22 يوليو 2008

أقسى الشهور

ابريل أقسى الشهور، يُنسِلُ
الليلك من الأرض الميتة، يخلط
الذكرى والرغبة، يُنعش
الجذور الهامدة بمطر الربيع.
أبقانا الشتاء دافئين، غطى
الأرض بثلجٍ منسي، غذى
حياةً صغيرة بدرنات جافة.
فاجأنا الصيف، قادماً على ستارنبرغرسي
بوابل مطرٍ؛ وقفنا عند صف أعمدةٍ،
ومضينا إلى ضوء الشمس، إلى هوفغارتن،
وشربنا قهوة، وتحدثنا لساعة.

18 يوليو 2008

نصائح!

الكتابة عن التدوين كالكتابة عن الأدب، حديثٌ عن أشياء تحدث فيها الجميع من قبل دون أن يقولوا شيئاً، لكن الملل شيطانُ مريد يقود المرء إلى الكلام فيما لا يُفيد الكلام فيه ولا يحسُن، وللمرء أهواءٌ غريبة تُقرئه ما لا يُقرأ عن التدوين والمدونات في كل مكان.

لتكون مُدوناً ناجحاً:
تنتشر على الشبكة مواضيع كثيرة لمدونين ومنظرين كُثر في موضوع التدوين الناجح، وانتقلت هذه البدعة إلى المدونات العربية التي تقصف قارئات الخلاصات بالوصايا المليون للتدوين، والوصفات الخاصة للنجاح - ولعمل مربى المشمش -. من غير المستبعد أن يظهر الدكتور س ص على إحدى الفضائيات المتفرخة ليتحدث - بابتسامة عريضة - عن دور البرمجة اللغوية العصبية NLF - والاختصار ضروري حتى لو لم يُجِد المتحدث الإنكليزية - في تطوير المدونات وانعكاس ذلك على حياة الإنسان ونجاحه في تحقيق أهدافه ووصوله إلى حالة السعادة التامة - والإنسان دائم السعادة غبي بالضرورة -، أو أن يظهر الشيخ س بن ص على واحدة من الفضائيات الآخروية ليرعد ويزبد ويدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور على المدونين الخاسئين، أو أن يظهر زميله الشيخ س بن ص 2.01 على واحدة من القنوات الإخبارية ليدعو الناس (بالحكمة والموعظة الحسنة) إلى استخدام التدوين لنصرة دين الفطرة.
لتكون مدوناً ناجحاً: اشرب الحليب كل يومٍ صباحاً، واسمع كلام والديك، ولا تتكلم في الفصل.

إنها الميديا!
طبعاً، لا بُد أن تركب الميديا الموجة، فالناس تريد أن (تسترزق)، لذا تكتب معظم الجرائد والمجلات عن المدونات مقدمة مدونات اختارها معدو التقارير بعشوائية كنماذج لعالم التدوين كاملاً، ولا يسكت التلفاز أبداً، فتمتلئ قنواته الإخبارية - وغير الإخبارية أحياناً - ببرامج من قبيل: "أزمة التدوين في بوركينا فاسو!" يستضيفون فيها مدونين عشوائيين من تشاد وأوغندا ليتحدثوا عن سبب عدم تخلي روبرت موغابي عن الرئاسة مع أنه بلغ الرابعة والثمانين وآن له أن يطلب (حُسن الخاتمة)!

قطيع:
أجمل مبادئ التدوين وأكثرها بساطة الفردية، لكن سلطة القطيع تمتد إلى المدونات، فيُصر المدونون على الانتماء إلى قطيع: مدونات واق واقية، مدونات نظيفة - تستخدم فيري التوفيري -، مدونات غير نظيفة -تستخدم سائل التظيف الآخر-، مدونون من أجل حقوق القطط في أكل ويسكاس، اتحاد مدوني الكاتلكس!

رب عملك المستقبلي:
واحدة من نصائح التدوين المشهورة أن تكتب لرب عملك المستقبلي، فتتجنب أي مواضيع خلافية، وتعرض وجهات نظرٍ مدرسية هادئة في شؤون عالمية - لتكشف أنك مثقف - فتحصل على وظيفة ما كان ليمنحك إياها لو أنه قرأ في مدونتك ما ينم عن كونك ثائراً، أو صاحب وجهات نظر خلافية، أو ذا اهتماماتٍ غير لائقة - حسب منظور رب عملك المستقبلي - فربما تكون من أنصار ريال مدريد ويكون رب عملك من أنصار برشلونة!

الدائرة المقدسة:
ظاهرياً، فإن الدائرة المقدسة هي نقيض رب عملك المستقبلي، لكنهما، في حقيقتهما، مجرد اسمين لجوهر واحد هو القطيع المقدس. أنت مُعجب بجماعة مدونين مشاهير يؤلفون بينهم نظاماً، تُريد أن تدخل الدائرة، فتحول نفسك إلى نسخة عنهم. تفكر دائماً: ماذا سيكون رأيهم؟ وتكتب حسب آرائهم!

GO BIG:
لا يُهم أبداً كونك غير قادرٍ على كتابة جملةٍ بالفصحى، أو اعتقادك أن التاء حرف جر وبت اسم مجرور وعلامة جره السكون في الآية: "تبت يدا أبي لهبٍ وتب"، اكتب عنواناً كبيراً خادعاً لمدونتك: "مدونة الفكر"- بأل التعريف طبعاً، وليس بدونها! نحن لا نلعب! -، ولا يهمُ بعدها أن تتحدث المدونة عن طرق طهي العجة والهدف المشكوك فيه لمصلحة منتخب إيطاليا. لا شك أنك عبقري وتحوي كل علوم الدنيا في عقلك، فتفتح "مدونة الفلسفة" لتسب معارفك، أو تبدأ مدونة "العقل والحضارة" لتسرق فيها مواضيع مسروقة من منتديات مستنسخة. اكذب على نفسك وقل إنك مفكر: ستصدق الكذبة، وسيصدقها الجميع بالتبعية، وفي غمضة عين ستصبح: (الأستاذ) و(المفكر).

لا شيء أثقل على النفس من نصيحة لم تطلبها.

16 يوليو 2008

تعريب!

بالصدفة، قرأت تدوينة تسخر من تعريب إصدار برنامج فاير فوكس الأخير - الإصدار الذي أستخدمه -، وجميع الردود عليها لا تسخر من التعريب نفسه، بل ممن قام به - كائناً من كان - واصفة المُعِرِب بأنه: "برنامج" أو "هندي"، ومطالبة بالعودة إلى النسخة الإنكليزية من البرنامج.
بغض النظر عن أن الهجوم الشخصي يلغي أي أسسٍ عقلانية لأي نقاش، إلا أن هذا النقاش - تجاوزاً - يعرض بعض مشاكل الترجمة إلى العربية والتعريب، خصوصاً في المسائل التقنية التي لا يزال العرب فيها متأخرين، فمعظم المشاركين فيه يجهلون العربية، ويلجأون إلى الحل الأسهل: (لنستخدم النسخ الإنكليزية، فالعرب فاشلون!) رافضين الإقرار بأن صيغاً مثل: (تم البدء في الاتصال) أعجمية لا تمت للعربية بصلة، وتخلو من المنطق فتَمَ ليس فعلاً مُساعداً في العربية - ولا توجد أفعالٌ مساعدة في العربية - بل فعل حركة دالاً على تمام الشيء واكتماله، فكيف يُقال أنه تم البدء، والبدء عكس التمام. والأصل في العربية - والإنكليزية - بناء الفعل للمجهول عند عدم ذكر الفاعل، فيُقال: بُدِء الاتصال حين يبدأه أحد، و(بدأ) حين يبدأ من تلقاء ذاته.
البناء للمجهول في العربية يكون من الفعل نفسه، فيُقال: فتحَ أحمد الباب، وفُتِح الباب، وحين لا تكون هُناك حاجة إلى فاعلٍ معلوم أو مجهول يُقال: انفتح الباب، بدون أي علامة على قوة فتحته بحيث يغدو الباب المفعول به فاعلاً.
مشكلة متلقي التعريب تكمن في أنهم يُريدون أن تُطابق ألفاظ العربية مقابلتها الإنكليزية مطابقة تامة، بدون أدنى اعتبارٍ لكون اللغتين مختلفتين تماماً، وتطورتا في سياقين مختلفين. دعواهم تفتقد المنطق بالقدر الذي افتقدته إياه دعاوى لغويي القرن الثامن الإنكليز الذين أرادوا قياس قواعد الإنكليزية على قواعد اللاتينية، ونسوا أن الإنكليزية لغة جرمانية حية، بينما اللاتينية جذر اللغات اللاتينية الميت لخروجه من الاستخدام. هؤلاء يُريدون مطابقة الإنكليزية في كل شيء، فإذا قال أحدهم: I am John طالبوا بأن تكون الترجمة: أنا أكون جون، متجاهلين تماماً أن أفعال الكينونة بالإنكليزية لا تؤدي نفس وظيفتها بالعربية، وأن الإنكليزية ليست اللغة الوحيدة التي يُترجم عنها، فكيف سيكون الوضع عندما يُترجم عن الفرنسية والصينية والهندية؟
