الثلاثاء، ٢٠ أكتوبر، ٢٠٠٩

فاينز - 2

فاينز في دور براند(فاينز في دور براند)

مقابل صبيانية لورد فولدمورت وهملت، يأخذ براند ومارك أنتوني وأوديب الأمور بجدية شديدة. هدوء براند الغريب، وخطابة مارك أنتوني المتفجرة، وثقة أوديب المتغطرسة تقود هذه الشخصيات إلى سقوطها المأساوي المُحتَم - رُبما باستثناء مارك أنتوني الذي لن يسقط حتى مسرحية أنتوني وكليوباترا.
حين لا يُطابق حساب الفرد حساب العالم

في سعيه إلى الرب، يُضحي براند بكُل شخصٍ قد يكون قريباً إليه. ويصعد منحدراً مستقيماً إلى الأعلى، لكنه ينتهي في القاع مُحطماً بعد أن دمرته الشياطين التي سكنته. يعتقد براند نفسه مُخلصِاً، ويؤمن بأنه يسعى لخلاص روحه ومن حوله، لكنه إذ يُجاهد ليُعتق روحه من النار، يُعتقها من الإنسانية. مُقترب فاينز لأداء شخصية براند المُعقدة والعاصفة هادئ هدوء الثلج الذي يُحيط ببراند، لكنه هدوء مُخيف ومُظلم. جنون براند واضحٌ في هدوئه، وفي خضوعه المُطلق لما يعتقد أنه القوة العُليا. ما كان يُفترض ببراند إبسن أن ينطقه بقوةٍ وحسم، ينطقه براند فاينز بخضوع غريب. في خطاباته العاصفة حرارةٌ مبعثها اقتناع براند الراسخ. براند ليس مجرد قسٍ كالفني متطرف في زُهده، بل إنه مُلهَمٌ - أو مجنون - يرى خلاصه وخلاص العالم مُرتبطاً بالانعتاق من كُل نيرٍ دنيوي.

هدوء فاينز العنيف في براند، وجنونه الدموي المُظلم يتحول خطابة عنيفة وحيوية ومُتفجرة في أداءه لدور مارك أنتوني في الإنتاج الملحمي المُعاصر لمسرحية شكسبير الشهيرة يوليوس قيصر. في البداية، ليس مارك أنتوني أكثر من مجرد سكير يُبقيه يوليوس قيصر في حاشيته لأنه يُسليه - يُمضي فاينز مُعظم المسرحية قبل مقتل قيصر مرتدياً قميصه الداخلي وسروالاً أبيض -، ثم يتحول إلى خطيبٍ عنيفٍ ومُتفجر بعد مقتل قيصر. يُشير أنتوني للجريمة والمجرمين، ويقود بخطابته بروتوس والمتآمرين إلى موتهم. انفجار مارك أنتوني العنيف وخُطبه العصماء لا تُناسب مُهرج قيصر الذي يُلقي به السُكر في كُل مكانٍ حول القصر. لكن عربدة أنتوني العنيفة، وولاءه لقيصر يُبرران تحوله الدرامي. في أداءه، يختار فاينز إظهار جانب أنتوني العنيف في رقصه على المسرح أثناء سكره، وفي اشتراكه في مُسابقة رياضية بناء على طلب قيصر، حركاته متوترة، متشنجة، عنيفة، وتوحي بأن مارك أنتوني أكثر بكثير مما يظنه فيه من حوله.

يقترب مارك أنتوني من جثة قيصر الدامية، ويتحقق من موته، ليُشير بوضوحٍ إلى القتيل وإلى قتلته، ويبدأ انفجاره العنيف مُطالباً بالثأر لقيصر، وبالعدالة له. لولا خطابة مارك أنتوني وصرامة شخصيته، والعُنف الذي توحي به حركاته، لكان بإمكان مارك بروتوس النجاة من غائلة مؤامرة قتل يوليوس قيصر، ولرُبما كتب التاريخ أن قيصر كان طاغية، وكان قتلته أبطالاً. شخصية مارك أنتوني الحادة تُشير بوضوح إلى أنه سيسقط سقوطاً مأساوياً قادماً، لأنه لا يزنُ عواطفه، ولا يعرفُ غير أن يُلقي بنفسه في وسط النيران.

في أوديب، يُقدم فاينز أوديب واثقاً من نفسه إلى حد الغطرسة. أوديب يهزأ بالعراف الأعمى، وبالكورس الذي يُخبره الحقيقة. أوديب الذي يلعن نفسه دون أن يعرف، حارماً نفسه من قطرة ماء تسقيه إياها الشفقة لأنه جلب اللعنة على طيبة. خطابُ أوديب عن جالب اللعنة مُخيف، ليس فقط في مُفارقة أن أوديب يُلقي قدره هو، بل في التشفي الكامن في كلمات أوديب. أوديب مُصمم على تعذيب جالب اللعنة بهدوء تام، وهو مستعدٌ لإلحاق الأذى به من دون التفكير في أي رحمةٍ قد يستحقها جالب اللعنة الغافل. غطرسته تأتي من كونه ملك طيبة المتوج الذي لا يُنازعه أحدٌ سلطته. ثقته لأنه قد قتل لايوس وتزوج امرأته يوكاستا، وامتلك بذلك الدولة والفراش، غير مُدركٍ للعبة الآلهة، ولكون لايوس أباه ويوكاستا أمه. في مسرحية مليئة بالمُفارقات، تتحول خطوات أوديب من غطرسة الملك إلى تذلل طالب الرحمة. أوديب يبكي بناته اللائي لن يُريدهن أحدٌ، فأبوهن أخوهن، وأمهن جدتهن. وفجأة يجد نفسه ابناً عاقاً، وأباً عاجزاً عن حماية أبنائه، وملكاً معزولاً. الخلل في شخصية أوديب يكمن في غروره وإيمانه بعلوه، ويقوده هذا الخلل إلى القاع زاحفاً على الأرض مُضرجاً بالدماء بعد أن فقأ عينيه يسأل الخلاص من قضاءٍ أنزله بنفسه غير عالم. - والدُماء تلوث براند، ومارك أنتوني، وأوديب قُرب نهايات المسرحيات الثلاث -.

في التراجيديات الثلاث، تُحاول الشخصيات الثلاث فرض رؤيتها على العالم، لكن هذه الرؤى - التي قد تكون نبيلة المقاصد - تنتهي إلى سقوط دموي فاجع - قد لا يتحقق تماماً في يوليوس قيصر -، وفي أداء فاينز المُميز لهذه الشخصيات الثلاث، يقترب منها بهدوء موحياً بما سيلي من سقوط مُثل براند إلى هاوية الجنون، وصعود مارك أنتوني العنيف، واكتشاف أوديب لحقيقته المُروعة التي تهز كُل حصون ثقته المُستعارة وتُزلزله هاويةً به إلى قاع الخراب. يُدرك فاينز أن الخلل في هذه الشخصيات يكمن في أن العالم لا يسير وفق ما تتوقعه، وأن هذا الاختلاف سيولد حركاتٍ درامية عنيفة، فيُضيف عُمقاً درامياً وعُنفاً بمقتربه الهادئ الذي يُطمئن المُشاهد الغافل ليأخذه معه في رحلاتٍ عاصفة إلى الجانب المُظلم من الحياة.

الأربعاء، ١٤ أكتوبر، ٢٠٠٩

فاينز - 1

فاينز في دور هاملت
طريقة الممثل البريطاني ريف فاينز في الحوار أنيقة، أفكاره عميقة، تشبيهاته أدبية، ولغته راقية. موضوعه الأثير التمثيل، وأقرب إليه منه الشخصيات المُعذّبة والمضطربة التي يُجسدها في الأفلام وعلى خشبة المسرح. يُحاول فاينز فهم شخصياته وإضافة شيء من روحه إليها، وينتج عن محاولاته تأملاتٌ عميقة في طبيعة البشر والشر في العالم.
تأملات فاينز في طبائع الخلق تجعل أدواره صعبة النسيان، وخياراته في تجسيد شخصياته مغامرة تبدو غريبة وحادة المذاق أحياناً، غير أنها آسرة بشكلٍ ما. فأفكار فاينز، وتقمصه للشخصيات، وطريقته في الإلقاء مزيج من الفكر والثقافة والموهبة والإلهام.

صبيٌ صغير شديد الأذى

رُبما كان دور لورد فولدمورت - الذي قدم فاينز لجمهور هاري بوتر العريض - أقل أدواره قُرباً إلى نفسه، لكنه يُحاول من حينٍ لآخر التصالح مع الدور، والحديث عن طبيعة فولدمورت المشطوبة باليُتم والحرمان ورُهاب الموت والجنون المُبكر. مع ذلك، يبدو واضحاً في الأفلام أنه يتسلى بالدور متجولاً بعباءة سوداء قديمة - رُبما كان سكروج مكداك قريب أكلة الموت، لذا لا يشعرون بحرج وهم يبخلون على زعيمهم بعباءة جديدة -، ومتلوياً ومزمجراً في موقع التصوير كما يحلو له. ليس الأمر أنه يستخف بالدور، لكنه أدرك أن لورد فولدمورت قد وصل مرحلة بعيدة من الجنون تجعله مرحاً بشكل سوداوي، ومبتهجاً بالمعارك والتسلل إلى الوزارة. أفعال فولدمورت جدية ونتائجها مأساوية، لكن فولدمورت لا يحملها على محمل الجد أبداً، ويرتكبها بمرحٍ وخفة. حتى في مُلاحقته المحمومة لهاري، فإنه لا يستطيع إلا أن يكون ساخراً وطريفاً لأنه محمي بحصنه العقلي الذي يفصله عمن حوله عاطفياً وفكرياً، ويفصله عن الواقع - وقد يكون ذلك لأنه يتجول في موقع التصوير بعباءة شديدة التهوية. مشكلة فولدمورت أنه أذكى من اللازم، وأكثر رُهاباً من اللازم، لذلك لا يحمل الدمار على محمل الجد - كالأشرار الآخرين الذين يكادون ينفجرون لفرط إحساسهم بأهمية ذواتهم وما يفعلونه، وهو في ذلك أكثر إخافة ممن عداه، لأنه يجد بهجة صبيانية في الأذى، ولا يستطيع أن يتحمل مسؤولية أفعاله الأخلاقية، أو أن يُدرك الأذى الذي يُلحقه بالأرواح. الأذى بالنسبة إليه مُبهج، لذا يقوم به.

خيار فاينز في أداء الدور بهذا الشكل صعب لأنه قد لا يُرضي نسبة كبيرة من المشاهدين كانت تتوقع فولدمورت أكثر جدية وصرامة، وأقل مرحاً وطيشاً. فولدمورت صبياني بطريقة فاينز، وصبيانيته خطيرة، فشرير آخر أكثر جدية كان ليعامل أعدائه برحمة أكبر.

قبل دوره في هاري بوتر بسنواتٍ، فاز فاينز بجائزة توني لأفضل ممثل مسرحي في دور رئيسي عن دور هملت الذي يراه واحداً من أقرب أدواره إلى نفسه - ليكون أول ممثل يحصل على جائزة عن هذا الدور. أداء فاينز للدور الشهير لم يأخذ هملت على محمل الجد، ولم يُحاول أن يُضفي عليه الكبرياء والعظمة التي يحاول الممثلون الآخرون إضفاءها عليه. فقدم هملت أميراً مدللاً يركض على المسرح حافياً طوال الوقت، ويتحدث بالألغاز في محاولة لجذب انتباه أمه التي أحنقه أنها تزوجت وانصرف اهتمامها عنه - فرانشيسكا آنيس التي (سيخرب) بيته بسببها. قدم هملت الطفل المشاغب الذي يتسبب في مآسٍ مروعة - والجميع يموت في هذه المسرحية - رؤية مُغايرة للمأساة التي يُفتَرض أنها تعبيرٌ عن محنة المثقف في مُجتمع لا يستوعب معضلته العقلية، بينما هاملت فاينز ليس مثقفاً بل قارئ كتبٍ نهم -وبينهما فرقٌ بين. هملت - هنا - شيطانٌ صغير يرتكب مختلف الشقاوات ليُزعج أمه وعمه وأوفيليا وسكان القصر، ويُرهقهم بجنونه المُصطنع الذي تزيده حدة صبيانيته الشديدة وولعه بالمشاغبة. هلاوس هملت وأشباحه وسؤال كينونته وهواجسه عن الانتقام كانت كُلها نواتج خيالاته الطفولية الجامحة، وأفكاره الصبيانية الشيطانية.

خيارات فاينز في هذين الدورين قد لا تروق للكثيرين، لكنها تطرح وجهاتٍ نظر جديدة حول الشخصية، وبنيتها العقلية والنفسية، وتفسيراً مغايراً للتفسيرات السائدة للأدب. وفي هذه الخيارات جرأة محمودة تنقض أنماط التلقي القائمة، وتقدم وجوهاً أخرى للحقيقة لم يُبحَث عنها - كما ينبغي - من قبل.

