الأربعاء، ٢٩ أبريل، ٢٠٠٩

هجاء ابريل

يُقدم ت. س. إليوت ثلاثة أسبابٍ لتفسير تصريحه: "ابريل أقسى الشهور"، فابريل "يُنسل الليلك من الأرض الميتة"، و"يخلط الذكرى بالرغبة"، و"يُنعش الجذور الجافة بمطر الربيع". كثيرون يرون أن عبارة إليوت وتابعاتها ومن ثم انتقاله إلى الحديث عن الشتاء والصيف صورٌ من الطبيعة أراد نفيها ولم تتكرر بعدها أبداً، غير أن كونهم كثيرين لا يعني أنهم محقون بالضرورة. جملة إليوت صارت من الكليشيهات المحفوظة في الأدب، حتى أنها بدت ممجوجة للغاية عندما قدمت بها مجلة بويتري الأمريكية إصدار شهر ابريل: "قال إليوت إن ابريل أقسى الشهور، لكنه ليس دوماً أقسى الشهور في الشعر". بويتري ليست الوحيدة التي تُعيد العبارة وتعارضها، بل إن كثيرين من المتأدبين يُحبون ذكرها كلما حل ابريل ليعارضوها ويثبتوا حبهم لابريل والربيع.
يُخطئ إليوت أكثر مما يُصيب، لكن عبارة "ابريل أقسى الشهور" أصوب ما قال. ابريل شهرٌ زائد عن الحاجة يتبع مارس الطويل القبيح كذنب الكلب. شهرٌ يبدأ بكذبة. باهت وقصير وبلا شخصية. يتساقط مطره الكاذب أحياناً ليُنعش آمالاً ميتة ثم يردها إلى مواتٍ طويل. ليس له صدق الشتاء بثلجه الذي يُغطي كل مكانٍ ككفنٍ للأرض الميتة، ولا قوة الصيف الذي يحل فجأة بمطره الغزير وحرارته التي لا مراء فيها. شهرٌ مُخاتل، حارٌ يبرد أحياناً، جافٌ يمطر أحياناً، يمتلئ بالأكاذيب فيولد زهوراً من أرضٍ ميتة، زهور ليلكٍ كالموت. لكنه يخلط الذكرى بالرغبة، فلا يعود ممكناً معرفة ما إذا كان ما نتذكره قد حدث حقاً أم أنه مجرد أمانٍ. يبدو الليلك كوردة تولد من الموت لأننا نريده أن يكون كذلك، لكن الليلك زهر الموت.
ليس لابريل فضيلة. امتدادٌ لعقم مارس. في مارس يحل الخراب بالأرض التي عمرتها الفصول الماضية. يحصد المزارعون زرعهم، ويحمل المحاربين سيوفهم ليحتزوا رؤوس الآخرين. مارس شهر الحصاد والحرب. فيه تموت الأرض. تبقى ميتة في ابريل. يمتد ابريل بلا سببٍ، تالياً لمارس بلا صوتٍ، فالحصادون قد أنهوا حصاد رؤوس القمح والرجال، ولم يبقَ في الأرض حياة.
يهادن ابريل الصيف بحرارته، ويحاول أن يبرد قليلاً لئلا يفقد ود الشتاء. يلون الطبيعة بألوانٍ كالحة لئلا يغضب منه الخريف الذي يجعلها تتوهج بلونه الذهبي. ربيع كامد لا حياة فيه. منزلٌ يُغطيه اللبلاب، خارجه أخضر وداخله يصفر. بريقٌ في أعين زجاجية.
ابريل بركة ساكنة في ظهيرة قائظة.
أقسى الشهور.

