25 ديسمبر 2008

النجمة

بطاقة النجمة، تاروت صيني
سينتهي عام 2008 قريباً، ونظراً لكون أملي في الدنيا طويلاً بما فيه الكفاية لأتطلع إلى 2009، فقد أزعجني أن أودع 2008 وأستقبل 2009 بـ(مداس) - أعزكم الله -، ولذلك قررت أن آخذ اختباراً جديداً من اختبارات الشبكة السريعة التي تُحدد ما إذا كنت من أهل المريخ أو أهل زُحل (وهي اختبارات جدية جرى تطويرها في مختبرات درب التبانة، وما أن يتم الانتهاء من أعمال إنشاء طريق النجوم السريع حتى يتم توزيع المواطنين على الكواكب بحسب نتائج اختباراتهم). هذه المرة، عثرت على اختبار طريفٍ يُحدد ورقة التاروت التي تُمثلك.
لا أدعي الخبرة بالتاروت، لكنه من المواضيع التي تثير اهتمامي لمادته الأدبية الخصبة، وقد كان التاروت بطل رواية إيتالو كالفينو الشهيرة قلعة المصائر المتقاطعة التي تُروى بكاملها عن طريق أوراق التاروت. كما أن كارل يونغ - عالم النفس الوحيد الذي أظنه عاقلاً - كان مُهتماً بقراءة أوراق التاروت وتحليل رموزها في الوعي الجمعي - والعهدة على من قال هذا الكلام وإن كُنت لا أذكر من يكون -.
على أية حالٍ، اتضح أن الورقة التي تمثلني ورقة النجمة، وقد تكون بشارتي للعام الجديد - لحسن الحظ أنها ليست ورقة الموت أو الرجل المشنوق أو ما شابه -، ولحسن الحظ، اتضح أن هذه الورقة ورقة مهذبة:
النجمة
الأمل، التوقع، والوعود المشرقة.
النجمة واحدة من أعظم أوراق الإيمان وتحقيق الأحلام.
تنظر ورقة النجمة إلى المستقبل، ولا تتنبأ بأي تغيير مباشر أو قوي، لكنها تتنبأ بالأمل والشفاء. تكشف هذه الورقة وضوح الرؤية والتبصر الروحي. وفوق ذلك، مساعدة غير متوقعة تأتي قريباً بماء يروي العطش ونورٍ يضيء الطريق إلى المستقبل. قد تُوصف بالحالم، لكنك لست الحالم الوحيد في الدُنيا.
أعتقد أنني سأبحث في المعجم عن التبصر الروحي لأنها تبدو عبارة مطاطة إلى درجة تقترب من كلام المجانين - هذا بافتراض أن بقية العبارات ليست كلام مجانين -. على أي حالٍ، تبدو بشارة الورقة ساكنة بما يكفي، فأنا لا أحب المفاجآت والتغييرات الدرامية. ويبدو أنها تحمل وعداً بالأمل والشفاء والنور (وهذا يعني - بإذن الله - النجاح في مادة (أنتم تعرفون من) والتخرج بسجل نظيف - يا رب -، والانطلاق إلى عالمٍ جديد شجاع).
لقد وجدت نجمتي، والآن حان الرحيل.
يا نجم الشمال!
لو كان لي ثباتك،
ليس في وحشتك معلقاً في الليل ترقب - بأهدابٍ أبدية الفرقة
ككاهن الطبيعة الصبور الذي لاينام - حركة الماء في مهمته الإلهية
غاسلاً بالطهر شواطئ الأرض البشرية.
أو محدقاً في القناع الثلجي الناعم يغطي الجبال والوديان.
ليس هذا، بل ثباتك، طبيعتك التي لا تتغير.

13 ديسمبر 2008

فسحة من طنين

سأنهض الآن وأذهب، وأذهب إلى إيْنِيْسْفِري
وأبني - هناك - كوخاً من قشٍ ومن طين،
وأزرع تسعة صفوفٍ من البازلاء، وأرعى قفير نحلٍ،
وأعيش وحيداً في فسحةٍ من طنين.


11 ديسمبر 2008

عناوين

تقول القاعدة القديمة إن العنوان يجب أن يكون: "مُعبراً، مُختصراً وجذاباً". لذا، تُشكل كتابة العناوين مُهمةً صعبة يرى البعض - ولستُ منهم - أنها أصعب من مُهمة الكتابة نفسها. قد تصير العناوين مواقف تنفصل عن النص أحياناً، أو تعليقاتٍ إضافية، أو نصوصاً مقابلة. قد يستغني البعض عن العناوين أو يستبدلونها بالنقاط وعلامات الترقيم، وقد تتحول العناوين إلى موضاتٍ غريبة، فهُناك عناوين تزيد طولاً عن النص ذاته، وأخرى تُسمي أشياء لا علاقة لها بالنص من قريبٍ أو بعيد، وفئة ثالثة تهيم بعيداً في تراكيب لغوية معقدة ومختلطة - تدخل أحياناً في باب كلام المجانين -. لا أتحدث هُنا عن الصرعات العجيبة في إضافة علاماتٍ لا معنى لها إلى العناوين، فهذه لا تُناسب ذوي الذوق المُحافظ مثلي ممن يعتقدون أن هذه التعديات على اللغة تدخل في باب (المسخرة) - والمعذرة على التعبير الشديد -.
المزاج عاملٌ مُهم في انتقاء العناوين - بالنسبة لي -، وغالباً ما يكون العامل المؤثر في اختيار عنوانٍ - أو سلسلة عناوين - وتفضيلها على عناوين أخرى. وبالنظر إلى المدونة، أجد أن أنماط العنونة عندي قد تغيرت بتغير المزاج والنظرة إلى الكتابة بشكلٍ عام. في مرحلةٍ ما، كانت عناوين مواضيعي مُضبوطةً بالشكلِ بالكامل - وضبط الكلمةِ بالشكل بكاملها دليلٌ للنطق، أما ضبط آخرها بالشكل فعلامة إعراب، وضبط أولها في بعض الحالات علامة صرف - كما أنها كانت طويلةً إلى حدٍ ما. رُبما كان هذا الضبط الكامل بالشكل مُحاولة لاستلهام شكل النصوص التُراثية العربية في مُحاولة للخروج عن موجة الاغتراب اللغوي الحالية.

(رأى البعض في الآونة الأخيرة أن حركات التشكيل العربية تصلح لتزيين النصوص، فملأوا عناوين مواضيعهم وما يكتبونه بكُل حركات التشكيل من دون اعتبار صحة الشكل، مُخرجين التشكيل من وظيفته الأساسية كضابط للنطق والإعراب والصرف إلى مُجرد إضافاتٍ للبهرجة لا معنى لها ولا داعٍ.)

تراجعت حالة التشكيل عندي إلى حدودٍ دنيا وفق ما تقتضيه الضرورة اللغوية، وقد يرجع ذلك إلى تأثير مبدأ الاقتصاد اللغوي الذي أعتنقه منذ زمن، أو لإدراكي أن محاولة استلهام النص التُراثي تُعطي إيحاء مزيفاً أحياناً، ورُبما لأن شكل العناوين لم يرُقني - ببساطة -.

كانت العناوين طويلة، ثم قررت أن عليها أن تقصر. رُبما يكون طول عناوين أسباب التوقف عن الكتابة واحداً من الأسباب التي جعلتني أتوقف عن نشرها لفترة، بعد أن أزعجني عرض قائمة عناوين التدوينات في شريط علامات فاير فوكس. والآن، بعد أن صارت قائمة العناوين رشيقة، لم تصبح أفضل، فشكلها أجرد أعجف.

أعتقد أنني سأستمر في استخدام العناوين القصيرة ما أمكن عملاً بمبدأ الاقتصاد اللغوي، لأن الاقتصاد يُصادف هوىً في نفسي، غير أن العناوين الطويلة - في غير ادعاء - قد تعود لتظهر، أما تلك المضبوطة بالشكل بكاملها، فلا أحسبها تعود.

07 ديسمبر 2008

حدث اغتيال


لم تعد هوليوود تُنتج أفلام الويسترن بالوتيرة التي اعتادت عليها في عهودٍ سابقة، فالساحة قد أُخليّت لأفلام الفانتازيا والمُغامرة. لا يُزعجني هذا الأمر، فليست أفلام الويسترن من الأفلام التي تُثير اهتمامي. مع ذلك، لا يُمكن ألا أشاهد فيلماً عنوانه: اغتيال جيسي جيمس على يد روبرت فورد الجبان.
لا تحمل أفلام الويسترن - عادة - عناوين بهذا الطول تُخبر ما سيحدث بالضبط. سيُقتل جيسي جيمس على يد روبرت فورد - الذي يجزم العنوان بأنه (جبان) -، هذه خُلاصة الحكاية، والتفاصيل يرويها الفيلم. ليس عنوان الفيلم الخروج الوحيد عن المألوف في هذا النوع الفيلمي، فالمخرج أندرو دومينيك يختار لفيلمه رؤية روائية - وأصل الفيلم رواية بنفس العنوان للكاتب رون هانسن - تختلف عن طريقة إخراج أفلام الويسترن المألوفة، وتنحو منحىً سردياً أسطورياً، فيروي الفيلم بأكمله راوٍ كُلّي العِلم، يرسم شخصية جيسي جيمس الأسطورية ويروي كُل التفاصيل تمهيداً لحدث الاغتيال الذي يعرف المشاهدون أن روبرت فورد سيقوم به. تضيف موسيقى الفيلم إلى جوه الأسطوري وابتعاده عن نمط الويسترن المألوف. أغنيةٌ واحدةٌ فقط تنتمي إلى الويسترن تُغنّى في الفيلم، يُغنيها عازف غيتار متجول يُحيي ذكرى البطل الشعبي القتيل ويذم الجبان روبرت فورد. يُظهر التصوير السينمائي الجميل للفيلم جيسي جيمس كمخلوق أسطوري، ويُحول المشهد العام الذي تجري فيه الأحداث إلى احتشادٍ لأحداثٍ ما ورائية تُغير نظام العالم بأكمله.
رغم التصوير الأسطوري لجيسي جيمس - أحد أشهر الخارجين عن القانون في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية - الذي "تُبطئ الساعات في حضوره"، إلا أن الفيلم يعرض الوجه (غير) الأسطوري له، فيُظهره مُجرماً لا يهتم سوى بمكاسبه الشخصية - ستحوله الأسطورة الشعبية إلى روبن هود بعد اغتياله - ومصاباً بجنون الارتياب لا يتورع عن قتل أصدقائه غدراً، ويُظهر غروره المُتضخم ووعيه بتأثيره الشديد على من حوله، وطبيعته المُتنمرة.
يروي الفيلم تفاصيل تعارف روبرت فورد وجيسي جيمس الذي استمر خمسة أشهر. بدءاً من ديسمبر 1881، حين انضم روبرت فورد إلى العصابة للمشاركة في السطو على قطار بلو رين. يرفض فرانك - الأخ الأكبر لجيسي وشريكه في زعامة العصابة - قبول فورد لأنه ثرثار وجبان، بينما يقبله جيسي لأنه يُرضي غروره. ينضم فورد للعصابة ليكون قريباً من بطله جيسي جيمس الذي يقرأ مغامراته بشغف في كُتب المغامرات الرخيصة. يُقر جيسي بأن كثيراً مما كُتب عنه ليس حقيقياً، لكن هوس فورد به يُعميه عن رؤية حقيقته بداية الأمر، حتى ينقلب الحُب عداء، ويقتل فورد جيسي في ابريل 1882. ثم يروي الفيلم بسرعة حياة فورد بعد مقتل جيسي جيمس حتى مقتله هو الآخر على يد متعصبٍ مُحبٍ لجيمس يُريد أن يُعرف بأنه (الرجل الذي قتل الرجل الذي قتل جيسي جيمس).
إيقاع الفيلم بطيء، وطريقته في تقديم الشخصيات والأحداث دائرية، تمر في الزمن جيئة وذهاباً لتُهيء مشهد الاغتيال وما يليه، وتُقدم الطبيعة المضطربة لشخصية روبرت فورد الذي ينتقل من مرحلة تأليه جيمس إلى فُقدان الإيمان به، ويكتسب ثقة بنفسه يستعيرها من قتله لابن عمة جيمس الذي كان يحاول قتل ديك ليديل - عضو آخر في العصابة - في منزل أخته - فورد -. ثُم سعي جيمس لاكتشاف مصير ابن عمته، والعثور على من يُحاول قتله - لن يظهر المُخطط المزعوم لاغتيال جيمس تأكيداً لثيمة البارانويا التي تُصيب جيمس وتجعله خطراً على من حوله -.
يُقرر فورد أن يُسلم نفسه للسلطات التي جدت في البحث عن أفراد عصابة جيمس، ويُسلم ديك ليديل لهم، ليُفاجأ بأنه قد عقد صفقة مع الحاكم صار بموجبها رجلاً حُراً بعد أن أقر بكُل ما طُلِب إليه الإقرارُ به. يُطلب من روبرت فورد أن يقتل جيسي جيمس، ويوافق مُقابل جائزة. حين يأتيه جيمس في محل البقالة الذي يعمل فيه، يُخيل إليه أن أمره قد اكتُشِف، لكن جيمس يأخذه إلى منزله وشقيقه تشارلي ليُعيد تكوين العصابة. مع ذلك، يشتبه جيمس فيهما طوال الوقت، ويُهدد روبرت بكُل طريقة مُمكنة، حتى أنه يتمشى في المدينة بمسدسه ظاهراً. يكتشف جيمس أن ليديل قد اعترف بكُل شيء، لكنه لا يستطيع قتل الأخوين فورد في منزله بوجود زوجته وطفليه، فيُسلم آخر الأمر ويرتكب ما يُشبه الانتحار بسماحه لروبرت بقتله وكأنه هدفٌ للتصويب.
بعد ذلك، يُعيد فورد تمثيل جريمته مئات المرات على مسرحٍ في نيويورك، ويقود تكرار فعل الخيانة اليومي أخاه تشارلي إلى الانتحار. يُفاجأ فورد بأن الجميع يعتبره جباناً، وأنه - رغم كونه أكثر شهرة من الرئيس - ممقوت من عامة الشعب، فيما تحول جيسي جيمس إلى بطلٍ شعبي، وبيعت صوره بعد موته، كما بيع بيته وحُوِل إلى متحفٍ للغرائب، وصار جيمس آخرَ في الأغاني التي تروي كيف قتله فورد الجبان غيلة.
إيقاع الفيلم روائي إن جاز التعبير، ويعتمد على التقاط التفاصيل الدقيقة لحالة روبرت فورد النفسية والعقلية قبل الاغتيال وأثناءه وبعده، ومقابل حالة فورد النفسية، يُركز الفيلم على الظاهر من سلوك جيسي جيمس العدواني والمتنمر الذي يتحول في النهاية إلى تسليمٍ بالموت القادم بسكينةٍ وطمأنينة من سئم مماطلة القدر. يتظافر التصوير والنص والموسيقى والأداء التمثيلي ليُقدم تأملاً فلسفياً رائعاً في النفس البشرية، ونظرة عميقة في تعقيدات العلاقة بين فورد الذي تمرد على بطله جيمس وقتله ليُخرجه من أسطورته، فما زاد على أن غلف أسطورة جيمس بطابعٍ بُطولي لا يُمس وحوله إلى شهيدٍ قتله أحد رجاله مقابل ثلاثين فضة، ودمر حياته لأنه إذ قتل بطله، لم يستطع أن يُحِل نفسه محله، أو أن يكون أسطورته، فأمسى مذموماً مهجوراً، وكان أسوأ من الكُره الشعبي مُستنقع الحيرة والتشوش الذهني الذي أوقع نفسه فيه، فروبرت فورد - آخر الأمر - لم يعد يذكر السبب الذي قتل من أجله جيسي جيمس، ويشتبه في أن جيسي جيمس هو الذي أمره بفعل القتل. لو أنه قاتل، أو لو كان مُسلحاً - على الأقل - لأمكن أن يكون قتله نصراً، لكن الحال أن روبرت فورد هزم نفسه، وفي محاولته للنضج وتجاوز مرحلة الطفولة، حبس نفسه في ظل الرجل الذي اغتاله ليصير: "الرجل الذي قتل جيسي جيمس" ليس إلا.
أداء كيسي أفلك في دور روبرت فورد جميلٌ، يستحق عنه كُل ترشيحٍ لجائزة وكُل جائزة نالها. كان براد بيت مُرتاحاً في دوره، واعياً بأنه براد بيت، وقدم جيسي جيمس يعي كونه أسطورة، لكن أسطورته تنهشه من الداخل. جاء إخراج أندرو دومينيك مُتميزاً لفيلم يتجاوز كونه فيلم غربٍ عادي ويتحول إلى كونٍ من الدلالات الميتافيزيقية والفلسفية والنفسية، دعمه في ذلك التصوير السينمائي الذي لا يُقدم لقطة واحدة دون دلالة، والموسيقى التي خرجت عن إطار الغرب لئلا يحدها قيدُ زمانٍ أو مكان.

الفيلم من إخراج: أندرو دومينيك، إنتاج: وورنر بروز، بطولة: براد بيت (جيسي جيمس) وكيسي أفلِك (روبرت فورد)، موسيقى: نيك كيف ووراين إليس.

03 ديسمبر 2008

الريح الغربية

أيتها الريح الغربية العاصفة!
يا روح الخريف: تفرُ الأوراق الميتة
من حضورك اللامرئي فرار الجن من الشيخ القارئ.
[صفراء، وسوداء، وشاحبة، وحمراء محمومة
مشوهة بالبلاء] تسوقين البذور المجنحة إلى
أسرتها الشتوية المظلمة، حيث ترقد باردة
- كلٌ كجثة في قبرٍ - حتى تنفخ أختك الآزورية
الربيع بوقها في الأرض الحالمة (تقودين
البراعم العذبة كالقطيع لترعى في الهواء)
وتُحيي السهوب والتلال بألوانٍ وعطورَ.
روح جامحة، تهبين، في كل مكان،
مُدمرةً وحافظةً. اسمعي! اسمعي!

01 ديسمبر 2008

أفعال ذبح!

قد يوجد من يعتبر الفن الرقمي السائد في هذه الحُقبة أوضح تجسيدٍ للقُبح والعُنف. وقد يُخيّل للمرء أن الرسم لم يصل في تصوير العُنف الحد الذي وصله في الرسم الرقمي، غير أن تصوير العُنف في الرسم قد بلغ ذروته في عصر الباروك مع لوحتي الرسام الإيطالي كارافاجيو وتلميذته الإيطالية أرتيميسا جينتيلسكي عن جوديث الأرملة اليهودية التي ذبحت هولوفيرنس قائد جيش الملك البابلي نبوخذ نصر لحماية شعبها في التُراث اليهودي. تُصور هاتان اللوحتان فعل ذبح هولوفيرنس تصويراً عنيفاً بالمقياس الكبير - كما هو كُل شيء في عصر الباروك -، وتخلقان ردة فعلٍ رافضة عند المُتلقي الذي يُروعه منظر الذبح للوهلة الأولى.
تؤدي اللوحتان معنى أكبر من إيصال فعل ذبح هولوفيرنس، وتنفتحان على تأويلاتٍ عديدة تختلف باختلاف المُتلقين، واختلاف المنظور الذي يتلقون العمل به، ومن المُقاربات الشهيرة لقراءة اللوحتين المُقاربة الجنسانية التي تنظر إلى الاختلافات بين لوحتي كارافاجيو وجينتيلسكي باعتبارها اختلافاتٍ في تفسير الدور الاجتماعي للرجل والمرأة، فتُمثل لوحة كارافاجيو منظوراً ذكورياً أبوياً لدور المرأة الاجتماعي، حيث أن جوديث - الهشة والضعيفة - غير قادرة على قطع رأس هولوفيرنس (الذكر صاحب السلطة) - وغير راغبة في ذلك - من دون التدخل الإلهي الذي جعلها مُجرد أداة قتل ليُذل بها هولوفيرنس - الذي أدرك أن الله غلبه فرفع بصره إليه غير آبهٍ بمن يقتله - بذات المبدأ الذي يقول إن الله خلق الذُباب ليُذل به جباري خلقه. بينما تعرض لوحة جينتيلسكي منظوراً نسوياً مفاده أن جوديث قادرةٌ على ذبح هولوفيرنس (الذكر صاحب السلطة) من دون تدخلٍ إلهي، وأنها (فاعل) وليست مُجرد (أداةٍ) لفعل الذبح الذي يُمثل - رغم شناعته - صورة من صور التمرد على المجتمع الأبوي المُتسلط، وعلى تهميش النساء وتنميط أدوارهن واختزالهن إلى مُجرد أدواتٍ.
إضافة إلى تمرد منظور جينتيلسكي الأنثوي، يكشف تمثيلها لمشهد ذبح هولوفيرنس عن مُراجعةٍ لمفاهيم كارافاجيو الفنية، ونظرته للمرأة، وتفسيره للأسطورة، في ما قد يوصف بأنه تعقيب التلميذ على أقوال أستاذه، وتفنيده لها بعد أن هضمها، وجينتيلسكي واحدة من الفنانين الذين يُعرفون بالكارافاجيين - نسبة إلى كارافاجيو - وورثت هذا التأثر بكارافاجيو عن أبيها الرسام أورازيو جينتيلسكي.
يُوجد مُبررٌ للقول بإن تصوير جينتيلسكي لجوديث على أنها امرأة ممتلئة، قوية وشابة أقرب لواقع الحال، فالقصة اليهودية تقترض أن جوديث أرملة، بينما تكوين جوديث الجسماني ضئيلٌ وهش، ووجهها وجه فتاةٍ مُدللة صغيرة يُروعها ما يجري - كما هو التصوير التقليدي للعذراء الهشة في الفن - في لوحة كارافاجيو. يفترض الرائي ترمل جوديث بسبب عنوان اللوحة ومعرفته المُسبقة بالأسطورة، لكن اللوحة نفسها لا تُقدم ما يوحي بترمل جوديث، بل تُقدم - على العكس من تصور الأرملة - عذراء يافعة هشة. كذلك، فإن القصة - إذ تُخبر بوجود خادمة تُرافق جوديث إلى معسكر الأعداء - تُهمل ذكر عُمر الخادمة، فيختار كارافاجيو أن تكون عجوزاً أحنتها السنون، لا تصلح للمشاركة في جريمة قتل - حتى بتدبير الرب - بل لمُرافقة عذراء شابة لتتأكد من حفاظها على فضيلتها، أو لمُرافقتها إلى مخدع زفافها.
يؤكد كارافاجيو تفسيره الخاص للأسطورة بابتعاد جوديث المتأففة عن هولوفيرنس في صدمة وتقزز، واقتراب خادمتها منها كأنها تُملي عليها ما تفعله. في مُنتصف اللوحة ستارة حمراء تغيب عن لوحة جينتيلسكي، وتُؤكد فكرة الزفاف التي يُجسدها كارافاجيو، كذلك فإن نمط انتشار الدم النازف من عنق هولوفيرنس ولونه غير واقعي - خلافاً لعناصر اللوحة الأخرى - مما يوحي بأنه يرمز بالدم والستارة لأشياء أخرى، ويُعطي انطباعاً بأن جوديث إنما تذبح هولوفيرنس حفاظاً على (طهارتها) التي أُمرَت بالحفاظ عليها، وهولوفيرنس يعرف أنه تعدى على ما ليس له، لذا يشخص ببصره إلى السيد الأكبر، لا إلى الخادمة التي قتلته بناء على أمره لها بالحفاظ على فضيلتها.
تختار جينتيلسكي أن تكون خادمة جوديث في لوحتها شابةً تُقاربها عُمراً، ما يعني تآمر الاثنتين لقتل هولوفيرنس، وهذا أقرب للواقع من قيام جوديث هشة ضئيلة بذبح قائد جيش الأعداء وحيدة دون عونٍ إلا من عجوز تعطيها التوجيهات. جوديث كارافاجيو (أداةٌ) لتنفيذ مشيئة أكبر، بينما جوديث جينتيلسكي (فاعلة) - أياً كان مُبرر الفعل العنيف - تشترك في الفعل مع خادمتها التي جاءت لتُعينها على تثبيت الجُثة العملاقة للرجل الثمل. كلتاهما شابتان قويتان، وتكوين جوديث الجسدي يوحي بأنها أرملة عرفت الحياة، وكان لها رجلٌ صارت بعده مسؤولة عن عائلة. لذا فإن ذبح هولوفيرنس لا يُثير فيها شعوراً يفوق ما يُثيره ذبح حيوانٍ ضخم الجثة لإطعام الأطفال الزاعقين طلباً لما يأكلونه. عرفت جوديث الحياة والشقاء، لذلك لا تتظاهر، ولا تشعر بالتقزز، ولا تتلقى التعليمات من خادمة عجوز أو تنفذ مشيئة لا تعود لها. جوديث تفعل ذلك بإرادتها، لأن هذا واقع الحال، فإنها إن لم تذبح هولوفيرنس، ذبحها هو وذبح أبناءها. لا ضغائن شخصية، لكن الوضع يُحتم أن تذبحه قبل أن يذبحها.
بساطة مفهوم جوديث وخادمتها للذبح يظهر في بساطة خلفية اللوحة وخلوها من أي ستائر، لا إيحاءات ولا ترميزات هُنا، فالأمر في غاية البساطة: نحن نذبح رجلاً هُنا. يُصارع هولوفيرنس لحياته، لكنه لا يستطيع التغلب على المرأتين، وسيف جوديث جينتيلسكي الكبير يحتز عُنقه - فجوديث جينتيلسكي قد ذبحت من الحيوانات ما يكفي لتعرف أن (ثوراً) كبيراً مثل هولوفيرنس يحتاج أداة كبيرة لقتله، أما جوديث كارافاجيو فأداة جاهلة لذا تستخدم سيفاً أصغر بكثير - محولاً محاولاته لصرع المرأتين إلى آخر نزعات الروح كحيوان ذبيح يخور قبل أن يسقط، ويصبح غداء لعائلة كبيرة العدد قوامها أطفال وعجائز كثيرو الشكوى.
تدرس جينتيلسكي الشخصية بشكلٍ مُفصل في لوحةٍ أخرى تصور مشهداً مختلفاً في الموضوع نفسه - جوديث تذبح هولوفيرنس - مُقدمة تفاصيل تكوين جوديث وخادمتها البدني المُتقارب. جوديث جينتيلسكي امرأة جميلة لكنها ليست هشة البُنية كما هي جوديث كارافاجيو، جسدها قوي وممُتلئ، وشعرها مسرح كربة منزل عادية - بينما تلف خادمتها رأسها بتواضع - والعامل المؤثر في اللوحة شبابها وقوتها وتعاملها مع مهمتها بشكلٍ عادي. لقد جاءت مع خادمتها لذبح هولوفيرنس، وذبحتاه، وحملتا رأسه في السلة. تحمل الخادمة السلة الدامية، بينما تحمل جوديث السيف على عاتقها، وتلقي نظرة على المشهد الذي تركته - الجثة عديمة الرأس - محاولة التأكد من عدم وجود من يتبعها وخادمتها. يد جوديث على كتف الخادمة توحي بأنها تهون عليها وتستحثها المسير، فالطريق إلى البيت طويل، وفي السلة رأسٌ يجب أن تصل. وضعية السيف ومسكة جوديث له توحي بعزيمتها واستعدادها لتكرار فعلتها للخروج من المعسكر، كما يوحي المشهد بحيويتها وخفتها، وتدفق الحياة فيها. ألوان المرأتين وثيابهما نابضة بالحياة، بينما يقبع الرأس الذي احتزتاه في السلة - كقطعة لحم عادية - شاحباً وخالياً من الحياة، ومن أي لمحةٍ إنسانية. رأس العدو/ السلطة/ الأب/ الذكر المُهيمن ليس إلا قطعة لحمٍ فارغة من الحياة عاطلة عن القيمة، تُناقض حيوية المرأتين الشابتين واستقلالية جوديث وتدفق الدماء في عروقها. ليس في موتِ هولوفيرنس ما يُحتَفَى به، لكن جوديث اختارت أن تقوم بفعل القتل مع شريكتها وخادمتها، وفي هذا الاغتيال، لم تُنقذ جوديث شعبها فحسب، بل اغتالت السُلطة الأبوية، نازعة عنها كُل هيبة.
منظور جينتيلسكي ثوري - حتى بمقاييس هذه الأيام - يفترض أن المرأة صاحبة القرار والإرادة، وأنها لا تحتاج إلى تدخلٍ إلهي لتنفيذ مُهمتها، كما أنه ينزع الهيبة عن السُلطة الأبوية، ويُجرد المُقدسات الذكورية من قُدسيتها على أيدٍ أنثوية اعتادت العمل في الحقل والمطبخ، وعلمتها الطبيعة الأرضية التي التصقت بها ألا شيء مُقدس ومُهاب، وأن اليد التي تهز المهد تقدر على أي عملٍ لحفظ هذا المهد، من دون أي احتفاليةٍ ذكورية مُبالغِ فيها تجهل كُل شيء عن بساطة دورة الطبيعة.

22 نوفمبر 2008

تجمدت

عيناك تريان ما تريده
ولا يُمكن للحياة أن تكون ما تريده
تجمدت
حين لم تفتح قلبك

ما تكسبه، يشغلك
وقتك ضائع بين كرهٍ وندم
انكسرت
حين لم تفتح قلبك

لو أمكنني أن أذيب قلبك
ما كنا لنفترق
هبني نفسك
ولا تقبض المفتاح

الآن لا معنى للومٍ أو ندم
ما تعانيه، أعانيه
إنني إذ خسرتك
فإن قلبي قد انكسر

الحب طائرٌ يلزمه أن يُحلق
دع كُل أذىً في داخلك يموت
وإلا
تجمدت
إذ لم تفتح قلبك

20 نوفمبر 2008

هذه غابته

هذه غابته. - الذي أظنني أعرفه -
مع أن بيته في القرية
هو لن يراني متوقفاً هنا
لأشاهد غابته تمتلئ بالثلج.

لا بُد أن حصاني الصغير يراه غريباً
أن نتوقف وليس هُنالك بيتٌ قريب
بين الغابة والبحيرة المتجمدة
في أظلم ليالي السنة.

يهز لجامه ليسأل:
ما الخطب؟
ولا صوتَ آخر غيرَ هبوب ريحٍ خفيفةٍ
وتساقطِ نُدفِ الثلج.

الغابة جميلة، مظلمة وعميقة.
لكن هُناك وعوداً لأحفظها
وأميالاً لأقطعها قبل أن أنام
وأميالاً لأقطعها قبل أن أنام

18 نوفمبر 2008

بارانويا شمالَن - 3


سيدة في الماء
فاز شمالَن بجائزتين عن هذا الفيلم الذي سقط بشكلٍ مدوٍ، جائزة التوتة الذهبية لأسوأ ممثل مساعد، والتوتة الذهبية لأسوأ مُخرج. يرى البعض أن أكبر أسباب فشل الفيلم المساحة التي أخذها شمالَن فيه ليُمثل كواحدٍ من الشخصيات الرئيسية في الفيلم، بعد أن لم يعد الظهور العابر كافياً له.
الفيلم فانتازيا عن حارس مبنى يكتشف سيدة لا يعرف هويتها في حوض السباحة الخاص بالمبنى، تخبره أن اسمها ستوري (قصة) وأنها قادمة من عالم الماء لتُحذر البشر وتروي قصة. يحاول الحارس مساعدتها بإيجاد كاتبٍ يروي القصة، ويلجأ لمستأجر اسمه فيك (شمالَن) يعيش مع أخته أنا ويُعاني من اكتئاب كتابة. ثم تتعقد القصة ليحاول فيك كتابة كتابٍ يُغير العالم، وترحل سيدة الماء بعد أن حذرت البشر من أطماعهم وحيواتهم الدنيوية، ونسيانهم لبراءة الطفولة، ولعذوبة القصص الأولى.
نال الفيلم تقريعاً لاذعاً من النقاد مُذ عُرض، وخصوصاً فيما يتعلق بتمثيل شمالَن فيه، فكتب الناقد السينمائي مارك كيرمود عنه: "الأمر يُشبه أن يصب أحدهم البترول فوق رأسه ثم يُشعل النار في نفسه". انتُقد تدخل شمالَن في الفيلم بشراسة، وقيل إنه استخدم الفيلم كأداةٍ لتلميع ذاته، فلم يكتفٍ بدورٍ هامشي كالعادة، بل اختار نفسه ليُمثل دور كاتبٍ صاحب رؤية تُغير العالم بأكمله. بينما سخرت مانولا دارجس من النيويورك تايمز قائلة إن الشيء الوحيد الذي تُريد مخلوقات الماء أن تُسمعه للبشر هو مدى عظمة شمالَن وقدرته على تغيير العالم والأشياء الرائعة التي يفعلها.
مر الفيلم مُروراً عابراً في شُباك التذاكر، ومع التمزيق النقدي له، يكاد الفيلم لا يلقى من أعجب به باستثناء قلةٍ من معجبي شمالَن وبطل الفيلم الممثل بول جيامتي. كما أن دلالاته الفكرية قد اختفت تماماً وراء انعطافات الحبكة ومحاولات شمالَن إظهار نفسه ممثلاً بارعاً، ورؤيوياً. الفيلم بأكمله غير مصنوع بشكلٍ يُمكن المرء من أن يأخذه بشكلٍ جدي رغم وجود لحظاتٍ جيدة فيه. وفيه تأخذ بارانويا شمالَن منُعطفاً خطيراً نحو جنون العظمة الذي لم يكن ثيمة رُعبٍ شهيرة من قبل، لكنه ثيمة كارثية تُلازم سقوط العقول المُفكرة.
الحدث
فيلم شمالَن الأخير في 2008 أولُ فيلمٍ له يحصل على تصنيف R (للكبار فقط) وذلك لمحتواه العنيف جداً، ولعرضه مشاهد قتلٍ وتمزيق بشكلٍ مُفصل. في "الحدث" تعود البارانويا لتكون السمة الرئيسية، وهذه المرة يكون العدو الهواءَ الذي نتنفسه.
يبدأ الفيلم بأناسٍ يفقدون فجأة صلتهم بالواقع حولهم، ثم بسيدة تغرس مشبك شعرها في عُنقها مُنتحرة، ثم ينتقل المشهد إلى عمارة تحت الإنشاء يبدأ العمال فيها بالتساقط من الأدوار العُليا مُنتحرين، فيما يعم وباء الانتحار نيويورك. بعدها تنتقل الأحداث إلى فيلادلفيا - مدينة شمالَن المفضلة - حيث يُتابع الناس بفضول ما يجري في نيويورك، وتُحذر الحكومة الناس من هجومٍ إرهابي بالغاز يجعل الناس يلجأون إلى أقرب وسيلة لقتل أنفسهم، قبل أن يبدأ الوباء في الانتشار في الولايات التي تُشكل ما يعرف بحزام نيو إنكلاند - (حزام الكوارث) كما يُسميه النقاد - ويبدأ البطل رحلة هروبٍ بزوجته وابنة صديقه الحميم - الذي ينتحر أيضاً - من هذا الوباء الغريب، وفي الطريق يُصادف مراهقين يصطحبهما معه في رحلته. الوباء يُحاصرهم من كُل جهة، والمُدن جميعها منكوبة. في الاستراحات القليلة التي يتجمع فيها الهاربون تُعرض أشرطة مصورة بشعة تُظهر حارس حديقة يستثير الأسود لتأكله، وآخرين ينتحرون بطرقٍ بشعة. أمٌ تتحدث على الهاتف مع ابنتها في ولاية أخرى ضربها الوباء، الابنة مذعورة لأن الناس ماتوا، نافذتها مفتوحة، يتسرب الهواء، تقفز الابنة تاركة الأم على الخط.
يتلاشى احتمال الهجوم الإرهابي، وشيئاً فشيئاً يتأكد للبطل والهاربين معه أن النباتات تُطلق غازاً يؤثر على الأعصاب متى ما أحست بتجمع عددٍ من الناس، ويبدأون في الارتياب بمن حولهم من الأفراد الذين قد يكونوا على صلةٍ بجنون النباتات، ثم بالهواء نفسه الذي يحمل الموت بأبشع الطرق. تُجبر هذه البارانويا البعض على الاشتباه في الجميع، فيرفض مجهولٌ في منزلٍ وسط الغابة إيواء الفارين، ويقتل المُراهقين ببندقية. الجميع مصدر ريبة في هذا الفرار المحموم بمن فيهم سيدة تستضيف البطل وزوجته وابنة صديقه لليلةٍ عندها وتضطهدهم، قبل أن يُصيبها الوباء عند خروجها صباحاً لتعليق غسيلها، فتطرق أبواب المنزل وجدرانه برأسها - تقنية شمالَن المفضلة - قبل أن تكسر النافذة برأسها.
يبقى الأبطال الثلاثة مُحاصرين في منزلين مُتقابلين، ثم يُقررون أن يخرجوا جميعاً ليلاقوا موتهم الذي تحمله الريح، لكن الوباء يتوقف فجأة كما بدأ، ولا يعرف أحدٌ لماذا بدأ، ولماذا انتهى. لتبدأ التكهنات حول تأثير النباتات، وحول تجارب حكومية سرية رهيبة، وحول هجماتٍ إرهابية مُتلاحقة، لكن أحداً لا يعرف حقاً لماذا جُن الهواء وجُنت النباتات.
يضرب الوباء فرنسا في نهاية الفيلم، مشيراً إلى أن النبات سيواصل انتقامه من الإنسان، وأن الطبيعة ستذيقه ما أذاقها بمدنيته الوحشية.
الفيلم مليء بالترقب، لكنه أضعف أفلام شمالَن - حتى الساعة - لدرجة أن النقاد وصفوه بأنه التوقيع على وثيقة سقوط مُخرجٍ عظيم. تصوير الريح والترقب كان جيداً، لكن المُبالغة في العُنف لم تخدم الفكرة، كما أن التأثير الذي يُخلفه الفيلم يقل عن متوسط. مرتبة الفيلم في سلسلة أفلام البارانويا الخاصة بشمالَن كالمرحلة النهائية من المرض، الجنون التام، الذي بدأ بالتدريج في "الحاسة السادسة" و"الذي لا يُقهر"، ثم اشتد في "الإشارات" و"القرية"، واختلط بجنون العظمة في "سيدة في الماء" ليصل إلى مرحلةٍ ميؤوسٍ منها تماماً في الفيلم الأخير "الحدث" الذي لا يُقدم تفسيراً، ولا أملاً، وفي الوقت عينه يبدو خاتمة منطقية ومُقنعة لما سبق.
جميع (المُرعبين) ينقلون كوابيسهم إلى جمهورهم في مُحاولة للتطهر منها، ومحاولة شمالَن للتطهر من الكوابيس التي لاحقته - الكوابيس ذات العلاقة بالدق على الأبواب والوحوش المُصرة على إيقاع الأذى - قادته والمشاهدين إلى سقوطٍ شبيه بسقوط البطل في التراجيديا الإغريقية. فيلمه الأخير يقول بوضوح إن على شمالَن أن يتخلى عن البارانويا مستقبلاً ويستكشف ثيماتٍ فنية جديدة في المُستقبل وإلا فإن "الحدث" سيظل التوقيع على وثيقة سقوطه، وسيكون ما يلي محاولاتٍ هزيلةٍ لاستعادة ما قد مضى.

16 نوفمبر 2008

بارانويا شمالَن - 2



الذي لا يُقهر
يُحاول شمالَن إضفاء العُمق على موضوعاته مهما كانت، فيُشير إلى كون أنماط الشخصيات في سلاسل الرسوم الهزلية مستلهمة من كائنات فائقة سكنت الأرض في أزمنة سحيقة وحافظت على توازنها، التوازن الذي يقع في أقصى طرفيه "الذي لا ينكسر" (البطل) و"سهل الانكسار" (الشرير)، الأبيض (البطل) والأسود (الشرير). كما أنه يختم عمله الثاني في سلسلة أفلامه الخوارقية "الذي لا يُقهر" بتفسير شبه منطقي للأحداث بوصف إلايجا إرهابياً مجنوناً يقتل الناس ليُثبت نظريته عن الطرف الآخر المقابل له، مع أنه من الصعب أن يقوم إلايجا بتدبير كُل هذا بينما لا يستطيع مغادرة كُرسيه المتحرك إلا ليعود إليه، ولا يملك أي صلاتٍ قد تُسهل له تنفيذ مآربه.
كالعادة، زواج حارس الأمن ديفد دن (بروس ويليس) منهار، وابنه يُصدق أنه بطلٌ خارق لا يُقهر قبل أن يصدق هو ذلك، فالأطفال أكثر تقبلاً للخوارق من الكبار، ولأجل ابنه فإن ديفد دن يُقرر (تحقيق قدره) والتحول إلى بطلٍ خارق يُحارب الجريمة، ويُنزل الهزيمة بالأشرار. ككُل الأبطال الخارقين، لدن نقطة ضعفٍ واحدة، الماء، فهو لا يُجيد السباحة، ويكاد يخسر ابنه لهذا السبب. كما هي العادة، يستعيد دن عائلته ويجمع شتات حياته المُبعثرة.
رغم أن فيلم "الذي لا يُقهر" ليس فيلم رُعب، بل فيلماً عن ظواهر خارقة، إلا أن شمالَن لا يتخلى فيه عن لعبته المفضلة، الأبواب الخادعة والإضاءة الخادعة ليُوحي للمشاهدين بوجود شيء مُرعبٍ في هذا الجو الخوارقي، شيء أكثر من مجرد الغرابة المثيرة للقشعريرة التي تُعمقها ألوان الفيلم المُنتقاة لتعكس صورة عميقة كثيرة الظلال عن حياةٍ تكاد تخلو من النور.
الإشارات
شمالَن مُخرج أفلام خوارق أثبت علو كعبه في فيلمين من أفلامها، واحدٍ عن الأشباح والآخر عن الأبطال الخارقين، فلماذا لا يُجرب مجالاً آخر للخوارق؟ الخيال العلمي يوفر فرصة لا مثيل لها لكُل مخرجي الخوارق الراغبين في تقديم أفلام رُعبٍ تحبس المُشاهد في دائرة بارانويا قاتلة، فالأعداء موجودون، لكننا لا نعرف شيئاً عن نواياهم، وهم عدائيون تجاهنا مع أننا لا نعرفهم. هؤلاء الأعداء قادمون من الفضاء في مُهمة عدوانية لأخذ كُل ما هو لنا، في ثيمة كان إتش. جي. ويلز أول من تعامل معها في روايته "حرب العوالم" التي حولها ستيفن سبيبلرغ فيما بعد إلى فيلم في 2005.
القصة الرئيسية عن قسيس يتخلى عن إيمانه بعد موت زوجته بطريقة مُروعة محشورة بين شاحنة وشجرة. موت الزوجة المأساوي قلب القسيس ضد إيمانه فتخلى عن أبرشيته وتفرغ لمزرعة الذُرة الخاصة به، وللعناية بولديه وأخيه الأصغر الذي كان يُبشر بلاعب بيسبول متميز لولا أنه يُلوح بمضربه أكثر مما ينبغي. ابنه الأكبر يُعاني من الربو، وابنته الصغرى ترى أخاها ميتاً. في مزرعته تظهر دوائر هائلة وسط نباتات الذُرة، يرى ولداه أنها إشارات من مخلوقاتٍ فضائية تُحاول رسم خرائط جوية لمُساعدة رفاقها على الوصول إلى الأرض بسلام. ولداه مقتنعان بأن المخلوقات موجودة في منزلهم بالذات، وشيئاً فشيئاً يقتنع أخوه بذلك، لكنه يرفض الاقتناع بوجودها حتى يتأكد من ذلك عندما يُقابل أحدها في منزل راي ريدي (شمالَن) الذي صدم زوجته بشاحنته وقتلها، فيُصبح عليه أن يحمي أولاده من خطر هذه المخلوقات العدائية التي تحتل الأرض وتنقل إشارتها الأرضية إلى السماء. تُحاصرهم المخلوقات في العلية، حيث يستمتع شمالَن باستعراضٍ لتقنية البارانويا المفضلة عنده: الطرق على الأبواب والجُدران. فالمخلوقات تُحاصرهم من كُل مكان، وتدق كُل الأبواب والجُدران مُصرة على تحطيمها، بل إن يد أحدها تدخل لتلمس الولد الصغير الذي يُصاب بأزمة ربو حادة نتيجة للرُعب والصدمة.
ينتهي هجوم المخلوقات في النهار فقد هُزمت المخلوقات. يبتهج القسيس وأسرته، وبينما يُجهز التلفاز ليُشغله ويعرف الجميع كيف هُزمت المخلوقات، تظهر صورة أحد المخلوقات منعكسة على شاشة التلفاز المُطفأ (تقنية بارانويا أخرى مفضلة). هذا آخر مخلوقٍ بقي لينتقم من القسيس الذي جرحه في منزل ريدي. حينها يتذكر القسيس آخر ما قالته زوجته: "قُل لغراهام [القسيس] أن ينظر، ولميريل [الأخ الأصغر] أن يضرب بقوة". فيطلب منه أن يضرب المخلوق بمضربه بقوة، لينتهي الفيلم بغراهام وقد استعاد إيمانه وعاد إلى أبرشيته قسيساً.
في الفيلم ثيمتان متشابكتان، الإيمان والبارانويا. كُل شيء إشارة من الخالق ضمن خُطة أكبر، وهُم موجودون بيننا، في بيوتنا ذاتها، في أقبيتنا، يُريدون تدميرنا، يكرهوننا. مع كمية هائلة من الحوارات ذات الصبغة الدينية، وألعاب دق الأبواب والنوافذ.
القرية
يخرج فيلم القرية عن سلسلة أفلام شمالَن الخوارقية بكونه الفيلم الوحيد له بإيحاء أدبي، ويُشابه فيلم "الذي لا يُقهر" في وجود تفسيرٍ شبه منطقي لكُل أحداثه آخر الأمر. قصة الفيلم تدور حول قرية تفصلها عن الحضارة غابة تملؤها وحوشٌ مريعة مجهولة. وحوشٌ تقتحم القرية من حينٍ لآخر، وتطرق أبواب السكان المُختبئين كالعادة - فكُلما زاد الطرق زاد توتر المشاهدين -. القرية فاضلة، وتنقسم إلى جيلين: الآباء والأبناء. الآباء وُلدوا في الخارج ثُم شكلوا القرية بإرادتهم، بينما وُلِد الأبناء في القرية ورُبوا على الفضيلة المحضة. مع ذلك تدخل الخطيئة القرية عندما يُحاول نواه أبله القرية قتل خطيب الفتاة العمياء التي يُحبها. جروح المُصاب فوق طاقة القرية على علاجه، لذلك ينبغي أن يُرسَلَ أحدٌ لجلب دواء له من المدينة. الموفد إلى الخارج ينبغي أن يمر في غابة الوحوش، وليس سوى الفتاة العمياء ابنة كبير القرية وخطيبة المُصاب.
تنكشف الخُدعة. لا توجد وحوشٌ في الغابة. الوحوش اختراعٌ من كبار القرية ليقطعوا صلة الجيل الجديد بالعالم الخارجي الكبير. العالم الكبير شرير ومليء بالرذيلة، ووحدها الفتاة العمياء ستخرج إليه لأنها لن تراه. تخرج الفتاة العمياء عابرة الغابة، وفي الغابة تجد وحوشاً - رغم أن الكبار يعترفون بتلفيق القصة، إلا أن المُخرج يُبقى على احتمالية وجودها قائمة -، وعندما تصل تكتشف أن الحكومة تعرف بوجود القرية، وأنها تمنع الطيران من التحليق فوقها لئلا ينتبه الجيل الجديد فيها إلى وجود المدنية الحديثة. الحكومة كذلك تتآمر علينا لتبقينا مُحاصرين في القرية الغافلة! لكن، لا الحكومة، ولا تعاليم الكبار، ولا المُجتمع المُتطهر يستطيع أن يمنع الخطيئة من الظهور، ويستطيع أن يمنع الشر من دخول القرية الفاضلة التي تستمر في البقاء على حافة الأكاذيب.
يوسع شمالَن في هذا الفيلم دائرة الارتياب، فمصدر الارتياب لم يعد الخطر الخارجي غير المعروف الذي مثلته الأشباح والمخلوقات الفضائية في أفلامه السابقة، بل تعداه إلى الأهل الذين يتآمرون لإخفاء الحقيقة على أبنائهم، ولحبسهم في دائرة الخوف والجهل، والحكومة التي تتآمر معهم لحماية مُجتمعٍ يفترض في نفسه الفضيلة لكنه لم يقم إلا على الأكاذيب والخداع. الكُل في هذا الفيلم العدو، والشخص الوحيد الذي نجح في الخروج عاد وكأنه لم يرحل، لأنه خرج أعمى، وعاد أعمى. يوحي الفيلم بمؤامرة بين الأهل والمخلوقات الحقيقية في كثيرٍ من المشاهد، خاصة حين تمد الفتاة العمياء يدها في الظلام منتظرة أن تمسك يد خطيبها لكنها تكاد تُمسك يد أحد المخلوقات.

14 نوفمبر 2008

بارانويا شمالَن - 1

(سلسلةٌ مُعدةٌ للنشر الورقي)
البارانويا إحدى ثيمات الرعب الرئيسية. العدو الخفي الذي لا تعرفه الشخصيات ويكيد لها ليوقع بها، العدو الذي لا تُعرف دوافعه، ولا يُعرف شكله أو ماهيته، العدو الذي لا يُريد شيئاً غير الأذى حاضرٌ دائماً في أعمال الرُعب التي تعتمد على الارتياب الشديد الذي يُفضي بالشخصيات أحياناً إلى الجنون. هذا العدو المجهول الموجود في كُل مكانٍ وتحسه الحواس دون أن تدركه سمة أفلام المخرج الهندي الأمريكي الهوليوودي الشهير إم. نايت شمالَن ومفتاحٌ لفهمِ تجربته الفنية.
يقول شمالَن إن أفلامه تجسيدٌ لكوابيسه ومحاولة للتطهر منها، شأنه في ذلك شأن أقرانه من (المرعبين) مخرجين أم كتاباً. غير أنه يختلف عن أقرانه في أنه من المُخرجين (المرضي عنهم) نقدياً باعتباره أحد (المؤلفين) في السينما الأمريكية، بوصفه كاتب أفلامه ومخرجها ومنتجها المُنفذ، بل إنه يظهر في كُل واحدٍ منها لأنه يهوى قراءة اسمه عدة مراتٍ في قائمة صُناع الفيلم، من دون أن يهتم بغرابة شكله وسط طائفة من المُمثلين البيض في قصصٍ عن أناسٍ بيض. شكل شمالَن الهندي غريبٌ في أفلامه اللاحقة غرابة المخلوقات التي احتلت العالم في فيلمه "إشارات"، بل إنه يُضيف إلى خوارقية أجواء أفلامه. لكنه ليس بدعاً بين المخرجين، فطائفة كبيرة منهم تهوى الظهور في أفلامها ولو للمحة عابرة، ويُفسر بعض نقاد السينما هذا الميل بكون هؤلاء المخرجين ممثلين فاشلين يريدون أن يُثبتوا عكس ذلك، أو بميولهم الاستعراضية.
أول ظهورٌ لشمالَن كان في فيلمه الأول "الصلاة بغضب" عام 1992 حين كان تلميذاً في جامعة نيويورك. فيلم شمالَن الأول يخلو من الرُعب، ويتحدث عن تلميذٍ أمريكي من أصل هندي (شمالَن نفسه) يعود إلى بلده الأم الهند في برنامج لتبادل الطُلاب. في البداية يرفض الذهاب إلى الهند، لكنه يحترم رغبة والدته ويعود إلى بلده الأصلي حيث تتعارض ثقافته الغربية مع الثقافة الهندية، ويؤدي به تجاهله لنصائح صديقه الهندي سانجاي إلى مواجهاتٍ عنيفة، ثم يستكشف الهند بعد أن يُحس بروحها بعيداً عن التعالي الغربي، ويكتشف آلهة الهندوس العديدة التي تتقبل الصلوات بأي لغةٍ حتى الغضب. لم يُعرض "الصلاة بغضب" أبداً خارج مهرجانات الأفلام الدولية، لكنه تدريجياً كون له طائفة معجبين وتحول إلى أحد أفلام الطوائف cult films.
بعد فيلمه الأول، تخلى شمالَن عن قصص الهنود ليُقدم في أفلامه اللاحقة قصصاً عن أناسٍ بيضٍ فقط ابتداء من فيلمه الثاني "يقظة تامة"، ولو أنه لم يبدأ بعد سلسلة أفلامه المُرعبة. كالعادة، كتب شمالَن فيلمه الثاني وأخرجه قاصداً أن يُقدم فيه كوميديا مُبكية عن رحلة صبيٍ صغير للبحث عن الله. يدور الفيلم من وجهة نظر صبيٍ عُمره عشر سنوات اسمه جوشوا بيل يدرس في مدرسةٍ كاثوليكية للأولاد - درس فيها شمالَن نفسه -، ويحاول معرفة سبب موت جده الذي يُحبه. جوشوا ليس مقتنعاً بكلام الكِبار عن كون جده في أيدٍ أمينة، ولا يستطيع أن يستوعب فكرة الإله، لذا ينطلق في رحلة بحثٍ عنه يُساعده فيها صديقه الحميم ديف الذي يُصاب بالصرع لاحقاً، ومُعلمته في الصف الخامس الراهبة التي تُحب البيسبول. أُنجز الفيلم في 1995، لكنه لم يُعرض حتى 1998، ولم يُحقق أي نجاحٍ تجاري. يُحسب للفيلم أنه الفيلم الوحيد - حتى الساعة - الذي لم يظهر فيه شمالَن. ترافق "يقظة تامة" مع كتابته لسيناريو فيلم "ستيوارت ليتل" الذي يحكي عن محاولة فأرٍ التأقلم مع عالمٍ كبيرٍ يكرهه لأنه صغيرٌ ومختلف.
مع فيلمه "الحاسة السادسة" صار شمالَن مُخرجاً شهيراً، وعُرف على نطاقٍ واسع. كما أنه صار مُخرج رعبٍ يحوز على رضا النقاد الذي لا يحصل عليه مُخرجو الرُعب عادة. في فيلم "الحاسة السادسة" يُرسي شمالَن قواعد البارانويا التي سيسير عليها في أفلامه اللاحقة، والوحدات التي تتركب منها حبكة كُل أفلامه اللاحقة، ففي كُل أفلامه ينبغي أن يكون هُناك طفلٌ - أو اثنان - يرى ما لا يراه الكبار ويدرك الحقائق قبل أن يدركوها، ويكون مصدراً للتوتر ولتعاطف المشاهدين. وأن تكون هُناك شخصياتٌ بالغة عالقة في الماضي، وتلوم نفسها على مشكلاتٍ مختلفة لها علاقة بزيجات مُنهارة وإيمان مفقود، وفي النهاية تجد هذه الشخصيات السلام والطمأنينة. يجب أن توجد أبوابٌ مغلقةٌ وجدران ليدق عليها العدو المجهول. ويجب أن تدور الأحداث في فيلادلفيا، ويكون الأبطال من البيض. (لا يُعد سامويل إل. جاكسون الذي قام بدور إلايجا في فيلم "الذي لا يُقهر" استثناء للأبطال البيض، فإلايجا "الأسود" شرير الفيلم). يجب أن تكون النهاية مُلتوية قليلاً، ويجب أن يظهر شمالَن في الفيلم. مما يُشكل هيكلاً يملأه شمالَن حسب موضوع الفيلم، ويحدُ من تنوع الرؤية الإخراجية كما في فيلميه الأولين. هذه الصيغة الإخراجية مُعادلة سحرية للنجاح شبيهة بمعادلة دان براون في رواياته المشوقة، لكنها - ككل مُعادلة سحرية - فقدت سحرها مع فيلمه الأخير "الحدث" الذي أبغضه النقاد ووصفوه بأنه "شاهدٌ على سقوط مخرج كبير"، كما أبغضه الجمهور ولم يُعطه الشعبية التي أعطاها لأفلام شمالَن السابقة.
أحدث "الحاسة السادسة" ضجة عند عرضه، وتحول إلى ظاهرة عالمية وضعت شمالَن في الصف الأول بين مخرجي العالم. كما أنه أعاد الاعتبار لبروس ويليس الذي اعتبره النقاد غير قادرٍ على أداء أدوارٍ غير الشرطي العنيف وبطل أفلام الآكشن، وقدم هايلي جول أوزمنت الطفل الموهوب الذي حمل الفيلم بشكلٍ استحق معه ترشيحه لجائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد. رُشح الفيلم لست جوائز أوسكارٍ لم ينل أياً منها. وكان مانفستو شمالَن الذي أعلن فيه عن رؤيته الفنية، والعناصر التي ستشكل بقية أفلامه: الارتياب، النهايات الملتوية، الأطفال، وظهوره في الفيلم.
كذلك، أعلن "الحاسة السادسة" عن اهتمامات شمالَن ومنهجه في العمل، فغالباً ما يستقي إلهام أفلامه من حالاتٍ طبية - نفسية وجسدية - كالهلوسة (الحاسة السادسة) ورقة العظام (الذي لا يُقهر)، أو من مواضيع شغلت الرأي العام الأمريكي لفترة كالطوائف المنعزلة في مُجتمعات مُغلقة (القرية)، أو من ألغازٍ علمية صغيرة كدوائر حقول الذرة (الإشارات) واختفاء النحل غير المُبرر أو التأثير الأخضر (الحدث). كذلك، يُقدم شمالَن أفلامه كمخططات على أعمالٍ سابقة، ففيلم "الحاسة السادسة" مُستلهم من حلقة من مسلسل "هل تخاف الظلام؟" الذي يُبث على قناة نكلوديون، وفيلم "القرية" مُستوحى من أجواء رواية مرتفعات ويذرنغ، ويدور فيلم "الذي لا يُقهر" في أجواء سلاسل الرسوم الهزلية الأمريكية.

