17 يونيو 2011

القارة المفقودة - 1

(كانت هذه التدوينة مُعدةً للنشر قبل ثورة تونس، وتأجل نشرها بسبب الأوضاع الثورية في العالم العربي، لذلك فإن كثيراً مما يردُ فيها قد صار في حكم التاريخ المنصرم. مع ذلك، أعتقد أنه ينبغي أن تُنشَر طالما أنني وعدتُ بأن أنشر جزءاً من انطباعاتي حول رحلة الجزائر.)
أول ما رأيت من الجزائر العاصمة - بعد مطار هوّاري بومديّن - كان مقر شركة أوراسكوم العملاق، ما جعلني أبتسم وقد استرجعتُ سجالاً طويلاً دار حول أوراسكوم في الجزائر، وشركاتِ الهاتف الجزائرية الثلاث: دجيزي، موبيليز ونجمة. سببُ هذه الابتسامةِ أن المرء يُلاحِظُ في الأمكنة الجديدة الأشياء التي تُثير اهتمامه، غير أن مبنى أوراسكوم لم يكن مُحتاجاً إلى مُلاحظة لأنه موضوعٌ هُناك ليراه كُل ذي عينين من دون أدنى جهد. لا يعود اهتمامي بأوراسكوم إلى السجالِ المُرتبط بمباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، وإنما لكونها شركة اتصالاتٍ عملاقةٍ ذات علامة دولية يُمكِن أن تتحولَ إلى شيء شبيهٍ بشركة الاتصالات المكسيكية التي صنع منها كارلوس سليم حلو ثروته الطائلة.
كانت مناظر الخضرة مُنعشةً بعد الفضاءات ما بعد الحداثية الخانقة للمطارات والطائرات - التي تُشبه الأسماك بالمناسبة - وذكرتني بالخضرة التي تُحيط بمطارِ القاهرة الدولي. كُنا منطلقين إلى الشرق من الجزائر العاصمة بينما كُنت أفكر في أن عليهم أن يزرعوا الأشجار في الشوارع المُحيطة بمطار صنعاء الدولي لئلا يشعر الزائر بأنه قد نزل أرضاً غُبارية، ثُم عُدت وفكرتُ في أن ذلك سيكون نوعاً من الغِش لأن صنعاء عاصمةٌ غُباريةٌ فعلاً - ولعل كونها مبنية من التراب والحجر ومُغطاةً بالغبار ما يُعطيها طابعها الخاص، وإن كان في صنعاء القديمة مقشامات وبساتين وسط المساحات الحجرية. رغم الخضرةِ في الجزائر العاصمة، ومقر أوراسكوم العملاق، إلا أنها كانت مثل اليمن بشكلٍ ما، مألوفةً جداً، وإن مختلفة قليلاً، تجعلك تُحس بأنك هُنا ولست هُنا في الوقتَ نفسه.

فداحة الوجود
أخذت الخضرة تزداد وتزداد، ولم يبدُ أنها ستنقطع، فرحتُ أقارن ما أراه بمعلوماتي الجغرافية عن الجزائر. أتذكر شكل الجزائر من خريطة العالم العربي التي كانت مُعلقةً في بيتنا القديم في طفولتي، حين كُنت أتخيلها امرأةً جميلةً وحزينة، وليبيا امرأةً تواسي أختيها، ومصر والسودان امرأةً جالسةً وقد أدركت فداحة الوجود. لا أعرفُ حتى الآن لِمَ كُنت أتخيل الدول الأربع على هيئة نساءٍ أزلياتِ الحُزن، لكن هذا الخيالَ ظل معي إلى الآن. أعرف أن مُعظم مساحة الجزائر صحراء، وأن الصحراء الجزائرية تحتوي أماكن فريدةً من حيث تركيبها الجيولوجي وأشكال الحياة الموجودة فيها، كما أن منطقة الطاسيلي موجودةٌ فيها، بما فيها من تضاريس غامضة وموحية. كُنت أعرف أن مناطق المُرتفعات باردة، لكنني لم أتوقع أن تكون خضراء بحيث تُذكرني بسُمارة - منطقة من أجمل المناطق في اليمن. أخذت الجبالُ تظهر، لكن جبال الجزائر تختلف عن جبالِ اليمن السوداء. (الجبال التي أختنق منها في اليمن، ثم أفتقدها - أول ما أفتقد - في أي مكانٍ أحط فيه). ثم عبرنا ما عرفتُ لاحقاً أنه واد زيان، فكانت رحلةً لم أرد لها أن تنتهي. (رغم أنهم أخبروني بأن هذا ليس أجمل ما في الجزائر).