السبت، ٢٦ سبتمبر، ٢٠٠٩

المنامة المقلمة

ملصق فيلم الصبي في المنامة المقلمةفيلم الصبي في المنامة المقلمة The Boy in the Striped Pyjamas واحدٌ من الأفلام التي ظُلمت لأسباب غير فنية، إذ أن الفيلم يحظى بكل ما يُمكن أن يجعل منه فيلماً ناجحاً للغاية، ومحبوباً من النقاد والجمهور. مع ذلك، فلم يُرشح الفيلم لأي من الجوائز الكُبرى - الأوسكار، الغولدن غلوب، وجوائز نقابة الممثلين - ولم يحظ بأي مكافأة لتكامل عناصره الفنية - وشأنه في ذلك شأن فيلم الحب في زمن الكوليرا، وإن كان الصبي في المنامة المُقلمة أكثر إحكاماً من ناحية السيناريو - وفوق ذلك، فالفيلم واحدٌ من الأفلام التي اصطلح على تسميتها "أفلام المحرقة" مثله مثل أفلام: قائمة شندلر، والحياة حلوة، ومنذ فترة قريبة القارئ، وجميعها أفلامٌ تحظى بانتشارٍ واسع وقبول عامٍ بين النقاد. ومع أن فيلم الصبي في المنامة المقلمة يتفوق على فيلم القارئ كثيراً، إلا أن الأخير نال الكثير من الثناء النقدي وحصل على عددٍ كبيرٍ من الجوائز، منها جائزة أوسكار أفضل ممثلة لكيت وينسلت.
مع ذلك، فالأفلام الجيدة لا تصنعها الجوائز، وفيلم الصبي في المنامة المقلمة واحدٌ من الأفلام التي تدل على أن العصر الحالي للسينما عصرٌ زاهٍ قادرٌ على إنتاج أفلامٍ جميلة مشغولة بحرفيةٍ عالية، كما أنه فيلمٌ ذو قيمة إنسانية عالية. وإن كانت ثيمة (المحرقة) التي يدور حولها عاملاً يصد عنه النقاد، أولئك الذين يؤمنون بالمحرقة كأنها دين، وأولئك الذين ينكرون حدوثها على حدٍ سواء. والواقع أن لادعاءات كلا الطرفين أساس: فمن يُنكر المحرقة - أو يراها في أحسن الأحوال ذريعة يهودية لابتزاز العالم - سيرفض الفيلم كإضافة جديدة إلى تراث الابتزاز اليهودي عن طريق الأفلام، ومن يؤمن بها يراه عرضاً لمأساة أسرةٍ نازية "يُصادر المحرقة ويحولها إلى قصةٍ عن النازية وطفلها الجميل كالدمية" كما فعلت مانولا دارجِس، ناقدة الأفلام في جريدة "نيويورك تايمز".
الفيلم مأخوذ عن رواية جيمس بوين بالعنوان ذاته، وله العمق الذي يُميز الأفلام المأخوذة عن أعمالٍ أدبية. ويعمل فيه المخرج مارك هرمان - الذي كتب السيناريو أيضاً - على تقديم فيلمٍ مشدود الأطراف، مع الاحتفاظ بكاميرا مُحلقة تتبع طفلاً صغيراً كثير الحركة. يحكي الفيلم قصة صبي في الثامنة من عُمره يُسمى برونو، يحب الاستكشاف والمغامرة ويريد أن يُصبح مستكشفاً، أبوه ضابطٌ نازي عالي الرتبة، وأمه ربة بيت لطيفة، وشقيقته الكبرى فتاة عادية تحب الدُمى. تتغير حياة برونو وأسرته حينما ينال أبوه ترقية وتنتقل أسرته إلى منطقة ريفية معزولة حيث لا أصدقاء هُناك، بل جنودٌ نازيون مخيفون. من نافذته، يرى برونو مزرعة غريبة حيث المزارعون يرتدون (مناماتٍ مقلمة) ويُخبر أمه بذلك، ليتضح أن أباه انتقل ليُدير معسكر اعتقالٍ نازي وأن المزارعين ذوي المنامات المقلمة ليسوا إلا السجناء اليهود في المعسكر. لا يُخبر أحدٌ برونو بالحقيقة، بل يتركونه يعتقد أن المعسكر البعيد مزرعة فعلاً. غير أن الصبي كثير الحركة يتسلل لاستكشاف الغابة وما وراءها ليصل إلى أسوار المعسكر، حيث يقابل صبياً في مثل سنه يُسمى شمو. ومع الوقت، يُصبح برونو وشمو صديقين من خلال أسوار السياج، ويظل برونو يعتقد أن المنامات المقلمة والأرقام التي عليها لعبة يلعبها شمو ورفاقه في المعسكر.
غير أن حياة برونو تتعقد أكثر بمعاملة الملازم كوتلر - مرافق العائلة - للعامل اليهودي في المنزل، وبإصرار معلمه وأخته وأبيه على أن اليهود هم العدو. ويزداد الأمر سوءاً حين تكتشف أمه بالصدفة سر الرائحة الكريهة التي تنتشر في المكان، فتتسمم علاقاتها بأبيه. ثم يُصدم برونو في أبيه حينما يتغاضى أبوه عن قيام الملازم كوتلر بضرب العامل اليهودي حتى الموت. يتحول اندفاع برونو الطفولي إلى خوفٍ ممن حوله، وشعورٍ بالذنب لصداقته لشمو الذي يُفترض أن يكون عدوه. حتى يجد شمو في منزله مكان العامل السابق، فيقدم إليه بعض الحلوى ببراءة ويخبره عما تقوله أخته عن اليهود ويقوله المعلم. يدخل الملازم كوتلر ويتهم شمو بسرقة الطعام، فيدافع شمو عن نفسه بأن صديقه برونو أعطاه أياه. ويُنكر برونو الخائف أن يكون قد عرف شمو من قبل، ليسقط الطفل هو الآخر في مهلكة الإنكار والذنب.
يحاول برونو الاعتذار من شمو - الذي يتعرض لضربٍ مبرح يختفي على إثره فترة طويلة - ويعودان صديقين. ثم تقرر أم برونو أنها يجب أن تعود بطفليها من المعسكر قبل أن تخسرهما، فابنتها غريتل قد بدأت تتحول إلى نازية نموذجية، وابنها برونو محاصر بالذنب والإنكار. يذهب برونو لوداع شمو، لكنه يُقرر أن يُساعده في إيجاد والده أولاً ليعوضه عن إنكاره إياه من قبل، ويرفع عن نفسه شعوره بالذنب.
الفيلم مبني على التفاصيل الصغيرة في علاقة برونو بشمو، والشر الذي يدور في المكان الجميل والهادئ ينكشف تدريجياً من دون أن يُدركه الطفل الذي يُحب الاستكشاف، غير أن براءته لا تحميه من الشعور بالخوف والذنب. والأسرة النازية في الفيلم أسرة عادية ومحبة، لا يتميز أيٌ من أفرادها بأي شرٍ ظاهر. غير أن الأب يسقط في قبوله للممارسات النازية وتعطيله لضميره بدعوى أن هذا واجبه الوطني، ويسقط في سكوته عن قتل كوتلر للعامل اليهودي في بيته، ويسقط عندما يبلغ بكوتلر نفسه لأن كوتلر لم يشِ بأبيه المعارض للحزب النازي. ويأتي سقوط الأب الأكبر، حين يقتنع برونو - من مشاهدته لفيلمٍ عن المعسكرات النازية - أن المساجين مثل شمو ينعمون بحياةٍ جميلة تغريه باستكشافها.
رغم بساطة الفيلم الظاهرية، فإنه يدور على مستوياتٍ عديدة، وطبقاته كثيرة التعقيد. فالفيلم عن البراءة التي تعيش قرب الشر الذي يبتلعها في النهاية، والفيلم عن التوحش الإنساني الذي يبلغ مبلغاً يجعل الإنسان ينزع الإنسانية عن الآخرين ليعذبهم. لا توجد شخصية نازية أحادية البعد في الفيلم - باستثناء المعلم هر ليتس - ولعل ذلك ما أحنق النقاد اليهود، بينما الشخصيات اليهودية غائبة، أو أحادية البعد. فرولف - قمندان المعسكر - أبٌ وزوجٌ مُحب، وليس مجرد ضابطٍ نازي بلا روح. والملازم كوتلر النازي العدواني إنسانٌ بطريقته، فبسبب رفضه الوشاية بأبيه يُرسل إلى الجبهة، ورغم معاملته الكريهة لشمو فإنه يحب برونو - على طريقته. وإلسا - الأم - امرأة لطيفة ومُحبة، وأمٌ عظيمة. وغريتل التي تتحول من فتاة مُحبة للدمى إلى فتاة مخلصة للنازية ضحية للبروباغندا التي تشيع في البيت.
فيلم الصبي في المنامة المقلمة ليس عن المحرقة التي تقضي على اليهود فحسب، وإنما عن المحرقة التي تلتهم الأسرة النازية. فالصبي في المنامة المقلمة برونو كما هو شمو. (ما يُذكر بانتقال الأدوار في فيلم ابنة بولين الأخرى، ففي البداية تكون الأخرى ماري بولين، ثم تصبح آن بولين). والمحرقة آذت اليهود، لكنها سلبت روح ألمانيا أيضاً. والناتج، فيلمٌ يُقدم رؤية إنسانية للنازيين واليهود، ولألمانيا التي مزقتها المحرقة. كما أنه يُقدم رؤية للكيفية التي يبيع بها الإنسان روحه تدريجياً للشر بسبب ضعفه، والأكاذيب التي ينسجها لنفسه، أو ينسجها الآخرون حوله.
أداء الممثلين في الفيلم آسر، بحيث يصعُب أن ينأى المشاهد بنفسه عن الشخصيات، ويجد نفسه متعاطفاً معها إلى النهاية. كما أن الإخراج وتصوير بنوي ديلوم في غاية الجمال، حيث تصبح الكاميرا أداة للتعبير، فتحلق مع برونو حينما ينطلق ليستكشف العالم، وتدور معه مندهشة من عالم الكبار، وتخاف من الجنود معه. ثم تتحول إلى شاهدةٍ عليه حين يُنكر صديقه، وحين يتسلل ليشاهد كيف تُقدم النازية حياة الجنود. تواجه الكاميرا الأب في النهاية، وتتعاطف مع الأم. لكنها تنتهي شاهدة محايدة. أما موسيقى جيمس هورنر المصاحبة للفيلم فترافق الكاميرا منذ المشهد الأول لتحلق مع برونو في مقطوعاتٍ جميلةٍ متفردة تدخل في نسيج الفيلم، وتخدمه. الفيلمُ من إنتاجٍ بريطاني ساهمت فيه هيئة الإذاعة البريطانية BBC وشركة ميراماكس، وأنتجه ديفد هيمان، مُنتج سلسلة أفلام هاري بوتر الشهير.

الصبي في المنامة المقلمة (2008) - مارك هرمان (إخراج وسيناريو) - تمثيل: آسا بترفيلد (برونو)، جاك سكانلون (شمو)، فيرا فارميغا (الأم)، ديفد ثويلز (الأب)، آمبر بيتي (غريتل)، روبرت فريند (الملازم كوتلر) - ديفد هيمان (منتج) - بنوي ديلوم (تصوير) - جاك هورنر (موسيقى) - BBC وHeyday (إنتاج) - ميراماكس (توزيع)

