الجمعة، ١٩ يونيو، ٢٠٠٩

كرسي أحمدي!

محمود أحمدي نجاد من موقع كوكس وفوركم(كاريكاتور محمود أحمدي نجاد من موقع كوكس آند فوركم، 2006)

لم أتابع الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة عن كثب، غير أن التلفاز كان يعمل صبحاً ومساءً على قناة الجزيرة - القناة الوحيدة التي تُبث بصورةٍ وصوتٍ معقولين فيه - مما جعل بعض الأخبار تتسرب إلى أذني من دون وعي. أخبارٌ من قبيل تحذيرات يوجهها محمود أحمدي نجاد إلى مير حسين موسوي الذي يتهمه - أحمدي نجاد - بمحاولة القيام بثورة خضراء، أو تهديدات من قبل قائد الباسيج للإصلاحيين الإيرانيين، أو اتهاماتٍ بالفساد والرشوة يوجهها أحمدي نجاد لخصومه السياسيين، خصوصاً تحالف موسوي-خاتمي. تكون في ذهني انطباعٌ ضبابي وغائم وقتها بأن أحمدي نجاد وجماعته قد فرضوا شرعتهم غير الحضارية على بلدٍ قد قطع شوطاً لا بأس به في الديموقراطية كإيران. فلم تكن أي انتخاباتٍ إيرانية سابقة بهذا القدر من الحدة والتوتر، ولم يحدث أن هدد محمد خاتمي أو هاشمي رفنسجاني مناوئيهما من قبل بهذه الطريقة المشينة. كانت الانتخابات غالباً ما تعكس رأي الشعب، وحتى صعود أحمدي نجاد إلى السلطة جاء نتيجة لخيبة أمل الشباب في خاتمي ما جعلهم يحجمون عن التصويت ويفسحون المجال للمحافظين - وأميل إلى الاعتقاد بأن عدم استطاعة خاتمي تحقيق تغييرٍ في النظام الإيراني يُرضي الشباب الإصلاحي الذي انتخبه يعود إلى ولاية الفقيه التي تجعل كل شيء بيد خامنئي مهما تبدل الرؤساء. جاء أحمدي نجاد موافقاً لهوى الفقيه - الذي أعلن بصراحة أنه أقرب المرشحين إليه ونهى المحتجين عن النزول إلى الشوارع - وخرب في السياسة الإيرانية وعلاقات إيران بالعالم - خصوصاً العالم العربي - كما شاء نظام الفقيه، إلى أن جاءت ساعة الاستحقاق، وأدرك أحمدي نجاد أنه في ورطة، وأن كرسيه قد يذهب في غمضة عين، فأطلق حملة مسعورة للنيل من خصومه جند فيها كل مقدرات النظام.
مع ذلك، لم يكن ليخطر لي أن (بلطجة) نظام أحمدي نجاد قد تصل إلى درجة إطلاق الرصاص على المتظاهرين، ودس رجال استخباراتٍ بالثياب المدنية للنيل من المحتجين على الانتخابات التي يرون أنها زُوِرَت، وإعلان طهران منطقة محظورة على الصحافة. في غمضة عين، أطاح أحمدي نجاد بكل ما حققته إيران في مجالات الانتخابات والشفافية والنزاهة، ورفض إرادة فئة عريضة من الشعب، وفتح عليها الرصاص. تحول نظام أحمدي نجاد إلى نظامٍ قمعي فقد آخر ما يستر سوأته عن عيون شعبه وعيون العالم. استشرس أحمدي نجاد للحفاظ على كرسيه الذي يبدو أنه نسي العقد الذي وصل بموجبه إليه، والذي يقضي بأنه باقٍ فيه ما دام الشعب راغباً في بقائه فيه.

قد يكون أحمدي نجاد فاز بالانتخابات حقاً من دون تزوير، لكن اللحظة التي فتح فيها رجاله النار على المتظاهرين قوضت نظامه من أساسه، وأفقدته شرعيته بنزع صفة التراضي بينه وبين شعبه من العقد الذي صار بموجبه رئيساً. غير أنه لا يبدو مكترثاً بهذه الحقيقة، فخطاب أحمدي نجاد في داخل إيران وخارجها قد عبر عنه محلل سياسي إيراني أعتقد أن اسمه زيدان خوليف أو ما شابه - تستضيفه الجزيرة دائماً ليُتحفنا باختلاقاتٍ من قبيل التفوق الإيراني التام على العرب - عندما قال إن الخير للعرب في أن تحتلهم إيران طالما وأن إسرائيل تحتلهم. أحمدي نجاد يُريد احتلال إيران بالقوة، ثم سيتجه إلى المنطقة بهذا الخطاب النازي ليُقدم نفسه غازياً جديداً - وهُنا أجد نفسي قد ملت للاعتقاد بوجود منطقٍ سليم في تفكير من يرون أصابع إيرانية وراء الكثير من أزماتِ المنطقة الحالية، خصوصاً التمردات الأهلية في بعض البلدان العربية.