الثلاثاء، ٧ أبريل، ٢٠٠٩

أطفال بِرتُن

تِمْ بِرتُن في حفل استقبال جوائز مجلة إمباير وجيمسون/ تصوير: غارِث غاي، وكالة ألفا(تِمْ بِرتُن في حفل استقبال جوائز مجلة إمباير وجيمسون
تصوير: غارِث غاي، وكالة ألفا)

ليس مُستغرباً أن يُصدر المخرج الأمريكي الشهير تِمْ بِرتُن مجموعةً شعرية في 1996 عن دار فابر وفابر الشهيرة - ناشرة مجموعات ت. س. إليوت الشعرية، ومن بينها: كتاب الجُرذ العجوز عن القطط العملية - عنوانها: موت صبي المحارة الحزين، ومضمونها قصائد ورسومات عن أطفالٍ منبوذين بسبب هيئتهم وأقدارهم المحزنة، فهُناك "الفتاة التي تحولت إلى سرير"، و"الفتى الروبوت"، و"دمية الفودو"، و"الصبي العصا الذي يحب الفتاة عود الكبريت"، و"الفتاة كثيرة العيون" من بين قصائد أخرى كلها حول أطفالٍ مشوهين أو غريبي الخلقة بشكلٍ يتعذر معه قبولهم في المجتمع، ويجعل المجموعة تقترب من الرعب أحياناً. رسومات بِرتُن الطفولية ذات الطابع المُميز تحول الرُعب في الكتاب إلى تصويرٍ مُبالغٍ فيه يتعذر معه أن يكون حقيقياً، لكنه يبقى مرعباً وغريباً ومُنتمياً إلى عالمٍ آخر.
في أعمال تِمْ بِرتُن جانبٌ مُظلم مُخيف يمتزج بالكوميديا أحياناً، لكنه يبقى مُظلماً ومُرعباً. موضوعه المُفضل المنبوذون يظهر في كل أفلامه، حتى في الفيلم الذي صنع شهرته: باتمان (1989). أثار فيلم باتمان - الذي أعقب فيلمين (برتنيين) هما مغامرة بي-وي الكُبرى، وعصير الخنفساء - جدلاً كبيراً لأجوائه المُظلمة التي تختلف تماماً عن أجواء سلسلة باتمان المفرحة في السبعينيات، وأغضب بعض من كانت لهم علاقة بالسلسلة الأصلية. إعادة بِرتُن لاختراع باتمان وفق مفهومه الخاص أثبت كونه مُربحاً، رغم أنه مُظلم، وسمح لبِرتُن بتقديم رؤيته الخاصة عن شخصية الجوكر المشوهة (جاك نيكلسن) وعن ظُلمة غوثام المُقبضة. ثم أعقبه فيلم عودة باتمان ليُقدم نموذجاً أوضح عن الطفل البرتني المنبوذ: البطريق (داني ديفيتو) - واحدة من قصائد موت صبي المحارة الحزين تحمل عنوان "جيمي، الصبي البطريق البشع". كانت أجواء الفيلم الثاني أكثر ظلمة وكآبة من الفيلم الأول بكثير، وقد غابت عنها سخرية الجوكر وحسه السوداوي بالفكاهة، لتُستبدل بحقد البطريق وتشوهه الذي يعكس تشوهاً في أعماق غوثام. بعدها، توقف برتن عن العمل في سلسلة باتمان، وتراجعت جودة أفلام باتمان اللاحقة إذ أنها حاولت الحفاظ على الخط البرتني من دون أن تُفلح في تقديم نمط شخصياته بطريقة مُقنعة. - قبل أن ينهض كريس نولان بالسلسلة من جديد مُعطياً إياها روحاً جديدة لم تتخلَ تماماً عن أطفال بِرتُن المنبوذين وإن استبدلت المناخ النفسي الهائل لتشوه الشخصيات بانفجار في الحركة. -
الشخصية الرئيسية في فيلم إدوارد سيزرهاندز واحدٌ من أطفال بِرتُن المفضلين (يلعب الدور جوني ديب، الممثل المفضل عند بِرتُن)، طفلٌ اخترعه مخترعٌ غريب الأطوار توفي قبل أن يُتم صياغة يدي إدوارد، ليبقى إدوارد بيدين كالمقصات. يعيش إدوارد في ضاحية هادئة لا تتقبله، لكن أفرادها يحاولون التعرف عليه بغرض الرياء الاجتماعي، ويستغله كُلٌ منهم لأغراضه الخاصة. يرى جوني ديب وفنسنت برايس أن إدوارد سيزرهاندز سيرة ذاتية لطفولة تِمْ بِرتُن في ضواحي كاليفورنيا الراقية، حيث لم ينسجم ولم ينتمِ لأنه كان مختلفاً.
يُقدم تِمْ بِرتُن في فيلمي إد وود والمريخ يُهاجم! آيةَ تقديرٍ ساخرة لأفلام الخيال العلمي الرخيصة التي كان يُشاهدها في طفولته، فيُحيي في الفيلم الأول المخرج إد وود الابن الذي وُصف مرةً بأنه "أسوأ مُخرج في العالم"، وفي الثاني صُناع أفلام الكوارث وتُراث الرُعب الأرضي من المخلوقات القادمة من المريخ لتهاجمنا. يأخذ فيلم المريخ يُهاجم! كثيراً من ثيمات حرب العوالم لهربرت ج. ويلز بطريقةٍ ساخرة، ويجمع مجموعة متنافرة من الشخصيات في حبكةٍ ساخرةٍ تنتهي نهاية هزلية.
بعد كوميديا مرعبة ومُقبضة في المريخ يهاجم! قدم بِرتُن فيلماً مُقبضاً آخر: سليبي هولو الذي يتبع أسلوب الرعب القوطي - بروحٍ برتنية - ويتحدث عن طفلٍ برتني آخر فقد رأسه فاندفع يحتز رؤوس الآخرين ليجد رأسه. تقديم بِرتُن لأسطورة سليبي هولو كان مرعباً إلى حدٍ جعل الكثيرين يحتجون على كمية العنف الزائدة فيه. مع ذلك، حظي الفيلم بثناء نقدي لا بأس به، وكان علامةً على خروج بِرتُن عن خطه السوداوي ونمطه في الإخراج المُعتمد بكثافة على الظلمة والظلال.
في 2000، قدم بِرتُن فيلم كوكب القردة الذي قلل مُعظم النقاد من شأنه بوصفه نسخة فشارٍ عن الفيلم الأصلي، وغضب عليه كثيرون من معجبي تِمْ بِرتُن لخروجه التام عن البرتنية إلى الحد الذي وُصف معه دور بِرتُن في الفيلم بأنه الدور الذي يؤديه عامل يومية مأجور. مع ذلك، حقق كوكب القردة نجاحاً مادياً كبيراً في شباك التذاكر الأمريكي.
عاد تِمْ بِرتُن لمُبالغاته الفنية الساخرة في التصوير والتشخيص مع فيلم السمكة الكبيرة في 2003، ورُشح فيلمه هذا لعدة جوائز غولدن غلوب من دون أن يفوز بواحدة - وهي عادة بِرتُن مع الأوسكار والغولدن غلوب.
في تشارلي ومصنع الشكولاتة عاد بِرتُن من جديد إلى عوالمه الفانتازية المُقبضة، متحدثاً عن طفلٍ منبوذ - ويلي وونكا - يحاول الانتقام من أطفالٍ منبوذين آخرين. أعجب الفيلم النقاد كثيراً، وكان بالإضافة إلى نجاحه النقدي نجاحاً كبيراً في شُباك التذاكر الأمريكي.