قبل أن نذهب إلى الشرق، حذرنا الجزائريون من شيئين: البرد الشديد وطبائع أهل المنطقة المحافظة جداً. يُمكِن التغلب على البرد بسهولة، أما المُحافظَة، فاليمن نفسها بلدٌ محافظ ولا مُشكلةَ إذن في الخروج من مكانٍ مُحافظ إلى آخر مثله في المُحافظة. غير أنني ضحكتُ كثيراً من فرقِ المُصطلحاتِ بين الجزائر وبين الجزيرة العربية، فما يدعونه هُم محافظةً، ندعوه في اليمن - وفي الجزيرة عموماً - انفتاحاً. النساء محجبات من دون مُبالغة، لم أرَ نقاباً - باستثناء مرةٍ واحدةٍ في المطار، ولا توجد عباءات أو إسدالات أو خمارات أو جلابيب، ولا مُشكلةَ في الانتقالات والذهاب والمجيء، والطلاب والطالبات يجلسون سويةً، ويأتون بالحافلات من ولاياتٍ أخرى لحضور التجمعات الثقافية، ويعبرون عن أفكارهم بسهولةٍ وعفوية، مهما كانت هذه الأفكار. مثل هذا يوجد في اليمن، لكن في المناطق المنفتحة انفتاحاً شديداً، حيثُ لا يُعدُ لِبسُ معطفٍ أحمر إساءة لا تُغتفر في حق المُجتمع، وحيثُ لا يُعدُ لبس السروال جريمةً شنعاء ينبغي أن تُعاقَب مُرتكبتها على رؤوس الأشهاد. وكثيرٌ من (المحافظين) اليمنيين يُدين مثل هذه السلوكيات (الخارجة عن الدين والعرف).
كُنت قد ذهبتُ إلى الجزائر في أسوأ مزاجٍ يُمكِن أن يحتمله إنسانٌ من دون أن يموت، ولم يُساهِم الترانزيت الطويل في الدوحة في التخفيف من سوء المزاج هذا - بل أعتقد أنه فاقمه. قبل سفري، عرفتُ بالصدفةِ بقضيةٍ تخص مبتعثاً عربياً إلى الولايات المُتحدة الأمريكية اتهِم بالاعتداء على خادمته، ومن ثم قادتني متاهات وصلات شبكة الإنترنت إلى ملفات تعذيب الخدم في بعض الدول العربية، ومن ثم ملفات التعذيب العربية عموماً، ومن ثم إلى جلد امرأةٍ في السودان لارتدائها السروال. (القضية التي كُنا نتحدث عنها نظرياً قبل سنة). يُذكرني الأمر بتعليق فيودور دوستويفسكي على لوحة هانز هولبين الصغير الشهيرة "جسد المسيح الميت في المقبرة": "إنها لوحة تُفقِد المرء إيمانه." الشريط المسجل للواقعة "الرعب! الرعب!" مجسداً. حين ذهبتُ إلى الجزائر، لم أكن أنوي أن تكون رحلةً طيبةً، وإنما انتقالاً من مكانٍ إلى مكانٍ آخر يختلف عنه فقط في درجة الاغتراب الداخلي. وفي مطار الدوحة، أمضيت الليل أشاهد الناس من حولي بعينٍ مُحايدة لأنني فقدتُ اتصالي بالبشرية. هُناك، شاهدت فتاتين في مثل عمري، واحدةٌ منهما تتصرف بطريقةٍ متسلطة قليلاً. خيُلَ إلّي أنهما صديقتان، ثم انتبهت إلى فرق اللباس وفرق اللون بين الاثنتين. ذهبت الفتاة الخاضعة لتطلب وجبةً من المطعم، وبعد عدةِ مراتٍ رفضت فيها الفتاة المتسلطة الوجبة المُختارة - بعد أن اختارتها- تنازلت وقبلت أن تتناول الطعام، وألزمت رفيقتها بتناول وجبة معينة رغم إرادتها. ثم فجأة، بينما كانت الصبية الخاضعة تتناول الطعام، أوقفتها المتسلطة بحركةٍ من يدها، وأعلنت أنها غير راغبة في أن تأكل. نهضت، فنهضت الفتاة الخاضعة في إثرها، تحمل لها حقيبتها، وتمشي متأخرة عنها بخطوة. فطنت - متأخراً جداً - إلى حقيقة العلاقة بين الاثنتين: إنهما سيدة وخادمتها. كانت هذه الخاتمة الصغيرة مُناسبةً للبشاعة التي عرفتها.

عملات، علامات، فرنسية!