في
29 نوفمبر 2007 اقتبس أحمدي نجاد في مدونته من نهج البلاغة:
وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ اَلرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَ اَلْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَ اَللُّطْفَ بِهِمْ وَ لاَ تَكُونَنَّ ‏عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي اَلدِّينِ ‏وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي اَلْخَلْقِ.
ثم جاء في 2009 ليفعل نقيض ما اقتبسه. ربما كانت المسألة زمنية، فما كان يصلح قبل عامين لا يصلح الآن. وربما كان أحمدي نجاد - وأي صاحب سلطة - كالحجاج بن يوسف الذي قال عنه الحسن البصري إنه كان يصعد على المنبر فيتكلم بكلام الصديقين الأبرار، ثم ينزل من عليه فيفعل فعل الشياطين الأشرار.

2 التعليقات:

غير معرف يقول...

مرحبا بك يا صديقي.
فعلا ما حدث في إيران أمر محزن جدا. وقد تشوّهت صورتها كثيرا بسبب ما حدث بعد أن كانت انتخاباتها مضرب المثل في الصدق والنزاهة.
لكن العقل الديني يفعل مثل هذا وأكثر. والنظم السياسية المرتكزة على أيديولوجيا دينية لا يستغرب أن يقع فيها مثل هذا، لان من سمات العقل الديني انه في نهاية الأمر عقل أحادي وإقصائي مهما تدثّر بشعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
ومصيبة إيران الحقيقية تكمن في ولاية الفقيه. والفقيه الأعلى أعلن في أكثر من مناسبة وبلا مواربة انه موال لنجاد لأنه الأقرب تجسيدا لأفكاره ومواقفه. وبذا قطع الطريق على المرشّحين الآخرين حتى قبل أن تبدأ الانتخابات. وتلقفت الأجهزة ما قاله المرشد الروحي في السرّ والعلن وعملت على تحقيق ما كان يتمناه بدقّة.
حتى خطبته الأخيرة كانت تزكية جديدة للنجاد ولم يبال كثيرا بردود فعل الشارع واحتجاجات الناس على عمليات التزوير الواسعة التي شهد بوقوعها الكثير من المراقبين المستقلين داخل إيران وخارجها.
فهمت انك كنت تتابع الجزيرة. ولا ادري إن كنت تابعت تحليلات مصطفى اللباد على أكثر من قناة. كان اللبّاد مختلفا عن الكثيرين وبدا انه يفهم أكثر من غيره ديناميكيات الحراك السياسي الإيراني وطبيعة ما حصل ويحصل وراء الستار من مناورات وتجاذبات.
والبارحة فقط شاهدته من جديد متحدّثا عن الانتخابات الإيرانية. كان حديثا ممتازا لم يكدّره سوى مقاطعات واحتجاجات محمد صادق الحسيني الذي تحوّل بقدرة قادر من معسكر الإصلاحيين إلى معسكر المحافظين المتشدّدين. لكنه لم يكن مقنعا وكان واضحا أن الشعارات الايديولوجية والحديث المبالغ فيه عن نظرية المؤامرة لم يكن كافيا لتجميل واقع الانتخابات التي افسد أجواءها إصرار احد الطرفين على أن يفوز مرشّحه بأي طريقة حتى إن كان ثمن ذلك تشويه صورة التجربة الإيرانية الوليدة والواعدة.
تحيّاتي ومودّتي لك.
بروميثيوس