بوصفنا مستهلكين للتقنية لا مُنتجين لها، ينبغي أن نتعرف على لغات الأصل. لا مشكلة في هذا الخطاب سوى أنه يتجاهل نسبة كبيرة من قراء العربية الذين لا يقرأون بغيرها، والذين ينبغي أن تُترجم لهم الأصول بلغة عربية سليمة.
مشكلة العربية أنها غريبة حتى عن دعاتها، فمن يقومون على مشاريع التعريب الحالية يُصرون على أنها ناقصة، ويرغبون في إضافة حروفٍ إليها كالكاف الفارسية وغيرها لتُطابق أصوات بقية اللغات تمام المطابقة، ناسين أنه لا توجد لغة تتطابق أصواتها مع لغة أخرى، وأنه حتى داخل نفس اللغة تختلف الأصوات من منطقة لأخرى، فالبريطاني لن ينطق الأصوات المعلولة كما ينطقها الأمريكي، وسيأتي الأسترالي بنطقٍ ثالث مختلف لها. لا أحد يستطيع أن يُخطئ الآخر، لكن المطالبين بإضافة حروفٍ جديدة إلى العربية مُصرون على جعلها نسخة مطابقة للغة أخرى مختلفة، كما فعل لغويو القرن الثامن عشر الإنكليز، مع أن التاريخ وُجد لنتجنب أخطاءه، لا لنعيده.
حين ترجم الأوروبيون النصوص العربية إلى اللاتينية، لم يتركوا شيئاً على حاله، ولم يلتزموا حتى بترك أسماء المؤلفين العرب كما هي، بل غيروها لتلائم لغتهم وقراءهم، فتحول ابن رشد إلى Averroes وابن سينا إلى Avicenna، واشتهرا في المراجع والاستشهادات الغربية باسميهما المحرفين الذين لا يكادان يقتربان من الأصل العربي، ولم يظهر من يدعو إلى إضافة حروف جديدة إلى اللاتينية لتستوعب الأسماء العربية وقُبل التصحيف - مع أن اللغة تحوي جميع الأصوات في الاسمين -. لم يطالب أحدٌ بالتخلص من جميع الترجمات لأن اللاتينيون فاشلون، والقراءة بالعربية رأساً، فأمكن للمترجمين أن يُنقحوا النصوص بمرور الزمن وتراكم الخبرة، وأمكن لطلاب العلم تكوين ثقافة علمية لا بأس بها باللاتينية صارت لبنة التحول الأوروبي اللاحق.
من غير المنطقي أن يُطالب المرء بتحويل الأسماء الأجنبية إلى مقابلاتها العربية تحويلاً متعسفاً، فيُصبح رومان جاكوبسون: رومي بن يعقوب، ورولان بارت: درين البارثي، لكن باعتماد مقاربة الأصوات، فالإنكليز لن ينطقوا اسم محمد كما يفعل العرب، بل سيقولون: موهاميد، ولا يستطيع أن يلومهم أحد لأن نظامهم الصوتي مختلفٌ عن نظام العربية.
حين بدأ العرب أنفسهم ترجمة النصوص الإغريقية صادفتهم مشاكل كثيرة، لكن أحداً منهم لم يقل إن العربية لغةٌ ناقصة، فعربوا ما لم يستطيعوا إيجاد مقابل عربي له: فلسفة وأرتيماطيقي، وترجموا علم المنطق والحساب والفلك، وأنشأوا الجبر.
أن نختلف عن الآخرين ليست نقيصة، فإن لم يوجد اختلاف بين اللغات، لِم كانت بهذه الكثرة، أما كان يكفي العالم كُله لغة واحدة؟