قبل السفر إلى الجزائر، حذرني بعض معارفي من مغبة السفر إليها مع جهلي بالفرنسية، وصوروا لي مصيراً أسود ينتظرني هُناك، حيث سأضيع وستختلط الطرقات علّي، ولن يُساعدني أحد لأنني لا أجيد الفرنسية، ولن أفهم اللهجة الجزائرية. غير أنني توكلتُ على الله، فهم يُبالغون من دون شك، وعلى فرضِ أنهم لا يُبالغون، حتى السامرة لم تخل من سامري صالح، فكيف بالجزائر؟ كان الطريقُ جميلاً، وزاده جمالاً الحديث بالدارجة الجزائرية الذي سمعته. في البداية، لم أفهم شيئاً تقريباً. ثم بدأت الكلمات تتضح لي شيئاً فشيئاً. كُنت أقل الواصلين كلاماً، فوُجِهَت إلّي أكثر العبارات لئلا أشعر بالوحشة. وفي ثلاث ساعات، تعلمتُ من الدارجة الجزائرية المستخدمة في الشرق ما أفادني طوال المدة التي قضيتها في الجزائر. (عندما فهم أحد محدّثي أنني أفهم معظم الكلام، تحول - مازحاً - إلى الحديث بالتمازِغت - الأمازيغية - ولم أدرِ بأي لهجةٍ كان يتحدث، فالأمازيغية في الجزائر عدة لهجات - على حد علمي).
شيئاً فشيئاً، فعلت الطبيعة فعلها، فأخذ مزاجي يصفو. كان الصباحُ جميلاً في الشرق، والمدينة هادئة ومرحبة بالغرباء. (خُيِّلَ لي في البداية أن الجزائريين يتعاملون مع الغرباء بشكلٍ عادي، ثم اتضح لي أنهم يعتقدون أنني من الجزائر أصلاً، لذلك يتوقعون مني أن أعرف أن خمسين ألف تعني خمسمائة دينارٍ، لا خراب ديارٍ.) في الطريق، عرفتُ أن الجزائريين يتعاملون باليورو (الأورو) أكثر من الدولار، واستنتجت شيئاً غير طبيعي في الحسابات: الدولار يساوي ثمانين ديناراً جزائرياً، وإذا كان راتب معلم الابتدائية يساوي أربعمائة وخمسين ألف دينارٍ، فهذا يعني أن متوسط الرواتب في الجزائر قريبٌ من ستة آلاف دولارٍ شهرياً، مما يعني دخلاً سنوياً يزيد عن سبعين ألف دولارٍ. صحيح أن الجزائر بلدٌ نفطي، لكن هذا نوعٌ الفانتازيا. كان رفاقُ السفر مبهورين بالثراء الفاحِش للجزائريين، رغم تواضع المركبات في الشارع - انتبه أحدُ من كانوا معنا من الجزائريين إلى وجود خللٍ في السياق، لكنه لم يعرف مصدره، ولم يُعلق - فالمشارقة غرباء الأطوار عموماً. في الفندق كانوا معتادين أكثر على التعامل مع المشارقة، فكانوا يحسبون لنا الأسعار بالدولار وبالدينار الجزائري، مما جعل الميزان يعتدلُ قليلاً - والأسعار في الجزائر مرتفعة عنها في اليمن: ساعة الإنترنت في اليمن في أي مقهىً عادي تُكِلُفُ خمسة وثلاثين سنتاً، بينما تُكلِف مثيلتها في الجزائر خمسة وسبعينَ سنتاً - أعتقد أن الفرق يعود للاختلاف بين سعر الدولار وسعر اليورو. في المدينة، يختلف الأمر، إذ أن أصلي المشارقي ليس مكتوباً على وجهي، وعزوفي عن الكلام يجعلُني أقرب إلى الطبيعة الجزائرية. ببساطة يُخبرني البائع: "خمسين ألف!" لكن! أنا لا أملك مثل هذا المبلغ، ولا أتصور أن البضاعة التي اشتريتها تستحق هذا المبلغ - حتى لو بلغت معدلات التضخم في الجزائر مائتين في المائة. قدمت له ألف دينارٍ - كانت كُل ما بحوزتي في أولِ جولةٍ صباحية - فضحك، "من وين؟" "من اليمن." "لا! راكي جزايرية!" "لا، من اليمن." نظر مستغرباً - نظرات الاستغراب الجزائرية موحدة بالمناسبة، كأنها جزء من اللهجة - وابتسم وسأل عن حال اليمن السعيد، وعمّا إذا كان لا يزالُ سعيداً - كُل الجزائريين يسألون عمّا إذا كان "لا يزال" سعيداً - ثم أخذ يشرح لي العملات المختلفة في الجزائر، ونظام التسعير بالسنتيم. (الآن، اعتدل الميزان تماماً).
كان التجول في المدينة صباحاً هوايةً مُحببةً لي رغم البرد الشديد - الذي قال لي موظفو الفندق باسمين أنه ليس برداً، وإنما بقايا الخريف - فصفاء الجو يُصفي الفكر، وملاحظة أنماط العمارة والعلامات التجارية في الشوارع وتعاملات الناس كُلها هواياتٌ لي. كانت أول علامة حيرتني في الجزائر علامة "طاكسي فون" التي أجدها على محالِ الاتصالات بجوارِ علامات موبيليز ودجيزي ونجمة. لم أكن قد سمعتُ بهذه العلامة من قبل، فسجلتها في رأسي لأعرف ماهيتها، وخيُلَ إلّي أنها قد تكون خدمةً مملوكة للدولة مثل يمن نِت، حتى استنتجت أن "طاكسي فون" تعني "هاتف عمومي" أو "محل اتصالات" - كما نقول في اليمن. (وبالمناسبة، محل الإنترنت أو مقهى الإنترنت أو النت - ببساطة - يُسمى سيبْر هُناك - ليس سايبر، كما تُنطق في مصر).
أكثر شركات السيارات انتشاراً في الجزائر الشركات الأوروبية - بطبيعة الحال - خصوصاً رينو، بينما تشيع السيارات الآسيوية والأمريكية في اليمن. بعد رينو، تأتي شركتا بيجو وفيات، ثم مرسيدس بنز- في العاصمة. لم أشاهد سيارات دفعٍ رُباعي في الشرق، ولا سيارات SUV، وفي العاصمة كانت تلك السيارات نادرة نُدرة سيارات رينو في صنعاء. كان هُناك حضورٌ خجولٌ لهيونداي، وإن بطرازٍ يُشبه طرازات رينو الصغيرة التي لا تحتوي على مكانِ تخزينٍ خلفي. هُناك أيضاً طرازات قديمة من سيارات داسيا في حالةٍ ممتازة - لو كان لدي المال الكافي لاشتريتُها، ومن ثم بعتها في مزادٍ عالمي على الإنترنت. في المُقابل، فإن سيارات تويوتا (خصوصاً كرسيدا وكورولا وكامري) ونيسان وهيونداي وهوندا وسوزوكي (طراز فيتارا بالذات) ودايهاتسو تشيعُ في شوارع صنعاء، ومن السيارات الأوروبية تشيع سيارة مرسيدس بنز وBMW وأحد موديلات البيجوت (بيجو) الكبيرة - وتحضر علامات مثل بورشه وفيراري وحتى رولز رويس. أما السيارات الأمريكية، فتقودها الهمر بقبحها المميز، وسيارات GMC الباعثة على النفور. إذ أن اليمن تتبع السوق الخليجية، بينما تتبع الجزائر السوق الأوروبية، والإقليم الفرنسي تحديداً - كما يظهر من إعدادات نظام ويندوز في حواسيب مقاهي الإنترنت، ومن لواحق البريد الإلكتروني .fr، ومن إعدادات البرامج مثل موزيلا فايرفوكس وغوغل كروم.
علامات محلات الملابس كانت أكثر شمولية: ليفاي، أديداس، بوما، برادا كُلها أسماء توجدُ في معظم عواصم العالم - بنفسِ الدرجة من الانتشار تقريباً. صار مصدر تسليةٍ لي تخمينُ الأسعار في محلٍ مُعين من العلامات على بابه، واكتشاف اقتراب تخميني من القيمة المُسماة للبضاعة - تعتمد المسألة على حسابِ متوسطِ أسعار هذه البضائع بالدولار، ثم إضافة نصف دولارٍ إلى كُل دولار، وتحويل الناتج إلى دينارٍ جزائري، ومن ثم حسابه بالسنتيم. في هذه الحالة، تُصبح مثل هذه البضائع أرخص - نسبياً - في اليمن، لأن اليمن تتبع نظام التسعير بالدولار، لا باليورو. وفي كُلِ الأحوال، لستُ من هواة اقتناء البضائع ذاتِ العلامات التجارية.
حتى في الشرق الجزائري - الذي ليس سطيف - أطلت تفاحة آبل المقضومة برأسها. رسمت علامة آبل أعرض ابتسامة على وجهي استطاعت أن ترسمها علامة تجارية - ليس ولعاً بآبل، وإنما إعجاباً بدهاء القائمين عليها: آبل تتضخم بشكلٍ أخطبوطي، ولو تمكنت من فرض نفوذها على الإقليمين الفرنسي والياباني، لصارت أيقونةً ثقافية لها نفوذ كوكا كولا ومكدونالدز. (حضور كوكا كولا في الجزائر أقل منه في عواصم عربيةٍ أخرى بسبب تشجيع المشروبات الغازية المُنتجة محلياً، ولم أرَ مطعم مكدونالدز في العاصمة، لكنني لم أذرعها كاملة). مبعث إعجابي بآبل أنها لا تعتمد نظام حق الامتياز franchising في تسويق علامتها التجارية، ومع ذلك فإنها تفلح في الظهور في أماكِن غير متوقعة من العالم.

