07 يوليو 2008

البحث عن نجيب محفوظ

عندما توفي نجيب محفوظ في أواخر 2006، أرسل إلّي بعض الأقارب والأصدقاء رسائل عزاء عاجلة، أو اتصلوا بي هاتفياً لإبلاغ تعازيهم مباشرة - بين جدٍ وهزل - بوصف مصيبته مصيبة كل الروائيين العرب، وبوصفي صاحبة العزاء لأن نجيب محفوظ أبونا الروائي. لم يُثِر فِيّ موت نجيب محفوظ الشجن الذي أثاره موت إدوارد سعيد، لأنه قد توقف منذ زمنٍ بعيد - 1994 ربما - عن أن يكون رجلاً يحيا ليتحول إلى رمزٍ لا يفنى. الأديب لا يموت، وموت نجيب محفوظ لم يكن إلا وضع جسدٍ في التراب، بينما لم يغب محفوظ. موته ليس سوى تاريخ يُذكر في سيرته: (وُلد في 1911 - وتُوفي في 2006) ليُعلم وقت غياب الجسد.
لم أعرف عن نجيب محفوظ إلا في 1994، حين تسببت محاولة اغتياله في اختفاء كل القصص التي أتابعها من على صفحات مجلة علاء الدين لتفسح مجالاً لتغطية زيارات الأطفال له مهنئين بنجاته من محاولة الاغتيال الوحشية التي تعرض لها. لم أكن أعرف معنى كلمة اغتيال، ولا معنى أن يكون المرء روائياً. سألت أمي عما حدث فأجابتني أن هناك من حاول قتل نجيب محفوظ الروائي الكبير. لم أفهم حكاية الروائي الكبير الذي يعرفه الجميع، لكنني فهمت أن هناك من حاول أن يجرد هذا الرجل المسن المسالم من حياته، وبدا الأمر لي فظيعاً فوق ما يمكن تحمله، فاحتفظت بالمجلة وعزمت على أن أكتب له أهنئه بنجاته بعد أن ذرفت دموعاً سخينة حزناً عليه وزوجته وابنتيه، وعلى شيماء الطفلة التي ذهبت ضحية للإرهاب في فترة مقاربة.
في المدرسة، قيل لنا أن نمتنع عن قراءة نجيب محفوظ لأنه (كافر)، وتطوعت مدرسة اللغة العربية بتدبيج خطابٍ طويل عن هذا الرجل الكافر الفاسق الفاجر الذي صنعه الغرب ومنحه نوبل. الغرب يقول أن نجيب محفوظ روائي ويجب أن نرفض ما يقوله الغرب. نجيب محفوظ ليس روائياً ولو كره الكافرون. (!)
(مدرسة اللغة العربية نفسها فسرت لنا قصيدة المتنبي عند فراقه سيف الدولة بهوىً برح بالمتنبي الذي أعرض عنه صاحبه وجفاه، فقدمت تفسيراً مثلياً للسيفيات، وأصرت على أن تفسيرها ليس معيباً، وأن من حق القلب أن يعشق طالما أنه ملتزم بشرع الله ولا يقع في الحرام - ولا أعرف كيف يمكن للمتنبي ألا يقع في الحرام مع سيف الدولة بينما الزواج المثلي لم يُشرع في زمنهما-).
وكلما قرأت مقابلة مع متأدب عربي، أعلن أن نجيب محفوظ ليس أديباً وإنما مدعياً بولغ في تقدير أهميته. وهناك من يُنكر أنه قرأ له، وينكر أن يكون له ما يستحق القراءة. - كما يفعل رئيس قسم اللغة العربية الذي يُصر على أن أدب محفوظ مجرد "إرهاصات روائية" لا رواياتٍ حقيقية -.
حسب قاعدة (الممنوع مرغوب) قررت أن أقرأ نجيب محفوظ، وأن أبدأ برواية أولاد حارتنا الممنوعة. كانت هذه الرواية مدخلي إلى عالم نجيب محفوظ الذي لا مثيل له. عالمٌ خاص يحمل اسمه ويطوي الكون بأكمله وسيرة الخلق في رواية ملحمية. وقتها قلت أنني لو كنت سأنقل رواية بخط يدي - تعليقاً على من عابوا علّي أن أفضل دوستويفسكي على تولستوي بينما نقل الأول الحرب والسلم بخط يده تقديراً لها - فإنها ستكون أولاد حارتنا - وأضفت إليها لاحقاً: الحب في زمن الكوليرا -. قرأت معظم أعمال نجيب محفوظ - ولا زلت أواصل القراءة- فلم أجد الكافر الذي يبيحون دمه، ولم أجد الكاتب عديم الموهبة الذي نال فوق ما يستحقه!
نجيب محفوظ روائي عظيم، وقول هذا يُشبه أن تقول إن الشمس تشرق كُل صباح. مجنون من ينكر طلوعها، ومجنون من يدعي أنها غيرها. عالمه الفريد نسيجٌ حي من أعمق ما في الحياة.
شدني عالم نجيب محفوظ فغابت عني سيرته، حتى مررت على ترجمته المؤسفة في ويكيبيديا العربية، فعزمت على أن أصلح فيها ما استطعت، ولذلك أجريت بحثاً باستخدام محرك بحث غوغل عنه، فوجدت مجموعة روابط لمواقع مشبوهة تطفح بما ليس انتقاداً لنجيب محفوظ، بل افتراء عليه. افتراءٌ خالص باسم الدين، وكأنهم لم يكتفوا بمحاولة اغتياله بل أرادوا أن يواصلوا الاغتيال حتى بعد موته نادمين على أن الله قبضه قبل أن يقتلوه.
أُثير جدلٌ حول سحب جائزة العويس من سعدي يوسف بسبب مقالٍ له عند وفاة رئيس دولة الإمارات زايد بن سلطان . سعدي يوسف الشيوعي صغير في عداوته. لكنني لا أتحدث عما قاله سعدي أو فعله، بل عما قاله وفعله التيار المضاد له تماماً: التيار (المتأسلم) الذي يعاديه بالضرورة. المتأسلمون أيضاً لم يستطيعوا - على الأقل - أن يخرسوا عند وفاة نجيب محفوظ، فتنابحوا بكلماتٍ لا يقبلها دينٌ أو عرف، ولا تختلف في شيء عن كلمات سعدي الشيوعي بحق ميت. لم يعلمهم التدين أن يتواضعوا أمام الموت، وأن من قبض روح نجيب محفوظ هو نفسه من سيقبض أرواحهم. نسوا أنه لا عار في الموت، وتمادوا واصفين إياه بالهالك والفاني (ومن منا ليس هالكاَ أو فانياً؟)، وقائلين بأنه قد نفق وفطس وتردى و.... إلى آخر الأفعال التي لا تدل على احترامٍ للموت، ولا حتى على توقير للباقي الذي لا يموت. ليس في الموت بين الناس عار، لكن هذا العالم قد فقد بوصلته الأخلاقية، فاختلط الجميع في بركة واحدة آسنة من أناسٍ لا أخلاق لهم. كلاب تتنابح عند حفرة، أو قردة تصطخب.
البحث عن نجيب محفوظ قادني إلى إعادة التعرف على عالمٍ لا ضمير له.
غير أن نجيب محفوظ يبقى نجيب محفوظ. والشمس تطلع كل يومٍ فتعيد كلاً إلى أصله.

هناك 4 تعليقات:

  1. أعتقدت و الهجوم على أشده على نجيب محفوظ(وليس على إبداعة فقط) أن زمار الحى لا يطرب و فى حاله تتطرف متأسلم كالتى مرت بها مصر إن زمار الحى نشاز يجب إخراسه

    هل موجة الهجوم أمتدت الى باقى الدول العربيه... هذا غريب والله

    ولكنى لم أندهش لأنى سمعت ما قالته مدرسة اللغه العربيه وأكثر هنا فى مصر

    واصلى القراءه،لأن رغم زوال هذا التيار، لن يستطيع أى كاتب يكتب حرف لغه عربيه ينكر فضل نجيب محفوظ عليه

    منا أيضا من يقف بكل سواعده دفاعا عن قامتنا الكبيره
    مثل جمال الغيطانى ويوسف القعيد ومحمد سلماوى

    ومهما حوى الانترنت على قذف فى حق كاتبنا الكبير
    فن نستطيع أن نمحى من ذاكرتنا
    سى السيد عبد الجواد أو حميد أو زيطه
    أو سعيد مهران

    شكرا إنك لم تؤمنى بما بثوه فى عقلق من أفكار مفادها أنه كافر دون التثبت من رواياته

    ردحذف
  2. الدول العربية الأخرى لا تتحدث السنسكريتية ولا تقع خلف جزر الواق واق، لذا يعرف أساتذة المدارس جيداً كيف يمنعون طلابهم من قراءة نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وطه حسين ونوال السعداوي.
    ما قلته ينطبق إلى حدٍ كبير، زمار الحي لا يُطرب فعلاً، ويوجد تفكير ظلامي يرى أن العقل المسلم لا يستطيع أن يُبدع، وإن أبدع فقد خرج عن الملة.

    نجيب محفوظ لا يحتاج إلى جمال الغيطاني أو يوسف القعيد أو محمد سلماوي أو غيرهم. نجيب محفوظ قد حقق الخلود، ولن يضيره أن يعترف به أحدٌ أو ينكره، كما لا يضير الشمس أن يقر بفضلها أحدٌ أو ينكره.

    ردحذف
  3. البحث عن نجيب محفوظ قادني إلى إعادة التعرف على عالمٍ لا ضمير له.

    حلوة التعرف على تلك
    ___________________

    أنا بالفعل لم أقرأ لنجيب محفوظ إلا قصة قصيرة
    أسلوبه قديم ممل
    ولكن العقدة الحقيقية عندي تكمن أني حاولت القراءة له مبكرا جدا
    في سن صغيرة
    فبالطبع لم أوفق إلى فهمه
    بيد أني أنتوي العودة إليه قريبا في خطتي الخماسية

    وشكرا

    ردحذف
  4. قصص نجيب محفوظ القصيرة تنطوي على غموض، لكنها غير مملة، والأدب - عموماً - لا يُقاس بمقياس: مُمل/مشوق، لكن الأمر ما قُلته: القراءة في سنٍ مبكرة مشكلة.
    أسلوب نجيب محفوظ ليس قديماً، بل إنه حديث وسهلٌ، فمعجمه ليس بسعة معاجم كُتاب آخرين، وألفاظه قريبة إلى القارئ.
    عندما تعود إليه - بإذن الله - هل لك في أن تشاركنا بعضاً من أفكارك بشأنه؟

    ردحذف