بعد أن أثبتت البِرتُنية أنها تربح كثيراً - باتمان، سليبي هولو، تشارلي ومصنع الشكولاتة، وإلى حدٍ ما كوكب القردة - أصبحت لبِرتُن دالةٌ على شركات الإنتاج، ونفوذ كبيرٌ في هوليوود يجعله واحداً من قلةٍ يُمكنهم أن يفعلوا ما يحلوا لهم في أفلامهم من دون أن يجرؤ أي مديرٍ تنفيذي في إستوديوهات هوليوود على اعتراض طريقهم. خياراتُ بِرتُن كانت مُكلفة إنتاجياً، وغريبة الأطوار فنياً، وغير مؤكدة النجاح جماهيرياً، لكن ثقل اسم بِرتُن سمح له بتقديم فيلمه المُتحرك العروس الجثة الذي كان أكثر كآبة وإفزاعاً من أن يتوجه لجمهور الأطفال. في العروس الجثة يعود بِرتُن إلى أطفاله المنبوذين وعوالمه التي لا يُمكن أن تتلاقى، وطريقته المميزة في الرسم والتحريك، وألعاب الظُلمة التي يُجيدها. وبه أثبت أن البرتنية تحظى بالرضا النقدي، وبالقبول الجماهيري العريض. طريقة بِرتُن في فيلم العروس الجُثة الذي صُور بأسلوب التحريك والتوقيف أثرت في أفلامٍ كثيرةٍ لاحقة أحدثها كورالين.
مشروع بِرتُن الأكثر طموحاً في سنواتٍ عديدة كان تقديمه لمسرحية ستيفن سوندايم الشهيرة سويني تود: حلاق شارع فليت الشيطان. وفيه تعاون مع شريكة حياته هيلينا بونام كارتر وصديقه جوني ديب من جديد ليُقدم أول فيلمٍ موسيقي له يتميز بأجواء بِرتُن المُقبضة، وطريقته في التلوين واختياراته في طرق التصوير، وشخصياته المنبوذة المشوهة نفسياً بشكلٍ يستحيل معه إصلاحها. كمية العُنف والدماء في الفيلم أثارت اعتراضات بعض النقاد الذين استغرب بعضهم عدم اعتراض الرقابة على كميات الذبح في الفيلم، وانزعج بعض المشاهدون من توالى مشاهد الذبح وتقطيع اللحم على خلفياتٍ موسيقية. مع ذلك، فإن فيلم سويني تود واحدٌ من العلامات البرتنية المهمة، ويمتاز بتقديمه لجماليات أسلوب الإخراج البرتني، والأجواء البرتنية التي تجمع عوالم لا يُمكن جمعها، وتُقدم الشرير والمشوه والمُريع كجُزء من الحياة التي تكتسي ظلالاً مُهيمنة كتعبير عن هيمنة الشر.
بعد فيلم سويني تود قرر بِرتُن الانضمام إلى روبرت زيميكس ومجموعة المخرجين الذين قرروا ركوب قطار التصوير الحاسوبي ثلاثي الأبعاد السريع مع فيلمه المُقبل أليس في بلاد العجائب. ليستعين بأحدث تقنيات هوليوود في إحياء رواية لويس كارول على الطريقة البرتنية.
في كُل مشاريع تِمْ بِرتُن أطفالٌ منبوذون مشوهون أرواحهم هشة وحضورهم مُسيطر، هُناك ظُلمةٌ مهيمنة على المشهد، ومزج ألوانٌ بطريقة تعبيرية خاصة تُميز أعمال بِرتُن عن سواها. قد يكون أطفال بِرتُن الفنان الذي لا يُمكنه أن ينسجم في مجتمعه أبداً، وقد يكونون تعبيراً عن عملاق الحضارة الذي داس على كُل الضعفاء في طريقه. أطفالُ برتن جانب الحياة الذي تخفيه الظلال ولا نراه غالباً.

السبت، ٤ أبريل، ٢٠٠٩

ويليام ومود

مود غون
هناك من يقول إن الشعر الإنكليزي - والشعر العالمي - يدين بالكثير لامرأة إيرلندية جميلة وحادة الطباع اسمها مود غون، لسببٍ وحيد: رفضها الاقتران بعاشقها الأزلي ويليام بتلر ييتس. يقولون إنها لو وافقت على الاقتران به لحققت له السعادة، وحرمته من منابع شعره. بينما جعله رفضها له يعاني من فقدها، ويُعيد رسم ملامحها في كل قصائده، ويعاود طلب يدها بين حينٍ وآخر بين الرجاء واليأس، معلقاً بخيطٍ واهٍ من الأمل يذكي قريحته الشعرية ويجعل مود حاضرة في كل مفردة من مفردات وجوده.
كما يُفترض بالشعراء أن يكونوا، كان ييتس معارضاً لكل أشكال العُنف، لكنه انضم إلى الحركة الثورية الإيرلندية المتطرفة إرضاء لمود الثائرة المتطرفة التي تُحرك الجماهير بخطبها الهادرة في ساحات دبلن. بسبب مود، تعرف ويليام على قادة الحركة الثورية الإيرلندية الذين لم يكن يميل إليهم، وعايش عن قرب ثورة عيد الفصح التي تمحورت حولها قصيدته: "عيد الفصح، 1916"، وتكرر فيها السطر الذي أصبح دلالة على القرن العشرين فيما بعد:
"وُلِدَ جمالٌ رهيب"
في "عيد الفصح، 1916" يذكر ييتس أسماء بعض الثوار ويصفهم بأنهم أشخاصٌ عاديون لا يُثيرون أي انتباه محتفظاً بقسطٍ وافرٍ من الاحتقار لواحدٍ منهم: الرائد جون مكبرايد الذي تزوجته مود غون لأسبابٍ لا يعلمها إلا الله مفضلة إياه عليه (ويكرهه لأنه غريمه، ولإساءته لها ولابنتها - التي أنجبتها من اللا سلطوي الفرنسي لوسيان ميليفوي بشكلٍ غير شرعي - طوال السنوات الثلاث التي ظل فيها متزوجاً منها.) مع ذلك، يقول ييتس إن مكبرايد أيضاً تغير، وخرج من إطار العادي المبتذل ليصبح جزءاً من الجمال الرهيب الذي وُلد، خصوصاً بعد إعدامه.
بعد طلاق مود، تقدم ويليام مجدداً، لكن مود رفضته مجدداً، وأبقته دائراً في حلقتها التي كانت تدير مسرحاً. خلال تلك الفترة ركز ييتس على التراث الإيرلندي وإحيائه، وكتب عدداً من المسرحيات المرتبطة بالموروث الإيرلندي مكرساً إياها لحبيبته مود التي داومت على رفضه، قبل أن تنتقل إلى الإقامة في باريس لفترة من الزمن.
بقي ويليام مقيماً على حُب مود - مخففاً ارتباطه بالثوار الإيرلنديين خصوصاً بعد حملة الإعدامات بالجملة التي طالت قادة ثورة عيد الفصح. ولم تكن مود لتلومه، فويليام شاعرٌ خُلق لأشياء أخرى غير السياسة والسجن - وإن كانت له علاقات غرامية عابرة من وقتٍ لآخر. ظلت مود ملهمته التي خلدها في الكثير من قصائده، وكتب لها مسرحياته، وبلغ من حبه لها أن قال في قصيدته "آيداه يتمنى ثياب الجنة":
"فرشت أحلامي تحت قدميك،
فدوسي برفق،
لأنك تدوسين على أحلامي."

ويليام بتلر ييتسيميلُ كتاب سيرة ييتس إلى اعتبار مود غون مثالاً للتضحية بالذات في سبيل الفن، فرفضها المستمر لييتس جاء لحماية فنه من السعادة التي قد تجفف قريحته الشعرية. وهُناك من يقترح أن غرورها جعلها ترفضه لتبقى ملهمة أشعاره البعيدة عن متناوله، وبذا يتحقق لها الخلود الفني والحضور في معظم أشعاره. غير أن هذه الرؤية تتعامى عن حقيقة أن مود إنما رفضت ويليام لأجل نفسها، لا لأجله أو لأجل أشعاره، فويليام كان دائم الشجار معها بشأن نشاطاتها السياسية، وكان يرى أن المرأة الجميلة تنتمي إلى البيت حيث تقوم بنشاطاتٍ نسائية كالطهو أو الحياكة أو التطريز، لا إلى الشارع حيث تخطب في الجماهير وتحرك جموعهم الهادرة ضد الحكومة الإنكليزية، أو إلى الاجتماعات التي تهدف إلى تحرير المرأة وإعادة صياغة الأدوار الاجتماعية. لم تكن مود لتحتمل تسلط ويليام ورغبته في السيطرة عليها والاحتفاظ بها لنفسه، ولم تكن لتهجر القضية الإيرلندية التي كرست حياتها لأجلها، أو نزواتها الشخصية التي ربطتها بعدد من الرجال ذوي الشخصيات المميزة حولها. لم تشأ مود أن يتملكها ويليام، لذلك رفضته. لسعادتها الشخصية، لا لسعادته.
بحلول عام 1916، بلغ ويليام بتلر ييتس الحادية والخمسين وقرر الزواج ليكون له وريث، غير أنه استبعد مود من حساباته هذه المرة، فمود بتاريخها الثوري المتطرف وسلسلة علاقاتها المضطربة وزيجاتها السابقة بالثائر الذي أُعدِم جون مكبرايد - الأمر الذي يجعل الاقتراب منها خطراً سياسياً - وإدمانها على الكلورفروم ليست أماً مناسبة لورثة ويليام بتلر ييتس. مع ذلك، شعر بأنه مدينٌ لها بأن يتقدم للمرة الأخيرة، وأمِل في أن ترفضه لأنه تقدم بسبب إحساسه بالواجب تجاهها في محنة إعدام مكبرايد وعددٍ هائل من الثوار، وتشريد آخرين ونفيهم - وهي منهم. الغريب أنه بمجرد رفض مود له، تحول اهتمامه إلى ابنتها إيزوِل غون التي كانت الثمرة الباقية من علاقتها الطويلة بالمفكر الفرنسي لوسيان ميليفوي، والتي كانت وقتها في الحادية والعشرين، أي أنها كانت تصغر ويليام بثلاثين عاماً كاملة. صدت إيزوِل ويليام، ورفضت عرضه الزواج منها بعد أن كان حبيب أمها، فتحول اهتمامه عن مود ودائرتها.
كان ويليام بتلر ييتس ذا اهتماماتٍ غريبة، فقد كان يؤمن بتحضير الأرواح والجان وما شابه ذلك، وفي واحدٍ من اجتماعات طائفته قابل جورجي هيد-ليز التي كانت في الثانية والعشرين من عمرها عندها، وتقدم لها بعد أشهرٍ قليلة من رفض إيزوٍل غون فقبلت الزواج منه رغم تحذيرات المقربين منها، وتزوجته بعد شهر لتنجب طفليه آن ومايكل. فيما بعد، أرسلت جورجي رسالة إلى زوجها قالت فيها: "عندما تموت، سيتحدث الناس عن علاقاتك الغرامية، ولن أقول شيئاً لأنني أعرف كبرياءك."
واصلت مود غون عملها السياسي بعد توقفها لفترة لتتعامل مع مشاكلها الشخصية، وفي 1918 اعتُقلت في دبلن وسُجِنت في إنكلترا لستة أشهر. ثم عملت مع الصليب الأبيض الإيرلندي خلال حرب الإستقلال الإيرلندية، وعارضت المعاهدة الإنكلو-إيرلندية في 1922 متحدثة باسم الجمهورية الإيرلندية والجمهوريين. ثم استقرت في دبلن لتواصل من هناك العمل على تحقيق ما أُعدِم مكبرايد ومكدوناه وكونلي وذُبحَ الآلاف لأجله: الجمهورية الإيرلندية المستقلة. بينما حصل ويليام بتلر ييتس على جائزة نوبل في 1923، واستقرت أحواله.