H. M. H. يقول...

مرحباً بك بروميثيوس..
أتفق معك في ما قلته عن تشوه صورة إيران بعد أن فقدت انتخاباتها مصداقيتها، وفي ما ذهبت إليه من الذهنية القمعية التي يرتكز عليها الخطاب الديني.
المسألة في النهاية مسألة سلطة، وولاية الفقيه تُفسح المجال لسعار السلطة ليصل حدَ الفساد المطلق. ما يفعله منتسبو الباسيدران والباسيج في إيران حالياً صدى لما قاله أوليفر كرومويل من قبل: "تسعة من أصل عشرة مواطنين يكرهونني! ما قيمة ذلك إن كان العاشر وحده مسلحاً؟"
لا يُعقل أن تُمقت جميع فئات الشعب الإيراني أحمدي نجاد، لكن ذلك لا يُعطيه الحق في فتح الرصاص على البقية، وإرسال التحذيرات إلى موسوي عن طريق وزارة الداخلية.
أما بالنسبة للفقيه - خامنئي - فقد سقط عنه الاعتبار. مبدأ ولاية الفقيه في ذاته معادٍ لأي سلطةٍ مدنية لأنه يُحملها صفة السلطة الزمنية، ويُركز الولاية الدينية في يد الفقيه - الخميني ثم خامنئي - الذي يستطيع أن يُنحي السلطة الزمنية جانباً باعتباره مفوض السلطة الإلهية في الأرض.
غير أن الفقيه بشر، وخامنئي لم يستكنف عن إعلان تأييده لأحمدي نجاد متجاهلاً فئاتٍ من شعبه ترفض أحمدي نجاد. خامنئي حذر بقية المرشحين - خصوصاً موسوي - تحذيراً شديد اللهجة، ولعله بذلك يرد لموسوي الصاع صاعين بعد أن فرض موسوي سياساته الاقتصادية أيام كان رئيساً للوزراء قبل إلغاء المنصب.
هُناك من ينتقد المتظاهرين الإيرانيين حالياً بسبب غياب التوجيه الفكري والإيديولوجي لهم، فهم يؤيدون موسوي لأسبابٍ مختلفة، ويعادون أحمدي نجاد لأسبابٍ بعيدة عن العقائدية. أنصار موسوي الذين يرفعون الشعارات الخضراء لا ينتمون إلى حزبٍ معين، أو فئة دينية معينة، أو عرقٍ معين. وليس لهم مرشدٌ روحي - كما كان الخميني مرشد الثوار الإيرانيين أيام الشاه. غير أن هذا ما يُميز التحرك الأخير، فالأفراد الذين تضررت مصالحهم من رئاسة أحمدي نجاد ائتلفوا بينهم ليدعموا المرشح الذي رأوه الأصلح لتمثيل مصالحهم. في حالِ أن موسوي فشل في تمثيل مصالح ناخبيه - أو الثوار الجدد الذين أوصلوه إلى السلطة - فإنهم سيسقطونه ببساطة ويأتون بمرشحٍ آخر يناسبهم. هكذا تُبعَد القداسة عن الأشخاص وتعاد إلى مصالح الجماعات التي يحددها التقاء ميول الأفراد ومصالحهم، وتتجنب الثورات زواجاً بالإكراه كالحاصل بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والخميني، وبين إيران والفقيه.
لم أتابع تحليلات مصطفى اللبّاد، ذلك أن انشغالاتي الكثيرة في الآونة الأخيرة لم تُيَسِر لي متابعة الانتخابات الإيرانية كما كنت أريد. مع ذلك، قرأت له بعض المقالات هنا وهناك على الشبكة العنكبوتية، وخرجت بانطباعٍ يُشابه انطباعك عنه.
المتنقلون بين المعسكرين لا يصلحون لأن يؤبه كثيراً بآرائهم لأنهم يفتقرون حتى إلى الرؤية الميكافيلية، ويتأرجحون من دون بوصلة واضحة. الحديث عن نظرية مؤامرة غير مستساغٍ في هذا السياق، لأن تحويل المجال إلى توجيه الأصابع يُورط نظام الفقيه، أحد أكبر المتآمرين على إيران - والمنطقة.
تصريحات باراك أوباما وقرار الكونغرس الأمريكي لا يخدمان معسكر موسوي بالمرة، ويُحققان لنظام الفقيه ما يريد. الأمر ذاته بالنسبة لحركات بريطانيا وفرنسا الدبلوماسية من استدعاء سفراءٍ وما شابه. أسوأ من ذلك تصريحات بنيامين نتناهيو الداعمة لمعسكر موسوي - خاتمي. كل هذه الحركات مجتمعة تضرب الإصلاحيين في العمق وتصمهم بما يصمهم به الفقيه - عملاء للصهيونية - ولا يُعقل أن تكون كل هذه الأطراف جاهلة بذلك إذ تعلن عن دعمها لمعسكر موسوي. من المستفيد من كل هذا؟
نظام الفقيه المستفيد الأوحد من التصريحات الأمريكية - الإسرائيلية والحركات البريطانية - الفرنسية. هل تجهل الدول الأربع ذلك؟ لا، بالطبع. فلها مصالحها مع نظام الفقيه، ولها ما تستفيده من بقاء نظام الفقيه.
الشيء الوحيد القادر على إيصال نظام الفقيه إلى نقطةٍ حرجة تحمله على إعادة الانتخابات بقاء الزخم الشعبي رغم الباسيدران والباسيج. أما المجتمع الدولي - ممثلاً بالدول الأربع - فقد أعلن مكمن مصالحه بوضوح.

تحياتي القلبية..