18 يناير 2012

آل فرابتشينو

كُنتُ - كالعادة - أفكر في اليوم الأغبر الذي انضممتُ فيه لهذا الصف الذي يجعلني أضُيِع ساعتين من حياتي في جدلٍ بيزنطي لا نفع منه، وفي الأشياء المفيدة الكثيرة التي كان يُمكِن أن أستغل وقتي فيها، حين قرر الأستاذ أن يتدخل: "قد يكون ذلك لأن قراءاتي مُتقدمة قليلاً، لكنني أظن أن العدالة الاجتماعية مُرتبطة بإعادة توزيع الثروة". أخيراً، قيل شيء معقول عن العدالة الاجتماعية. العدالة الاجتماعية - كما أفهمها - لا تتعلق بمجموعة أكاديميين يقتبسون اقتباساتٍ غامضة من أكاديميين آخرين ويتحدثون عن "ثورية" فعل القراءة، قائلين إن القراءة - فحسب - فعلٌ ثوري يُحقق العدالة الاجتماعية. القراءة بحد ذاتها ليست غاية، وليست وسيلة للتغير بحد ذاتها. ما يخلق التغيير المادة الثورية التي يقرأها المرء، وتفسيره الثوري لها، ثم تصرفه بناء على تفسيره الثوري. من يقرأ الكُتب المطبوعة بحبر أزرق التي كانت توزع علينا في المدارس ينمسخ نعجة، ومن يقرأ رجل المستحيل ينمسخ ما قد علمتم، ومن تأكل الأكاديميا دماغه - كزملاء الصف - يستحيل عليه أن يفهم لماذا يثور العرب ويعرضون أنفسهم للخطر، مع أنّه من المعروف أن الرأسمالية الغربية ستنتصر لأنها الأساس الذي بُنيت عليه الحضارة!
المُهِم، سبب الأُستاذ قلقلة في الصف، فالتقطتُ الخيط من بعده - بسبب اللعبة التي تقتضي أن تواصل رؤيتك الخاصة التي كتبتها مُسبقاً من حيث انتهى المتحدث الذي يسبقك - لأقدم رؤيتي للمسألة، وهذا مُلخصها:
العدالة الاجتماعية مصطلحٌ قابلٌ للتسويق على نطاقٍ واسع، يُمكِن أن يقبله الرأسماليون والشيوعيون، المتدينون والمُلحدون، الديموقراطيون والديكتاتوريون. ويُساعِد على تجنب (كبائر) مثل: مقارعة الاستبداد، إعادة توزيع الثروة، المساواة، الإصلاح السياسي، الحرية. إنّه مُصطلحٌ تشتريه سلطنة بروناي كما تشتريه جنوب إفريقيا كما تشتريه الصين كما تشتريه الولايات المُتحدة الأمريكية كما تشتريه النرويج. ويشتريه الماركسيون كما يشتريه بِل غيتس. 
العدالة الاجتماعية تنطوي على مُتناقضين: أنها قابلة للتمدد إلى ما لا نهاية، وأنها قابلة للتقلص بحيث تتحول إلى مجرد نوعٍ من الصدقة. تتمدد لأن المُجتمع الآلة التي يُحركها النظام السياسي والاقتصادي والثقافي، ولا يُمكِن إصلاح الآلة من دون إصلاح نظام تشغيلها. وتتقلص، لأن الفاشية والاستبداد يحولانها إلى مُجرد مشروعٍ خيري لمنح الفقراء بعض الفُتات من دون مواجهة من تسبب في فقرهم.
كان ما قُلته مُزعجاً، ولا شك، لكنه راق للأستاذ الآخر في الصف، الذي أخذته الجلالة فتحدّث عن إنّه لا يُمكِن وجود نظامٍ عادل اجتماعياً إلا في نطاقِ وحداتٍ مُجتمعية محكومة لا مركزياً، أي في نظام شبه لا سلطوي. بسبب الاستبداد الذي يحكُم الأكاديميا، راجع الأستاذ الثاني موقفه بُسرعة: "أنا لا أدعم الأناركية، نحنُ نُفكر معاً في كُل المسارات لنرى الأشياء غير الأناركية."
علت همهمات الاستحسان في الصف. (والأكاديميا تبدو لي مثل قفص الوحوش، يُراقب فيه كُلِ ذئبٍ أخاه، فلا يخرج عن قطيع الذئاب لينضم إلى البشر خارج القفص، أو ليختط طريقاً وحده). 

نظرية الفرابتشينو
غير أن المزاج قد انقلب في الصف. كُل الأكاديميين يُحبون أن يظهروا بمظهرٍ ثوري مُعتدل - أليسوا ذئاباً؟ - لذلك، تحولوا إلى الفتاوى الاقتصادية، مُتحدثين عن قيمة العمل، والمُنتَج الناتج عن العمل. كان لدّي كوب فرابتشينو - ضربٌ من السموم التي تبيعها ستاربكس ويبتاعها المرء عندما يكون في عجلة من أمره على أنها مشروب شكولاتة بارد - فقرر أحد الزملاء أن يخرج بنظرية الفرابتشينو: حتى في الأزمات الاقتصادية، تستطيع ستاربكس أن تبيع، فالناس تُحب الفرابتشينو، وما دام ثمة من يشتري الفرابتشينو، فنظريات التدهور الاقتصادي مُبالغٌ فيها. 
وهنا أفتى آخر بأنني أشرب الفرابتشينو دائماً، وبالتأكيد لا يُمكِن أن أتخلى عنه، والأمرُ يعتمد على ما يُمكِن التخلي عنه، وعمّا لا يُمكِن التخلي عنه، والفرابتشينو مُهم بالنسبة لي، كما إن قهوته هو - ولا أتذكر نوعها بالضبط - مُهمةٌ له للغاية، ولا يُمكِن له التخلي عنها. بغض النظر عن كون تلك المرة ثاني مرةٍ في حياتي كُلها أشرب فيها الفرابتشينو المذكور، وبغض النظر عن إنّه لا يوجد مشروبٌ لا يُمكِن أن أتخلى عنه باستثناء الماء، فإنني ما زلتُ لا أفهم نظرية الفرابتشينو العبقرية.

هيا بنا نهلس!
وما دُمنا قد بدأنا بالفرابتشينو، فلا بأس بالانتقال إلى الأحاديث الشخصية. (والأكاديميا مزيجٌ من جلسةِ علاجٍ نفسي مُطولة، مع أكل لحم أخِ الإنسان ميتاً). إذ لا مُشكلة في أن يُحدثنا المرء عن جده الجمهوري الذي لا يُحب العدالة الاجتماعية لأنها تبدو مُصطلحاً شيوعياً يُروجِه الليبراليون. ولا مُشكلة في أن يشتكي آخر من أن أمله في نفسه قد خاب، لأن جديه - الذين يبلغان الثمانين من العُمر - قد حدثاه عن مُغادرتهما لحفل توقيع كاتبٍ اكتشفا أنّه شاذ، فلم يوبخهما. (يتعهد الزميل بأن يوبخ جديه على عنصريتهما في أقرب فرصة لا يكون فيها جائعاً). ثم تلتقط الخيط زميلة تشتكي من أن أمها كانت (تعلّف) أخاها بالكثير من الطعام، ولا (تعلفها) مثله.
ثم يلتفتون إليك، فيسألونك عن رأيك في الأمر، فتتحدث عن انعدام توازن القوى في العالم، الذي يؤدي إلى سحق الفقراء أكثر، ثم الاستبداد السياسي الذي يحوّل مُطالبات العدالة الاجتماعية إلى مُجرد جمع للصدقات. فيتهمونك بشخصنة الحوار بحديثك عن الشرق الأوسط. ثم، يُفتي أحد الزملاء فتوى هائلة: "في الحقيقة، العدالة الاجتماعية مختلفة في الشرق الأوسط. مثلاً، في الشرق الأوسط يرجمون المُغْتَصَبَات."
يقول المرء - بكُل دبلوماسية: "هذا غيرُ صحيح." فيُصِر الزميل: "بلى، بلى، هذا في القرآن." يعود المرء للإصرار: "هذا غيرُ صحيح. لا يوجد في القرآن أي شيء من هذا القبيل." فيفض الأستاذ الاشتباك قائلاً إننا نتحدث عن الحضارة الغربية، فحسب. (لأن الأستاذ لا يرغب في أن تًرفع بحقه شكوى عُنصرية).

 حسد الأقران
وبالعودة إلى إعادة توزيع الثروة، حكى أحد الزملاء حكاية شخصية أخرى، إذ أنّه كان يُناقش فكرة توزيع الثروات مع صديق له، فرفض صديقه الأستاذ الجامعي. هز الأستاذان الجامعيان رأسيهما: "طبعاً! نحن بحاجة إلى منازلنا الصيفية!" وأيدهما بقية الطُلاب. المنازل الصيفية حقٌ من حقوق الإنسان. ثم فكر أحد الأستاذين: لكن، ماذا سيفعل العالم بالفائض المُتبقي من تحديد سقف دخل الأساتذة الجامعيين بمائتي ألف دولارٍ شهرياً؟
ولنصف ساعة، استمر النقاش حول (ثروة) الأساتذة الجامعيين، واستحقاقهم لها. واحتج البعض على بعض الأساتذة المشاهير ممن يكسبون مليون دولار في السنة.
النقاش ليسَ إلا نوعاً من حسد الأقران، في النهاية، حتى لو جنى الأستاذ الجامعي - الأمريكي، الحاصل على عقدٍ ثابت - على مليون دولارٍ في السنة - الأمر الذي لم يحدث إلا نادراً - فإن هذا لا شيء مُقابل الثروات المُكدسة في العالم. المليون دولار لا يُقارن بمليار دولار، والمليار لا يُقارَن بعشرة، بثلاثين، بخمسين، بسبعين! لكن الأكاديميا - كما أسلفنا - قفص وحوش.

بوستر بوي!
يَعرِفُ أهلي وأصدقائي ومن قرأوا شنانغانز أن لدّي بعض الميل ناحية لاري إلِسُن - رئيس شركة أُرَكِل التنفيذي - الذي يصلح في هذا السياق لدحض خُرافات السادة الزُملاء الأكاديميين:
السيد إلِسُن لا يحملُ شهادة عُليا - مثله في ذلك مثل ستيف جوبز وبِل غيتس - كما أنّه يتميز بعدة صفاتٍ هامة: الكسل، فقدان التركيز، وعدم احترام العمل. بدأ شركة ليُتيح لنفسه فُرصة اللهو من دون أن يكون مرتبطاً بدوامٍ ما، ومن ثم ابتسم له الحظ عندما وقع على ورقةٍ بحثية تتحدث عن قواعد البيانات القائمة على العلاقات، ثم أقنع مُبرمجين في شركته ببرمجة قواعد بيانات أُرَكِل، ثم باع مُنتجاً غير مُكتمل لأنه موهوبٌ في الكذب، ثم اهتمت السي.آي.إيه بعمله، فتعاقدت معه، وهكذا صار فتى إعلان الفساد الحكومي. كادت أُرَكِل تُفلِس بسبب سياساته المالية الاحتيالية، وكاد إلِسُن يلقى مصير برني إبرز، غير أنّه نجا، بالحظ وبالحيلة. ونجح في مُراكمة ثروةٍ تقترب من ثلاثين مليار دولار. وحالياً، ينشغل السيد إلِسُن بالعديد من الهوايات المُفيدة، مثل لّي ذراع عمدة سان فرانسيسكو، وإزعاج جيرانه.
"ملك الملوك إذا وهب، لا تسألّن عن السبب". هذا صحيح، وصحيحٌ أيضاً أن ما يُرَوَجُ له من "قيمة العمل" خُرافة، و"قيمة المُنتَج" خُرافة. الأمرُ كُله قائمٌ على التنمر والحظ: ثمة ثُقب تنزف منه نقود العالم، إذا وجده المرء، صار فوق الريح. هذا الثقب ينشأ عن ظُلمٍ أساسي في بُنية النظام. الأكاديميا والإعلام تلعبان دوراً مُشيناً في ترويج خُرافة مفادها أن الثروات الهائلة التي يملكها الأفراد نتاجُ موهبةٍ خاصة، أو قدُرةٍ خاصة. عندما تتكدس المليارات لدى فردٍ واحد، من الواضِح أن هُناك من يجوع بسبب احتكار الموارد بهذا الشكل المتوحش. الثروات الهائلة نتاج لعبة قِمارٍ كونية، تقتضي من المرء أن يكون في المكان المُناسب، في الوقت المُناسب، بينما يُمارس الباقون حسد الأقران على المُتناثر من القضمات التي يقضمها المحظوظون من ثروات العالم وموارده.

تنمر
المُتنمر - مثل الأكاديميين - يبحث عن فريسة يستطيع افتراسها، ولا يتحدى من يُمكِنهم ردعه. المُتنمر يستقوي على الحلقة الأضعف فحسب. هكذا، أثنى باراك أوباما في نهاية ٢٠١٠ على ستيف جوبز واصفاً إياه بأنّه "الشخص الذي تتوقع أمريكا أن يصير ثرياً" لأنه "اخترع منتجين ثوريين أو ثلاثة". الفقيد كان يملك ثروة لا تُحرقها النيران، لكن، ما قيمة ثمانية مليارات دولار مُقابل ثلاثين مليار دولار؟ خمسين مليار؟ سبعين مليار؟ لماذا لا يُسائِل أحدٌ أصحاب الثروات المهولة في العالم: "من اين لك هذا؟"  (كذلك، فإن أوباما كان يُساهِم في عبادة المُدير التنفيذي، التي يُقال إن آين راند كانت أول من بشر بها).
على أية حالٍ، إدراك فكرة التنمر التي تقوم عليها الأكاديميا، واستبداد الثورة، ومراوغة الديموقراطية، وإيضاح معاقل جديدة للفاشية كُلها أشياء تُقرِبُ شفاء عين المُبتلى.

(شربتُ الفرابتشينو هنيئاً مريئاً، والحمد لله).

0 تعليقات: