31 مايو 2010

غودو

يذهب الصبية الناحلون إلى زرقةٍ مشتهاه
إنهم أول البحر
ودمي منتهاه

محمد حسين هيثم، "عدن"
سافرت إلى عدن يوم الأحد الماضي 23 مايو 2010 وعُدت قبل البارحة بحمد الله. السبب؟ المؤتمر العام العاشر لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ومهرجان الأدب اليمني السادس المصاحب له - المهرجان الذي أسسه والدي قبل ثلاثة عشر عاماً. حملت متاعي القليل وشددت الرحال إلى عدنٍ في ظروفٍ لا إنسانية يبدو أن الغرض منها كان ردع المندوبين المنتخبين عن المشاركة في المؤتمر.
في عدن، كنت أكتب تدوينات يومية في مفكرتي عن الوقائع التي شهدتها في المدينة، وفي الطريق منها وإليها. سأنشرها تباعاً بإذن الله. هذه التدوينات ليست مذكراتٍ بالمعنى الشائع للمذكرات، وإنما تدوينات عمّا شد انتباهي أكثر من غيره، وانطباعاتي التي خرجت بها من معايشة الوضع في عدن.
المدينة جميلة، وكُنت أستعيد تفاصيلها منذ فترة، فجاءت الرحلة في توقيت مناسب. غير أن الأجواء التي حللتُ فيها كانت أبعد ما يُمكن عن الجمال. في المجمل، أعتقدُ أنها كانت تجربة غنية، خرجتُ منها بعودٍ أصلب، ومادةٍ خصبة للكتابة والتأمل.

