخطيئة والموت. لكن مود لم تكن شبحاً سلبياً كهيلين، بل كانت امرأة من لحمٍ ودمٍ تمردت على شاعرها ورفضت أن تكون مجرد ظلٍ لأشعاره. ولم يكن ويليام - في كهولته - مستعداً للتضحية بمكانته في سبيل ناشطة سياسية ستجعل مستقبله على كف عفريت.
مع ذلك، أحب ويليام مود حتى آخر حياته، رغم أن الحياة نزعت عن حبه كُل ما يُمكن أن يكون باعثاً على المجد، ولم تُبقِ له إلا خرائب طروادة. أحبها وقدم لها أغلى ما يملك شاعر، أحلامه. أحلامه لتضمه وتضمها بعيداً عن الحياة الباردة القاسية.
"فرشت أحلامي تحت قدميك،
فدوسي برفق،
لأنك تدوسين على أحلامي."

2 التعليقات:

غير معرف يقول...

شكرا جزيلا لك. بفضل مقالاتك الممتازة، وهذا من ضمنها، تعرّفت على ييتس وشعره وبعض جوانب حياته بشكل أفضل.
القصّة أعلاه تصلح موضوعا لفيلم سينمائي ففيها كل عناصر الدراما والحبكة والإثارة التي تؤهّلها لذلك. اعتقد أنني أميل لرأيك، فقد تكون مود رفضت ييتس من اجل نفسها لا من اجله هو. ومثال هذه المرأة بين النساء قليل ونادر فعلا. ربّما أدى انخراطها في السياسة والثورة إلى أن أصبحت مشاعرها اقلّ اكتراثا بالأمور العاطفية بعد أن حوّلت عواطفها إلى غاية تعتبرها أكثر سموّا ونبلا.
وأنا اقرأ وصفك لتفاصيل العلاقة بينهما خيّل إليّ أنها لم تكن تحبّه حبّا حقيقيا. يعني كان حبّا من طرف واحد إلى حدّ ما. هي كانت تعرف أنها ملهمته وشغله الشاغل لكن هذا بنظرها لم يكن كافيا لان ترتبط به وتهبه نفسها عن طيب خاطر.
لكني بصراحة لم اغفر لييتس تصرّفه الأهوج واللاعقلاني في خطب ودّ ابنتها. وقد استحقّ بجدارة ذلك الاحتقار الذي عومل به عندما صدّته ورفضت عرضه.
ولو كان الشاعر إنسانا يفكّر بعقله ويحسب حسابا لكرامته وكبريائه لما تعلق بمود غون ولما جرى وراءها حتى بعد أن أسقطته ولفظته من حياتها.
الإذلال في الحبّ شيء فظيع. وما حصل لييتس لا استطيع وصفه بغير هذه الكلمة. حتى وإن سلّمنا بأن للشعراء أعذارهم وحالات ضعفهم الخاصّة.
مع خالص تحياتي.
بروميثيوس

H. M. H. يقول...

مرحباً، بروميثيوس..
أشكرك جزيلاً على تعليقاتك الممتازة التي تُثري النقاش دوماً، وتفتح آفاقاً جديدة كالتي تفتحها مقالاتك في مدونتيك المتميزتين.
فعلاً، ما قلته صحيح. تصلح قصة مود وويليام فيلماً سينمائياً، وأستغرب عدم اهتمام السينمائيين البريطانيين أو المستقلين - أو حتى سينمائيي هوليوود - بإخراجها فيلماً، رغم أنها تجمع كُل مكونات الحساء الهوليوودي: حسناء، شاعر شهير، ثورة، إعدامات بالجملة ومذابح، سجن، مسرح، شيخوخة - لأجل التأثير الدرامي، وحشة، ونهاية مأساوية.
أعتقد أن مود لم تكن تحب ويليام على الإطلاق، فحينما أحبت المفكر الفرنسي لوسيان ميليفوي، لم تأبه لكونه متزوجاً وانخرطت معه في علاقة طويلة الأمد. ثم حين أحبت جون مكبرايد تزوجته. بينما كان ييتس بعيداً عن تفكيرها كحبيب، وإن كان جزءاً من محيطها الاجتماعي وصديقاً مقرباً. رُبما ساهم في نفورها منه حقيقة أنه لم يكن ثائراً إيرلندياً مع الثوار الآخرين. ورُبما كان إهماله للغة الإيرلندية عاملاً آخر. ورُبما كان كُل ما في الأمر أنها لم تحبه، و"المحبة من الله" كما يُقال.
تصرف ييتس غريبٌ حقاً! حيرني تفسيره، لكن جانباً من دوافعه قد يكمن في شعوره بأن العُمر قد مضى به وهو يقبض السراب المتمثل في مود غون، لذا قرر أن يُجدد شبابه بابنة مود وينتقم منها ويحصل على شيء قريبٍ منها في الوقت ذاته. أعتقد أنه أحب مود حتى اختنق بحبها وكرهها - نوعاً ما، أما صد إيزوِل له فردٌ طبيعي على عرضه المهين.
ما كنت لأستخدم كلمة "إذلال" في معرض وصف علاقة ييتس بغون. كانت علاقتهما عاصفة ومتقلبة، لكنها لم تنطوِ على عنصر الإذلال المُتعمد - إلا إذا اعتُبِر زواج غون من مكبرايد مّذلاً لييتس - إذ لم تنتوِ مود إهانته أو الانتقاص منه. سعيه لخطب ودِ غون كان جارحاً لكبريائه، لكن القلب يريد ما يشاء، وليس له إلا أن يُجيب. يقولون إن من نحبهم هم أقدر الناس على تحطيمنا، وأن ما يكسر الرجال ليس البأس وإنما رغبات القلب.
منظورك للعلاقة مُمكنٌ جداً، لقد أًذِل ييتس، ومن ثم خلدت حساسيته الشعرية ما تعرض له. لكنه جلب ذلك على نفسه بعدائه لعمل النساء في السياسة، وبسذاجته وإيمانه بالخرافات مقابل واقعية غون العلمية، وبخوفه من رصاص فرقة الإعدام أو من السجون الإنكليزية. لقد كان ببساطة غير ملائم، وكان يعرف ذلك، غير أنه بقي يتمنى "ثياب الجنة" كما يفعل البشر غالباً. كُلنا نتمنى شيئاً لن نحصل عليه أبداً، وكلنا يفرش أحلامه لما يتمناه.
تحياتي القلبية..