كان أقصى ما بلغته علاقة مود غون وويليام بتلر ييتس الغرامية ليلة واحدة في 1908، تذكرها ييتس بعد عشرين عاماً - قبل وفاته بزمنٍ قصير - في قصيدته: "رجلٌ شاباً وشيخاً":
"ذراعاي كعرشٍ ملتوٍ
ومع ذلك رقد الجمال هناك.
أول كل القبيلة رقدت هناك
وتلقت لذة هائلة.
هي التي كسرت هكتور العظيم
وجلبت الخراب على كل طروادة."
لم تكن هذه القصيدة أول قصيدة يُشبه فيها ويليام مود بهيلين طروادة، فبالنسبة له كان جمالها الآسر بخطر جمال هيلين الذي أدى إلى دمار طروادة. كانت فتنتها الأخاذة كفيلة بتحطيم بطل طروادة العظيم هكتور، وتدمير طروادة. كانت كفيلة بتحويلها إلى هاجس حياة ويليام ليتذكرها في شيخوخته المتأخرة بعد أن افترقا فراقاً باهتاً.
اقتران مود غون بهيلين طروادة في مخيلة ويليام بتلر ييتس يظهر مُبكراً، ويحضر في قصائده القديمة مثل قصيدته "ليست طروادة الثانية" التي ختمها بتساؤل:
"هل توجد طروادة أخرى لتحرقها؟"
مُشيراً - رُبما - إلى مناجاة فاوستوس الشهيرة لشبح هيلين في فاوستوس مارلو بمطلعها المتسائل في ذهول:
"أهذا الوجه الذي أجرى ألف سفينة
وأحرق أبراج إليوم الشاهقة؟"
قادت هيلين فاوستوس إلى ارتكاب خطيئته العظمى الثانية - والوحيدة - بعد بيعه روحه للشيطان. ورُبما كانت مود خطيئة ويليام التي أبعدته عن نفسه، وعرفته على عالمٍ رهيب الجمال، حيث الدم والخطيئة والموت. لكن مود لم تكن شبحاً سلبياً كهيلين، بل كانت امرأة من لحمٍ ودمٍ تمردت على شاعرها ورفضت أن تكون مجرد ظلٍ لأشعاره. ولم يكن ويليام - في كهولته - مستعداً للتضحية بمكانته في سبيل ناشطة سياسية ستجعل مستقبله على كف عفريت.
مع ذلك، أحب ويليام مود حتى آخر حياته، رغم أن الحياة نزعت عن حبه كُل ما يُمكن أن يكون باعثاً على المجد، ولم تُبقِ له إلا خرائب طروادة. أحبها وقدم لها أغلى ما يملك شاعر، أحلامه. أحلامه لتضمه وتضمها بعيداً عن الحياة الباردة القاسية.
"فرشت أحلامي تحت قدميك،
فدوسي برفق،
لأنك تدوسين على أحلامي."

الخميس، ٢ أبريل، ٢٠٠٩

أعزكم الله

يُقال - والعهدة على الراوي - أن مناطق عربية بأكملها لا تذكر كلمة امرأة ومشتقاتها إلا مردفة بتعبير: أعزكم الله، الذي يُستخدم لتنزيه المُستمع عما يُستقذر من أشياء وأفعال كالأحذية والحمامات وما يتعلق بها. ونتيجة لهذا التفكير المُعادي للمرأة، لا يزال أغلب نقاد الأدب مختلفين حول ماهية (الأدب النسائي) - قبل أن يتفوق عليهم الجيل الجديد من رواد الإنترنت ليُناقشوا ماهية (الأدب الذي يُسمح للمرأة بقراءته) - حيث تنطلق فرضية هؤلاء الأساسية من كون المرأة كائناً مُعاقاً فكرياً لا يستطيع القراءة والإبداع، وعليه فإن أي إنتاجٍ لهذا الكائن غير القادر على التفكير يوضع آلياً في خانة القطع التي تكتبها القردة على الآلات الكاتبة لدراسة محتواه بمعزلٍ عن المسار العام للفكر الإنساني بوصفه شيئاً خارجاً عنه.