اليوم الأول: الأحد 23 مايو 2010
على الهواء مع التعيسة!
يبدو أنني - لسببٍ أو لآخر - لا أروق مطار صنعاء الدولي، لذلك تتأخر رحلاتي فيه دائماً. التأخير الأكبر - حتى الآن - كان مع شركة الطيران الداخلي (الرائدة) في اليمن: "السعيدة" - وكل شيء في اليمن اسمه "السعيدة" هذه الأيام: شركات الطيران وتأجير السيارات، القنوات الفضائية، الفنادق والمجمعات السياحية، وغيرها. ويبدو أنني - ومن معي في الرحلة المنكودة - قد تلقيت جزائي لتجاهلي إعلان "إركب اليمنية" الشهير، وتفضيلي "السعيدة" على "اليمنية" من باب أن من جاور السعيد يسعد!
كان يُفترض بالطائرة - لو كانت شركة الطيران شركةً محترمة - أن تُقلع في العاشرة صباحاً، لذلك وصلنا إلى المطار في الثامنة، ومررنا بكافة الإجراءات الأمنية حتى وصلنا إلى الترانزيت. هُناك بقينا منتظرين موعد إقلاع الطائرة، وفي العاشرة إلا ربعاً شرع ركاب الرحلة المنكودة في التململ بانتظار نقلهم إلى صالة المغادرة. أخيراً، أمسك الركاب بأحد موظفي "التعيسة"، وأجبروه على الاعتراف بأن الرحلة قد تأخرت إلى الحادية عشرة نتيجة لتأخير الطائرة في الحديدة.
تحمل الركاب التأخير على مضض، وأبدى بعض التجار استياءهم من هذا التصرف غير المبرر. بقي الجميع في صالة الترانزيت حتى الحادية عشرة، من دون أن يقترب منهم أحد الموظفين ليدعوهم إلى صالة المغادرة، أو أن يظهر أحد موظفي "التعيسة" ليبرر تأخير الطائرة. في الحادية عشرة والنصف، دُفِعَ الرُكاب بغلظةٍ إلى صالةِ المغادرة بعد تفتيشِ دقيق، وتُرِكوا هُناك يراقبون الرُكاب المُغادرين إلى عمّان ينالون خلاصهم ويرحلون، ورُكاب "التعيسة" إلى سيئون - من نفس صالة مغادرتنا - يرحلون تاركين راكبين اثنين لم يُسمح لهما بالصعود إلى الطائرة. لم يكن الراكبان إرهابيين - كما بدا لنا للوهلة الأولى - بل استُبعِدا لأن الحمل زائدٌ في الطائرة. لم يكن الراكبان بدينين - كما توحي بذلك عبارة "حمل زائد"، ولم يميزهما شيء عن بقيتنا. كانا مجرد شخصين عاديين، ويبدو أن كونهما كذلك قد جعلهما عرضة للتمييز في زمنٍ صار فيه حصول المرء على الخدمةِ التي دفع ثمنها متعذراً. تدخل ركاب رحلتنا، وتساءلوا عن موعد الإفراج عنّا، فتلقينا أجوبةً لها العجب، منها أن الطائرة بحاجة إلى وقودٍ وإلى تنظيف! فقد تاجرٌ أعصابه وصرخ: "فلوسي!" واتضح أنه قد فوت اجتماعاً مع مجموعة من التجار المهمين جاءوا من السعودية، بينما كاد مدير شركة مقاولات يُصاب بانهيارٍ عصبي لاقتراب موعد اجتماعه مع مجموعة مستثمرين دوليين، واضطر في النهاية إلى حضور الاجتماع على هاتفه المحمول. هذه واحدةٌ من مشكلات طيران النقل الداخلي الذي يُقدم نفسه حلاً عملياً لمشكلة المواصلات في عصر السرعة، ومن ثم يصير سبباً في تعطيل الأعمال بسبب فساد إدارته، فالرحلة من صنعاء إلى عدن لا تتجاوز خمساً وثلاثين دقيقة فحسب، وكان من المفترض أن نكون جميعاً قد تناولنا طعام الغداء في عدن بينما نحنُ لا نزال عالقين في المطار في صنعاء. راكبٌ آخر كان يشعر بالتعاسة لأنه فوّت الرحلة التي ينبغي عليه اللحاق بها من مطار عدن إلى دولةٍ أوروبية فاتني اسمها. أُغلِقَت أبواب الدخول والخروج علينا، فحُبسنا في قفص زجاجي خانق، وحافلات النقل الداخلي في المطار تمر جيئة وذهاباً لتغيظنا. هُناك عرفنا أن زملاءنا يُعانون في عدن مثل ما نعاني، لأن الطائرة التي يُفترض بها أن تأخذنا إلى عدن، مرصودة للعودة بهم إلى صنعاء. علق أحدُ موظفي المطار قائلاً إن للشركة التعيسة ثلاث طائراتٍ فحسب، واحدةٌ للنقل إلى السعودية، والأخريان للرحلات الداخلية. ووعدنا بإحضار مندوب الشركة إلينا لنفتك به. جاء المندوب بعذرٍ جديد قبيح: الطائرة جاهزة، لكن الطيار لم يأتِ بعد. أبدى أسفه الشديد لحالنا، وطلب منا أن نتناول الغداء على حسابِ الشركة. لم نشأ مصاحبته عائدين إلى الترانزيت، لكن الموظفين طردونا بغلظةٍ من صالةِ المغادرة. في الترانزيت، وجدنا (الغداء) علبة عصير وبسكويتاً بالتمر، ويبدو لي أن هُناك اختلافاً ثقافياً بيننا وبين (التعيسة)، فما نعتبره وجبة خفيفة تعتبره غداء.
فرغ المطار من الناس، واختفى مندوب (التعيسة) بعد أن طالب الركاب بتذاكر إيابٍ مجانية تعويضاً عمّا بدر من الشركة تجاهنا. تطوع منّا من يجمع أسماءنا وعناويننا ليُنظِم رفع دعوى جماعية على الشركة للمطالبة بتعويضٍ لنا عن معاملتهم المهينة واللا إنسانية لنا. وكان من بين الركاب راكبةٌ هولندية تعمل في مشروعٍ ما يخص الاتحاد الأوروبي وطفلتها، بدت غير مكترثة بكل ما يجري من باب إن هذا المتوقع في بلادٍ متخلفة كبلادنا. استعانوا بي لأترجم لها المقصود، فقبلت على مضضِ لأنني شممت من تعليقاتها الساخرة رائحة عنصرية بغيضة.
(إذا كان هُناك من يُمكنه أن يجد معنى إيجابياً لتعليقٍ مثل: A lawsuit! I doubt these chimps know what's law! فإنني أرجو منه أن يُسعفنا به، لأن علاقتي بالشعب الهولندي قد تضررت نتيجة لهذه العبارة، وله الأجر والمثوبة وفخر حفظ علاقاتي الطيبة مع الهولنديين.)
في النهاية، بدأ ركاب رحلة الساعة الثانية بعد الظهر في التوافد إلى المطار وكلهم انتعاش وحيوية كأنهم خارجون من أحد إعلانات هيد آند شولدرز بينما نبدو نحن كالناجين من مهلكة زومبي، وعندها بانت (الفولة)، فالشركة رأت ركاب العاشرة قليلين، فآثرت ضمهم إلى ركاب الثانية من دون إخبارهم بذلك. أخيراً، جاء الفرج وسًمح لنا بالعودة إلى صالة المغادرة بعد إعادة تفتيش دقيقة لنا بدعوى أن خروجنا إلى الترانزيت وفر الفرصة للإرهابيين لدس مادة متفجرة في مكانٍ ما بيننا، مع أن المطار كان فارغاً إلا من الركاب المعدودين للطائرة المنكودة، وكأن هُناك إرهابياً يُمكن أن يشوه نفسه بتفجير طائرة للتعيسة! إنه إن فعل صار (عِرَة) الإرهابيين ومحط سخريتهم في الدنيا والآخرة، وأخزى نفسه وجماعته الإرهابية ومبادئه إلى يوم الدين.
هُناك راكبٌ وحيد ظل محتفظاً بهدوئه طوال المحنة، وعندما تبادلنا التهاني بانفراج الأزمة، هز رأسه بحكمة وقال إن التعيسة قد أحسنت معاملتنا، فلم (ترضحنا) أو (تلطعنا) أو (ترزعنا) في المطار إلا لخمس ساعات، وأعطتنا فيها عصيراً، بينما قضى هو ثماني ساعاتٍ في المنامة بانتظار رحلة اليمنية التي لم تجئ، وعند منتصف الليل، ظهر مندوب من اليمنية فجأة له وهو في الترانزيت، وأعطاه (ساندويتش) واختفى بغتة. بقوله، قضى الراكب على كل آمالنا في ركوب اليمنية.
طارت الطائرة - آخر الأمر - محملة بعددٍ كبيرٍ بالركاب بعد تأخيرٍ إضافي، ورأى قائد الطائرة أن ركابها مجموعة (نَوّرٍ) لا يستحقون أي معاملة كريمة، فقاد الطائرة - الصغيرة والضيقة - كأنها سيارة قديمة مخلعة الأبواب في شارعٍ مليء بالحفر والمطبات، ولولا ستر الله لقضى على الركاب في الجو.
المهم أن الطائرة قد حطت - بستر الله - وأن أمتعتي قد وصلت - متأخرة بشكلٍ غريب. ونحن نغادر المطار، كانت هُناك لافتاتٌ عملاقة تحيينا: "رافقتكم الابتسامة مع السعيدة" (!) أي والله! فإن شر البلية ما يُضحك!

اتحاد التعساء!
قبل أن تغرب الشمس بقليل، شهد مقر فرع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في عدن احتشاداً كبيراً من الأدباء الذين تجمعوا في حديقة الفرع وصالته الصغيرة كأنهم عمال ترحيلات بانتظار مقاول الأنفار. كانت هذه أول مرة يتعرض فيها المندوبون عن الفروع لتجربة السفر من دون بدل سفر أو حجز فندقي، لذلك كان عليهم أن يخبطوا خبط عشواء في المدينة التي لا يعرفونها عقاباً لهم على كونهم منتخبين إلى المؤتمر العام، بينما حظي (الضيوف) بكل راحة وتدليل. مع حر المدينة، ونعيق الغربان، وإضاءة الحديقة الصفراء، لم يكن ينقص المشهد إلا مخرج ومصور سينمائي ليكون لدينا فيلم كامل عن مدينة ما بعد الكارثة. عموماً، هُناك من صور الحدث، ويقال أن صور الشُعث الذين احتشدوا هناك - رغم مكايدات التعيسة واليمنية وطريق البر الطويل - ستُستخدم بوصفها صوراً إرشيفية لسكان الريف الذين كان يجمعهم الاستعمار البريطاني في مكانٍ واحد للإعدام الجماعي، وبذلك تحققت إعادة تمثيل غير مكلفةٍ للماضي. وكما جاء في الأثر: "يا بخت من نفع واستنفع!"

برع يا استعمار!
لا أعرف لماذا يُصاب البعض بحمى الدراما ما أن يصلوا إلى عدن - ولعلها ضربة شمس - فيُصرحون من دون مناسبة: "ما أحلى عدن!" في الشارع، وفي كل مكانٍ فيه جماعة من الناس يُمكنها أن تراهم حتى بدا لي أن الفضائية اليمنية قد أعلنت عن أنها ستُخفي كاميراتٍ في الشوارع لاختيار أكثر من يحب عدن وعرض صورته على الشاشة مراراً وتكراراً بمناسبة خليجي 20.
هُناك أيضاً تصريحات الحب المفتعلة للمدينة، والحركات التمثيلية على الأرصفة، بل إن هناك من (أخذته الجلالة) فراح يُقبل إسفلت المدينة كأنه عائد من المنفى - مع أنه ليس من أهل المدينة أصلاً - أو كأنه - وهذا المرجح - مدمن قطران يجده رخيصاً في الإسفلت.
كل هؤلاء (المحبين) للمدينة سياح ليس إلا، ينظرون إليها من حيث كونها فنادق ومنتجعات تُطل على البحر. لا أحد منهم يعرف تاريخ المدينة، أو شيئاً عن حاضرها ومشكلاتها، أو روحها الحقيقية بعيداً عن (بزنس) المنتجعات التي لا يستطيع أغلب أهل المدينة مجرد التفكير بدخولها. حتى البحر صار مجتزأ ومكترىً ومفرق. أولئك الذين لا يستطيعون شم رائحة الملح الخفيفة في الهواء، واحتمال حر المدينة ورطوبتها، وفهم كلام شوارعها وهمهمات روحها، ويعجزون عن تفريق صراخ النوارس من نعيق الغربان. أولئك جميعاً أصنامٌ لا يُمكن أن تُحِب المدينة، لذلك يُكررون كلماتٍ جوفاء أمام شهودٍ، محاولين إثبات ما لم يوجد قط. السبب؟ حسناً، يبدو لي أن (حب) عدن صار (البرستيج) الثقافي الجديد هذه الأيام. وسلام على الكولونيالية التي لم تغب يوماً عن المدينة في فوهة البركان!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق