لعل التعميم من أكثر ما يُعمينا عن رؤية المؤتلف والمختلف بيننا، بوصفنا عرباً في علاقاتنا مع العالم، وبوصفنا مشارقةً في علاقاتنا مع المغاربة، وبوصفنا شعوباً عربية في علاقاتنا مع الشعوب العربية الأخرى، وبوصفنا أفراداً مُتمايزين في علاقاتنا مع الجماعات والأفراد المتمايزين الآخرين. يُراكِم هذا العماء الصور السلبية، وسوء الفهم، والمُغالطاتِ التاريخية، والفُرقة. ولا أرى سبيلاً لجبره غير الحديث عنه بصراحة، والحوارُ مع الآخرين بشأنه. الأمرُ الذي يسمّح لنا برؤية الأمورِ من منظورٍ أشمل، وبالخروج من شرنقة الاتهام إلى مرحلة البناء.
بطانيات
من بين الجماعة المشارقية، كُنت الشخص الوحيد الذي يتحدّث مع الإخوان الجزائريين - والأخوات - ببساطة، وقبلهم، كنت أتعامل مع السلفيين والأفراد المتشددين - في المطارات التي مررنا بها - ببساطة أيضاً. اقترب مني زميلٌ مشرقي وسألني عمّا إذا كانوا يضايقونني، فنفيتُ ذلك، وعرفته عليهم. بعدها، قال: "طوال هذه السنين وأنا مرعوب من وصول الإخوان إلى السلطة! والآن وجدتهم حبوبِين جداً! لم أعد أخاف من وصولهم إلى السلطة!"
كان الزميل فرنسياً كما يرسمون الفرنسيين ساخرين في المجلات الأمريكية، نظرت إليه، وسألته: "هل أنت جاد؟" قال: "نعم." أتساءل عن نوعِ الحرمان العاطفي الذي يجعل المرء يُصوت لجماعةِ ما في الانتخابات لمجرد أن أحداً منها عامله بلطف! ما لا يفطن إليه هذا (المثقف) أن أفراد الجماعات الدينية لطفاء - لدماثة شخصية، أو من مبدأ "اليد التي لا تستطيع كسرها...." - لكنهم، بوصفهم جماعاتٍ، يمارسون الإقصاء ضد جميع الفئات الأخرى. هُم يتعاملون معنا لأن هذا الواقع، من باب أن الضرورات تُبيح المحظورات، لكنهم لو ملكوا السلطة، فسيكون ذلك على رأسه أولاً - لأنه متفرنس - وعلى رأسي ثانياً - لأنني امرأة. يُذكرني الأمرُ بسؤال أحد أساتذتي في الجامعة: "لماذا تملن أيها النساء إلى الجماعات المتطرفة، مع أنهم يعاملونكن معاملة الكلاب؟" (هكذا قالها). لم أحاول الإجابة عن السؤال، لكنني أعتقد أنها لعبةٌ نفسية تمارسها هذه الجماعات بنجاح. وبالعودة إلى الزميل المتفرنس، فقد تساءل: "كيف تتعاملين معهم، إذن؟" الأمر بسيط، لأن لدّي مُشتركاً إنسانياً مع الأفراد. إضافة إلى ذلك، فقد اعتدتُ على الجماعات الدينية المتشددة، وأعرف أنهم لا يؤذون أبداً عندما يكونون أفراداً، لكن اجتماع ثلاثةٍ منهم في مكانٍ واحد يعني بدء مرحلة التكفير الجماعي للآخرين. كان من الموجودين أفرادٌ إخوانيون، وآخرون سلفيون، وغيرهم ممن يرون نفسهم إسلاميين وسطيين. يسألني الزميل المُتفرنس: "كيف تفرقين بينهم؟ جميعهم ملتحون ولديهم زبيبة في جباههم!" الخِبرةُ تلعب دوراً. في المبدأ، جميعُ هذه الجماعاتُ تعود إلى نفس القاعدة الفكرية. في التطبيق، تختلف هذه الجماعات. عندنا في اليمن منها جميعاً، وكثيرٌ مِمَن أعرف انضممن إلى هذه الجماعات المختلفة في سنٍ مُبكرة - عندما كُنا في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة - فيما المدرسة تتفرج، والأهل يتفرجون، والمجتمع بكامله يتفرج. لم يكن غريباً أيام المدرسة لوثة الهجرة بالدين التي بدأت تشيع، وفكرة الاغتراب عن المُجتمع لأن المفاسد شاعت فيه. إنهم يرون أنفسهم غرباء في مهمة لتحقيق ما يعتقدونه الدولة الإسلامية. بعضهم يُريد ذلك بالهجرة إلى مكانٍ مُعين يرونه إمارة إسلامية، وبعضهم بالعمل على تحويل المُجتمع بأكمله إلى مُجتمع يوافق رؤيتهم لما يعتقدونه الدولة الإسلامية.
مع ذلك، فإن إخوان الجزائر وسلفييها - الذين حادثتهم - كانوا أكثر عقلانية من إسلاميي تركيا الأردوغانيين - الذين حادثتهم. إذ يمتعض الأردغانيون الأتراك من مُجرد ذِكر كُتابٍ أتراك مثل عزيز نيسِن وناظم حكمت ويشار كمال، نافين أن يكون هؤلاء (الأشخاص) مُعبرين عن الأمة التركية (العظيمة) وروحها، بينما يقول الإخوان الجزائريون إن فلاناً وفلاناً من الكُتاب جزائريون حتى النُخاع رغم أنهم ملحدون يُشهرون إلحادهم - وفقاً لما قاله أولئك، ولا أفتي في ما لا أعرف. كما أدان بعضهم أعمال الاغتيال التي تعرض لها أدباء وفنانون ومفكرون ومثقفون إبّان العشرية السوداء. إمّا أن الحرب الأهلية قد جعلت الجماعات الدينية في الجزائر أعقل قليلاً، وإمّا أن هؤلاء أفرادٌ منفتحون نسبياً - مثل شباب الإخوان الذين حادثتهم في مصر، وإن كان الجزائريون أكثر عقلانية منهم - وإمّا أنه مبدأ التقية. ما أُرجحه مزيج من هذا كله، وفوقه عوامل غابت عني، فالبشر أوسع من أن نحجر عليهم.
مسائل عائلية
كانت مباراة كُرة القدم بين مصر والجزائر حاضرةً في كُل الأحاديث - خلا الأكاديمية منها - من الطائرة، إلى المدينة، إلى الجلساتِ الودية. سألني زملائي الجزائريون عن الفريق الذي شجعته في المباراة. ولأنني كُنت قد شجعت الجزائر فعلاً، فقد قُلت ذلك. قالوا - مُحقين - "إن اليمنيين يحبون مصر أكثر مما يحبون الجزائر." وعليه فإن قولي قد يكون مجاملة. (أعتقد أن اليمنيين - غالباً - يحبون مصر أكثر من اليمن). كانوا مُحقين، فكُل من أعرف كان يُشجِع مصر، من دون استثناء. المسألة أنني لا أحب فكرة مُنتخب الساجدين، ولا الدعاية الخطيرة التي يقوم بها المنتخب المصري فيخلط الدين بالسياسة بالكرة. كما أنني لا أحبُ المُبررات التي يسوقها مشجعو مصر، "مصر أم الدنيا، ويجب تشجيع منتخبها". عندما تلعب مصر مع منتخب غير عربي، فإنني أشجعها - بطبيعة الحال، وعندما تلعب مع منتخبٍ عربي فإنني أشجع المنتخب العربي الآخر. هكذا تسيرُ الأمور. وزاد الأمر مع الجزائر افتتاني الخاص بهذه القارة المفقودة. لكن مُنتخب الساجدين، و(البزنس) الديني الكروي في مصر ليس موضوعاً يحسُن مناقشته في الجزائر، كما لا يحسُن مناقشة أسباب الولع اليمني بمصر. بحثت عن مخرج سريعٍ، ووجدته: "رابح سعدان كان يُدرب المنتخب اليمني." ابتسموا، وعلقوا ثانيةً - مُحقين - بأن المنتخب اليمني كان يخسر خسائر ثقيلة مع رابح سعدان، وعليه فيُفترض أن أمقته. مسألة المُنتخب اليمني، قاهر المدربين، مسألةٌ ذات شجون! واصلوا سؤالي عن المنتخب اليمني، وعن دورة خليجي عشرين التي أقيمت في اليمن، وعن المنتخبات التي شجعتها. كما أنهم كانوا عارفين بأن المنتخب اليمني كان صبي الجلد في البطولة، فكل فريقٍ تنخفض معنوياته، يذهب ليلعب معه، ويهزمه، فترتفع معنوياته ليواصل البطولة. (هذا المنتخب فضحنا "في كُل حتة"!)
كان جميع من قابلت - على اختلافِ مشاربهم وطبقاتهم وأعمالهم - مستائين للغاية من الإهانات التي لحقت بشهداء الجزائر في الفضائيات المصرية. ورأوا المعركة غيرَ عادلةٍ تماماً، لأن الآلة الإعلامية المصرية كانت تعمل بكامل طاقتها في مُقابل صحيفة مثل الشروق. حتى أعرف بنفسي حجم هذه الشروق، بحثت عنها، وقرأتُ بعض أعدادها. من الواضح أنها واحدةٌ من أكثر الصحف توزيعاً في الجزائر، إذ أنها صحيفة صفراء، أو مصفرّة، مثلها كثيرٌ في اليمن - ومصر أيضاً. من غير العادِل - حقاً - أن تعمل آلةٌ إعلامية في مُقابل صحيفة واحدة - ومعوناتٍ عابرة من صحفٍ محدودة التأثير - لكن المسألة - أيضاً - (بزنس) مال سياسي.
مع ذلك، يعترف الجميع - بضحكةٍ ماكرة - أن من ذهبوا إلى أم درمان كانوا غوغاء الجزائر، ويدافعون عن هذا بالقول إن غوغاء مصر كانوا كذلك في أم درمان، لكن، إذا التقى الجمعان، فغوغاء الجزائر يُمكنهم - بسهولة - إحالة أعتى بلاطجة مصر إلى لحمٍ مفروم. هذا صحيح، فالطبيعة الجزائرية خشنة، وتختلف عن الطبيعة المصرية أشد الاختلاف. تكويناتُ مصر الجغرافية لا تتطلب صراعاً مع الطبيعة، وطقسها معتدل لا برودة قارسةَ فيه، وليس فيها جبالٌ عالية. (حين أروني المُقطم في مصر، استغربت، إذ أنه لا يحسب جبلاً في اليمن). لذلك، فإن فرص أعتى بلطجي مصري في النجاة معدومة في الجزائر - ما لم يتوفر على موهبةٍ أصيلة ونادرة، بينما يمكن لأي بلطجي جزائري أن يفرض هيبته في الشارع المصري بسهولة.
مشكلةُ الجزائريين كانت مع المثقفين المصريين الذين قفزوا في مولد سيدي أبو الشتيمة، ونسوا العيش والملح والدم والكفاح المُشترك. (تحتل هذه الأمور: العروبة، القومية العربية، فلسطين، الأُخوة، الكفاح المُشترك مكانة هامة في الجزائر. بينما تبدو نُكتة ممجوجة في كثيرٍ من الدول العربية الأخرى). من وجهة نظري، فإن دخول الخاصة - أو من يُفترض أنهم الخاصة - في (عركة) وقعت بين غوغاء مؤشرٌ خطيرٌ على الحالة العربية، إذ أنه يعني أن السمكة قد تعفنّت، فالسمكة تتعفن من رأسها، والرأس هُنا الخاصة - في أي بلدٍ، من دون تعيين. فُهِم كلامي على أنه يعني أن الفساد في مصر قد أدى إلى تعفنها، وأن تعفن مصر يعني تعفن الدول العربية جميعاً. فصمتُ الجميع في أسى، ينعون زوال العرب بزوال مصر. ثم بدأ المشارقة والمغاربة يتحدثون عن المُعاملة السيئة التي يلقونها في مصر - التي تخلت عن كونها الشقيقة الكُبرى. خُيّل إلّي أن الشكوى الجزائرية وليدةُ المماحكات بين الطرفين بعد المُباراة، لكنهم قالوا إن المعاملة الرديئة التي يلقونها في مصر تعود إلى زمنٍ طويل قبل المُباراة. بدا لي الأمر غريباً، فإذا كُنتم تلقون معاملةً رديئة في مصر، لِمَ - إذن - تذهبون إليها كل آن؟ التفسير كان: "إنها الشقيقة الكُبرى وإن جارت." حسناً، إذا كانت الشقيقة الكبرى تضطهدنا، فإن هُناك اختراعاً اسمه الهاتف يُمكننا من صلة الرحم من دون أن نتعرض لـ (بهذلة) ممّا يصفونه. استغربتُ تأييد المشارقة للأمر، وشكواهم المرة من المعاملة المصرية لهم، وتفسيرهم القريب من التفسير الجزائري لعلاقتهم بمصر - من دون نبرةِ الحنين والشغف الجزائرية. (أعتقد أن الجزائريين شعبٌ شغوف).
فكرت، ربما الأمر كذلك بالنسبة للإخوة العرب، لكنني أعتقد أن اليمنيين يشعرون بالارتياح في مصر. لذلك، سألت كل معارفي مِمَن يذهبون إلى مصر كل حينٍ وآن، وكأنهم يعجزون عن الحياة حين يعودون إلى اليمن، عن المعاملة التي يلقونها في مصر. توقعي المبدأي كان إن تجربتهم إيجابية، ما داموا قد أنشأوا ما يشبه الجسر الجوي بين القاهرة والمدن اليمنية التي توجد فيها مطارات. (حتى أن السفر إلى القاهرة صار نوعاً من السفر الداخلي). ما وجدته كان صادماً، فشكاوى العرب - مشارقة ومغاربة - من مصر في كفة، وشكاوى اليمنيين منها في كفةٍ أخرى. لِمَ (تترندعون) في القاهرة إذا كان الحال كما تصفون؟ كانت الأجوبة مزيجاً من "الشقيقة الكبرى"، و"مصر - وإن جارت - عزيزة"، و"العقدة اليزنية" اليمنية.
شذرات من أم الدنيا
مع ذلك، لم أغير وجهة نظري في مصر. فلا زلت أذكر أن أموري فيها سارت بغير أدنى تعقيد، ولم يصبني في المطار شيء من الأفعال السادية التي يحكون عنها. يُفسِر البعض ذلك بأنني كُنت في حماية دولةٍ عُظمى، لكن هذه الحماية لا تمتد أبعد من إجراءات دخول البلد، وتسهيلات الإقامة. في البلد نفسها، لا يوجد من يحمي الزائر من صنوف المعاملة الشنيعة التي يحكون عنها. وجدتُ القاهرة مكاناً طيباً، ولم أجد في نفسي ما أشكوه منها، إلا شوارعها التي تحكمها سياراتٌ مجنونة قد خرجت لتظفر بدم، وتأبى أن ترجع من دونه. كان عبورُ الشارِع كابوساً مُقيماً - ولا زال يزورني في كوابيسي من حينٍ لآخر. ولم يكن مُمكناً الاستعانة بشرطة المرور، إذ أننا وقفنا في الشارع فترةً طويلة، بانتظار أن تسنح لنا فرصة للعبور، فما كان من شرطي المرور - الذي كان يراقبنا - إلا أن هتف بتشفٍ - وكأننا قد أسأنا له، لا سمح الله: "انتو شكلكو ح تباتوا هنا!" طيب، ساعدنا يا أخا العرب! لا، طبعاً. من الواضح أن هذه حالة فردية، ولا يجوز التعميم قياساً على حالةٍ فردية. صحيح أن عدة رجال مرورٍ مختلفين في شوارع القاهرة قد سخروا منّا بغير أن يعينونا، لكن، كيف نعرف أنهم لم يكونوا القلة الساخرة بين شرطة المرور؟ وقد كان لهذه التجربة فائدة، إذ تعلمنا منها أن السائقين الرُعناء في اليمن لا يعرفون من الرعونة غير اسمها، فهم يتوقفون ويسمحون للمارة بالعبور. كما تعلمنا أن المساواة في مصر حاضرة في كُل الميادين، فالسائقات يردن دماً كما يريده السائقون، ولا أمل في النجاة على قدميك. (حُلّت المشكلة بأن كُنا ننزل محطة المترو، ونصعد من الطرف الآخر - من دون أن نركب المترو، طبعاً، لأنهم قالوا لنا إن من يركب المترو لا يعود أبداً. عادةً، لا "يغلب" اليمنيون في شيء).