أكاديميا
في رحاب الأكاديميا، لم يكن الوضع مُختلفاً كثيراً عنه في اليمن. المنصة ذات المنصة، واستظرافها ذات الاستظراف، والمتحدثون الذين يتصارعون مع الوقت ومع رؤساء الجلسات. غير أن شيئاً اختلف: الطُلابُ لا يُعتقِون مُتحدثاً من السؤال عن كُلِ شاردةٍ وواردةٍ في كلامه. السياقُ كان الفرنكفونية - حتى بالعربية - لذلك كان الحضور الأنكلوفوني مثار تعجب سمح لي بالتأمل في العلاقة بين اللغة ونمط التفكير: حتى إذا كانت اللغة السائدة العربية، فإن نمط التفكير الأنكلوفوني يختلف عن الفرنكفوني اختلافاً بيناً، وكذلك يختلفان في تعريف المصطلحات، وفي تعريف أصول القضايا. ما أثار الاستغراب أكثر الاعتقاد بأنني من الجزائر، وفرص العثور على جزائري أنكلوفوني شبيهة بفرص العثور على ياباني لاتيني. جلاء الريب عن أصولي المشارقية يقودُ إلى مزيدٍ من التوضيح: لا تشيعُ الأنكلوفونية في اليمن، بل الفرنكفونية - كما جاءت عن طريق مترجمي المغرب العربي والشام ومصر - رغم أن اللغة الأجنبية الأولى في اليمن، الإنكليزية. انتشار اللغة الإنكليزية لا يعني انتشار الأنكلوفونية، لأن السياقات الثقافية في اليمن تبقى محكومة بالفكر الفرنكفوني، وبتعريفاته للمصطلحات النقدية، وللنظريات الثقافية، وبطريقته في استخدام اللغة وعلامات الترقيم. بل إنني اكتشفت أن عدد الأنكلوفونيين قليلٌ جداً في العالم العربي بينما كُنت أُجيب عن أسئلة من الزملاء تتعلق بمدى انتشار الأنكلوفونية في العالم العربي. كان هُناك تيارٌ أنكلوفوني في مصر، من رواده رشاد رشدي وماهر شفيق فريد ومحمد عناني، ثم توارى وتوارت معه آخر معاقل الأنكلوفونية في العالم العربي، لتُستبدل بنصر الفرنكفونية المؤزر.
الفرنكفونية كابوسٌ مُقيمٌ للأنكلوفونيين بسبب (عاطفتها) الفكرية الجامحة، وانفلاتها في تعريف المصطلحات واستخدامها، وإفراطها في (رسم) هيئة الثقافة بدلاً من أن تدخل في عُمق الثقافة. الأنكلوفونية براغماتية، متحفظة، تُسمي الأشياء بأسمائها، باردة، عقلانية، تربط السياقات الثقافية عادة بالتقليد الثقافي، وتُعرف المصطلحات بطريقة تختلف عن مثيلتها الفرنكفونية، ولا تصلح لهواة التحول إلى أيقوناتٍ ثقافية. علاقة الفرنكفونيين باللغة تختلف عن علاقة الأنكلوفونيين بها، فبينما يوقر الفرنكفونيون اللغة لذاتها وبوصفها كياناً مُجرداً، يحترمها الأنكلوفونيون لأنها تؤدي غرض التواصل - بالدرجة الأولى، وتتطور لتلائم السياقات الحياتية المختلفة. والكلاسيكية الفرنكفونية تختلف عن الكلاسيكية الأنكلوفونية، فبينما يُوقِر الفرنكفونيون الأعمال الفنية - التماثيل، اللوحات، الموسيقى، الرقص، والروايات الشعبية - يحترم الأنكلوفونيون الفلسفة والتاريخ وواقع الأشياء، وبينما يوقِرُ الفرنكفونيون الأجداد، فإن الأنكلوفونيين يحترمون التقليد الثقافي للأجداد.
مع ذلك، كانت الاختلافات في السياق مُثيرة للاهتمام، وتسمح بتعدد وجهات النظر، وتقديم تفسيراتٍ مُختلفة للمسائل المطروحة للنقاش. الأمرُ يختلف عن حضور محفلٍ أنكلوفوني، فالفرنكفونيين يطرحون أشياء مختلفة عمّا نعتقده عنهم، ووجدتُ أن بعض التفسيرات الأنكلوفونية للنظريات الفرنكفونية تختلف عمّا يرمي إليه الفرنكفونيون. عدا عن ذلك، فإن ذيوع البنيوية وما بعدها والتفكيكية كان مُرعباً. الأمرُ يُشبه القانون. (والحالُ كذلك في اليمن).
رغم أننا نتحدث اللغة نفسها، إلا أن استخدام العربية الفصحى في المشرق يختلف عنه في المغرب. (ورغم ذلك، يوجد من يُصِر على تجاهلُ هذه الحقيقة بزعم أن اللغة العربية واحدة). في كثيرٍ من الأحيان، كُنت بحاجة إلى التحقق من طبيعة اللافتات والإرشادات التي قرأتها، رغم أنها بالعربية الفُصحى. واشتكى إلّي بعض الزملاء الجزائريين من الفُصحى المشارقية التي تستخدم مصطلحاتٍ غريبة، وتراكيب جملٍ ثقيلة. الاختلاف بين الفصحى المشارقية والفصحى المغاربية قد يؤدي إلى خللٍ في السياق أحياناً، فجملةٌ بسيطة بالفصحى المغاربية: "رأى الرجلُ خللاً، فكاتب الصحيفة الجهوية." ستحمل تفسيراً سلبياً في المشرق، إذ أن الرجل المقصود مثير مشاكل، يتعامل مع الصحف الطائفية التي تُثير النعرات، بينما تعني العبارة أن الرجل نشر شكواه في الصحيفة المحلية. أعتقد أن الاعتراف بهذه الاختلافات واحترامها واجبٌ على المشارقة - كما هو واجبٌ على المغاربة - فلا أرى فضلاً لفُصحى المشرق على فُصحى المغرب، والتنوع يُثري اللغة العربية، ويُثري الشخصية العربية. ربما، نميلُ في العالم العربي إلى قمعِ تنوعنا الثقافي بتغليب نمطٍ واحد، والادعاء بأنه النمط الموجود في كُل مكان، مثل زيٍ موحدٍ إجباري يُفرض على كُل مكان. التنوع يجعلنا أغنى، أما القمع فيؤدي إلى أحمالٍ تاريخية من سوء الفهم المتبادل، والشعور بالنبذ والإقصاء، وتشظي الهوية.

مع ذرة ملح...
يشيع اعتقادٌ بأن الجزائريين صريحون أكثر مما ينبغي، وصامتون أكثر مما ينبغي - مع أن كثيراً من المدونات الجزائرية التي أقرأها لا تكف عن (الهدرة). خلافاً لهذا، أعتقد أنهم - بشكلٍ عام - صريحون بما يكفي وصامتون بما يكفي. في جلسةٍ ودية مع طلابٍ جزائريين، سُئلتُ أسئلةً صريحة ومحددة، تدلُ على اطلاعٍ جيدٍ على أحوال اليمن. واحدٌ من هذه الأسئلة لم يسأله أساتذةٌ من دولٍ عربية أخرى: ما أطروحةُ الحكم التي يعتمد عليها الحوثيون لتبرير تمردهم؟ وما رؤيتهم البديلة للنظام السياسي في اليمن؟ (هاه!) "حسناً، مما أعرفه، فإن الحوثيين الكبار يريدون إقامة نظامٍ إمامّي مُجدداً، حيث شرط الحكم الانتساب إلى الهاشميين." "أها! مثل إخواننا في المغرب!" ثم تطوع آخرون ليشرحوا لي ذيوع المذهب المالكي في الجزائر. طبعاً، لا يُمكِن قبول العبارة على إطلاقها، إذ لا بُد من ذرة ملحٍ مع كُل تصريحٍ شمولي (blanket statement) من قبيل: "إن الجزائر برمتها مالكية". قد يحتملُ هذا التصريح الحقيقة، وقد لا يحتمل، لكن عدد السكان في الجزائر يسمح بوجود أقلية غير مالكية.
كانت هُناك أسئلةٌ طريفة من قبيل: "لماذا تزرعون في الجبال؟" و"لماذا تبنون بيوتكم فوق الجبال؟" و"لماذا جبالكم سوداء؟" و"لماذا تختلف المظاهر المعمارية اختلافاً جلياً بين مُدنِكم القديمة؟"، وأسئلةٌ عن الحياة في اليمن، تدلُ على اطلاعٍ لا بأس به على الوضع في البلد. كان الأمرُ غريباً بعض الشيء، لأنني اعتدتُ على الجهل المُطبق بالحالة اليمنية من قبل جميع الأشقاء العرب. (وجميعهم يتحجج بضعف التركيز الإعلامي على اليمن!). بل إن هُناك من يعتقد أن أهل اليمن يعيشون في خيامِ، وأن العاصمة عبارةٌ عن مجموعة من الخيام المتناثرة. وجدتُ الجزائريين يشتكون من الأمرِ نفسه، فالأشقاء العرب قد توقفوا في رؤيتهم للجزائر عند الثورة الجزائرية وجميلة بوحيرد، وفقاً لصورةٍ رومانتيكية أُنتِجَت في ظروفٍ مُعينة، بينما يجهلون الفظائع الفرنسية المُرتكبة في الجزائر فعلاً. ويجهلون وضع الجزائر بعد الثورة حتى يومنا هذا.