14 يوليو 2008

التنين

(تنين الخشب والخنفساء - فيل مكداربي)

أتذكر أنني ذكرت - في مكانٍ ما من هذه المدونة - التنانين التي كُنت أرسمها واعتبرها جميع من رآها أشياء بين مجموعة من السحالي المضروبة ضرباً مبرحاً والفئران المسممة. اعتزلت الرسم منذ زمنٍ فلم أعد لرسم التنانين، غير أنني عدت للتفكير في تنانيني القديمة بينما كنت أتفرج على الصور المعروضة في معرض CGSociety فمعظم الرسوم تُري عوالم تخيلية بالكامل، وكثيرٌ منها يُصور تنانين في أوضاعٍ وحالاتٍ مختلفة.
المُلاحَظُ بشأن هذه التنانين أنها - وإن كانت مخلوقات خيالية - ذات شكلٌ متفقٍ عليه وكأنها ضربٌ من الحيات الحقيقية - كما يقول ابن منظور -، بحيث يكون الاختلاف بين تصوير التنين في رسم وتصويره في آخر الاختلاف بين أنواع الحيات في الطبيعة أو الفن. وتُرسم رقمياً بشكلٍ واقعي يوهم المشاهد أنه سيجد هذه التنانين في الطبيعة لو دقق النظر.
يستحق التأمل أيضاً أن التنين عنصر بارز في أي كونٍ تخيلي، وفي أي رؤية لهذا الكون التخيلي متشائمة كانت أم متفائلة، وسواء كان هذا الكون التخيلي مستقبلياً أم ماضياً أم موازياً. التنين حاضر كمعبود أو مُستعبد، قيمة مجردة أو أداة، عنصر جمالي أو تشويه، ودلالاته تراوح بين الخراب والخوف والقيم غير الإنسانية. عندما كنت صغيرة أقرأ القصص التي يرسمها جمال قطب، كان التنين رمزاً للحكمة، وأحياناً رمزاً للقوة الغاشمة. لكن دلالة الحكمة انزاحت في الفن الرقمي لتفسح المجال أمام قوة غاشمة مطلقة (معبود) أو مقيدة (مستعبد)، وفي كل الأحوال فإن هذه القوة تناقض الحرية وتناقض الحكمة. قوة التنين الغاشمة أزلية، تحكم الأرض اليباب حيث لا ماء هناك، بل صخر.
يرى أرسطو أن الفن يكتسب قيمته من حيث كونه "محاكاة للحياة"، وبرغم تأثير أرسطو الكبير إلا أن الفن قد خرج عن كونه محاكاة للحياة منذ زمنه، فلا قيمة للوحة الشجرة التي يرسمها الرسام خارج إطارها، فلن تضيف شيئاً إلى الأشجار الحقيقية، ولن يستظل بها أحد أو يستفيد من خشبها. صورة الشجرة قد تكون أفضل أو أسوأ من الشجرة الحقيقية، لكن قيمتها لا تكمن في جودة المحاكاة وتفوقها على الأصل، بل فيما تقوله بوصفها عملاً فنياً. هل تؤثر الشجرة في نفس متلقيها؟ هل تقول شيئاً؟ ما تقوله الشجرة لمتلقيها يُعرف قيمتها الفنية.
يعارض أوسكار وايلد أرسطو ويقلب نظريته قائلاً إن "الطبيعة تقلد الفنان"، وتقليد الطبيعة للفنان يأتي من أن الفن لا يخضع لقواعد، بل إن الحياة تأخذ قوانينها من الفن.
في مسألة التنين والفن يظهر فعلاً أن الفن قد أرسى قواعده، وأعطى الحياة لمفردات لا توجد إلا فيه. يُفترض أنها معرفة عامة، المعرفة بأن التنانين مخلوقات خيالية لم توجد على الأرض يوماً، غير أن تواترها في الفن باعتبارها عنصراً أصيلاً وثابتاً موجوداً في كل الثقافات - تقريباً - يجعلها جزءاً من التراث الإنساني، ويضيف عنصر ارتباكٍ إلى علاقة الإنسان باللغة والفن باعتبارهما أدوات إشارة إلى مدلولات ذات وجودٍ مادي خارج كونيهما، فالتنين موجودٌ رغم أن أحداً لا يستطيع أن يثبت أنه وُجد حقاً بالصورة التي يحضر بها في الفن، ووجوده هذا يُناقض حقيقة العالم، غير أن الحقيقة ليست إلا وهماً يُصدقه الإنسان، ما يجعل وجود التنين حقيقياً بالنسبة للمتلقي ولو كان عالم مستحاثات يعرف أن العلماء لم يجدوا أي مستحاثة لتنين حتى اليوم.

10 يوليو 2008

الخامس: سأحشو ذلك قليلاً!

قاعدة إلمر ليونارد العاشرة للكتابة: "حاول أن تترك الأجزاء التي يميل القراء إلى تجاوزها".
الحشو: أن تنفد منك الأفكار، لكنك تستمر في الكتابة.

هناك سببان لتحشو كتابتك:
  • لديك عدد كلماتٍ مطلوب وموعد تسليم يقترب
  • أنت تشعر بالملل، أو أنك عالق، في القسم الذي تعمل عليه لذلك تستطرد
وكلاهما يُعادل:
  • أنت تزدري قراءك
إذا كانت قصتك قصيرة في عداد الكلمات، فإن هذا بسبب كونها قصة قصيرة!

شون لندسي، 3 نوفمبر 2006
Reason #5: I’ll Just Pad This Out


تعليق: المسطرة!
رغم أن الكتابة فعلٌ متمردٌ على القواعد، إلا أن قاعدة إلمر ليونارد العاشرة توصيف لما ينبغي أن يكون الأمر عليه في الكتابة. لا مبرر لحشو الفصول إلا محاولة تطويل العمل ليفي بمقياسٍ محدد، عدد كلماتٍ أو صفحاتٍ مطلوب.
المسطرة مفسدة العمل الأدبي الأشد سطوة. المسطرة التي تقيس عدد الكلمات أو الصفحات، طول المخطوطة، أبعاد الفصول. المسطرة التي تقيس الشخصيات وفق إطارٍ معين لا ينبغي أن تحيد عنه. المسطرة الآتية من الخارج كمسببٍ خارجي لا علاقة له بالعمل الأصلي يقمعه ويحوله إلى صورةٍ هجينة. المسطرة التي لا تحترم القارئ ولا الكاتب وتخضعهما لسلطتها المنهجية. المسطرة التي تمسخ الإبداع.
إنها المسطرة!

07 يوليو 2008

البحث عن نجيب محفوظ

عندما توفي نجيب محفوظ في أواخر 2006، أرسل إلّي بعض الأقارب والأصدقاء رسائل عزاء عاجلة، أو اتصلوا بي هاتفياً لإبلاغ تعازيهم مباشرة - بين جدٍ وهزل - بوصف مصيبته مصيبة كل الروائيين العرب، وبوصفي صاحبة العزاء لأن نجيب محفوظ أبونا الروائي. لم يُثِر فِيّ موت نجيب محفوظ الشجن الذي أثاره موت إدوارد سعيد، لأنه قد توقف منذ زمنٍ بعيد - 1994 ربما - عن أن يكون رجلاً يحيا ليتحول إلى رمزٍ لا يفنى. الأديب لا يموت، وموت نجيب محفوظ لم يكن إلا وضع جسدٍ في التراب، بينما لم يغب محفوظ. موته ليس سوى تاريخ يُذكر في سيرته: (وُلد في 1911 - وتُوفي في 2006) ليُعلم وقت غياب الجسد.
لم أعرف عن نجيب محفوظ إلا في 1994، حين تسببت محاولة اغتياله في اختفاء كل القصص التي أتابعها من على صفحات مجلة علاء الدين لتفسح مجالاً لتغطية زيارات الأطفال له مهنئين بنجاته من محاولة الاغتيال الوحشية التي تعرض لها. لم أكن أعرف معنى كلمة اغتيال، ولا معنى أن يكون المرء روائياً. سألت أمي عما حدث فأجابتني أن هناك من حاول قتل نجيب محفوظ الروائي الكبير. لم أفهم حكاية الروائي الكبير الذي يعرفه الجميع، لكنني فهمت أن هناك من حاول أن يجرد هذا الرجل المسن المسالم من حياته، وبدا الأمر لي فظيعاً فوق ما يمكن تحمله، فاحتفظت بالمجلة وعزمت على أن أكتب له أهنئه بنجاته بعد أن ذرفت دموعاً سخينة حزناً عليه وزوجته وابنتيه، وعلى شيماء الطفلة التي ذهبت ضحية للإرهاب في فترة مقاربة.
في المدرسة، قيل لنا أن نمتنع عن قراءة نجيب محفوظ لأنه (كافر)، وتطوعت مدرسة اللغة العربية بتدبيج خطابٍ طويل عن هذا الرجل الكافر الفاسق الفاجر الذي صنعه الغرب ومنحه نوبل. الغرب يقول أن نجيب محفوظ روائي ويجب أن نرفض ما يقوله الغرب. نجيب محفوظ ليس روائياً ولو كره الكافرون. (!)
(مدرسة اللغة العربية نفسها فسرت لنا قصيدة المتنبي عند فراقه سيف الدولة بهوىً برح بالمتنبي الذي أعرض عنه صاحبه وجفاه، فقدمت تفسيراً مثلياً للسيفيات، وأصرت على أن تفسيرها ليس معيباً، وأن من حق القلب أن يعشق طالما أنه ملتزم بشرع الله ولا يقع في الحرام - ولا أعرف كيف يمكن للمتنبي ألا يقع في الحرام مع سيف الدولة بينما الزواج المثلي لم يُشرع في زمنهما-).
وكلما قرأت مقابلة مع متأدب عربي، أعلن أن نجيب محفوظ ليس أديباً وإنما مدعياً بولغ في تقدير أهميته. وهناك من يُنكر أنه قرأ له، وينكر أن يكون له ما يستحق القراءة. - كما يفعل رئيس قسم اللغة العربية الذي يُصر على أن أدب محفوظ مجرد "إرهاصات روائية" لا رواياتٍ حقيقية -.
حسب قاعدة (الممنوع مرغوب) قررت أن أقرأ نجيب محفوظ، وأن أبدأ برواية أولاد حارتنا الممنوعة. كانت هذه الرواية مدخلي إلى عالم نجيب محفوظ الذي لا مثيل له. عالمٌ خاص يحمل اسمه ويطوي الكون بأكمله وسيرة الخلق في رواية ملحمية. وقتها قلت أنني لو كنت سأنقل رواية بخط يدي - تعليقاً على من عابوا علّي أن أفضل دوستويفسكي على تولستوي بينما نقل الأول الحرب والسلم بخط يده تقديراً لها - فإنها ستكون أولاد حارتنا - وأضفت إليها لاحقاً: الحب في زمن الكوليرا -. قرأت معظم أعمال نجيب محفوظ - ولا زلت أواصل القراءة- فلم أجد الكافر الذي يبيحون دمه، ولم أجد الكاتب عديم الموهبة الذي نال فوق ما يستحقه!
نجيب محفوظ روائي عظيم، وقول هذا يُشبه أن تقول إن الشمس تشرق كُل صباح. مجنون من ينكر طلوعها، ومجنون من يدعي أنها غيرها. عالمه الفريد نسيجٌ حي من أعمق ما في الحياة.
شدني عالم نجيب محفوظ فغابت عني سيرته، حتى مررت على ترجمته المؤسفة في ويكيبيديا العربية، فعزمت على أن أصلح فيها ما استطعت، ولذلك أجريت بحثاً باستخدام محرك بحث غوغل عنه، فوجدت مجموعة روابط لمواقع مشبوهة تطفح بما ليس انتقاداً لنجيب محفوظ، بل افتراء عليه. افتراءٌ خالص باسم الدين، وكأنهم لم يكتفوا بمحاولة اغتياله بل أرادوا أن يواصلوا الاغتيال حتى بعد موته نادمين على أن الله قبضه قبل أن يقتلوه.
أُثير جدلٌ حول سحب جائزة العويس من سعدي يوسف بسبب مقالٍ له عند وفاة رئيس دولة الإمارات زايد بن سلطان . سعدي يوسف الشيوعي صغير في عداوته. لكنني لا أتحدث عما قاله سعدي أو فعله، بل عما قاله وفعله التيار المضاد له تماماً: التيار (المتأسلم) الذي يعاديه بالضرورة. المتأسلمون أيضاً لم يستطيعوا - على الأقل - أن يخرسوا عند وفاة نجيب محفوظ، فتنابحوا بكلماتٍ لا يقبلها دينٌ أو عرف، ولا تختلف في شيء عن كلمات سعدي الشيوعي بحق ميت. لم يعلمهم التدين أن يتواضعوا أمام الموت، وأن من قبض روح نجيب محفوظ هو نفسه من سيقبض أرواحهم. نسوا أنه لا عار في الموت، وتمادوا واصفين إياه بالهالك والفاني (ومن منا ليس هالكاَ أو فانياً؟)، وقائلين بأنه قد نفق وفطس وتردى و.... إلى آخر الأفعال التي لا تدل على احترامٍ للموت، ولا حتى على توقير للباقي الذي لا يموت. ليس في الموت بين الناس عار، لكن هذا العالم قد فقد بوصلته الأخلاقية، فاختلط الجميع في بركة واحدة آسنة من أناسٍ لا أخلاق لهم. كلاب تتنابح عند حفرة، أو قردة تصطخب.
البحث عن نجيب محفوظ قادني إلى إعادة التعرف على عالمٍ لا ضمير له.
غير أن نجيب محفوظ يبقى نجيب محفوظ. والشمس تطلع كل يومٍ فتعيد كلاً إلى أصله.

03 يوليو 2008

Functional English

كنت أخطط للكتابة عن المادة التي أكرهها كما لم أكره مادة أخرى منذ دخلت مستعمرة الهنود بوصفها - رغم كونها بغيضة - مدخلاً للتأمل والتفكير - والأفكار التي أوحت لي بها الشيء الوحيد الذي يجعلني أتقبل فكرة الساعات التي أمضيتها في دراستها -، غير أن عادة الرياح أن تجري بما لا تشتهي السفن، فامتحان هذه المادة اليوم يغريني بأن أكتب مذمة طويلة في المادة وفي من يُدرسها، وهذا أمرٌ جلل، فلستُ من هواة انتقاد أساتذتي.
يعني اسم المادة الإنكليزية الوظيفية، أو كما في جدول المواد: الإنكليزية التطبيقية، وكلاهما ترجمتان لاسمٍ يفتح الباب واسعاً أمام التأمل في وظائف اللغة، غير أن الاسم خدعة، فالمادة ليست إلا المراسلات التجارية والرسمية وكتابة السير الذاتية ورسائل التغطية. (يزينها) قول مدرس المادة أنه إنما يُدرسها لتلاميذ لا يُميزهم شيء، أما المميزون فلا يحتاجون أي سيرٍ ذاتية أو مراسلاتٍ رسمية: "المميزون يفرضون شروطهم، أما الباقون [أنتم] فيخضعون لقواعد مربكةٍ ومعقدة في المراسلات الرسمية والسير الذاتية، ويهدفون فقط إلى إرضاء مستخدميهم".
في سنتنا الأولى داخل مستعمرة الهنود كنا كالغنم - وما زلنا كذلك بشكلٍ أو بآخر - ثم بدأنا نقرأ الأدب حقاً، ونطلع على سير استثنائيين منهم: رالف والدو إمرسون، هنري ديفد ثورو، إميلي ديكنسون، كريستوفر مارلو، جون ميلتون، وفرجينيا وولف. كلهم شجعان متمردون خرجوا عن العرف والقواعد واختطوا لأنفسهم نهجاً لم يسمحوا لأي كان أن يقيدهم فيه. كل منهم قدم شيئاً جديداً مختلفاً، ولم يلق بالاً إلى أي مستخدمين، قراء، سلطات من أي نوعٍ كان. الأدب يعلم الإنسان أن يتمرد ليكون ذاته، فكيف تسول لهم أنفسهم حبسنا هكذا بعد أن قويت فينا بذرة التمرد؟
سيق إلينا تبرير أول عندما أُعلن عن إضافة هذه المادة إلينا، أننا - وقد بلغنا من الكبر مبلغنا - نعجز عن كتابة رسالة رسمية لائقة إلى إدارة المستعمرة فتجد أحدنا يكتب لكبيرنا تظلماً بهذا الشكل:
Dear Dr. X,
Good morning.
How are you?
I hope my letter will arrive while you are in good health and state.
Dear sir, I would like to draw your attention to my grades that I feel unjust.....
وتحتفظ إدارة المستعمرة بهذه الرسالة (النموذج) وبرسائل أخرى على ذات النمط بين وثائقها السرية التي ستعرض للجمهور بعد ثمانين عاماً.
قالوا لنا أن هذا النموذج في الكتابة إلى رئيس القسم ليس خاطئاً فقط، بل معيباً أيضاً لأنه يخلو من أي نبرةٍ رسمية ويتحدث مع رئيس القسم بصفته الشخصية لا بصفة منصبه، بينما ليس المهم في المراسلات الرسمية الشخص وإنما المنصب الذي يشغله، لذا ينبغي علينا أن نوجه رسائلنا إلى العميد، رئيس القسم، المسؤول الفلاني... من دون أي تحديدٍ لأي أسماء، وبدون أن نسأله عن صحته ونتمنى أن تصله رسالتنا وهو في أتم الصحة والعافية!
النموذج الجديد باردٌ وناءٍ، وفوق ذلك يُطلب منا أن نجعل نبرة الرسالة مهذبة تهذيباً أدنى إلى الإساءة كما أرى، فنحن لا نخاطب بشراً وإنما نخاطب آلات. البشر يصابون بالصداع ويرسب أبناؤهم في المدارس ويعانون من ارتفاع الأسعار، أما هذه الرسائل فتفترض أنهم لا يعانون من أي مشاكل، وأنهم مستعدون للتعامل بفعالية مع أي رسالةٍ باردة تصلهم.
قد يكون هذا ما ينبغي في مراسلات الأعمال التجارية، لكننا حين نراسل رئيس قسمنا نشعر بالخجل من أن نتعامل معه بهذه الطريقة التي تخلو من أي حساسية بينما نعرف قدر المجهود الذي يبذله في القسم، وتأثيره الفادح على صحته. هذه المادة الباردة لا تقدر أننا نأمل دائماً في أن يؤثر دعاؤنا الغيبي إيجاباً على صحة مستقبل رسائلنا فيصبح بخير، وأن يشعر بتعاطفنا معه وتقديمنا صحته وسلامته على أي مشاغل دنيوية أخرى، بوصف احترام الذات البشرية لتفردها الإنساني قيمة مطلقة السمو في الحياة.
تصر الإنكليزية الوظيفية على أن نستخدم الكلمات بمعناها المباشر، لا مجازات مسموحة في اللغة، لا تبريرات، لا إطناب. اقتصادٌ تام في اللغة، واستخدام لأبسط مفرادتها أحادية المعنى والدلالة بحيث تتجرد من أي إيحاء غير الإشارة المباشرة إلى أشياء مادية خارج اللغة: نقود، نقود، نقود!..
هذا مفهوم فلسفي، فالمال بوصفه عصب الحياة المادية يمثل فلسفة. والاقتصاد في اللغة الذي يحولها إلى مجرد وسيلةٍ للإشارة إلى المادة فلسفة تعطي مدخلاً للتفكير في سياقات اللغة المختلفة ووظائفها.
لغة المراسلات الرسمية هي النقيض التام للشعر. انقلاب الماديين على وعورة اللغة وتمرد أخيلتها والأقاصي التي تقود إليها بوصفها كائناً حياً محولين إياها إلى أدوات إشارةٍ عديدة وظيفتها إعلام القارئ بأننا نتحدث عن: كمبيوتر دل إنسبايرون 6400 بمعالج مزدوج النواة من إنتاج إنتل بسعر ألفي دولار للوحدة - كما جاء في امتحان اليوم - لا أكثر ولا أقل.
مشكلتي مع الإنكليزية الوظيفية - التي آمل التخلص منها إلى الأبد - أنها تدفعني للتفكير في كل شيء يختلف عنها. افتراضها الرئيسي - في السياق الذي ندرسه - أننا مجموعة من الروبوتات التي تخلو من أي شعورٍ وتفكير، أو أننا مجموعة بشرٍ تامي الترويض بحيث نخلوا تماماً من أي شعور. الواقع يخالف هذا الافتراض تماماً، لذا يُمطر التلاميذ معلمهم دوماً بمختلف الأسئلة - التي يراها غبية - بينما تعكس ذعراً عاماً من جمود لغة الرسميات وخلوها من الحياة.
آمل أن أحصل على درجاتٍ جيدةٍ في الامتحان لأنني لا أريد لهذه المادة القاحلة أن تقف في طريقي، لكنني أعرف أنني أشبه فلورنتينو أريثا بشكلٍ أو بآخر، ولن أستطيع يوماً كتابة رسالة رسمية مهما حاولت.
ربما يحتاج الأمر حباً عظيماً لكتابة رسالةٍ تصل في اقتصادها اللغوي وتجردها الشعوري الحد الذي تتطلبه رسالة عملٍ مثالية.

01 يوليو 2008

Atonement


الكفارة فيلمٌ مأخوذ عن رواية، بدون قراءة أي شيء عنه قبل مشاهدته، وحتى مع تفويت اسم إيوان مكيوان في قائمة صناع الفيلم. عمق الفيلم والثقة التي تتحرك بها الشخصيات في متاهتها أدبيتان. طريقة تتابع الأحداث، المضي قدماً وعودة في الزمن، إعادة تمثيل الحدث من وجهاتِ نظرٍ مختلفة؛ الارتباك الطفولي في النظر إلى العالم؛ تشوشه؛ محاولة البحث عن يقينٍ يزيد الأمر ارتباكاً؛ المناطق الرمادية بين الطفولة والنضج، كلها أشياء روائية، ما كان لفيلمٍ أن يحملها بهذه الثقة لو لم يكن لها أصلٌ في كتاب.
كثيراً ما تأتي الاقتباسات الدرامية للروايات في السينما مخيبة لآمال القراء، لم أقرأ رواية الكفارة، لكنني أعتقد أن الفيلم أبعد ما يمكن عن أن يكون خيبة أملٍ، فهو واحدٌ من أكثر إنتاجات الروايات السينمائية إبداعاً في إخراجه وتصويره وتمثيله وموسيقاه بحيث يُصنف مع المريض الإنكليزي والحب في زمن الكوليرا - الذي صدر معه في نفس العام - في نفس الخانة، ويقع من حيث النجاح النقدي والحظ مع الأوسكار في موقعٍ وسط، فهو أقل حظاً من المريض الإنكليزي ذي الأوسكارات التسعة، وأكثر حظاً من الحب في زمن الكوليرا الذي خرج صفر اليدين بدون ترشيح.
صوت الآلة الكاتبة لازمة الفيلم منذ لحظته الأولى، الصوت الذي حوله الموسيقار داريو مارينيلي إلى موسيقى خالصة استحق عليها أوسكار أفضل إنجازٍ في مجال الموسيقى - متغلباً على مرشحٍ عريق كآلان منكن، ومعيداً للجائزة بعض اعتبارٍ سقط عنها حين تجاهلت ترشيح أنتونيو بنتو - فتحول مرافقاً درامياً للأحداث، ومساهماً في سرد القصة. صوت الآلة الكاتبة صار جزءاً من نسيج الفيلم، ونسيج الحياة التي يعيد تمثيلها في امتيازٍ درامي خالص أكمله التصوير المحكم جمالياً، والإخراج الجيد، والمونتاج الشفاف الذي استطاع أن يروي حكاية مبعثرة روايةً أخاذة، ويأخذ موقفاً من الحدث، فيقود المشاهد في عالمٍ متشابك قوامه كفارةٌ ينبغي أن تُدفع للنضج.
تقنية الفيلم مضللةٌ في البداية، يرى المشاهد ما تراه براوني - في أداء مكتمل من سيرشيه رونين - ويأخذ وجهة نظرها من الأحداث. ثم يعود الفيلم ليروي الأحداث من وجهة نظرٍ محايدة ترى ما لا تراه براوني لتنكشف سلسلة الصدف والتراكمات المعقدة الناشئة عن الاستعداد لمناسبةِ عودة الأخ الأكبر إلى البيت والتي أدت ببراوني الطفلة إلى اتهام روبي ترنر حبيب أختها الكبرى سيسيليا باغتصاب قريبتهما لولا كوينسي. وعيها الطفولي كان واثقاً وقتها من أن اتهام روبي صحيح لا يدانيه شك. تصرفت بقوةٍ وثقةٍ قادت روبي إلى السجن، ثم إلى الحرب العالمية الثانية ليخدم كجندي مشاة في الجبهة. تغادر سيليا بيت أهلها في احتجاجٍ على الحيف الذي نال حبيبها، وتبقى على اتصالٍ به. تُدرك براوني أنها دمرت قصة حبٍ رقيقة بسبب سوء تفاهم، ويثقلها الذنب طوال حياتها، على برواني أن تؤدي كفارة الذنب الذي تعرف أن روبي لم يرتكبه، لكن، ما هي الكفارة؟
الفيلم نسيج شفاف من العلاقات الإنسانية بين أشخاصٍ معزولين في كينوناتهم الخاصة، ومهما حاولوا أن يتواصلوا، سيبقى كلٌ منهم في جزيرته الخاصة. صلاةٌ مستمرة للتكفير عن ذنبٍ ظاهر، وذنوب كثيرة مخفية أولها ارتباك التغير بين الطفولة والانكشاف على عالم الكبار في حافة النضج، محاولة الوصول إلى النضج، محاولة البحث عن حقيقةٍ لإصلاح ما حدث. تحدي النسيان، ثم التفكير في الذي حدث. هل حدث حقاً؟
"ربما كان ما كان محض سراب"