هُناك من الناس من يرى أحداً يعامله بسوء، فيرى البلد كله سيئاً، لكن، ما هكذا تسير الأمور. حين سألنا عن مكان مكتبة الشروق، بدا أن الجميع متواطئون ليضللونا، ويقودونا في طرقٍ خاطئة - بعد أن كنا على المسار الصحيح - لكن السامري الصالح - الذي لا بد من أن يكون موجوداً في كل مكان - تبعنا مسافة، واستوقفنا: "انتو باينكو طلبة عرب وما جيتوش مصر قبل كده؟ مكتبة الشروق قدامكم، امشوا على طول. ح تطلعوا ع الميدان. مش ح تّوهوا أبداً. ومتسألوش عن السكة تاني." لا بأس، فحتى في صنعاء، أقرب طريقة تضيع بواسطتها أن تسأل الناس عن مكانٍ ما. ثُم إن الضياع في القاهرة يعني مراقبة أنماط العمارة، واكتشافَ مكتباتٍ غير شهيرة، مليئة بالكنوز.
قادنا السعي الطويل في القاهرة، والعمل بنصيحة عدم السؤال إلى مكتبةٍ حافلةٍ بكل ما يخفق له قلبي من الكتب. كنت قد نسيت قائمة الكتب التي أريدها - دائماً أكتب قائمة، ثم أهملها - فمضيت أتأمل الكتب. التقطت رواية يوسف زيدان، عزازيل، من دون تفكير، وانتقلت إلى رفٍ آخر. عرض علّي المكتبّي روايات خورخي أمادو وبقية الحي اللاتيني، فقلت له إنني قرأتها، ثم عرض علّي نجيب محفوظ. "يا عيباه! كيف نسمي أنفسنا قراء ولم نقرأ نجيب محفوظ؟"، وعرض علّي بعض الإنكليز. ثم عرض علّي كرسياً - وعلى من معي - وأجلسنا، وتبادلنا حواراً ثرياً حول الكُتب، وأنماط القراءة الرائجة، وترك المكتبة في عهدتي، ليذهب ويجيء بكتُبٍ طلبتها من المخزن. كانت تجربةً تختلف عن تجربة مكتبة الشروق، بتعاملها البارد، وأسعارها المرتفعة. صحيح أنها تطبع كتباً جيدة، طباعة فاخرة، لكن (تجربة التفاعل) مفقودة. الأمر يشبه المطارات: مكان بارد مليء بغرباء لا يُكنِونَ لبعضهم البعض أدنى اعتبارِ إنساني، "هِلب يورسِلف"، "كان يو شو مي يور تِكت؟" أما مكتبة مدبولي، فتجربتي فيها أمرٌ أُحبّذ نسيانه.
بينما كان المكتبّي يسجل لنا الفاتورة، سأل: "الآنسة مش من هنا؟" قلت له: "أنا من اليمن. وأنت أيضاً لست من هنا." استغرب المكتبّي، وزاد ترحيبه كثيراً عندما عرف أننا من اليمن. لم يكن قاهرياً، بل من الصعيد، ويُعاني الأمرين من (أفندية القاهرة): "دول مستكثرين حتى وقفتي هنا أبيع الكتب. مالك انت ومال الكتب؟" أعرفُ الكثير عن الأفندية، وأعرف أن الغرباء يتآخون في كُل مكان. بعد أن غادرنا، استغرب بعض من كانوا معي: كيف يكون الرجل من الصعيد - هو لم يذكر الصعيد، وإنما سمى منطقة بعينها أعرف أنها في الصعيد - وهو يتحدّث بلهجة لا تمّت بصلةٍ إلى لهجات الصعايدة في مسلسلات التلفاز؟ وكيف يكون من الصعيد و(عيونه ملونة)؟ ربما يكون مسيحياً أيضاً، فالمسيحية حاضرة في الصعيد. المشكلة أن العرب لا يعرفون عن الصعيد غير العروض المخزية التي يقدمها أفندية القاهرة الذين يمعنون في تحويل الصعيد إلى مادةٍ للاستشراق الداخلي*، مُكررين بذلك ما فعلته بهم دول أخرى استعمرتهم.
غير أن ما لا يُنسى حقاً بشأن القاهرة، الجولة الليلية في النيل. لم نكن نعرف كيف يذهبون إلى النيل. كُنا نسير بجوار منتزهاتٍ ومطاعم وأعمالٍ أخرى، كلها يجتزئ النيل كما اجتُزِئ التيمز في قصيدة ويليام بليك: "أتجول في كُل شارعٍ مُجتزأ، قُرب التيمز المُجتزأ". ثم ظهر لنا شخص ما، وقال: "تحبوا تنزلوا النيل؟" واتفق معنا على ثمن معيّن، ثم سلمنا لمراكبّي عملاق، أخذنا بمركبه في جولةٍ طويلة. كان الوقتُ ليلاً، وأعتقد أن ما أنجانا كان بركة دعاء الوالدين، فلا توجد فريسة أكثر إغراء من طُلابٍ يمنيين يتجولون في القاهرة من دون سابق معرفة. لن يعرف مصيرنا أحد، فالشتات اليمني مأساة ينبغي أن تُفرّد لها مساحات أكبر وأكثر وجاهة. فيما بعد، قرعنّا أهل البلد أشد التقريع، لا لأننا غامرنا وحدنا في الليل، وإنما لأنه "اتنصب" علينا بأكثر من خمسةٍ وعشرين جنيهاً للفرد. حقاً؟ لم أشعر بأدنى استياء. من الطبيعي أن ترتفع الأسعار قليلاً حين يعرف البائع أن الشاري ليس من أهل البلد. صحيحٌ أننا طُلاب، ومواردنا المالية محدودة، لكن، لم تكن هذه الجنيهات من قوتِ أطفالنا. استاء أكثر منّا أفراد من دولٍ أخرى، يعرفون القاهرة جيداً، وراحوا يُرعدّون بشأن هذا "النهب الذي يفوق الحد". أثار الأمر استغرابي، هل من المعقول أن تخسر البلد لأجل خمسة دولارات؟ صحيح أن أسراً كاملة تعيش على أقل من دولارين في اليوم، وصحيح أن الخسائر فادحة حين تُحسَب بمقياسٍ جماعي، لكنني أعرف أن المُعترضين لا يأبهون للدولارات الخمسة التي خسرها الفرد، أو لمجموع الخسائر. كان الأمر غريباً، فلماذا يشتكي الأثرياء من "أولئك الرعاع" وما يظفرون به منهم لا يتجاوز "فكة" بقيت في الجيب؟ قالوا لي إنها ليست مسألة "كم"، وإن المبدأ ما يهم. المبدأ - كما أفهمه - أن المساعدة الوحيدة التي يمكن أن يحصل عليها رجلٌ فقير لن تأتي إلا من رجلٍ فقيرٍ مثله.