شريط الصبي في المنامة المقلمة الصوتي - موسيقى: جاك هورنر - من موقع يوتيوب

الثلاثاء، ٢٢ سبتمبر، ٢٠٠٩

الرجل العاجي

في الستين من عمره، كتب توماس ستيرنز إليوت مُعترفاً : "أقنعت نفسي بأنني أحب فيفيان لأنني أردت أن أحرق سُفني وأربط نفسي بالبقاء في إنكلترا. وأقنعت نفسها - بتأثير باوند كذلك - بأنها كانت ستنقذ الشاعر بإبقائه في إنكلترا. بالنسبة لها، لم يجلب الزواج أي سعادة. أما لي فقد جلب الحالة العقلية التي أنتجت الأرض اليباب".
كتب إليوت ذلك بعد مرور ما يزيد عن ثلاثة عشر عاماً على وفاة زوجته الأولى فيفيان هيغ-وود في مصحٍ عقلي في 1947، ووُجد بعد وفاته بين أوراقه الخاصة ليُنشر في مجموعة كتاباته التي نشرتها زوجته الثانية إزمي فاليري فلتشر (فاليري إليوت) في 1988. رُبما لم يشأ إليوت أن تُنشر أوراقه الخاصة وتُصبح مشاعاً للعامة - ذلك أنه قد عبر قبل عامين من وفاته عن سعادته بضياع مخطوطات الأرض اليباب الأصلية لأنه لم يُرد لأحدٍ الإطلاع على أصول القصيدة التي اعتبرها مشوهة، ولاحقاً عُثر على المخطوطات والمسودات ونُشرت جميعها على الملأ في 1974 - لكنه قصد شيئاً بإدراج سطر رجال العاج في قصيدة الأرض اليباب من جديد عند نشرها لصالح مكتبة لندن بعد أن كان قد حذفها من المسودة الأصلية للقصيدة - التي يُفترض به أن يكون سعيداً لضياعها - بناء على رغبة فيفيان:
وعندها ينبغي أن نلعب مباراة شطرنج
يُقيم رجال العاج شركتهم بيننا
مُكرهين أعيناً لا تنام ومنتظرين طرقة على الباب.
ارتأت فيف حذف سطور رجال العاج لأنها بدت لها كاشفة أكثر مما ينبغي عن حالة زواجها الخاصة، ووافقها توم على رأيها حاذفاً السطور المزعجة من مسودة القصيدة، غير أنه احتفظ بها في ذهنه لفترة تعدت ثلاثين عاماً كما هي. يميل النقاد للاعتقاد بأن الرجال العاجيين إشارة إلى رجلٌ عاجي واحد: برتراند رسل. ويرون فيما شاع عن زواج فيف وتوم تأييداً لما يعتقدونه، فالزواج كان مشروخاً من أساسه -كما يُقال، وبرتراند رسل - الذي كان صديق توم وأستاذه، وكان يدعوه تحبباً (برتي) - انجذب إلى فيف مُنذ أن حلت ضيفة عليه مع زوجها بعد فترة قصيرة من زواجهما، فتدخل آخر الأمر بينها وبين توم بشكلٍ هز كيانه وظل يحز في نفسه حتى وفاته - على ما يظهر، رغم إن هُناك من يزعم حدوث مصالحة بين توم وبرتي.
غير أن الرجل العاجي الذي تذكره توم عند اقتراب موته لم يكن إلا توم نفسه.
فيفيان هيغ-وود، زوجة ت. س. إليوت الأولىينظر دارسو سيرة إليوت وأعماله إلى فيفيان هيغ-وود بوصفها امرأة مجنونة أحالت حياة الشاعر إلى جحيم مقيم إرضاء لنزعاتها الأنانية، أو ببساطة لكونها مجنونة لا تعي ما تفعل، حتى أنه اضطر في النهاية إلى إيداعها المصح العقلي لينعم بشيء من السلام والطمأنينة. غير إن سيرة فيفيان لا تكشف عن امرأة مجنونة بقدر ما تُرينا امرأة مُحبطة. كان لفيف النفس القلقة التي تميز الفنانين، والرغبة في التعبير عن الذات التي تتحول إلى فوضى تامة أحياناً. مثل زوجها توم، كانت فنانة، غير أن طبيعتها كانت تختلف عن طبيعته المتحفظة، ففيفيان راقصة باليه تميل إلى الفنون الاستعراضية والأدائية، بينما توم شاعر شديد التحفظ والبرود. ونتيجة لاختلاف طبيعتيهما، شاب حياتهما المشتركة الكثير من الانفجارات والتوترات والانهيارات العصبية، حتى أن فيف قد قضت بعض الوقت في مصحة نفسية في باريس، بينما قضى توم الوقت نفسه في مصحة نفسية مماثلة في لوزان السويسرية - كتب خلالها البنية الأساسية لقصيدته الأرض اليباب - قبل أن يعودا معاً لحفظ المظاهر الاجتماعية، ويجتمعا مجدداً عند عزرا باوند مرشد توم الروحي وصديقه ومعلمه في صنعة الشعر.
في مرحلة ما قرب نهاية عشرينيات القرن العشرين، بدا أن توم لم يعد قادراً على احتمال فيف. وقد يرجع ذلك إلى أن الزواج - الذي لم يقم على الحب في الأساس - كان قد استنفد أغراضه بالنسبة له في ذلك الوقت، فقد صار وجهاً اجتماعياً ناجحاً في بريطانيا، وصار رفيقاً لجماعة بلومزبري الأدبية الشهيرة، وضيفاً في المجتمعات الثقافية الراقية، وشاعراً وناقداً مُحتفى به، كما أنه قد حصل على الجنسية البريطانية في 1927 ليكمل تجذره في البلد الذي اختاره ليكون وطناً له. لم يعد توم محتاجاً لفيف بعد الآن لتكون جزءاً من واجهته الاجتماعية بعد أن أدت غرضها وقدمته إلى الحياة الاجتماعية البريطانية. ثم جاءت الثلاثينات التي شهدت صعود النزعة الفاشية في أوروبا. كان عزرا باوند متعاطفاً مع الفاشية، وسُجن لبعض الوقت بسبب استخدامه برنامجاً إذاعياً كان يُقدمه منبراً لبث خطابٍ مؤيد للفاشية. ويُعتقد أن توم نفسه كان مؤيداً للفاشية والنازية ومتعاطفاً معهما، غير أن حذره الاجتماعي وطبيعته التي تخفي دائماً ميوله واتجاهاته، وقدرته على إمساك العصا من المنتصف ردعته عن الكشف عن فاشيته خوفاً من رد فعل أبناء الطبقة الاجتماعية-الثقافية التي ضم نفسه إليها. هنا صارت فيف عبئاً ثقيلاً عليه، فمثله ومثل باوند مالت فيف إلى الفاشية، وذهبت بعيداً فانضمت إلى الحزب الفاشي البريطاني، وارتدت ملابسه المميزة دائماً في كل مكانٍ ذهبت إليه، الأمر الذي أحنق توم غاية الحنق، ودفعه إلى تصويرها لرفاقه كمجنونة فاقدة السيطرة.
ت. س. إليوتوحده الله يعلم ما أذاعه توم عن فيف بين أصدقائه - الذين كانوا أصدقاءها كذلك في وقت ما - فأحنقهم جميعاً عليها حتى وجدت نفسها منبوذة من جماعة بلومزبري الأدبية كاملة، وأجمع من في دائرتها الاجتماعية على تحاشيها كذلك كمريضة بداء معدٍ. كانت صورة فيف قد تشوهت إلى حدٍ بعيد، حتى إن فرجينيا وولف نفسها - بتاريخها المأساوي مع المرض العقلي - قد وصفتها بأنها: "حجر معلق في رقبة شاعرٍ مرهف كإليوت، مجنونة تدمر حياته كما دمرت السيدة روشستر المجنونة حياة السيد روشستر [في رواية جين إير]".
في ذلك الوقت، كان توم قد انفصل عن فيف التي لم تكن قادرة على رؤيته. كان بعيداً ويتحاشاها تماماً متجنباً المواجهة معها قدر الإمكان لعلمه بطبيعتها التي لا تخشى الفضيحة - رغم أنه نفسه لم يكن يخشى الفضائح الشعرية والتعريض بها في قصائده. وبسبب قلقها الشديد، ورغبتها في البقاء قريبة منه كانت تتبع آثاره إلا أنه واصل تجنبها مفكراً فيها على أنها متصيدة له. ظل توم بعيداً عنها حتى وقعت بينهما مواجهة علنية شهيرة في 18 نوفمبر 1935، حينما كان يُلقي خطاباً في معرض "سنداي تايمز بوك ريفيو"، وانتظرت حتى انتهى من خطابه لتقترب من المنصة وتسأله: "هلا عدت معي؟" ليرد عليها بهدوء: "لا أستطيع الكلام معك، الآن."
قبل ذلك، كان إليوت قد حاول إيداعها المصح العقلي في شهر يونيو، وقوي عزمه لينجح أخيراً في إيداعها المصح في 1938 بعد أن كسب شقيقها موريس هيغ-وود في صفه، وجعله يوقع معه على إقرار إيداعها في المصح العقلي. بين 1935 و1938 كانت فيفيان منبوذة تماماً، وكان زوجها قد حاول إيداعها المصح ثلاث مرات، كما أنه قلب عائلتها ضدها. كانت تشعر بكآبة شديدة، وفي النهاية أفلح في مسعاه بعد أن انهارت لترد على الطبيب النفسي - الذي جاء به ليُقرر جنونها - بشكلٍ لا مبالٍ جعله أيضاً يوقع على إقرار الإيداع الذي وقعه زوجها وشقيقها لتودع في مصح الأمراض العقلية بقية عمرها.
توفيت فيف في 1947 ما يعني أنها قضت تسع سنواتٍ في المصح، رغم أن شقيقها موريس قال فيما بعد إن أخته كانت عاقلة، وإنه كان يزداد اقتناعاً بذلك في كل مرةٍ كان يزورها فيها. ألقى موريس اللوم كله على صهره توم الذي بقي متزوجاً - رسمياً - من فيف حتى يوم وفاتها، رغم أنه لم يزرها أبداً، ولم يحاول إخراجها من المصح. وتركت فيف مذكراتها لصديقتها، وفيها تروي عن سنين زواجها المضطربة بتوم، وتقول لها إنه سيأتي يومٌ يُدرك فيه العالم أنها لم تكن مجنونة، وأن حبسها في المصح كان ظلماً.
رغم أن موريس هيغ-وود يتحمل قسطاً كبيراً من اللوم في قضية إيداع أخته المصح، إلا أن اللوم الأكبر يقع على توم إليوت الذي دبر بعناية حبس زوجته، وعمل على جعلها منبوذة لا من أصدقائها فحسب، بل ومن عائلتها أيضاً بحيث أن أحداً لم يحاول مد يد العون لها في محنتها. وأبقى عليها في المصح حتى وفاتها، من دون أن يهتم بزيارتها.
قد يكون الانتقام من فيف لخيانتها إياه مع برتي الدافع الأكبر لتوم لإيداعها المصح، إلا أنه في طريق انتقامه منها خسر روحه بارتكابه عملاً شريراً يُدخله في دائرة الموتى الأبديين الذين تحدث عنهم في الأرض اليباب، فانتقامه حطم حياة فيفيان، وحبسها حتى آخر أيامها في منفى قهري بين المجانين، منبوذة من العالم.
في آخر عمره، مال إليوت إلى التدبر في ماضيه، ولعل ذلك ما جعله يُقر بأن زواجه من فيفيان لم يجلب أي سعادةٍ لها. ورُبما للسبب نفسه أعاد سطر "رجال العاج" إلى القصيدة، ذلك أنه أدرك - في آخر عمره - أنه سلك طريق الشر مدعياً هيئة الخير، وأنه - لا سواه - الرجل العاجي.

الأحد، ٢٨ يونيو، ٢٠٠٩

وقت للأفلام - 1

الحرب العالمية الثانية
أُنتجت أفلامٌ كثيرة كانت الحرب العالمية الثانية في خلفية أحداثها، وكثيرٌ منها يستحق المُشاهدة، غير أنني أتذكر اثنين منها بشكلٍ خاص: المريض الإنكليزي والكفارة. كِلا الفيلمين مُكيفٌ عن روايةٍ بنفس الاسم. المريض الإنكليزي عن رواية مايكل أونداتجي الحاصلة على جائزة بوكر، والكفارة عن رواية إيوان مكيوان التي يعتبرها البعض أفضل رواياته قاطبة. لا يتوقف التشابه بين الفيلمين عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ثيمة الحب الذي لا يتحقق الموجودة في كلا الفيلمين، وموقع الحدث الذي لا يتعلق بالجنود والقتال بقدر ما يتعلق بالأفراد الذين اعترضت الحرب حيواتهم. تشابه آخر بين الفيلمين يكمن في اقتحام الحرب للحصون البعيدة التي تحتمي بها الشخصيات، الصحراء في المريض الإنكليزي، ودارة آل تالس في الكفارة.
غير التشابه في الثيمات والمُعالجات، يتشابه الفيلمان في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، وتقريباً، فقد ترشح الفيلمان في نفس الفئات. يختلف الفيلمان فقط في أن عدد الجوائز التي فاز بها المريض الإنكليزي تزيد عن عدد تلك التي فاز بها الكفارة.
على أن تشابه الفيلمين لا يُقلل من قيمة أيٍ منهما الفنية كعملٍ مستقلٍ، فخصائص الفيلمين الأسلوبية مميزة، ومساراتهما الحكائية مختلفة، كما أن المعمار الفيلمي يختلف في الفيلمين الذين يقدمان قراءتين مختلفتين للحرب العالمية الثانية تشتركان في عرضهما للمعضلة الأخلاقية التي تعاني منها شخصيات وجدت نفسها في خضم حربٍ طاحنةٍ.

ملصق فيلم المريض الإنكليزيالمريض الإنكليزي
المريض الإنكليزي The English Patient واحدٌ من أكثر الأفلام التي حُط من قدرها في تاريخ السينما، ومع ذلك نالت ثناء نقدياً ودخلت سجل الأوسكار بعددٍ كبيرٍ من الجوائز. أقدم ذكرياتي عن هذا الفيلم تعود إلى الموجة الساخرة التي اجتاحت برامج التلفاز والأفلام التي سخرت من المريض الإنكليزي، وفي طفولتي اعتقدت أن المريض الإنكليزي فيلمٌ عن شخصٍ مريضٍ بمرضٍ لا علاج له. أخيراً شاهدت الفيلم ووجدته مكتمل العناصر الفنية، بحيث كانت السخريات الكثيرة منه مجحفة.
يدور الفيلم في الصحراء العربية خلال الحرب العالمية الثانية. عقدته الأساسية علاقة حبٍ تنشأ بين كاثرين كليفتون المستكشفة البريطانية وزوجة أحد عملاء المخابرات البريطانية وبين زميلها في الحملة الجغرافية لاستكشاف الصحراء المغربية الكونت المجري لازلو دو ألماشي. تنشأ علاقة الحُب في الصحراء، وتعيش كاثرين علاقة محرمة مع ألماشي في القاهرة أثناء غياب زوجها جيوفري الذي يؤدي مُهماتٍ للمخابرات البريطانية. تنفجر الحرب وتأخذ المجر جانب ألمانيا في دول المحور، فيصبح ألماشي العدو. تستمر ثيمة العدو في السيطرة على علاقة ألماشي برفاقه السابقين - وكاثرين - حتى تصل ذروتها في مشهد اعتقاله من قبل من جاء يطلب منهم العون، ثم خيانته الكلية.
تُروى قصة كاثرين وألماشي عن طريق استعادة تشبه الحلم، فعقدة الفيلم تبدأ بقيام بعض القبائل الصحراوية بتسليم طيارٍ متفحم للقوات البريطانية التي تفشل في معرفة أي شيء عن هويته، فتلقبه بالمريض الإنكليزي وتُسلمه للأطباء الذين يأخذونه معهم في رحلتهم عائدين إلى بريطانيا. تقرر ممرضة كندية اسمها هانا البقاء معه في ديرٍ إيطالي يتعرض للقصف بعد أن عانت خسارة المقربين إليها، وبعد أن أصبح المريض الإنكليزي عبئاً على الفريق الطبي. في الدير الإيطالي ينضم إليهم عميل مخابرات كندي يتعرف على ألماشي من كتاب التواريخ لهيردوت الذي يحمله معه دائماً، وينوي قتله لأنه فقد أصابعه بسبب تواطؤ ألماشي مع القوات الألمانية. يظهر أن ألماشي عميلٌ ألماني مطلوب من قبل الحلفاء، لكن ألماشي لا يؤكد شيئاً في استعادته لقصته مع كاثرين. ينضم إلى المقيمين في الدير ضابط سيخي من وحدة نزع الألغام يقع في حب هانا، ويعقد صحبة مع المريض الإنكليزي والعميل الكندي لتتشابك قصص الأربعة وتقدم خلفية إنسانية غنية لأحداث الحرب العالمية الثانية. في النهاية، تتفرق الصحبة بعد أن تحرر الجميع من عبء الحرب.
إخراج أنتوني منغيلا - الذي كتب السيناريو كذلك - للفيلم رائع، فجميع عناصره متآلفة في نسيج جميل لتخلق صورة مليئة بالتفاصيل الدقيقة والحية للحرب العالمية الثانية وتدخلاتها القدرية في حياة البشر، ووقوع أشخاصٍ عاديين ضحايا لمؤامرات دولية لا علاقة لهم بها، ومن ثم محاولة التعافي من حالة الدمار الإنساني التي سببتها الحرب. لا تظهر مشاهد الحرب الفعلية من إطلاق رصاصٍ وقصف بالقنابل إلا في بداية الفيلم، ولا تظهر الحشود العسكرية إلا في لقطاتٍ محدودة، غير أن الحرب حاضرة في كُل مكان حضوراً كُلياً. ولا يكاد يُفلت من الحرب غير الصحراء الساكنة مترامية الأطراف، قبل أن تصبح الصحراء نفسها مسرحاً للحرب والخراب الذي يُصيب النفوس.
في فيلم المريض الإنكليزي تضافرت عوامل الإخراج والتصوير والتمثيل لتُنتج فيلماً مُكتمل العناصر الفنية. فريق التمثيل قدم شخصياتٍ لا تُنسى من لحمٍ ودم، وقدم التصوير السينمائي مشهدية بصرية غنية تُصبح فيها الصحراء وزخرفة معمار القاهرة القديمة أجزاء من صورة بصرية شديدة الغنى في الشكل وفي الرموز الجمالية. الكاميرا في فيلم المريض الإنكليزي لا تُثرثر أبداً، بل تأخذ موقفاً من السرد وتدخل في نسيج الفيلم.
يظهر العرب في الفيلم في خلفيات باهتة وقليلة التأثير، فهم شخصيات شبحية، إما تخدم الأوروبيين، أو تُنقذ واحداً منهم لأسبابٍ غير مفهومة. تأثير الحرب على العرب لا يظهر، لأنهم آخر خارج المُعادلة، لكن الفيلم لا يروي قصة عربية، بل يروي قصة الضمير الأوروبي الذي مزقته الحرب العالمية الثانية، بعد أن أثقل تاريخه الاستعماري كاهله.

المريض الإنكليزي (1996) - أنتوني منغيلا (سيناريو وإخراج) - تمثيل: ريف فاينز (لازلو دو ألماشي)، كريستين سكوت توماس (كاثرين كليفتون)، جولييت بينوش (هانا) - ميراماكس (إنتاج)

ملصق فيلم الكفارةالكفارة
الحُب أيضاً محورٌ في فيلم الكفارة Atonement، لكن الفيلم الذي يرصد تجربة الحرب العالمية الثانية المروعة في إنكلترا يدور حول ثيمة أخرى أكثر سيطرة هي ثيمة النُضج. الطفولة والانتقال إلى مرحلة المُراهقة أمرٌ صعب، ولينضج الإنسان لا بُد من كفارةٍ ينبغي دفعها. كذلك، فإن بعض الأخطاء المُرتكبة في تشوش الطفولة مُدمرة إلى الحد الذي يجعلها تتطلب كفارة تستمر حتى نهاية العمر.
تدور أحداث فيلم الكفارة خلال الحرب العالمية الثانية، وتكشف تأثيراً يمتد حتى زمنٍ قريب. ويُروى بطريقتين: واحدة مُحايدة تروي الأحداث كما هي، والأخرى تروي الأحداث ذاتها من وجهة نظر فتاة عمرها ثلاثة عشر عاماً هي براوني تالس التي ترى العالم – على أعتاب الحرب العالمية الثانية – مشوشاً وغامضاً، وتحاول في هذا التشوش تفسير ما تراه أمامها، لكن تفسيراتها تسبب تعقيداتٍ كثيرة.
شقيقة براوني الكُبرى، سيسليا، تحب روبي ترنر ابن مدبرة منزلهم الذي يطلب من براوني توصيل رسالة إلى أختها. يُرسل روبي بالخطأ رسالة تحتوي على كلماتٍ بذيئة تقرؤها براوني وتُقرر مع ابنة عمها لولا أن روبي مهووس، وأنه لا شك سيؤذي سيسيليا. تُسيء براوني تفسيرٌ أمورٍ أخرى تجري بين شقيقتها وبين روبي. وحين يُكتشف أن لولا قد اغتُصِبت في حديقة دار تالِس، تتهم براوني – الشاهدة الوحيدة – روبي وتُكرر اتهامها، فيُقبض عليه ويُرسل إلى الجبهة في فرنسا.
تنفصل سيسليا عن أسرتها التي لم تصدق براءة روبي، وتتصدع الصلات العائلية التي تربط آل تالس. بعد خمس سنوات، تتطوع براوني كممرضة لتمرض الجنود الجرحى، وتحاول التكفير عن جزء من ذنبها تجاه روبي وسيسليا، بينما يتبادل الاثنان الرسائل على خلفية المعارك التي يخوضها روبي في الجبهة.
آخر الفيلم تظهر براوني تالس روائية في السبعين من عمرها، ويُجري معا مذيع – المخرج أنتوني منغيلا في آخر ظهور له قبل وفاته – مقابلة ليسألها فيها عن عملها الأخير الكفارة، فتخبره بأنها روت في روايتها الأخيرة قصتها مع شقيقتها وحبيب شقيقتها في محاولة للتكفير عن الذنب الذي ارتكتبه بحقهما منذ ما يقرب من ستين عاماً.
يُصور المُخرج جو رايت فيلم الكفارة من وجهتي نظر مختلفتين، هما وجهة نظر براوني وما حدث حقاً، وفي معظم الفيلم تتداخل وجهتا النظر، فلا يعود مُمكناً التفريق بينما حدث حقاً، وبين ما تعتقد براوني أنه قد حدث، بالإضافة إلى تداخل مشاهد الحرب العالمية خصوصاً موقعة دنكرك حيث يبدو أن العالم كُله قد تداخل بحيث صار مُتعذراً معرفة ما حدث حقاً، أو لماذا حدث.
تُرافق أحداث الفيلم موسيقى داريو مارينيلي – الحائز على جائزة أوسكار أفضل موسيقى أصلية (2008) – لتزيد من عُمق الفيلم، فمارينيلي يوظف صوت الآلة الكاتبة الذي يُشكل خلفية أحداث الفيلم المفصلية ويُحوله إلى موسيقى سريعة خاطفة متوترة، كأنها ضربات القدر تكتب حيوات الشخصيات. بعيداً عن الآلة الكاتبة التي تكتب القدر، تُرافق موسيقى مارينيلي المعنونة "مرثاة دنكرك" مشاهد وصول جنود الحلفاء إلى دنكرك، وتُضيف إلى الشعور الحلمي الذي يحيط بها. مشاهد الجنود في دنكرك مرثاة لعبثية الحرب وعدم يقينية الحياة في ظلها. ومع تقدم أحداث الفيلم، يتضح الدور الهام الذي تلعبه مقطوعات داريو مارينيلي في الأحداث كأداة فيلمية تُستخدم لتحقيق الأثر الدرامي المطلوب، كالحوار والحدث والصورة.
تصوير شيموس مكغارفي يدخل ضمن نسيج الفيلم ليُكمل بقية عناصره الفنية، فالكاميرا عنصرٌ فيلمي رئيسي تُشارك في إظهار اختلاط الحقائق وتشوش وجهات النظر. تقف الكاميرا أحياناً موقفاً مُحايداً لتُشاهد من بعيد، لكنها في طريقة تقديمها للمشهد تأخذ دوماً موقع الرائي، ويتحول موقع الرائي إلى موقع المُتهِم في المشهد الذي تكشف فيه براوني الحقيقة بشأن المُعتدي الحقيقي على ابنة عمها، إذ تفاجئها الكاميرا كمن قُبض عليه يرتكب ذنباً.
الكفارة التي أمضت براوني تالس حياتها تدفعها، شبيهة بكفارة أوروبا تجاه الحرب العالمية الثانية التي أعادت تشكيل الشخصية الأوروبية من جديد. ومحاولتها تلطيف الوقائع التي عاشتها لتجعل الذكرى أكثر قابلية للاحتمال شبيهٌ بمحاولات إعادة رواية تاريخ الحرب بطريقة تستبعد عبثيتها وهمجيتها في محاولة لحمل ما تبقى من الضمير الإنساني على السُبات.

الكفارة (2007) – جو رايت (إخراج) – كريستوفر همبتون (سيناريو) – داريو مارينيلي (موسيقى) – تمثيل: سيرشيه رونن (براوني في سن الثالثة عشرة)، كيرا نايتلي (سيسليا) ، جيمس مكفوي (روبي) – يونيفرسال (إنتاج)

تدوينة سابقة عن فيلم الكفارة.

الجمعة، ١٩ يونيو، ٢٠٠٩

كرسي أحمدي!

محمود أحمدي نجاد من موقع كوكس وفوركم(كاريكاتور محمود أحمدي نجاد من موقع كوكس آند فوركم، 2006)

لم أتابع الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة عن كثب، غير أن التلفاز كان يعمل صبحاً ومساءً على قناة الجزيرة - القناة الوحيدة التي تُبث بصورةٍ وصوتٍ معقولين فيه - مما جعل بعض الأخبار تتسرب إلى أذني من دون وعي. أخبارٌ من قبيل تحذيرات يوجهها محمود أحمدي نجاد إلى مير حسين موسوي الذي يتهمه - أحمدي نجاد - بمحاولة القيام بثورة خضراء، أو تهديدات من قبل قائد الباسيج للإصلاحيين الإيرانيين، أو اتهاماتٍ بالفساد والرشوة يوجهها أحمدي نجاد لخصومه السياسيين، خصوصاً تحالف موسوي-خاتمي. تكون في ذهني انطباعٌ ضبابي وغائم وقتها بأن أحمدي نجاد وجماعته قد فرضوا شرعتهم غير الحضارية على بلدٍ قد قطع شوطاً لا بأس به في الديموقراطية كإيران. فلم تكن أي انتخاباتٍ إيرانية سابقة بهذا القدر من الحدة والتوتر، ولم يحدث أن هدد محمد خاتمي أو هاشمي رفنسجاني مناوئيهما من قبل بهذه الطريقة المشينة. كانت الانتخابات غالباً ما تعكس رأي الشعب، وحتى صعود أحمدي نجاد إلى السلطة جاء نتيجة لخيبة أمل الشباب في خاتمي ما جعلهم يحجمون عن التصويت ويفسحون المجال للمحافظين - وأميل إلى الاعتقاد بأن عدم استطاعة خاتمي تحقيق تغييرٍ في النظام الإيراني يُرضي الشباب الإصلاحي الذي انتخبه يعود إلى ولاية الفقيه التي تجعل كل شيء بيد خامنئي مهما تبدل الرؤساء. جاء أحمدي نجاد موافقاً لهوى الفقيه - الذي أعلن بصراحة أنه أقرب المرشحين إليه ونهى المحتجين عن النزول إلى الشوارع - وخرب في السياسة الإيرانية وعلاقات إيران بالعالم - خصوصاً العالم العربي - كما شاء نظام الفقيه، إلى أن جاءت ساعة الاستحقاق، وأدرك أحمدي نجاد أنه في ورطة، وأن كرسيه قد يذهب في غمضة عين، فأطلق حملة مسعورة للنيل من خصومه جند فيها كل مقدرات النظام.
مع ذلك، لم يكن ليخطر لي أن (بلطجة) نظام أحمدي نجاد قد تصل إلى درجة إطلاق الرصاص على المتظاهرين، ودس رجال استخباراتٍ بالثياب المدنية للنيل من المحتجين على الانتخابات التي يرون أنها زُوِرَت، وإعلان طهران منطقة محظورة على الصحافة. في غمضة عين، أطاح أحمدي نجاد بكل ما حققته إيران في مجالات الانتخابات والشفافية والنزاهة، ورفض إرادة فئة عريضة من الشعب، وفتح عليها الرصاص. تحول نظام أحمدي نجاد إلى نظامٍ قمعي فقد آخر ما يستر سوأته عن عيون شعبه وعيون العالم. استشرس أحمدي نجاد للحفاظ على كرسيه الذي يبدو أنه نسي العقد الذي وصل بموجبه إليه، والذي يقضي بأنه باقٍ فيه ما دام الشعب راغباً في بقائه فيه.

قد يكون أحمدي نجاد فاز بالانتخابات حقاً من دون تزوير، لكن اللحظة التي فتح فيها رجاله النار على المتظاهرين قوضت نظامه من أساسه، وأفقدته شرعيته بنزع صفة التراضي بينه وبين شعبه من العقد الذي صار بموجبه رئيساً. غير أنه لا يبدو مكترثاً بهذه الحقيقة، فخطاب أحمدي نجاد في داخل إيران وخارجها قد عبر عنه محلل سياسي إيراني أعتقد أن اسمه زيدان خوليف أو ما شابه - تستضيفه الجزيرة دائماً ليُتحفنا باختلاقاتٍ من قبيل التفوق الإيراني التام على العرب - عندما قال إن الخير للعرب في أن تحتلهم إيران طالما وأن إسرائيل تحتلهم. أحمدي نجاد يُريد احتلال إيران بالقوة، ثم سيتجه إلى المنطقة بهذا الخطاب النازي ليُقدم نفسه غازياً جديداً - وهُنا أجد نفسي قد ملت للاعتقاد بوجود منطقٍ سليم في تفكير من يرون أصابع إيرانية وراء الكثير من أزماتِ المنطقة الحالية، خصوصاً التمردات الأهلية في بعض البلدان العربية.

في
29 نوفمبر 2007 اقتبس أحمدي نجاد في مدونته من نهج البلاغة:
وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ اَلرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَ اَلْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَ اَللُّطْفَ بِهِمْ وَ لاَ تَكُونَنَّ ‏عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي اَلدِّينِ ‏وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي اَلْخَلْقِ.
ثم جاء في 2009 ليفعل نقيض ما اقتبسه. ربما كانت المسألة زمنية، فما كان يصلح قبل عامين لا يصلح الآن. وربما كان أحمدي نجاد - وأي صاحب سلطة - كالحجاج بن يوسف الذي قال عنه الحسن البصري إنه كان يصعد على المنبر فيتكلم بكلام الصديقين الأبرار، ثم ينزل من عليه فيفعل فعل الشياطين الأشرار.

الأحد، ١٤ يونيو، ٢٠٠٩

صنع الله

لا أحب كتابات صنع الله إبراهيم منذ تعرفت عليها للمرة الأولى في روايته وردة -وقد يعود ذلك إلى نظرته الاستشراقية لليمن وعمان الغالبة على الرواية. ولم يُصلح ما قرأته له لاحقاً من رأيي في كتاباته، سواء في اللجنة، تلك الرائحة، شرف، أمريكانلي، أو غيرها. فصنع الله صحافي كثير الإطناب، أو كاتب تقارير ضل طريقه إلى الرواية. وأعتقد اعتقاداً قوياً أنه لولا وفاة يوسف إدريس لكان قد وُضع موضعه الملائم من المشهد الثقافي العربي بدل أن يُنفخ بغير حسابٍ كما هو الحال الآن.
مع ذلك، يبقى من المهم أن أقرأ صنع الله إبراهيم كجزء من السرد العربي، كما أقرأ كل ما أصل إليه من كتابات الكتاب الجدد، وكما أجبر نفسي على قراءة جمال الغيطاني، فليس كل ما يحب المرء يقرأه، وإنما تُقرأ الكُتب ليُعرف كيف يُفكر الآخر وما الذي يدور في الساحة حالياً.
من هذا المنطلق، اشتريت كتب صنع الله إبراهيم الأخيرة من القاهرة، ولم أشعر بشعور طيب إزاء ذلك كما حدث مع بقية الكتب التي اشتريتها من هناك. شعرت بشعور من فُرض عليه واجبٌ منزلي ثقيل يود الخلاص منه، ولم أحمل - في تلك اللحظة بالذات - أي شعورٍ طيب للمستعمرة أو لميولي النقدية التي تجعلني أطيع أول مبادئ النقد وأكثرها رسوخاً: اقرأ كل شيء بتمعن قبل أن تحلل.
رغم أنني أطعت مبادئ النقد وجلبت كتب صنع الله إبراهيم الأخيرة لأقرأها بتجرد، وبعيداً عن أي حكمٍ مسبق. إلا أنني نلت جزائي لشرائي كتباً لكاتبٍ لا أحب قراءة أعماله، ففي مطار صنعاء الدولي أجبرت على فتح حقيبتي لأخرج الكتب التي فيها، وأصر الموظف (غير) القارئ على أن عبارة "صنع الله" على الكتب قد تحمل معنى تبشيرياً خطيراً يستتر وراء الاسم. حُل الإشكال في المطار - بدليل أنني أكتب هذه المدونة الآن. لكنني أفكر، لماذا لم تكن هُناك مشكلة مع أي كتابٍ جلبته باستثناء كتب صنع الله إبراهيم؟
الدرس المستفاد من هذه القصة:
لا تشتري كتب صنع الله إبراهيم إذا لم تكن تطيق كتاباته وإلا احتُجِزتَ في مطار صنعاء الدولي.
الدرس الآخر المستفاد من هذه القصة:
لا تعترف أبداً بأنك تحمل كتباً في حقيبتك وإلا كانت العواقب غير حميدة.

الخميس، ١٤ مايو، ٢٠٠٩

أوبئة موسمية!

قائمة من منظمة الصحة اللغوية ببعض الأوبئة اللغوية الموسمية المنتشرة في الفضائين السبراني والطباعي:

عن البقدونس نرغي
ينتشر مرض أنفلونزا شبه الجملة المقدمة على الجملة الفعلية في المواقع على الشبكة انتشاراً وبائياً يفوق انتشار أنفلونزا الخنازير في العالم الواقعي، فتجد الجميع يكتب: عن الحياة نتكلم، عن الثقافة نتحدث، عن الطب نتحاور.... بشكلٍ يجعل استخدام بناء الجملة القديم والصحيح: نتكلم عن شيء ما حيث الجملة الفعلية من الفعل والفاعل تسبق شبه الجملة من حرف الجر والمجرور شيئاً ما قبل تاريخياً كالمستحاثات، بحيث صار استخدام التعبير الصحيح أمراً (غير) أدبي، ومن الضرورة بمكان تحاشيه كما يتحاشى الصحيحُ الأجربَ، بينما يُقدم شبه الجُملة على مُبتدأ نكرة، لا على جملة فعلية، كقولهم: في البئر قطة.
أصول الوباء: يُشتبه في أن منبع الوباء قد جاء من سلسلة روايات مصرية للجيب، غير أن هذا الاشتباه غير مدعومٍ بأدلة قاطعة، وعليه فإن منظمة الصحة اللغوية توصي بالتحفظ في وضع السلسلة في الحجر اللغوي.

مائعاً جاء الزبادي
النطاق الجغرافي لانتشار متلازمة تقديم الحال على الجملة أقل اتساعاً من النطاق الجغرافي لانتشار أنفلونزا شبه الجملة المقدمة على الجملة الفعلية، لكن نسبة انتشاره الحالية تدعو إلى اتخاذ تدابير احترازية لمنع تفشي الوباء بشكلٍ كارثي يتعذر إصلاحه. موقع الحال الأصلي في الجملة يلي الفعل والفاعل، ولا يجوز تقديمه إلا في حالاتٍ محدودة بالدلالة المُبتغاة من التحويل، فقلب الجملة الأصلية: جاء الرجل غاضباً إلى غاضباً، جاء الرجل يضع التأكيد على حال الغضب، ويقلب غرض الجملة من الإعلام عن مجيء الرجل غاضباً إلى الإعلان عن غضب الرجل. لا يُعقل - بطبيعة الحال - أن يكون الحال مُقدماً في كُل الجمل التي تحتويه لأن امتهان تقديم الحال بهذه الطريقة نزع عنه دلالته.
أصول الوباء: لا تُعرف أصول الوباء على وجه الضبط أو التقريب، غير أن ثمة من يتكهن بكون مصدر الوباء مجموعة من الكتابات (الأدبية) الجديدة التي خدمت كحاضن مثالي للفيروس. وعليه، توصي منظمة الصحة اللغوية بالتزام الحذر التام، وباستخدام الفاصلة (،) بعد الحال في حالة الاضطرار إلى تقديمه.

فليأت الحساء
في فترةٍ ما كان النطاق الجغرافي لانتشار داء الفلأله أكثر اتساعاً من نطاق انتشار أنفلونزا شبه الجملة المقدمة على الجملة الفعلية ومتلازمة تقديم الحال على الجملة معاً، غير أن داء الفلألة آخذٌ في الانحسار بعد أن خسر مناطق نفوذه لأوبئة أخرى. الفاء حرف عطفٍ غالباً، غير أنها قد تقترن بجواب الشرط في الجُمل الشرطية المجزومة بشروطٍ معينة، وقد تكون فاء سببية كأن يقول أحدهم: ألا تحل عندي فأطعمك الحساء؟ وقد تسبق اللام في حالات أخرى غير شائعة - تكون فيها الفاء سببية أيضاً - فيقول أحدهم: أيدّعون ذلك! ويحهم! فليأتوا بحسائهم فنتذوقه! حيث الفاء سببية تُجيب على استنكارٍ وتحدٍ. ظهور داء الفلألة عند الأمر المُجرد غير المسبوق بما يستدعي حضور الفاء السببية علامة خطيرة على تفسخ البنية اللغوية تستدعي تدخل منظمة الصحة اللغوية.
أصول الوباء: لا تُعرف أصول هذا الوباء أيضاً، لا على وجه الضبط ولا على التقريب، غير أن منظمة الصحة اللغوية تُحذر من منتديات الشبكة العنكبوتية (المتأدبة) وبعض المدونات المتصفة بهذه الصفة كذلك بوصفها حاضنات مثالية للداء. وتوصي بالتزام الحذر التام عند استخدام الفاء واللام قبل الفعل المضارع بقصد الأمر.

إن عصيدتنا لخيرٌ من عصيدتكم!
ينتشر الوسواس التوكيدي القهري انتشاراً مزمناً، إذ أنه أحد أعراض البارانويا العربية المستفحلة. ويُعلن هذا الوسواس عن نفسه في هيئة العبارات المؤكدة كأن أحداً يُعارض المتكلم على طول الخط. الجملة - في اللغة العربية، إحدى اللغات الحية والعهدة على ويكيبيديا - تبدأ خبرية هكذا: سعيد بائس، فإذا توسم القائل في المستمع عدم تصديق أكدها بقوله: إن سعيداً بائسٌ، فإذا استمر المستمع في إنكاره لما قيل جاءته الجملة شديدة التوكيد: إن سعيداً لبائس! غير أن المتكلم (الذي لا نعلم حالته العقلية) يرى أن المستمع (الذي لا نعلم حالته العقلية كذلك) يكذبه قبل أن يتكلم، فيأتي كلامه كله مؤكداً: إن عصيدتنا لخيرٌ من عصيدتكم فإننا قد قمنا بإضافة الدقيق الفاخر إليها، وإن دقيقنا ليأتي من سوبر ماركت المدينة، وإن الدقيق الفاخر لعلامة على جودة العصيدة كما يعلم أي محب حقيقي للعصيدة، وإننا لمحبون للعصيدة!
أصول الوباء: ترى منظمة الصحة اللغوية أن أصل الوباء كامن في جنون الاضطهاد الذي يسم العقلية العربية منذ قرون، فالمتحدث يفترض دوماً أن المستمع يفترض فيه الكذب وسوء الطوية، ويأخذ أقواله على محمل الاستخفاف. توصي منظمة الصحة اللغوية المصابين بوسواس التوكيد القهري باللجوء إلى أساليب المعالجة النفسية المطولة المستخدمة في علاج أمراض الوسواس القهري، وتوصيهم باستشارة طبيب نفسي مؤهل لأن هذه المشكلة لا تُحل بكتب التنمية الذاتية التي تساهم في تدهور حالة المصابين بالوسواس التوكيدي القهري.

لـــــــــــــــ البـ ، طـ ا طس ــــذيـــــــــ المـ ، قلية ــــــــــذة
بدأ مرض جذام الجمل يتفشى في الفضاء السبراني بشكلٍ يستدعي اتخاذ تدابير عاجلة وحازمة للحد من التأثيرات المؤسفة لتشوه الجمل العربية بالجذام الذي يحولها إلى كتل خالية من المعنى يعافها النظر، ويؤدي إلى تدهور القدرات الإدراكية والسلوكية لدى المتعاملين بها. يتفشى الجذام الجملي في العناوين بشكلٍ رئيسي ، كما تظهر أعراضه على قصائد الشعر السبراني التي ترى منظمة الصحة اللغوية وجوب الحجر عليها منعاً لانتشار الوباء. تحذر منظمة الصحة اللغوية من هذا الوباء المعدي، وتدعو جميع المضطرين إلى التعامل مع الفضاءات السبرانية إلى التزام الحيطة والحذر عند الاقتراب من الجمل المجذومة.
أصول الوباء: تعتقد منظمة الصحة اللغوية أن أصل الوباء صناعي، وأنه قد جاء نتيجة لتجارب مباءات التخريب اللغوي التي تعرف بنفسها على أنها جماعات الشباب على الموضة، أو جماعات التجديد اللغوي، أو جماعات الدلع والغنج. وتُهيب بكل من يقترب من إحدى هذه البؤر سرعة الابتعاد عنها، وإبلاغ المنظمة والسلطات المحلية عنها.

ترجو لكم منظمة الصحة اللغوية السلامة من كل داء.

الإثنين، ١١ مايو، ٢٠٠٩

ربة القدر

يا ربة القدر
يا مثيلة القمر
سنتك التحول
زمانك بدرٌ
وإما محاق.
الحياة مقيتة،
تغمينها،
ثم تريحينها
حين يقبضها الوهم.
الضعف والقوة
تذيبينهما كالثلج.

القدر: وحشي
وخالٍ،
عجلتك الدائرة شريرة
الوجود عدم
يتلاشى إلى لا شيء
متشحاً ظلالاً وأقنعة
تبتلينني الآن بلعبتك
تحنين ظهري العاري
لشرك.

القدر: في الرخاء والفضيلة
عدوي، يقتادني، يُثقلني،
يستعبدني دوماً.
لذا، الآن،
أعزف على الأوتار المهتزة
ولأن القدر يُهلك القوي،
ينتحب الجميع معي!

أندب جروح ربة القدر
بعينين دامعتين،
فكل ما وهبتني إياه،
سلبتني إياه.
حقيقة ما كُتب عن شعرها الجميل،
لكنها حين تحل لتقتنص سانحة،
صلعاء.

على عرشها كنت أجلس منتصباً
متوجاً بزهور الرغد كثيرة الألوان
مزهراً، سعيداً، ومباركاً.
الآن أهوي من حالقٍ،
محروماً من كل مجدِ.

تدور عجلة القدر،
أهوي مُحتقَراً،
يصعد آخر شاهقاً،
ليخش الهلاك!
لأنه قد كُتبِ على المحور:
الملكة هيكوبا.

الأحد، ٣ مايو، ٢٠٠٩

فوضى الغرباء

للغرباء دوماً فوضى ينثرونها
لكنني تعلمت محوها بطقطقة أصابعي
لا يمكنهم المشي ميلاً بحذائي إيف سان لوران
فأحكم ربطه، وأسير متخلصة منهم

جعلتهم يقولون: لا أصدق أنها فعلتها!
لم تفعلها!
جُنوا بطبيعتي الوحشية،
صاروا يقولون: نعم، فعلتها!
غير أنني لا أصدق أنها فعلتها!

حتى إذا حاولوا
ليس بإمكانهم السير ميلاً بهذا الحذاء
لا يمكنهم حتى ارتداؤه بشكل صحيح
حذاء السهرة أكبر من قدرتهم
فعشرة ملايين رجلٍ لا يمكنهم السير ميلاً بهذا الحذاء

أتبختر بضراوة
- حتى أن ستيفن قد استاء مني
ضاحكاً وساخراً مني وراء ظهري
لكنهم لن يحصلوا أبداً على أفضل ما عندي -
أراهم يرقصون رقصتي
وأسمعهم يغنون أغنيتي
أتفوق على الكل
لأنني نشأت هكذا

أمشي بفخر، لا أدع كراهيتهم تنالني
يتندمون حسرة
رؤوسهم تعلوا الماء ومع ذلك لا يمكنهم التنفس
تقعقع قدماي على الأرض بينما أخطو واثقة
وأتحداهم أن يسيروا ميلاً في حذائي

فحتى إذا حاولوا
ليس بإمكانهم السير ميلاً بهذا الحذاء
لا يمكنهم حتى ارتداؤه بشكل صحيح
حذاء السهرة أكبر من قدرتهم
فعشرة ملايين رجلٍ لا يمكنهم السير ميلاً بهذا الحذاء

الجمعة، ١ مايو، ٢٠٠٩

خضراء بلا لون

رغم أن الجميع - في المستعمرة - في حالة نكران للهوة التي تفصل بين جيلنا والأجيال السابقة، إلا أن مناسبة جديدة تحدث كل يوم - تقريباً - لتُذكرنا بأننا مختلفون - تماماً - حتى في تفسيرنا لأبسط العبارات. واحدة من هذه المناسبات - التي ظهرت فيها الفجوة الهائلة بين جيلنا وجيل أساتذتنا - كانت عندما قرر كبير المستعمرة الذي علمها السحر أن يُقدم إلينا عبارة نعوم تشومسكي الشهيرة التي فتنت جيله كمثال على العبارات السليمة لغوياً والتي لا تحمل أي معنى - كُنا نعرفها من قبل، بطبيعة الحال، لكنه أجبرنا على الإقرار بأننا لم نسمع بها:
الأفكار الخضراء بلا لونٍ تنام غاضبة.
Colourless green ideas sleep furiously.
مضى الدكتور في شرحه عن لا منطقية العبارة ولا جدواها رغم أنها سليمة من الناحية اللغوية، واصفاً إياها بأنه نوع من الكلام الفارغ الذي لا يُفسر ولا قيمة له، غير أنه قوطع مراراً حتى رضخ للأمر الواقع وسمح لنا بالتكلم لنعارض وجهة نظره تماماً. في الواقع، هذه العبارة واضحة ومفهومة ويمكن أن يكتبها أي صحفي مبتدئ في أي جريدة على وجه الأرض.
لكن، كيف ذلك؟ كيف تكون الأفكار خضراء وتكون بلا لونٍ في الوقت نفسه؟ كيف تكون الأفكار ملونة؟ كيف تنام؟ كيف تنام غاضبة؟
المسألة وما فيه أن هذا مجاز شائع الاستعمال حتى صار مستهلكاً وصار بديلاً للكلمات الأصلية. الجميع يعرف الطيف السياسي، المجاز صار العبارة الدالة على كنه الشيء. ماذا عن الأفكار الخضراء؟ هذا أكثر المجازات شيوعاً في الزمن الحاضر، الأفكار الخضراء المعتقدات البيئية. العبارة التي فتنت أجيالاً سابقة بلا معقوليتها تعني ببساطة:
أُحبِطَت التوجهات البيئية غير المُجيرة سياسياً مما أحنق الناشطين البيئيين.
بعد مناقشات ومناوشات، أقر الدكتور بأن في تفسيرنا للعبارة وجاهة، لكننا عدنا لنعترض، فالمسألة ليست تفسيراً وإنما المعنى الحرفي للعبارة فيما لو وُجدت مكتوبة على غلاف نيووزيك مثلاً! لا أحد سيُفكر في أي تفاسير أخرى - لا أحد من جيلنا على الأقل.
في مرحلة ما، حدث انقلاب في المعايير اللغوية والدلالية جعل ما فتن الأجيال الماضية صيغة مستهلكة من البلاغة الصحفية اليوم، وما أحنقهم الأمس محل تقدير اليوم. سنة الخلق.

الأربعاء، ٢٩ أبريل، ٢٠٠٩

هجاء ابريل

يُقدم ت. س. إليوت ثلاثة أسبابٍ لتفسير تصريحه: "ابريل أقسى الشهور"، فابريل "يُنسل الليلك من الأرض الميتة"، و"يخلط الذكرى بالرغبة"، و"يُنعش الجذور الجافة بمطر الربيع". كثيرون يرون أن عبارة إليوت وتابعاتها ومن ثم انتقاله إلى الحديث عن الشتاء والصيف صورٌ من الطبيعة أراد نفيها ولم تتكرر بعدها أبداً، غير أن كونهم كثيرين لا يعني أنهم محقون بالضرورة. جملة إليوت صارت من الكليشيهات المحفوظة في الأدب، حتى أنها بدت ممجوجة للغاية عندما قدمت بها مجلة بويتري الأمريكية إصدار شهر ابريل: "قال إليوت إن ابريل أقسى الشهور، لكنه ليس دوماً أقسى الشهور في الشعر". بويتري ليست الوحيدة التي تُعيد العبارة وتعارضها، بل إن كثيرين من المتأدبين يُحبون ذكرها كلما حل ابريل ليعارضوها ويثبتوا حبهم لابريل والربيع.
يُخطئ إليوت أكثر مما يُصيب، لكن عبارة "ابريل أقسى الشهور" أصوب ما قال. ابريل شهرٌ زائد عن الحاجة يتبع مارس الطويل القبيح كذنب الكلب. شهرٌ يبدأ بكذبة. باهت وقصير وبلا شخصية. يتساقط مطره الكاذب أحياناً ليُنعش آمالاً ميتة ثم يردها إلى مواتٍ طويل. ليس له صدق الشتاء بثلجه الذي يُغطي كل مكانٍ ككفنٍ للأرض الميتة، ولا قوة الصيف الذي يحل فجأة بمطره الغزير وحرارته التي لا مراء فيها. شهرٌ مُخاتل، حارٌ يبرد أحياناً، جافٌ يمطر أحياناً، يمتلئ بالأكاذيب فيولد زهوراً من أرضٍ ميتة، زهور ليلكٍ كالموت. لكنه يخلط الذكرى بالرغبة، فلا يعود ممكناً معرفة ما إذا كان ما نتذكره قد حدث حقاً أم أنه مجرد أمانٍ. يبدو الليلك كوردة تولد من الموت لأننا نريده أن يكون كذلك، لكن الليلك زهر الموت.
ليس لابريل فضيلة. امتدادٌ لعقم مارس. في مارس يحل الخراب بالأرض التي عمرتها الفصول الماضية. يحصد المزارعون زرعهم، ويحمل المحاربين سيوفهم ليحتزوا رؤوس الآخرين. مارس شهر الحصاد والحرب. فيه تموت الأرض. تبقى ميتة في ابريل. يمتد ابريل بلا سببٍ، تالياً لمارس بلا صوتٍ، فالحصادون قد أنهوا حصاد رؤوس القمح والرجال، ولم يبقَ في الأرض حياة.
يهادن ابريل الصيف بحرارته، ويحاول أن يبرد قليلاً لئلا يفقد ود الشتاء. يلون الطبيعة بألوانٍ كالحة لئلا يغضب منه الخريف الذي يجعلها تتوهج بلونه الذهبي. ربيع كامد لا حياة فيه. منزلٌ يُغطيه اللبلاب، خارجه أخضر وداخله يصفر. بريقٌ في أعين زجاجية.
ابريل بركة ساكنة في ظهيرة قائظة.
أقسى الشهور.

الثلاثاء، ٧ أبريل، ٢٠٠٩

أطفال بِرتُن

تِمْ بِرتُن في حفل استقبال جوائز مجلة إمباير وجيمسون/ تصوير: غارِث غاي، وكالة ألفا(تِمْ بِرتُن في حفل استقبال جوائز مجلة إمباير وجيمسون
تصوير: غارِث غاي، وكالة ألفا)

ليس مُستغرباً أن يُصدر المخرج الأمريكي الشهير تِمْ بِرتُن مجموعةً شعرية في 1996 عن دار فابر وفابر الشهيرة - ناشرة مجموعات ت. س. إليوت الشعرية، ومن بينها: كتاب الجُرذ العجوز عن القطط العملية - عنوانها: موت صبي المحارة الحزين، ومضمونها قصائد ورسومات عن أطفالٍ منبوذين بسبب هيئتهم وأقدارهم المحزنة، فهُناك "الفتاة التي تحولت إلى سرير"، و"الفتى الروبوت"، و"دمية الفودو"، و"الصبي العصا الذي يحب الفتاة عود الكبريت"، و"الفتاة كثيرة العيون" من بين قصائد أخرى كلها حول أطفالٍ مشوهين أو غريبي الخلقة بشكلٍ يتعذر معه قبولهم في المجتمع، ويجعل المجموعة تقترب من الرعب أحياناً. رسومات بِرتُن الطفولية ذات الطابع المُميز تحول الرُعب في الكتاب إلى تصويرٍ مُبالغٍ فيه يتعذر معه أن يكون حقيقياً، لكنه يبقى مرعباً وغريباً ومُنتمياً إلى عالمٍ آخر.
في أعمال تِمْ بِرتُن جانبٌ مُظلم مُخيف يمتزج بالكوميديا أحياناً، لكنه يبقى مُظلماً ومُرعباً. موضوعه المُفضل المنبوذون يظهر في كل أفلامه، حتى في الفيلم الذي صنع شهرته: باتمان (1989). أثار فيلم باتمان - الذي أعقب فيلمين (برتنيين) هما مغامرة بي-وي الكُبرى، وعصير الخنفساء - جدلاً كبيراً لأجوائه المُظلمة التي تختلف تماماً عن أجواء سلسلة باتمان المفرحة في السبعينيات، وأغضب بعض من كانت لهم علاقة بالسلسلة الأصلية. إعادة بِرتُن لاختراع باتمان وفق مفهومه الخاص أثبت كونه مُربحاً، رغم أنه مُظلم، وسمح لبِرتُن بتقديم رؤيته الخاصة عن شخصية الجوكر المشوهة (جاك نيكلسن) وعن ظُلمة غوثام المُقبضة. ثم أعقبه فيلم عودة باتمان ليُقدم نموذجاً أوضح عن الطفل البرتني المنبوذ: البطريق (داني ديفيتو) - واحدة من قصائد موت صبي المحارة الحزين تحمل عنوان "جيمي، الصبي البطريق البشع". كانت أجواء الفيلم الثاني أكثر ظلمة وكآبة من الفيلم الأول بكثير، وقد غابت عنها سخرية الجوكر وحسه السوداوي بالفكاهة، لتُستبدل بحقد البطريق وتشوهه الذي يعكس تشوهاً في أعماق غوثام. بعدها، توقف برتن عن العمل في سلسلة باتمان، وتراجعت جودة أفلام باتمان اللاحقة إذ أنها حاولت الحفاظ على الخط البرتني من دون أن تُفلح في تقديم نمط شخصياته بطريقة مُقنعة. - قبل أن ينهض كريس نولان بالسلسلة من جديد مُعطياً إياها روحاً جديدة لم تتخلَ تماماً عن أطفال بِرتُن المنبوذين وإن استبدلت المناخ النفسي الهائل لتشوه الشخصيات بانفجار في الحركة. -
الشخصية الرئيسية في فيلم إدوارد سيزرهاندز واحدٌ من أطفال بِرتُن المفضلين (يلعب الدور جوني ديب، الممثل المفضل عند بِرتُن)، طفلٌ اخترعه مخترعٌ غريب الأطوار توفي قبل أن يُتم صياغة يدي إدوارد، ليبقى إدوارد بيدين كالمقصات. يعيش إدوارد في ضاحية هادئة لا تتقبله، لكن أفرادها يحاولون التعرف عليه بغرض الرياء الاجتماعي، ويستغله كُلٌ منهم لأغراضه الخاصة. يرى جوني ديب وفنسنت برايس أن إدوارد سيزرهاندز سيرة ذاتية لطفولة تِمْ بِرتُن في ضواحي كاليفورنيا الراقية، حيث لم ينسجم ولم ينتمِ لأنه كان مختلفاً.
يُقدم تِمْ بِرتُن في فيلمي إد وود والمريخ يُهاجم! آيةَ تقديرٍ ساخرة لأفلام الخيال العلمي الرخيصة التي كان يُشاهدها في طفولته، فيُحيي في الفيلم الأول المخرج إد وود الابن الذي وُصف مرةً بأنه "أسوأ مُخرج في العالم"، وفي الثاني صُناع أفلام الكوارث وتُراث الرُعب الأرضي من المخلوقات القادمة من المريخ لتهاجمنا. يأخذ فيلم المريخ يُهاجم! كثيراً من ثيمات حرب العوالم لهربرت ج. ويلز بطريقةٍ ساخرة، ويجمع مجموعة متنافرة من الشخصيات في حبكةٍ ساخرةٍ تنتهي نهاية هزلية.
بعد كوميديا مرعبة ومُقبضة في المريخ يهاجم! قدم بِرتُن فيلماً مُقبضاً آخر: سليبي هولو الذي يتبع أسلوب الرعب القوطي - بروحٍ برتنية - ويتحدث عن طفلٍ برتني آخر فقد رأسه فاندفع يحتز رؤوس الآخرين ليجد رأسه. تقديم بِرتُن لأسطورة سليبي هولو كان مرعباً إلى حدٍ جعل الكثيرين يحتجون على كمية العنف الزائدة فيه. مع ذلك، حظي الفيلم بثناء نقدي لا بأس به، وكان علامةً على خروج بِرتُن عن خطه السوداوي ونمطه في الإخراج المُعتمد بكثافة على الظلمة والظلال.
في 2000، قدم بِرتُن فيلم كوكب القردة الذي قلل مُعظم النقاد من شأنه بوصفه نسخة فشارٍ عن الفيلم الأصلي، وغضب عليه كثيرون من معجبي تِمْ بِرتُن لخروجه التام عن البرتنية إلى الحد الذي وُصف معه دور بِرتُن في الفيلم بأنه الدور الذي يؤديه عامل يومية مأجور. مع ذلك، حقق كوكب القردة نجاحاً مادياً كبيراً في شباك التذاكر الأمريكي.
عاد تِمْ بِرتُن لمُبالغاته الفنية الساخرة في التصوير والتشخيص مع فيلم السمكة الكبيرة في 2003، ورُشح فيلمه هذا لعدة جوائز غولدن غلوب من دون أن يفوز بواحدة - وهي عادة بِرتُن مع الأوسكار والغولدن غلوب.
في تشارلي ومصنع الشكولاتة عاد بِرتُن من جديد إلى عوالمه الفانتازية المُقبضة، متحدثاً عن طفلٍ منبوذ - ويلي وونكا - يحاول الانتقام من أطفالٍ منبوذين آخرين. أعجب الفيلم النقاد كثيراً، وكان بالإضافة إلى نجاحه النقدي نجاحاً كبيراً في شُباك التذاكر الأمريكي.
بعد أن أثبتت البِرتُنية أنها تربح كثيراً - باتمان، سليبي هولو، تشارلي ومصنع الشكولاتة، وإلى حدٍ ما كوكب القردة - أصبحت لبِرتُن دالةٌ على شركات الإنتاج، ونفوذ كبيرٌ في هوليوود يجعله واحداً من قلةٍ يُمكنهم أن يفعلوا ما يحلوا لهم في أفلامهم من دون أن يجرؤ أي مديرٍ تنفيذي في إستوديوهات هوليوود على اعتراض طريقهم. خياراتُ بِرتُن كانت مُكلفة إنتاجياً، وغريبة الأطوار فنياً، وغير مؤكدة النجاح جماهيرياً، لكن ثقل اسم بِرتُن سمح له بتقديم فيلمه المُتحرك العروس الجثة الذي كان أكثر كآبة وإفزاعاً من أن يتوجه لجمهور الأطفال. في العروس الجثة يعود بِرتُن إلى أطفاله المنبوذين وعوالمه التي لا يُمكن أن تتلاقى، وطريقته المميزة في الرسم والتحريك، وألعاب الظُلمة التي يُجيدها. وبه أثبت أن البرتنية تحظى بالرضا النقدي، وبالقبول الجماهيري العريض. طريقة بِرتُن في فيلم العروس الجُثة الذي صُور بأسلوب التحريك والتوقيف أثرت في أفلامٍ كثيرةٍ لاحقة أحدثها كورالين.
مشروع بِرتُن الأكثر طموحاً في سنواتٍ عديدة كان تقديمه لمسرحية ستيفن سوندايم الشهيرة سويني تود: حلاق شارع فليت الشيطان. وفيه تعاون مع شريكة حياته هيلينا بونام كارتر وصديقه جوني ديب من جديد ليُقدم أول فيلمٍ موسيقي له يتميز بأجواء بِرتُن المُقبضة، وطريقته في التلوين واختياراته في طرق التصوير، وشخصياته المنبوذة المشوهة نفسياً بشكلٍ يستحيل معه إصلاحها. كمية العُنف والدماء في الفيلم أثارت اعتراضات بعض النقاد الذين استغرب بعضهم عدم اعتراض الرقابة على كميات الذبح في الفيلم، وانزعج بعض المشاهدون من توالى مشاهد الذبح وتقطيع اللحم على خلفياتٍ موسيقية. مع ذلك، فإن فيلم سويني تود واحدٌ من العلامات البرتنية المهمة، ويمتاز بتقديمه لجماليات أسلوب الإخراج البرتني، والأجواء البرتنية التي تجمع عوالم لا يُمكن جمعها، وتُقدم الشرير والمشوه والمُريع كجُزء من الحياة التي تكتسي ظلالاً مُهيمنة كتعبير عن هيمنة الشر.
بعد فيلم سويني تود قرر بِرتُن الانضمام إلى روبرت زيميكس ومجموعة المخرجين الذين قرروا ركوب قطار التصوير الحاسوبي ثلاثي الأبعاد السريع مع فيلمه المُقبل أليس في بلاد العجائب. ليستعين بأحدث تقنيات هوليوود في إحياء رواية لويس كارول على الطريقة البرتنية.
في كُل مشاريع تِمْ بِرتُن أطفالٌ منبوذون مشوهون أرواحهم هشة وحضورهم مُسيطر، هُناك ظُلمةٌ مهيمنة على المشهد، ومزج ألوانٌ بطريقة تعبيرية خاصة تُميز أعمال بِرتُن عن سواها. قد يكون أطفال بِرتُن الفنان الذي لا يُمكنه أن ينسجم في مجتمعه أبداً، وقد يكونون تعبيراً عن عملاق الحضارة الذي داس على كُل الضعفاء في طريقه. أطفالُ برتن جانب الحياة الذي تخفيه الظلال ولا نراه غالباً.

السبت، ٤ أبريل، ٢٠٠٩

ويليام ومود

مود غون
هناك من يقول إن الشعر الإنكليزي - والشعر العالمي - يدين بالكثير لامرأة إيرلندية جميلة وحادة الطباع اسمها مود غون، لسببٍ وحيد: رفضها الاقتران بعاشقها الأزلي ويليام بتلر ييتس. يقولون إنها لو وافقت على الاقتران به لحققت له السعادة، وحرمته من منابع شعره. بينما جعله رفضها له يعاني من فقدها، ويُعيد رسم ملامحها في كل قصائده، ويعاود طلب يدها بين حينٍ وآخر بين الرجاء واليأس، معلقاً بخيطٍ واهٍ من الأمل يذكي قريحته الشعرية ويجعل مود حاضرة في كل مفردة من مفردات وجوده.
كما يُفترض بالشعراء أن يكونوا، كان ييتس معارضاً لكل أشكال العُنف، لكنه انضم إلى الحركة الثورية الإيرلندية المتطرفة إرضاء لمود الثائرة المتطرفة التي تُحرك الجماهير بخطبها الهادرة في ساحات دبلن. بسبب مود، تعرف ويليام على قادة الحركة الثورية الإيرلندية الذين لم يكن يميل إليهم، وعايش عن قرب ثورة عيد الفصح التي تمحورت حولها قصيدته: "عيد الفصح، 1916"، وتكرر فيها السطر الذي أصبح دلالة على القرن العشرين فيما بعد:
"وُلِدَ جمالٌ رهيب"
في "عيد الفصح، 1916" يذكر ييتس أسماء بعض الثوار ويصفهم بأنهم أشخاصٌ عاديون لا يُثيرون أي انتباه محتفظاً بقسطٍ وافرٍ من الاحتقار لواحدٍ منهم: الرائد جون مكبرايد الذي تزوجته مود غون لأسبابٍ لا يعلمها إلا الله مفضلة إياه عليه (ويكرهه لأنه غريمه، ولإساءته لها ولابنتها - التي أنجبتها من اللا سلطوي الفرنسي لوسيان ميليفوي بشكلٍ غير شرعي - طوال السنوات الثلاث التي ظل فيها متزوجاً منها.) مع ذلك، يقول ييتس إن مكبرايد أيضاً تغير، وخرج من إطار العادي المبتذل ليصبح جزءاً من الجمال الرهيب الذي وُلد، خصوصاً بعد إعدامه.
بعد طلاق مود، تقدم ويليام مجدداً، لكن مود رفضته مجدداً، وأبقته دائراً في حلقتها التي كانت تدير مسرحاً. خلال تلك الفترة ركز ييتس على التراث الإيرلندي وإحيائه، وكتب عدداً من المسرحيات المرتبطة بالموروث الإيرلندي مكرساً إياها لحبيبته مود التي داومت على رفضه، قبل أن تنتقل إلى الإقامة في باريس لفترة من الزمن.
بقي ويليام مقيماً على حُب مود - مخففاً ارتباطه بالثوار الإيرلنديين خصوصاً بعد حملة الإعدامات بالجملة التي طالت قادة ثورة عيد الفصح. ولم تكن مود لتلومه، فويليام شاعرٌ خُلق لأشياء أخرى غير السياسة والسجن - وإن كانت له علاقات غرامية عابرة من وقتٍ لآخر. ظلت مود ملهمته التي خلدها في الكثير من قصائده، وكتب لها مسرحياته، وبلغ من حبه لها أن قال في قصيدته "آيداه يتمنى ثياب الجنة":
"فرشت أحلامي تحت قدميك،
فدوسي برفق،
لأنك تدوسين على أحلامي."

ويليام بتلر ييتسيميلُ كتاب سيرة ييتس إلى اعتبار مود غون مثالاً للتضحية بالذات في سبيل الفن، فرفضها المستمر لييتس جاء لحماية فنه من السعادة التي قد تجفف قريحته الشعرية. وهُناك من يقترح أن غرورها جعلها ترفضه لتبقى ملهمة أشعاره البعيدة عن متناوله، وبذا يتحقق لها الخلود الفني والحضور في معظم أشعاره. غير أن هذه الرؤية تتعامى عن حقيقة أن مود إنما رفضت ويليام لأجل نفسها، لا لأجله أو لأجل أشعاره، فويليام كان دائم الشجار معها بشأن نشاطاتها السياسية، وكان يرى أن المرأة الجميلة تنتمي إلى البيت حيث تقوم بنشاطاتٍ نسائية كالطهو أو الحياكة أو التطريز، لا إلى الشارع حيث تخطب في الجماهير وتحرك جموعهم الهادرة ضد الحكومة الإنكليزية، أو إلى الاجتماعات التي تهدف إلى تحرير المرأة وإعادة صياغة الأدوار الاجتماعية. لم تكن مود لتحتمل تسلط ويليام ورغبته في السيطرة عليها والاحتفاظ بها لنفسه، ولم تكن لتهجر القضية الإيرلندية التي كرست حياتها لأجلها، أو نزواتها الشخصية التي ربطتها بعدد من الرجال ذوي الشخصيات المميزة حولها. لم تشأ مود أن يتملكها ويليام، لذلك رفضته. لسعادتها الشخصية، لا لسعادته.
بحلول عام 1916، بلغ ويليام بتلر ييتس الحادية والخمسين وقرر الزواج ليكون له وريث، غير أنه استبعد مود من حساباته هذه المرة، فمود بتاريخها الثوري المتطرف وسلسلة علاقاتها المضطربة وزيجاتها السابقة بالثائر الذي أُعدِم جون مكبرايد - الأمر الذي يجعل الاقتراب منها خطراً سياسياً - وإدمانها على الكلورفروم ليست أماً مناسبة لورثة ويليام بتلر ييتس. مع ذلك، شعر بأنه مدينٌ لها بأن يتقدم للمرة الأخيرة، وأمِل في أن ترفضه لأنه تقدم بسبب إحساسه بالواجب تجاهها في محنة إعدام مكبرايد وعددٍ هائل من الثوار، وتشريد آخرين ونفيهم - وهي منهم. الغريب أنه بمجرد رفض مود له، تحول اهتمامه إلى ابنتها إيزوِل غون التي كانت الثمرة الباقية من علاقتها الطويلة بالمفكر الفرنسي لوسيان ميليفوي، والتي كانت وقتها في الحادية والعشرين، أي أنها كانت تصغر ويليام بثلاثين عاماً كاملة. صدت إيزوِل ويليام، ورفضت عرضه الزواج منها بعد أن كان حبيب أمها، فتحول اهتمامه عن مود ودائرتها.
كان ويليام بتلر ييتس ذا اهتماماتٍ غريبة، فقد كان يؤمن بتحضير الأرواح والجان وما شابه ذلك، وفي واحدٍ من اجتماعات طائفته قابل جورجي هيد-ليز التي كانت في الثانية والعشرين من عمرها عندها، وتقدم لها بعد أشهرٍ قليلة من رفض إيزوٍل غون فقبلت الزواج منه رغم تحذيرات المقربين منها، وتزوجته بعد شهر لتنجب طفليه آن ومايكل. فيما بعد، أرسلت جورجي رسالة إلى زوجها قالت فيها: "عندما تموت، سيتحدث الناس عن علاقاتك الغرامية، ولن أقول شيئاً لأنني أعرف كبرياءك."
واصلت مود غون عملها السياسي بعد توقفها لفترة لتتعامل مع مشاكلها الشخصية، وفي 1918 اعتُقلت في دبلن وسُجِنت في إنكلترا لستة أشهر. ثم عملت مع الصليب الأبيض الإيرلندي خلال حرب الإستقلال الإيرلندية، وعارضت المعاهدة الإنكلو-إيرلندية في 1922 متحدثة باسم الجمهورية الإيرلندية والجمهوريين. ثم استقرت في دبلن لتواصل من هناك العمل على تحقيق ما أُعدِم مكبرايد ومكدوناه وكونلي وذُبحَ الآلاف لأجله: الجمهورية الإيرلندية المستقلة. بينما حصل ويليام بتلر ييتس على جائزة نوبل في 1923، واستقرت أحواله.
كان أقصى ما بلغته علاقة مود غون وويليام بتلر ييتس الغرامية ليلة واحدة في 1908، تذكرها ييتس بعد عشرين عاماً - قبل وفاته بزمنٍ قصير - في قصيدته: "رجلٌ شاباً وشيخاً":
"ذراعاي كعرشٍ ملتوٍ
ومع ذلك رقد الجمال هناك.
أول كل القبيلة رقدت هناك
وتلقت لذة هائلة.
هي التي كسرت هكتور العظيم
وجلبت الخراب على كل طروادة."
لم تكن هذه القصيدة أول قصيدة يُشبه فيها ويليام مود بهيلين طروادة، فبالنسبة له كان جمالها الآسر بخطر جمال هيلين الذي أدى إلى دمار طروادة. كانت فتنتها الأخاذة كفيلة بتحطيم بطل طروادة العظيم هكتور، وتدمير طروادة. كانت كفيلة بتحويلها إلى هاجس حياة ويليام ليتذكرها في شيخوخته المتأخرة بعد أن افترقا فراقاً باهتاً.
اقتران مود غون بهيلين طروادة في مخيلة ويليام بتلر ييتس يظهر مُبكراً، ويحضر في قصائده القديمة مثل قصيدته "ليست طروادة الثانية" التي ختمها بتساؤل:
"هل توجد طروادة أخرى لتحرقها؟"
مُشيراً - رُبما - إلى مناجاة فاوستوس الشهيرة لشبح هيلين في فاوستوس مارلو بمطلعها المتسائل في ذهول:
"أهذا الوجه الذي أجرى ألف سفينة
وأحرق أبراج إليوم الشاهقة؟"
قادت هيلين فاوستوس إلى ارتكاب خطيئته العظمى الثانية - والوحيدة - بعد بيعه روحه للشيطان. ورُبما كانت مود خطيئة ويليام التي أبعدته عن نفسه، وعرفته على عالمٍ رهيب الجمال، حيث الدم والخطيئة والموت. لكن مود لم تكن شبحاً سلبياً كهيلين، بل كانت امرأة من لحمٍ ودمٍ تمردت على شاعرها ورفضت أن تكون مجرد ظلٍ لأشعاره. ولم يكن ويليام - في كهولته - مستعداً للتضحية بمكانته في سبيل ناشطة سياسية ستجعل مستقبله على كف عفريت.
مع ذلك، أحب ويليام مود حتى آخر حياته، رغم أن الحياة نزعت عن حبه كُل ما يُمكن أن يكون باعثاً على المجد، ولم تُبقِ له إلا خرائب طروادة. أحبها وقدم لها أغلى ما يملك شاعر، أحلامه. أحلامه لتضمه وتضمها بعيداً عن الحياة الباردة القاسية.
"فرشت أحلامي تحت قدميك،
فدوسي برفق،
لأنك تدوسين على أحلامي."

الخميس، ٢ أبريل، ٢٠٠٩

أعزكم الله

يُقال - والعهدة على الراوي - أن مناطق عربية بأكملها لا تذكر كلمة امرأة ومشتقاتها إلا مردفة بتعبير: أعزكم الله، الذي يُستخدم لتنزيه المُستمع عما يُستقذر من أشياء وأفعال كالأحذية والحمامات وما يتعلق بها. ونتيجة لهذا التفكير المُعادي للمرأة، لا يزال أغلب نقاد الأدب مختلفين حول ماهية (الأدب النسائي) - قبل أن يتفوق عليهم الجيل الجديد من رواد الإنترنت ليُناقشوا ماهية (الأدب الذي يُسمح للمرأة بقراءته) - حيث تنطلق فرضية هؤلاء الأساسية من كون المرأة كائناً مُعاقاً فكرياً لا يستطيع القراءة والإبداع، وعليه فإن أي إنتاجٍ لهذا الكائن غير القادر على التفكير يوضع آلياً في خانة القطع التي تكتبها القردة على الآلات الكاتبة لدراسة محتواه بمعزلٍ عن المسار العام للفكر الإنساني بوصفه شيئاً خارجاً عنه.
والتدوين - البدعة الجديدة - جزء من المسار العام للفكر الإنساني، وعليه فإن أي نزعاتٍ تدوينية نسائية يجب أن تُدرس بمعزلٍ عن الإطار العام للتدوين بوصفها عجائب كقصائد القردة على الآلات الكاتبة. لذا يستفسر الجميع: لماذا تدون المرأة؟ وما الذي أضافته إلى التدوين؟ ولماذا كثيرٌ من المدونات النسائية عبارة عن دفاتر شخصية؟
تفترض هذه الأسئلة - التي لا علاقة لها بروح التدوين - أن المدونات الرجالية - بالمقابل - (ترش) الفائدة رشاً على زوارها، وأن كُل قارئ للمدونات الرجالية سيجد الأجوبة على كُل شيء، ابتداء من سؤال البيضة والدجاجة، إلى نظرية كُل شيء التي يحاول علماء الفيزياء العثور عليها كما حاول الخيميائيون قبلهم إيجاد حجر الفلاسفة.
كذلك، تفترض هذه الأسئلة أن المدونين مجموعة من الأقلام في جوقةٍ واحدةٍ، وأن كُل مدونٍ مسؤول عن بقية المدونات، وعن الخط العام للتفكير عند المدونين الآخرين. وتعكس نزعاتٍ قمعية تجعل جميع المدونين عُرضة للمحاسبة على محتويات مدوناتهم، وعلى أجناسهم وأنماط تفكيرهم واهتماماتهم وهواياتهم، بل وحتى اختياراتهم للألوان في مدوناتهم. بحيث يُصبح الجميع مجرد خيوطٍ بنية مهترئة مترادفة في نسيج واحدٍ مدعٍ.
المضحك في الأمر النساء أنفسهن، فهُناك تعطشٌ شديد من قبلهن لأن يعترف الرجال بهن يجعلهن يوافقنهم على كُل ما يقولونه ويدعونه، ويجعلهن يتقبلن التهميش والإخراج من المسار الفكري العام للإنسانية بوصفهن حالاتٍ شاذة ينبغي أن تُدرس بمعزلٍ عما حولها معنونة بلافتة: تدوين نسائي. إنهن مستعداتٌ لأن يمسخن أنفسهن، ويُغيرن أفكارهن ومعتقداتهن، ويزن آراءهن دوماً بميزانٍ رجالي، فقط ليحظين بإشادة رجالية: "والأخت [فلانة] من خيرة المدونات التي يعتز بها التدوين النسائي [الإسلامي]".
التدوين فعلٌ فردي. والعلاقات القائمة في المجتمعات التدوينية علاقاتٌ مبنية على الاختيار والتكافؤ، لا على التصنيف والتجيير، وحشر البيض كله في سلةٍ واحدة اسمها التدوين النسائي.
قريباً جداً، سيُطالب كل عابرٍ في مدونةٍ بإبداء بطاقة هويته للمساعدة في تقديم كشف حساب: كم عدد زوار المدونات النسائية من الرجال والنساء؟ كم عدد زوار المدونات الرجالية من النساء والرجال؟
طبعاً، ينبغي على كُل امرأة أن ترتدي خمارها حين تدخل مدونة رجلٍ، ويا حبذا لو ارتدت قفازين وجاءت بمحرمٍ إلى جوارها. أما الرجال، فينبغي عليهم غض البصر، والاستئذان قبل الدخول. وبالتأكيد، ينبغي على الطرفين تجنب كتابة "هههههه" وإلا كان مصيرهم جهنم وبئس المهاد.
مرحباً بكـ(ـن) في القرن الحادي والعشرين.