والتدوين - البدعة الجديدة - جزء من المسار العام للفكر الإنساني، وعليه فإن أي نزعاتٍ تدوينية نسائية يجب أن تُدرس بمعزلٍ عن الإطار العام للتدوين بوصفها عجائب كقصائد القردة على الآلات الكاتبة. لذا يستفسر الجميع: لماذا تدون المرأة؟ وما الذي أضافته إلى التدوين؟ ولماذا كثيرٌ من المدونات النسائية عبارة عن دفاتر شخصية؟
تفترض هذه الأسئلة - التي لا علاقة لها بروح التدوين - أن المدونات الرجالية - بالمقابل - (ترش) الفائدة رشاً على زوارها، وأن كُل قارئ للمدونات الرجالية سيجد الأجوبة على كُل شيء، ابتداء من سؤال البيضة والدجاجة، إلى نظرية كُل شيء التي يحاول علماء الفيزياء العثور عليها كما حاول الخيميائيون قبلهم إيجاد حجر الفلاسفة.
كذلك، تفترض هذه الأسئلة أن المدونين مجموعة من الأقلام في جوقةٍ واحدةٍ، وأن كُل مدونٍ مسؤول عن بقية المدونات، وعن الخط العام للتفكير عند المدونين الآخرين. وتعكس نزعاتٍ قمعية تجعل جميع المدونين عُرضة للمحاسبة على محتويات مدوناتهم، وعلى أجناسهم وأنماط تفكيرهم واهتماماتهم وهواياتهم، بل وحتى اختياراتهم للألوان في مدوناتهم. بحيث يُصبح الجميع مجرد خيوطٍ بنية مهترئة مترادفة في نسيج واحدٍ مدعٍ.
المضحك في الأمر النساء أنفسهن، فهُناك تعطشٌ شديد من قبلهن لأن يعترف الرجال بهن يجعلهن يوافقنهم على كُل ما يقولونه ويدعونه، ويجعلهن يتقبلن التهميش والإخراج من المسار الفكري العام للإنسانية بوصفهن حالاتٍ شاذة ينبغي أن تُدرس بمعزلٍ عما حولها معنونة بلافتة: تدوين نسائي. إنهن مستعداتٌ لأن يمسخن أنفسهن، ويُغيرن أفكارهن ومعتقداتهن، ويزن آراءهن دوماً بميزانٍ رجالي، فقط ليحظين بإشادة رجالية: "والأخت [فلانة] من خيرة المدونات التي يعتز بها التدوين النسائي [الإسلامي]".
التدوين فعلٌ فردي. والعلاقات القائمة في المجتمعات التدوينية علاقاتٌ مبنية على الاختيار والتكافؤ، لا على التصنيف والتجيير، وحشر البيض كله في سلةٍ واحدة اسمها التدوين النسائي.
قريباً جداً، سيُطالب كل عابرٍ في مدونةٍ بإبداء بطاقة هويته للمساعدة في تقديم كشف حساب: كم عدد زوار المدونات النسائية من الرجال والنساء؟ كم عدد زوار المدونات الرجالية من النساء والرجال؟
طبعاً، ينبغي على كُل امرأة أن ترتدي خمارها حين تدخل مدونة رجلٍ، ويا حبذا لو ارتدت قفازين وجاءت بمحرمٍ إلى جوارها. أما الرجال، فينبغي عليهم غض البصر، والاستئذان قبل الدخول. وبالتأكيد، ينبغي على الطرفين تجنب كتابة "هههههه" وإلا كان مصيرهم جهنم وبئس المهاد.
مرحباً بكـ(ـن) في القرن الحادي والعشرين.