كانت تلك أول مرةٍ أسمع فيها بمُغنِ اسمهُ تامر حسني. كان المراكبّي قد شغل أغنية "الأماكن" لمحمد عبده، وأثار هذا الخيار استغرابنا وانزعاجنا، فالسياق لا يسمح. نحن شبابٌ خرجنا إلى النيل لنشعرَ بالحياة، لا لنغرق في لجةِ من الكآبة. "يا ريّس! الله يرضى عليك، ما هذه الأغنية؟" نظر إلينا باستغراب: "كُل العرب يحبون هذه الأغنية." يبدو أن هذا المراكبّي يعمل على اتجاهٍ واحد، مثل شارون، مراكبّي العالم السفلي، فلا شك في أن العرب الذين يحبون هذه الأغنية يغرقون أنفسهم في النيل في نهاية الجولة، إذ أن هذا الفعل الخاتمة المنطقية الوحيدة لكُل هذه الكآبة. ولأن الغرق في النيل لم يكُن ضمن مخططاتنا، فقد رجوناه مراراً أن يغير لنا الأغنية، حتى رضخ أخيراً، وشغَل شريطاً ما انبعثت منه ضوضاء شديدة. "ما هذا يا ريّس؟" سألناه. "ده تامر حسني." لم نكن راغبين في الاستماع إليه، فطلبنا إلى المراكبّي أن يُغيّر الشريط. قال بحزم: "كُل الناس بتحب تامر حسني". فرضخنا للأمر الواقع، إذ أنه يستطيع أن يُغرقنا جميعاً بيدٍ واحدة، ثُمَ من نكون حتى نخرج عن إجماع الناس الذين يحبون هذا المغني؟ كانت الأغنية تقول شيئاً من قبيل: "اعتذري للي حييجي بعدي، أصل أنا، أخدت كل حاجة في عهدي، وشوفي عهدي كان كام سنة". غمغم البعض: "هذه أغنية سوقية." كل واحد هو وتربيته! قال آخرون: "يُمكِن أن تفهم على وجهٍ سياسي." من جديد: كل واحد هو وتربيته! هكذا، مضينا في النيل وتامر حسني يغني أشياء مريبة يحبها كل الناس.
مع توغلنا في النيل، أشفق علينا المراكبّي وقد أدرك أننا لسنا من العرب الذين يعرفهم، وأننا "غلابّة"، وأنِسَ إلينا، بعد أن كان ينظر إلينا بعين الريبة، فأخذ يُحدثنا عمّا نراه، على النيل، أو من البنايات المُحيطة به. ولمّا وجدنا نتفاعل معه، ونسأله، ارتاح أكثر، فأخذ يذكر أشياء من قبيل أن هذه الشركة قد أُنشئت في عهد السادات، وهذا المبنى قد بُني في عهد عبد الناصر لهذا الغرض، وذاك المركب كان ملكاً لفلان، ثم اشتراه علان، وتعرض لحريق. وأشار ناحية الأهرامات، ناصحاً إيانا بعدم زيارتها في مثل ذلك الوقت من السنة، لأن الصحراء ستقتلنا.
شيئاً فشيئاً، أخذت أنفصل عمّا حولي، لم تعُد الأغاني مُزعجةً، ولم أعد أحسُ بالضجيج. امتد النيلُ لا مُتناهياً، كأنه قطعة من الليل، وكُنت أنا جزءاً منه. كان الكونُ في سكون، مغموراً بأنوارٍ لا نهائية. كانت هُناك مدينةٌ فوق، ترقب، وعالمٌ آخر يعيشُ في النهرِ المُظلم، في الليل، مخلوقاتٌ عجائبية تصيدُ قوتها، والنهرُ يُخفي في باطنه مخلوقاتٍ لا حدَ لها، تتربص بنا. كانت رحلةً كأن لا عودة منها، ولم يُضايقني الأمر، أو يُخيفني ما رأيت. كُنت جزءاً من كونٍ بربري أصيل، من مملكة خمايرات، وشعرتُ - كما لم أشعر من قبل - بأنني على قيد الحياة. غمرني سلامٌ عميق. وشعرت بالتناغم مع هذا الكون المحفوف بالأخطار، مع الليل السائل. نوعٌ مُختلفٌ من الوجود المتكافئ مع كُل ما في الكون، حيث لا يُهم من يتربّص بِمَن لأن الكون لا يزالُ مُمتداً، مليئاً بالوعود. كُنت أملك العالم في كفي، وأملك القُدرة لأحرك السماوات والأرض. كانت الحياة طيبةً، وشعرتُ ببهجةٍ خالصة. ما أجمل أن يكون المرء شاباً!
حي الجزائر إذ لا نبتغي بدلاً، بالدار داراً ولا الجيران جيرانا
البُليدة، باتنة، بِسْكْرَة، وَرْقَلة، خِنشلة، تْبِسَة، برج بوعريرج، سْطِيفْ، أم البواقي، تيزي وزو... كلها أسماء لم أجازِف بنُطقِها حتى تعلمت من أهلها كيف تُنطق. (لم أجازِف بنُطق أيِ اسمِ جزائري حتى قرأته مكتوباً، وسمعته ملفوظاً). بعد غرابةٍ أوليةٍ، تصيرُ الأسماء والملفوظات أليفةً جداً. هذه الأماكِن، من أجملِ ما رأيتُ في حياتي. وحُدِّثتُ بأن هذا شرقُ الجزائر فحسب، وأنني لَمْ أرَ غربه وجنوبه. لعلنّي أفعل ذات يومِ، فأكثرُ بلدٍ أتمنى البقاء فيه ردحاً من الزمن، الجزائر.
حينَ بدأتُ أُدرِك كم أن البلد جميلٌ، حدثتُ نفسي: "هل يُمكِن أن أُقيمَ في الجزائر بشكلٍ دائم؟" ووجدتني أُجيب أن نعم. هذا البلدُ أعرفه، رغم جماله الخلّاب. الطُرقاتُ - رغم أنها سريعة، تربط الولايات بعضها ببعض لتخفف الحمل عن الطرق القديمة - مليئة بأُناسٍ آلفهم تماماً. سألني كثيرٌ من الجزائريين: "هل تروق لك فكرة الإقامة في الجزائر؟" وأجبتُ أن نعم. كان ذلك في الأكاديميا، أما خارجها، فقد كانت العبارات أكثر صراحةً وميلاً إلى التحكم: "نحكموك عندنا." أي نستبقيك عندنا. قالوا إن هذا انبهارٌ أولّي، لكن مُعايشة حالِ البلد يمحو كُل أثرٍ لهذا الولع. وهل جئنا من السويد؟ حالُ الدول العربيةِ واحد، ومن يستطيع العيش في واحدةٍ منها، يُمكِنه التعامل مع البُلدان الأخرى، خصوصاً الجمهوريات منها. مع ذلك، فإن الجزائر تملك مُميزاتٍ لا تملكها كثيرٌ من البُلدان العربية الأخرى: نظامُ التعليم القوي، والتقاليد الأكاديمية الراسخة، والمشاريع الثقافية المُستمرة. كانوا يتحدثون عن نقلِ نظامِ التعليم الجامعي إلى نظامٍ أمريكي جديد، وعن تعديل المناهج الدراسية. وقيلَ لي إنهم يفكرون في تقليل التركيز على الفرنسية، لأنها حجر عثرةٍ أمام طُلاب الجزائر المتفوقين في العلوم، خصوصاً تلك المتعلقة بالحاسوب. قالوا إن الإنكليزية لُغةُ العصر الآن. وكثيرٌ من الفرنكفونيين كان يسألني عنها: أهي لغة صعبة؟ هل تُشبه الفرنسية؟ كم يحتاج المرء ليتعلمها؟
الفرنسية والعربية إشكاليةٌ حاضرةٌ في الجزائر، يصعُب فهمها على الغريب. في بعض السياقات، كان الفرنكفونيون ينظرون إلينا - نحن العروبيين - بما يُشبه الاحتقار، ثُم - عند نهاية اليوم - صادقني مجموعة من الفرنكفونيين، لأن أحد العروبيين أخبرهم أنني أنكلوفون وعروبية في الوقت نفسه. كانت الحقيقة البديهية: أنه يُمكِن للمرء أن يكون ثنائي اللغة والثقافة بمثابة صدمةٍ لمجموعةٍ من الفرنكفونيين الذين لا يتحدثون بغير الفرنسية و الدارجة الجزائرية. (خلافاً لمُعظم الجزائريين الذين قابلتهم، مِمَن يتحدثون لُغةً عربيةً فُصحى سليمة، لا تُمَلُ أبداً، تدحض الاعتقادُ الشائع بأنه لا يُمكِن إدارة مُحادثاتٍ ودية بالفُصحى). فطنتُ بعدها إلى أن المسألة طبقية: اللغة تُصبح علامةً على طبقةٍ مُعينّة في عُرف البعض. لذلك، كُنتُ بمثابةٍ مخلوقٍ غريبٍ للفرنكفونيين، يُهمهم أن يتعرفوا عليه جيداً. القولُ إن اللغة علامةٌ طبقية لا يعني أن هُناك نظاماً طبقياً واضحاً في الجزائر، إذ أن الجزائريين شعبٌ يؤمن بالمساواة، ويُمارِس الإباء البدوي في صوره الأولية. الجميعُ يجلس على نفس الطاولة، ويأكل من نفس الطعام، ويشكرُ النادل بمنتهى الأدب. حكوا لي في هذا السياق حكايةً طريفة بين ضحكاتٍ مسرورة كثيرة: في فندق الأوراسي، الفندق الأكثر فخامة في الجزائر، دُعِي مجموعة من الضيوف العرب والأجانب إلى العشاء مع أحد رؤساء الجزائر. تقتضي سياسة الفندق مرورٍ وقتٍ مُعتبر بين طبقٍ وطبق - وهذه سياسة في كل فنادق ومطاعم الدرجة الأولى، إذ تسمح للضيوف بقضاء وقتٍ كافٍ في مباحاثاتهم ومفاوضاتهم - غير أن إحدى الضيفات كانت جائعة، فطلبت من النادل أن يُعجِل بجلب الطعام. قال لها شيئاً من قبيل: "باغدون، مدام. هذه سياسة الفندق." فأخذتها العزة بالإثم: "سياسة الفندق؟ أنا ضيفة الرئيس! عجل بتقديم الطعام ولا تكثر من الكلام." فما كان من صاحبنا إلا أن قال: "خلّي الرايس يسرب لك أكل!" ومضى. ومثل ذلك كثيرٌ من الحكايات. حتى عندما ينتقل الحديث إلى مواضيع أخرى، فإن هُناك اتجاهاً عاماً يرى أنه لا يستطيعُ أحدٌ أن يستبد على الجزائريين. لأن هيبة السُلطان لا تعني لهم شيئاً. هُناك تقاليدٌ، واحترامٌ مُتبادل، لكن الخنوع الذي يُصيب الكثيرين أمام الكُرسي، وما يُسميه شكسبير "وقاحة المنصب" أمورٌ غير مقبولة في الجزائر. يُذكرني الأمرُ بالقبائل العربية القديمة وطبائعها اللقاحية - قبل أن يُصيبها المسخ - واغتيالِ وائل بن ربيعة الذي أراد أن يُنصِب نفسه ملكاً. (أعتقد أن حكاية الناقة والمماحكات السخيفة بين البسوس والملك مُجرد واجهة للصراع السياسي بين وائل بن ربيعة والقبائل العربية التي رفضت الخضوع لملكه. حتى انتقام تغلّب من بكر لم يكن انتقاماً لهيبة السلطان، وإنما لأنهم قتلوا فرداً بارزاً منهم). مثل ذلك كثير: قتل حَجْر آكل المرار وضياع ابنه الملك الضِلَّيل، وقتل التُبع حسان اليماني، وقتل عمرو بن هند. ثم، في عصرٍ مُتأخر - وقد دخل زمان المِسخ - عاب كثيرٌ من المؤرخين على بني حمدان - وسيف الدولة الحمداني - أنهم كانوا بدواً. كان بلاطُ سيف الدولة بلاطاً شبه بدوي، واضحاً تماماً في عدائه وفي رِضاه. لذلك، عانى المُتنبي الأمرّين حين انتقل إلى بلاطٍ مثل بلاط كافور الإخشيدي في مصر، حيثُ العدو لا يجهر بالعداوة، وليس للمرء صديق. في الجزائر، إذا دخلتَ القاعة مُتأخراً، قِف، فلا يعني كونك مسؤولاً أن تتوقع أن الجميعَ سيتخلى عن مقعده لك - إلا إذا كُنتَ شيخاً مُهدماً، أو كان أحدُ مرؤوسيك يُحبك كأنك أبوه. كذلك، ينبغي أن تُراقب لسانك جيداً، وتُحاذِر من أن تكون نبرتك آمرة. وقواعد التهذيب تقتضي - على كُل حالٍ - ألّا تخاطب الآخرين بنبرةٍ آمرة.
وجدتُ في الجزائر حركةً ثقافيةً نشطة، وإدراكاً مُمتازاً لحالِ الأدب حتى في بقاعٍ منسيةٍ مثل اليمن. إذ وفرَ كثيرون مِمَن قابلناهم شرح بدايات الرواية اليمنية، لندخل في نقاشٍ حول تفاصيل التفاصيل. من هذه النقاشاتُ خرجتُ برؤيةٍ للتقليد الروائي اليمني، جاءت في لحظةِ تنويرٍ مُفاجئة، مثل ومضةٍ خاطفة - ثم عملتُ عليها فيما بعد - لكنها ليست مِمَا يَحسُن مناقشته في الجزائر، ومُناقشتها في اليمن - كذلك - أمرٌ لا يَحسُن. في الجزائر حركةٌ أدبيةٌ مُتجددة، وكثيرٌ من الروائيين الذين نجهلهم في دولٍ عربيةٍ أخرى لأسبابٍ يُمكِن تلخيصها في كلمةٍ واحدة "الدعاية". كان من أفضل ما خرجتُ به من رحلة الجزائر، الاستماع إلى روائيين ونقادٍ وأكاديميين مُتميزين ومناقشتهم، والعودة ببعض الروايات الجزائرية الجديدة التي وجدتُ في قراءتها مُتعةً كبيرة. كما أنني عرفتُ بمُصطلح "الأدب الاستعجالي" الذي يصفُ مجموعةً من الكتابات السردية التي تحدثت عن "العشرية السوداء" وصدرت في وقتٍ مُتقارب.
أكثر ما أحبُه بشأنِ الجزائريين أنهم قومٌ صريحون، يُعبّرون عن أفكارهم بوضوح. صحيح أن بعض الأفكار تبقى مُعلقة، لكن، ليسَ كل شيءٍ يُقال، وبعض الأمورُ يُفهم بالتلميح، أو بالإدراك المُشترك لجميعِ الحضور. لم أعانِ من أيةِ مُشكلةٍ في الاندماج مع من حولي، وشعرتُ بأنني كُنت هُناك منذ الأزل، وسأبقى هُناك إلى الأبد. لكن، تقتضيني الأمانة القولَ إن فواصل الصمت كانت مُربكةً للزملاء المُشارقة.
حين حدثتُ زُملائي، بينما كان الثلج يتساقط علينا، بأن بلدهم جميلٌ، ابتسموا بفخر، وشاركوني نظريتهم الخاصة: لم يتفوق الجزائريون في الشعر لأنهم يعيشون الجمال، بينما المشارقة بحاجةٍ إلى خلق الجمال خلقاً. دللوا على ذلك بأن أفضل شُعراء الجزائر الجُدد صحراويون. حدثوني كثيراً عن تاريخ الجزائر القديم، وعن ملوك البربر، وعن مكائد الاستعمار الفرنسي التي كان بعضها طريفاً. ومن ذلك أن الفرنسيين نصبوا تمثالاً بحجم الإنسان لديانا، ربة القمر والصيد، وكلابها في ساحةٍ أمام مسجد كان الجزائريون يجتمعون فيها بعد الصلاة لتمنع اجتماعهم. التمثال كان عارياً، الأمرُ الذي حمّل جميع الأهالي على مغادرة الساحة بمجرد خروجهم من الصلاة، ومنعهم من المكوث فيها لمناقشة شؤونهم وأحوالهم. (أعتقد أن هذه القصة محور فصلٍ كامل في كتاب دليل الفاشي الذكي إلى حياةٍ أكثر فاشية).
في الغالب، كان الجزائريون يسألون: "كيف رأيتم بلدنا؟" ثُم ينتقل الحديث إلى السياحة. يقولُ الجزائريون إن بلدهم أجمل من سواه وأكثر تنوعاً، لكن طباعهم "ليست مليحة مثل التوانسة". ويتمنون أن يتعلموا من مصر في هذا السياق. لا أعتقد أن ما صلح لمِصر يصلُح للجزائر. ولا أعتقدُ أن مشاريع سياحية - كالتي في مصر - ستُفيد الجزائر. سيُفيد الجزائريين أكثر مشاريعُ صناعية وثقافية، وخدماتٌ فُندقية ومصرفية جيدةٌ مُرافقة لها. وحملةُ ترويجٍ للجزائر، تُركِزُ على صفاتِ البلد: الجمال والتنوع، وعلى طباع أهل البلد: الجدية والرصانة والاهتمام بالتفاصيل. ينبغي تسويق الجزائر، ليسَ بوصفها مكاناً فلكلورياً، أو أرضاً بلا شعب، وإنما بوصفها كياناً حياً، تاريخُه مُتداخلٌ مُتصِل، ومجتمعه في حالةِ تفاعلٍ مُستمر. (واحدٌ من أحلامي القديمة العمل على حملات branding وrebranding للدول - خصوصاً العربية. الجزائر - لأنها قارةٌ مجهولة - مشروعٌ مقدورٌ عليه - نسبياً - في العالم الأنكلوفوني، وإن كان يقتضي حرباً ثقافية طاحنة مع فرنسا في العالم الفرنكفوني. بينما تغييرُ صورة مصر - مثلاً - عملٌ أسطوري. وترويجُ صورةٍ مقبولةٍ لليمن، خلافَ المقبرة الأنثروبولوجية التي يتنزه فيها الغربيون، عملٌ من الصعوبة بمكان).
حين كُنا مُغادرين، ودعنّا أهلُ المدينة، وأهلُ الأكاديميا، والزملاء بحرارةٍ صادقة، مُعتذرين أشد الاعتذار عن "البداوة في طباعهم"، وقائلين إنهم أحبونا صادق الحُب. طلبتُ منهم جميعاً ألّا يعتذروا عن طباعهم، لأنها طباعهم، ولأنها ليست رديئة، ولأننا نعرفُ بسبب هذه الطباع ذاتها أنهم يحبوننا حقاً، وأننا نحبهم كذلك. فيما بعد، حين كُنا بعيدين، في مطار هوّاري بومديّن، قال لي أحدُ الزملاء المشارقة - ويبدو أنه قد اغتاظَ من كلامي: "لكن الجزائريين بدوٌ في طباعهم فعلاً!" نظرتُ إليه بنصفِ عين: "وهل عندك اعتراضٌ على البداوة؟" من المؤسف ألّا تعرف عن رفيق سفرك بداوته، رغم أنها تظهر جليةً باستمرار. رُبما، لذلك أعتقد أن الجزائر بلدي - بالإضافة إلى حُبي الغامر لكُل البلاد العربية - إذ أنني فيها بين قومي، أفهم صمتهم قبل كلامهم، ويفهون مني الإيماءة.
آخر منظرٍ أتذكره من الجزائر، الضباب في الجبال الخضراء ذات القمم الثلجية قُرب البُليدة، وصوتُ الإذاعة المحلية. لم أُصوِر المنظر، لأن مثل هذا المنظر لا يُنسى أبداً. وفي الساعاتِ التي أشعرُ فيها بكآبةٍ تخنقني، أغمضُ عينّي وأتذكر انبساط الجبال، والوديان النازلة منها. وأُفكر: ما أحلى الشباب!
* يُسمي صاحب الأغاني هذا "تحويل البلد إلى نُكتة فلكلورية". ورُبما تسنح فرصةٌ في المُستقبل - بإذن الله - للحديث عن الاستشراق العربي، وما يتصل به.
1 تعليقات:
كانت تدوينتك الرائعة حاملة إياي في مجرى الحدث الجليل - زيارة الجزائر - ومع التيار اسبح لأرى وأتصفح فكر المشارقة مع المغاربة فإذا بي يستوقفني ويستبقيني لفترة شذرات الذكريات عن زيارتك لأم الدنيا , ولأنني - بطبيعة الحال - أحد ابنائها فقد غبت بين خواطر شخصية كانت الشذرات لها مفتاحا ووجدت أن رؤيتي للحياة عندنا لا تختلف كثيرا لرؤيتك للحياة عندنا !
وهذا مما يزيد من قناعتي بأنه (عالم عربي واحد), برعت -كما كنت دوما - فيما تصفين يا هند .. هنيئا لنا بتدوينتك.
إرسال تعليق