بدوري، سألتهم عن التوتر بين العرب والأمازيغ. واكتشفت أن أكثر من نصف الجالسين أمازيغ، وأن ما نعتقده واحداً في الأصل مُتعدد، فالأمازيغ - في الجزائر - ينقسمون إلى: شاوية وشناوية وقبايل وطويريق وميزابية. قالوا إن الأمور أفضل مما يُنشر في وسائل الإعلام. (وفقاً لوسائل الإعلام، فاليمن قد انقرضت منذ زمن). وإن المشاكل الموجودة مشاكلٌ تخص كل الجزائريين، وأخبروني عن صحفٍ تُنشر بالتمازغت. عندما قلت إنني سمعتُ أحد الناشطين الأمازيغ يُطالب بقنواتٍ تلفزيونية ناطقة بالأمازيغية، أو ببرامج مُخصصة للأمازيغ. ضحك الحضور جميعاً، فالتلفاز الجزائري مثالٌ على الإعلام الحكومي التعيس، يُنافس التلفاز اليمني في البؤس، بل ويتفوق عليه. أحدٌ الحاضرين علّق مازحاً: "نريد تلفزةً صالحة للاستهلاك الآدمي أولاً!" ثم اتفق الجالسون على أن المشاكل بين العرب والأمازيغ نتيجة لتدخلاتٍ فرنسية، وقالوا لي ببراءة منقطعة النظير: "نحن لا نعرف ما الذي تريده فرنسا من الجزائر! بالكاد خرجوا من عندنا وها هم يعودون الآن! لديهم بلدهم، فلماذا يريدون بلدنا؟" حسناً، بمُجرد أن رأيتُ الجزائر العاصمة من الطائرة، عرفتُ لماذا بقيت فرنسا فيها كُل هذا الوقت. وبعبورِ جزءٍ من الجزائر، وصلتُ إلى قناعةٍ مفادها أنني لو كُنت فرنسا، لما خرجت من الجزائر ولو هلكت دونها. الجزائر بلدٌ شاسع، وجميلٌ للغاية. أعتقد أنها مثل الفردوس المفقود بالنسبة للفرنسيين، ولعلهم يودون لو أنهم أبادوا الشعب الجزائري عن بكرة أبيه ولم يخرجوا. منطقيٌ جداً أن ترغب فرنسا في الرجوع إلى الجزائر، لكن غيرَ المنطقي أن يُمكِنها الجزائريون من ذلك بعد الدم الذي نزفوه، والتضحيات التي قدموها، والفظائع التي ارتكبها الاستعمار في بلدهم الطيب.
لسببٍ ما، اتفق الحاضرون على أن فرنسا تعمل في منطقة القبايل أكثر، وأن القبايل الخاصرة الرخوة للجزائر. (رُبما لأنه لم يوجد قِبَيلي واحد في المكان، مع أن المنطقة التي كُنا فيها منطقةٌ من مناطق انتشار القبايل التقليدية). بحُكم ميلي إلى اتخاذ موقف محامي الغائب، وجدتُ أن علّي تعكير صفو المتفقين: "مع أنني استمعت إلى حسين آيت أحمد يتحدث عن ذلك في التلفاز. حسين آيت أحمد قِبَيلي، صحيح؟ وأحد مناضلي الثورة الجزائرية. إنه رجلٌ وطني مُحترم، وليس عندي شكٌ في أن في القبايل كثيرين ممن هم مثله."
بعد هذا التصريح، تراجع الاتفاق قليلاً. ليس من العدل تحميلُ المشكلة لجزءٌ من الشعب. هذا يُعقد المسائل كثيراً. واتفقنا على ذلك. تحدثنا عن السياسة الجزائرية، ولأن الجزائريون معتادون على كونهم شعباً نسيه إخوته، بدا غريباً لهم معرفتي لرؤساء الجزائر منذ أحمد بن بيلا حتى عبد العزيز بوتفليقه، ومعرفتي بسنوات الإرهاب، التي أخبروني باسمها الشائع في الجزائر: "العشرية السوداء". حكوا لي حكاياتٍ مُرعبةٍ عن سنوات الإرهاب، لكنني أعرف أنها جزءٌ من الرعب الذي كان سائداً، فقد سمعتُ أفظع منها في طفولتي.
في كُلِ مكانٍ رأيته، وجدتُ القلوب مهمومة. الجزائريون عاتبون علينا حتى نخاع العظم، لأننا تخلينا عنهم في أحلك ساعاتِهم. كانت البلد في حربٍ أهلية، والجميعُ يتفرج. أتفهم شعور الشعب المتروك تماماً، فنحنُ أيضاً شعبٌ تُخلّي عنه لسببٍ مجهول. مع أن الجزائريين من أكثر من رأيتُ من العرب اهتماماً بأحوال الشعوب العربية الأخرى. الحربُ الأهلية لا تزالُ تُلقي ظلاٌ مُرعباً بعد عقدٍ من الهدوء. الناسُ يواصلون حياتهم، لكن الجزائر بحاجةٍ إلى استقرارٍ أكثر رسوخاً، ومصارحاتٍ ومصالحات. الجزائر بحاجة إلى أن نتجاوز مرحلة "ثورة الجزائر" ذات الصورة الرومانتيكية، وننظر إليها كما هي حقاً. إذا كُنا لا نستطيع جبر جراحها، فعلى الأقل، يُمكننا ألا نضيف إليها إقصاء لجزء حيوي من الثقافة العربية - بشقها الأمازيغي، كذلك.
بعد جلسةٍ صريحة، من تبادل الهموم، ومن تصويب العبارات الشمولية، عادت الابتسامات، أوسع، وأكثر حرارةً وودية. الطريفُ أن أحد الزملاء المشارقة جاء بعدها، وسأل: "يا جماعة! ما مشكلة الأمازيغ؟ نسمع أنهم عاملين لكم قلق! هم ليسوا عرباً حتى!" كان الرد صمتاً جماعياً، بعدها اشتكى لي الزميل من "هؤلاء الجزائريين الصامتين". ذكرني الأمرُ بجلسةً في اليمن، إذ كنا نجلس مع مجموعة من الزملاء والزميلاتِ على طاولةِ حوارٍ ودي. وأفضى حديثٌ إلى حديثٍ، فتناولنا سلسلة ما وراء الطبيعة، وكيف أنها - غالباً - أحادية النظرة، تُكرِّسُ نمطَ خطابٍ موحداً يُقصي الآخر. دق أحد الزملاء الطاولة مُعترضاً، فليس علينا أن نحسب حساب المسيحيين في كُل شيء، وأنه يكفي كمية الشخصيات الأجنبية في السلسلة التي تصدى الكاتب للرد عليها، وتحجيمها - ضمن عباراتٍ أخرى. ما لم يفطن إليه الزميل وجود زميلةٍ مسيحية بيننا، لأنه يعتقد - ببساطة - أن المسيحين شعرهم أصفر وعيونهم زرقاء ويلبسون (من غير هدوم). الشاهد في القصة أن عليك أن تتأكد ممن تتحدث إليهم، وأن تحسب حساب الآخر دائماً. قد يُشاركك الآخر لون جلدك وشعرك وعينيك، ولغتك وثقافتك.

2 تعليقات:

I.G.B يقول...

اعجبتني للغاية خواطرك عن السفر والجزائر .. وان اختلفت نبرة الحديث عن تدويناتك السابقة .. فمن الصعب عليّ ان اقرأ لك تدوينة تخلو من الفاظ مثل "فاينز , مفستوفيليس و شارب الوغد وغيرها"
فهذه التدوينة الفاظها غير السابقات وافكارها براقة متوهجة تشعرني بالحماس لزيارة الجزائر ورؤية ماقد رأيتي .
فشكرا لك

. يقول...

ذكرتني التدوينة الرائعة باقتباس- أعدّه تراثياً- لكامو، عن الجزائر، ونقد ادوارد سعيد لخطاب كامو السياسي المبطن داخل انتاجه الأدبي.

اقتباس كامو:
"فيما يتعلق بالجزائر، فإن الاستقلال القومي صيغة من العاطفة المشبوبة الخالصة. لم يكن ثمة أمة جزائرية أبداً. وإن من حق اليهود، والأتراك، واليونانيين، والايطاليين، والبربر، أن يدعوا لأنفسهم حق قيادة هذه الأمة الكامنة في الواقع الفعلي. لا يشكّل العرب وحدهم الجزائر كلها. وإن أهمية الاستيطان الفرنسي والزمن الذي مضى عليه بشكل خاص، لكافيان لخلق مشكلة لا تقارن بها أية مشكلة أخرى في التاريخ. إن فرنسيي الجزائر هم أيضا، بأشد معاني الكلمة قوة، أصلانيون. وعلاوة، فإن جزائر عربية محضا تعجز عن تحقيق ذلك الاستقلال الاقتصادي الذي لا يعدو الاستقلال السياسي من دونه أن يكون وهماً. وأيا كانت درجة نقص كفاءة الجهد الفرنسي، فلقد كان هذا الجهد من رحابة المدى بحيث أن أية دولة أخرى "سوى فرنسا" لن توافق اليوم على تحمل ذلك العبء."

ها، أريد أن أشدد فحسب علي كلمة "عبء". ننتقل لسعيد -ورأيتُ أن هذا الاقتباس شامل، لكنه ليس كل النقد السعيدي لكامو-:

"إن كلتا الغريب والطاعون تدوران حول موت عرب، وهو موت يُبرز ويُفعم بصمت مصاعب الضمير والتأمل التي تعانيها الشخصية الروائية الفرنسية، وعلاوة، فإن بنية المجتمع المدني التي تُقدّم بنصاعة بارزة -بلدية المدينة، الجهاز القضائي، المستشفيات، المطاعم، النوادي، أماكن التسلية ووسائلها، المدارس- هي بنية فرنسية، رغم أنها بشكل غالب تقوم بإدارة "شؤون" السكان غير الفرنسيين، وإن التطابق بين الطريقة التي يكتب بها كامو عن ذلك كله وبين كيفية تصوير الكتب المدرسية الفرنسية إياه لتطابق آسر: فالروايات والقصص القصيرة تروي نتيجة انتصار تحقق ضد شعب مسلم محيّد، ممزق، اغتصبت حقوقه في امتلاك أرضه اغتصابا حادا، وكامو، بتأكيده وتعزيزه بهذه الطريقة للأولوية الفرنسية، لا يشكك ولا يخرج عن الحملة من أجل السيادة التي شُنّت ضد مسلمي الجزائر لما ينوف على مائة عام."