12 نوفمبر 2008

نادر المُجالِد - 5

رالف نادر عن الصراع العربي الإسرائيلي، باراك أوباما، وجون مكين - يوتيوب
رالف نادر يُعلق على الغزو الإسرائيلي للبنان - يوتيوب
رالف نادر مع ديفد ليترمان: لقد هلكنا جميعاً! - يوتيوب يقول نادر لليترمان: "هُناك وسيلة واحدة تنقلنا إلى استخدام الطاقة الشمسية بسرعة البرق، أن تحصل إكسون على الشمس!"
رسالة إلى رالف نادر - يوتيوب رسالة تلومه على انتخاب بوش، وتحثه على عدم الترشح في الانتخابات الحالية لصالح باراك أوباما (مع أن بين نادر وأوباما خلاف كبير)
نادر 2008 - يوتيوب تسجيل فردي، هناك تشويش في الصوت، لكن ما يقوله مُهم عن تاريخ تأثير الحزب الثالث في أمريكا. يقول إن اعتبار نادر وناخبيه مُخربون (تأثير المُخرب) تحويلٌ لهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية
دفاعاً عن رالف نادر - يوتيوب تسجيل فردي بدقة ممتازة. يُعطي خمسة أسبابٍ لدعم نادر في الانتخابات الأمريكية:
1- الديموقراطية
إذا كان هُناك نسبة صغيرة من السكان تريد نادر أن يكون رئيساً، فينبغي أن يعبروا عن آرائهم في الانتخابات.
2- النزاهة
فعل نادر لحماية حقوق وإرادة المواطنين الأمريكيين أكثر مما فعله أوباما وكلنتون ومكين مجتمعين. نادر أنزه شخصية سياسية في أمريكا.
3- نفوذ الشركات وإساءاتها
رالف نادر تحدى الشركات بمفرده، وهذا ما لا يجرؤ على فعله أي سياسي آخر في أمريكا. نفوذ الشركات القوة الأكثر تدميراً للعملية الديموقراطية في أمريكا اليوم، ومع ذلك يصوت الأمريكيون انتخاباتٍ وراء انتخابات لمرشحين تقدمهم الشركات.
(يصف رالف نادر بوش - في تسجيل ليبرمان - بأنه شركة متنكرة في شكل إنسان)
4- الهوس بالذات
إذا تمحور هوس نادر حول إقامة حكومة حقيقية تهتم بالناس، فسأختار شخصيته المهووسة على أي من دمى الدعاية التي يدعونها مرشحين.
5- أفكار نادر هي (أفكارنا)
حملة نادر أكثر من مجرد تدخل غريب في انتخابات لمرشحين مدعومين وممولين جيداً. حملة رالف نادر تُعطي صوتاً للقضايا الأمريكية، وتنقل أفكار العموم إلى طاولة الديموقراطية الأمريكية.
"إذا لم تحركوا مؤخراتكم وتطلبوا ديموقراطية أفضل، لا أحد سيفعل ذلك!"
رالف نادر: عودة المحارب (إعلان ساخر من عالم الحرب WoW) - يوتيوب
Ralph Nader for President in 2008
ترجمة رالف نادر من موقع infoplease
أمريكيون يقولون الحقيقة: رالف نادر
تحليل مواضيع الأخبار المرتبطة بنادر من موقع Salon
رالف نادر يدخل سباق 2008 الرئاسي - من سي إن إن بالإنكليزية
رالف الحقيقي: صفحة في كُره نادر، لا توجد كلمةٌ واحدة حسنة - أو حتى محايدة - عنه فيها، أخذت منها الكاريكاتير في نادر المجالد - 1
تريلر وثائقي "رجل غير عقلاني" - يوتيوب
رالف نادر: أوباما يستغل عقدة الأبيض - من سي إن إن بالعربية
من يخشى عودة نادر؟ تحليل ممتاز لعلاء بيومي في قسم المعرفة من موقع الجزيرة بالعربية، عثرت عليه بالصدفة حين قررت البحث عن نادر بالعربية
رالف نادر يُغني Be Prepared - فلاش طريف يدمج أغنية "استعدوا" مع مشاهد مُركبة لخُطب نادر، ورسوماتٍ عن سياسته تظهر جون كيري وجورج دبليو بوش بشكلٍ مُضحك (حملة 2004)

10 نوفمبر 2008

نادر المُجالِد - 4

(رالف نادر في 1982، بواسطة ميكي آيدر)

هل تعلمت أن تؤمن أم أن تفكر؟
يقول رالف نادر في الفيلم الوثائقي المُعَد عن حياته رجل غير عقلاني أن أباه - نثرى نادر - كان يسأله دائماً حين عودته من المدرسة: هل تعلمت اليوم أن تؤمن أم أن تُفكر؟ ويتخذ سؤال أبيه المُستمر مدخلاً لوصف علاقته بكل أشكال السلطة وفلسفته في الحياة داعياً الجميع إلى التفكير بدل أن يؤمنوا بما قيل (ويُقال) لهم دون إعمال عقولهم فيه. لو أن الناس فكروا فيما يُقال لهم، لوجدوا أن كثيراً من المُسلمات ليست مُسلماتٍ فعلاً، وأنها خدعٌ وحيلٌ من أشكال السُلطة المُختلفة لإقناعهم بأن حياةً أفضل ليست من حقهم، وأن هُناك من يعرف أفضل منهم، ويملك أن يُحدد لهم آراءهم وتوجهاتهم وأفكارهم. ليتوقفوا عن (عيش) حيواتهم، ويصبحوا مُجرد (عابرين) في حيواتهم هم. ليتفرجوا وكأنهم ضيوف على أنفسهم لا يملكون حقاً فيها، ويتحولون إلى مجرد أرقامٍ وأشكالٍ ملونة في الإحصاءات المُختلفة. لتنمحي هوياتهم شيئاً فشيئاً حتى تنمحي أسماءهم، ومن ثم يصبحون متغيراتٍ يستدعيها المُبرمج متى شاء من قاعدة البيانات، ويحذفها متى شاء.

امتلك نثرى نادر - والد رالف - مطعماً كان يجمع فيه زبائنه ليتناقشوا حول الأمور السياسية والمعيشية المُختلفة فيما يُشبه مُنتدى نقاشٍ محلي يديره نثرى ويُشارك فيه الزبائن. وفي هذا الوسط النقاشي الذي يملك كُل فردٍ فيه رأياً خاصاً به نشأ رالف الذي أخذ مفهوم مطعم أبيه حيث يملك كُل امرئٍ صوتاً مساوياً للآخر، وأخذه إلى واشنطن دي سي ليحاول إقناع السياسيين بأن كُل ناخبٍ مساوٍ للآخر، البيض والصفر والسود والهسبان، الأغنياء والفقراء، أولئك الذين يملكون تأميناً صحياً وأولئك الذين لا يملكون. كُلهم يملكون الحق في أن تُسمَعَ آراءهم، وفي ألا يتنمر عليهم السياسيون ورؤساء مجالس الشركات الكُبرى معلنين أنهم وحدهم من يملكون الحقيقة المُطلقة، وأنهم يملكون الحق في تسميم الضعفاء بالأغذية المُعدلة والكيماويات التي تلقيها مصانعهم والأشربة المغشوشة والأدوية التي لا تشفي بل تُمرِض، ويملكون الحق في قتلهم بسياراتٍ معيوبة وإجراءات سلامة لا تُراعي شروط السلامة وتأمينات صحية تسرق قوتهم لتنبذهم على قارعة الطريق.

جاءت روز بوزين إلى الولايات المُتحدة الأمريكية من زحلة في البقاع اللبنانية، واستقرت في وينستد، كونيتيكت، ثم تزوجت نثرى نادر في 1925، لتصبح روز نادر. كانت روز مُعلمة، درسَت الفرنسية والعربية، وكانت أول مُعلمةٍ تُعلِم خارج مدينتها، لكن شهرتها في وينستد جاءت من كونها ناشطة سياسية واجتماعية ذات تأثيرٍ واسع، ومن مواجهتها الشهيرة للسناتور بريسكوت بوش - جد الرئيس السابق جورج دبلبو بوش - في 1955، عقب فيضان كارثي في الولاية. اقتربت روز من بريسكوت بوش في تجمع عامٍ، وانتهزت فُرصة تقديمه يده للمصافحة، فأبقت يده بين يديها وهي تهزها (مصافحة)، مُصرة على ألا تترك يده وهي تشرح له بالأمثلة لماذا تحتاج المدينة إلى سد، ولم تتركه حتى وعدها بالمساعدة في دفع التماس السد قُدماً في واشنطن دي سي. تحقق طلب روز نادر، ولاحقاً دعت إلى بناء مركزٍ لرعاية الأطفال في المدينة، وتأسيس نادٍ للمتحدثين يُحضر المتحدثين العالميين إلى المدينة ليلقوا المحاضرات، وتوسعة مركز الرعاية الصحية وصيانته. كما أنها استخدمت صفحات الرأي في الجرائد الأمريكية الشهيرة للتعبير عن آرائها في مُختلف القضايا الاجتماعية والسياسية. وفي 1982 كتبت في صحيفة نيويورك تايمز شاجبةً استخدام (عبارات المشاهير) مثل: "بصراحة" و"بكل صدق" و"لأقول الحقيقة" قائلة بأن هذه العبارات تُعطي شعوراً بانعدام الثقة شاع جداً بين الناس بحيث أصبح واجباً إيجاد لغةٍ جديدةٍ موثوقة للتعامل بين الساسة والناس.

روز بوزين التي توفيت عن تسعة وتسعين عاماً أورثت ابنها طبيعتها المشاكسة التي لا تلين حتى تنال ما تعتقده حقاً لها. إنجازات روز المحلية تحولت إلى إنجازاتٍ وطنية - وعالمية - على يد ابنها الذي حارب لتطبيق قواعد السلامة في السيارات، ولحماية البيئة وتقليل تلوث الهواء، ولأجل العدالة الاجتماعية. ومع طبيعة نثرى نادر سياسية التوجه، فإن رالف نادر قد ورث عن أبويه ميوله السياسية، وطريقته في العمل، وقراراته التي قد يوجد من يعتبرها (غير عقلانية)، وإحساسه بالعدالة الاجتماعية، والانتماء العميق إلى عائلته وقيمها.

06 نوفمبر 2008

نادر المُجالِد - 3


بعد فوز باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، يبدو الأمر وكأن الولايات المتحدة الأمريكية قد استعادت حُلمها. لم يرَ العالم خيرَ أوباما من شره بعد، ولا يزالُ الوقتُ مُبكراً للحكم على فترة رئاسته التي اكتسبت صفة (تاريخية) قبل أن تبدأ حتى. استعاد الحزب الديموقراطي قُدرته على حشد الجماهير مع الناخبين الجُدد الذين بلغوا السن المُناسبة للتصويت في هذه الانتخابات. تغير العالم، وما زال رالف نادر لم يتغير. لكن، هل يتغير كُل شيء حقاً؟ أم أن نادر مُحق في ما قاله: "خياراته [أوباما] محدودة، فإما أن يكون العم سام لشعب هذا البلد، أو العم توم للشركات العملاقة". بالمناسبة، نال نادر ستمائة وواحداً وستين ألفاً وثلاثمائة وثلاثة وعشرين صوتاً في التصويت الشعبي، مما يعني أن هُناك من يؤمن به رغم كُل ما يُقال عن أوباما "الذي يدفع الأمة للبكاء فخراً".
ما الذي يستحق القتال لأجله؟
يُجالد نادر لأجل العديد من القضايا، لكن أهم قضية يُقاتل لأجلها - كما يُمكن أن يُعرف من سجله الانتخابي - قضية استقلاله. تقليدياً، يُصنف نادر مع الخُضر، وخاض معهم انتخاباتٍ أو اثنتين دون أن ينضم إلى الحزب، كما ترشح مع حزب الإصلاح (مستقلاً)، وفي هذه الانتخابات دخل مستقلاً - وتحالف معه حزب الحرية والسلام - بينما رشح الخُضر عضوة الكونغرس (السوداء) سنثيا مكيني، ورشح الإصلاح تيد وايل. يؤمن نادر بأهمية الحزب الثالث في إحداثٍ تغييراتٍ اجتماعية، وتوعية الناس بحقوقهم، لكنه يؤمن أيضاً بأهمية حفاظه على استقلاله وصوته الفردي. نادر ليس فرداً في جماعة، ويُريد الحفاظ على هويته وصوته كفرد لخدمة الجماعة الأكبر. الجماعة التي تفوق حزباً أو ولاية أو حتى دولة. خدمة المصلحة الإنسانية العُظمى لن تتم إلا عن طريق تحقيق الإنسان لهويته الفردية، وحفاظه على صوته المستقل، ووعيه بذاته ومكانه من العالم، ووجود الآخرين حوله.
الجماهير تكرهك
أخطر أنواع النفاق نفاق الجماهير، ونادر يعرف ذلك جيداً، لذا يُجازف بالتعرض للكراهية القومية وينتقد أوباما - مُمثل الأمة - في يوم الانتخابات، مُذكراً بتاريخه مع الشركات، ليُحذر الجماهير من رفع آمالها عالياً. لا يملك أوباما خطة تأمين صحي حقيقية، وصوت من قبل لزيادة ميزانية الجيش، كما دعم قرارات الحرب على العراق، أوباما ترسٌ في الآلة السياسية الهائلة التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية. أثارت تصريحات نادر عاصفة من الحنق عليه، وجعلته - ببساطة - مكروهاً، لكنه يتسلح بإيمانه بالحقيقة. حذره مذيع أخبار فوكس نيوز من أن ميراثه السياسي سيُلطَخ، ومن أنه سيفقد تأثير (المخرب) الذي يقوم به دائماً في الانتخابات الرئاسية، لكنه رد عليه بأنه ليس سوى مُتنمر يحاول قلب الحقيقة، لقد تساءل عما إذا كان أوباما سيصبح رئيساً عظيماً أم مجرد دمية شركات، بينما حرفت (الميديا) أقواله لتحول الجدل من أفعال أوباما، إلى تأثير (العم توم) وسواد بشرته.
المُجالد في عزلته
في 1971، أسس نادر مُنظمة المواطن العام لتكون مظلة تجمع نشاطاته التي يقوم بها مع جماعةٍ من المُتطوعين يُعرفون بفرسان نادر Nader's Riders، ومن إصدار تشريعات سلامة المركبات، تشعبت نشاطات نادر العامة ونشاطات جماعة فرسانه التي أعيد تشكيلها عدة مرات قبل أن تبدأ في التلاشي. تشعبت قضايا نادر الفرعية، وزادت عداواته بسبب أسلوبه الهجومي، وصراحته التي يعتبرها الكثيرون غير ضرورية. زادت المعارك، وزادت حدة الهجمات، ومعها زادت عُزلة نادر.
لا يزال نادر يطرح الأسئلة الصعبة، ويقول ما يخشى الكثيرون قوله، لكن ما يقوله لا يُعجب الجماهير كما لا يُعجب النُخب الحاكمة. شيئاً فشيئاً، يتحول نادر إلى نذيرٍ لا يتمنى أحدٌ سماع ما يقوله، لأنه لا يجلب أنباء مُريحة. يعتقد نادر أن خطته هي الوحيدة الصالحة لإنقاذ البلاد، ولا يُفاوض عليها. لكن هدفه الحقيقي ليس أن ينتخبه الناس، بقدر ما يُريد أن يسمعوا ما لديه ليقوله، وليكونوا أكثر وعياً بحقوقهم السياسية، ولئلا تخدرهم الخُطب البليغة. يتكلم نادر ببساطة ووضوح: الحالة سيئة يا قوم، ولن تصبح على خير ما يُرام قريباً!
مع أسلوبه الهجومي، ووجوده الطويل على الساحة السياسية الأمريكية، تذبذبت علاقات نادر بالجمهور الأمريكي الذي يُقر له بكونه واحداً من أهم مائة شخصية ساهمت في تشكيل التاريخ الأمريكي، لكنه لا يُجمع على الكيفية التي ساهم بها نادر في تاريخ أمريكا. هل كانت مُساهمة نادر إيجابية أم سلبية؟ وهل كانت الأحجار التي ألقاها في بحيرة السياسة الأمريكية قضايا حقيقية أم فرقعاتٍ إعلامية لشخصٍ لا يُمكن أن يقاوم حُب الظهور لديه؟
ينحدر نادر من أسرة مُعمرة، وقد يعيش ليخوض انتخاباتٍ أخرى. حتى وفاته، لا يُمكن أن يُقيم التاريخ نادر تقييماً مُنصفاً بينما لا يزال لاعباً على الساحة. ميراث نادر السياسي والاجتماعي جُزء من تاريخ أمريكا والعالم، لكن النظرات المُتبصرة فيه لا يُتوقع أن تأتي قريباً.

رالف نادر وجدل العم توم عشية إعلان النتائج - يوتيوب

05 نوفمبر 2008

تغيير

"أسألكم أن تؤمنوا، ليس فقط بقدرتي على إحداث تغييرٍ في واشنطن، بل بقدرتكم أنتم".
- باراك أوباما

جعل تقرير قناة الجزيرة عن دلالات فوز أوباما الثقافية والسياسية منه مسيحاً مُخلصاً، وحول حُسين أوباما إلى الغريب المُنقذ الذي جاء ليبذر البطل الذي سيُخرج أمريكا من ليلٍ طويل. بينما خرج الأمريكيون قوافل ليصوتوا لأوباما منذ الصباح الباكر لأنهم أرادوا تغييراً، وأوباما مثل لهم التغيير. الذي تكلم ونَصَرَ أوباما لم يكن غير الملايين الذين خرجوا من بيوتهم ليُرسلوه إلى البيت الأبيض، لا ميلاد المُخلِص. كان قرار الجماهير. العالم يتغير، ولم يعد يُريد أن يربط التغيير بأفرادٍ، بل بقرارٍ جمعي. تأليه القادة لم يعد مُمكناً الآن، فالعالم يتغير بعد أن وصل في القرن العشرين إلى ما يقارب القاع.
حصل باراك أوباما على نسبة أصواتٍ كبيرة رغم عرقه وضعف خبرته السياسية، لكن ميزة وحيدة حُسبت له: شجاعته وإصراره على مواجهة القضايا مُباشرة. وخسر جون مكين رغم جو السباك الذي يُصر على إدراجه دائماً في المُناظرات - وربما كان جو السباك ما أكد للناخبين بعد مكين عن الغالبية الفقيرة في أمريكا والعالم -. في ظرفٍ آخر، كان مكين ليكون خياراً حسناً، لكن مكين - رغم شجاعته وثبات مواقفه - لم يستطع الوقوف في وجه التغيير، فالشعب لم يعد يريد الرجال البيض الأثرياء، ولم يعد يُريد سياسات المحافظين الجُدد التي قادت العالم إلى الخراب. احتفل الإفريقيون بفوز (الأخ) أوباما، واحتفل الفقراء والمسحوقون بعودة الحُلم الأمريكي. لكن أوباما - الذي يستطيع أن يفوز في أوروبا كذلك لو رشح نفسه هناك - في موقفٍ صعب، فلا شيء أسوأ من غضب أمةٍ خاب أملها فيمن اختارته مُمثلاً عن آمالها.
زمن التغيير لا يُريد مُخلصين، بل أفراداً قادرين على اتخاذ قرارٍ جمعي بالتغيير.

02 نوفمبر 2008

فولند

فولند، الشيطانُ في رواية بولغاكوف المُعلم ومارغريتا، استمرارٌ للتقليد الأدبي الذي أرساه مفستوفيليس، الشيطان الذي يفوق فاوست إنسانيةً في كثيرٍ من الأحيان، ففولند (الأجنبي) الذي يظهر فجأة في شوارع موسكو مُخلِصٌ - بطريقته - يقود المُعلم ومارغريتا إلى السكينة، مُحققاً لهما خلاصاً لم يكن ليأتي لو لم يُرسله الله أداةً له. فولند يعملُ مع الله والمسيح، ولا يضره أن يتلقى الرسائل عبر متى العشار ليهزأ من أمنيته بخلو الأرضُ من الظلال، فالظل رديف النور، والعالم لا يكتمل إلا بوجود فولند والمسيح فيه. الجميعُ أبناء الرب، وأدواته في الخلق، حتى بيلاطس البُنطي الذي غُفَرَ لهُ آخر الأمر.
يظهر فولند مع حاشيته من حيثُ لا يعلم أحدٌ ويُقدم نفسه إلى صفوة المُجتمع الأدبي في موسكو - كما يُفترض - فيُحاجج الشاعر إيفان بزدومني والأديب ألكساندر برليوز رئيس رابطة الماسوليت الأدبية حول وجود المسيح، مُقدماً رواية أخرى لمُقابلة المسيح مع بيلاطس البُنطي للمرة الأولى بوصفه شاهد عيانٍ مُباشر، كما أنه يتحدث عن الكيفية التي أوحى بها لإيمانويل كانت بمبادئ فلسفة الشك على مائدة الإفطار. يقود فولند ورفاقه بزدومني إلى حافة الجنون بسلوكهم الغريب، لكنهم سُرعان ما يتخلون عنه ليتسلطوا على مُدير مسرح المنوعات (الفاريته) ليخدييف مستوليين على شقته التي كان يتقاسمها مع برليوز الذي أصبح مرحوماً، الشقة رقم خمسين في شارع السادوفايا - وهي شقة شهيرة في الأدب - ومحولين إياها إلى مسرحٍ لأكثر الأحداث غرائبية في الأدب.
جاء فولند - مع رفاقه: كرفيوف، بهيموث، عزاييلو، وهيلا - لينتقم من الأشرار ويُجازيهم سوء ما عملته أيديهم، وليجعل أهل موسكو يسيرون عُراةً في الشوارع جزاء لنفاقهم وريائهم. قد تُفسَرُ أفعال فولند على أنها نقدٌ لاذع للستالينية المُتطرفة، وقد يرى بعض القساوسة في رواية المُعلِم ومارغريتا تمجيداً للشيطان، لكن بولغاكوف لا يسعى لتمجيد فولند أو نقد ستالين بقدر ما يُقدم رؤية لخطة الخلق التي يلعب فيها كُل مخلوقٍ دوراً مُهماً. لقد كان دورُ بيلاطس البُنطي - الذي ظل يبحث عن الغُفران لآلاف السنين - مُهماً في تاريخ الشعوب المؤمنة بإلهٍ واحد رغم أنه كان وثنياً، أما بالنسبة للشيطان، فالكثير ينسون - أو يتناسون - أنه كان أحد المُقربين، وأنه رغم تحديه لله لا زال من عباده. الشيطان يلعبُ دوراً هاماً في حياة البشرية مُنذ خلق آدم، وهو أقرب إلى الإنسان من الوريد، فكيف يُمكن تجاهل دوره في خُطة الخلق؟ حتى أفعال الشيطان الأشدُ قسوةٍ لها ما يُبررها آخر الأمر، لأنه وعصبته يغيرون حياة موسكو تماماً، ويقتادون المُعلم إلى السكينة بعد رحلةٍ خيالية في الجوانب الأكثر ظلمة وغموضاً.
فولند قوةٌ إيجابية، ورغم كونه رمزاً، إلا أن شخصيته تتميز بأنها ذات أبعادٍ مُركبة لا يُمكِن أن تُسطَح. سُخرية فولند اللاذعة من كُل شيء، وشكواه من ألم ركبتيه، وتجواله في حفلته مُرتدياً مبذله بينما تُعزَفُ موسيقى هللويا أشياء أكثر عُمقاً بكثير من أن تُفسَرَ بُثنائية بسيطة: الخير - الشر، فكُل ما هو مخلوق عائد إلى الخالق.

كورس هللويا من ميسيا هاندل (يوتيوب).

31 أكتوبر 2008

دليل الفانتازيا الميداني!


عادت سينما الفانتازيا لتتألق بعد أن أثبتت لمُنتجي الأفلام أنها مصدر دخلٍ لا يُمكن إهماله، فبات على السينما الأمريكية أن تُقدم فيملي فانتازيا كُل عامٍ على الأقل، مما أدى إلى ارتفاع الطلب على الكُتب الفانتازية، وتحول السوق من أرضٍ تحتكرها أسماء (الكبار) مثل تولكن ولويس ورولنغ إلى فضاءٍ مفتوح يستهلك العديد من المُخيلات، ويحتاج إلى مُخيلاتٍ جديدة كُل مرة. تحتوي الفانتازيا على عُنصر رُعب لا شك فيه ينشأ عن غرابة وخوارقية أحداثها، وإذا كانت الفانتازيا من مُخيلة طفلٍ، فإن الرُعب حتمي كما في فيلم سجلات سبايدرويك.
مُنذ بدايته، يُبشر فيلم سجلات سبايدرويك بأنه مخيفٌ، ويقترب كثيراً من كونه فيلم رعب. في سجلات سبايدرويك، لا حاجة للعبور إلى العالم الخُرافي. لن يأخذك قطارٌ إلى هُناك، ولن تعبر الخزانة. العالم الخُرافي حولك لكنك لا تستطيع رؤيته، وإن رأيته فلن يسُرك ما تراهُ أبداً. العالم الخُرافي قبيحٌ ومعادٍ، ولا يحميك منه سوى رموزٍ واهنة. هذا العالم الخُرافي قادمٌ لإيذائك سواء كُنت تعرف عنه أم لم تعرف، أنت مُحاصر، والأعداء شرسون وبشعون. خيالُ الفيلم طفولي بكُل ما في خيال الطفولة من عناصر مُرعبةٍ، ويُعيدُ مُشاهِدهُ إلى زمنٍ قد يكون ظن أنه بَعُدَ، لكن ليس بهذا القدر. يُعيد الفيلم المرء إلى الأوقات التي كان يخشى فيها الغيلان الطويلة التي تنثني تحت الأسرة، والوحوش في خزانة الملابس، والشيطان الذي سيخرج من الحمام إذا لم يهرب منه قبل أن يصل في العد إلى العدد سبعة، والوحش الذي يهدر مستغلاً هدير الثلاجة ثُم يسكُن ليبحث عن الأطفال الصغار ويلتهمهم خفية عن آبائهم الذين لا يصدقونهم. الأبواب التي يُحاصرُ عندها المرء عند منتصف الليل، والوحوش التي تلعب في الشارع، والقطط التي تتحول إلى نساء. كُل ما يراه الطفلُ بوضوحٍ ولا يراه الكبار، فيُصبح عليه أن يحمي نفسه برموزٍ بسيطة. بالعد، بالملح، بصلصة الطماطم، وبدائرة من الفطر عليه ألا يتخطاها وإلا افترسته المخلوقات الشرسة التي تقبع عند أطراف الدائرة.
يحكي فيلمُ سجلات سبايدرويك عن أمٍ تنتقل مع ابنتها الكُبرى وابنيها التوأمين من نيويورك إلى ضيعة خالتها الكُبرى في نيو إنغلند - حزام الخوارق كما يعتقد نُقاد الفانتازيا وأفلام الرُعب - بعد أن تطلقت من زوجها الذي هجر أسرته ليُقيم مع عشيقته. يلومها ابنها جاريد على الانفصال لتعلقه بأبيه، ويلومها على انتقالهم إلى ضيعة سبايدرويك الغريبة، وبسبب مشكلته في التحكم بغضبه، تُصبح علاقته بأخيه التوأم سايمون وأخته الكُبرى مالوري سيئة، مما يُفقده دعمهما في مواجهة الأشياء الغريبة التي تُحاصر ضيعة سبايدرويك، وتعيش فيها. يعثر جاريد على كتابٍ مكتوب بخط اليد (بعد مغامرة مخيفة) بعنوان: دليل آرثر سبايدرويك الميداني إلى العالم المُذهل حولك، وعلى الكتاب تحذيرٌ من العواقب المميتة التي تلي معرفة مُحتوى الكتاب، التحذير الذي لم يردع أبداً الساعين إلى المعرفة في تاريخ الإنسانية، مهما كانت كلماته مُنذرة بأوخم العواقب. رغم الجو المُخيف المُحيط، يقرأ جاريد الكتاب، ويخرج ليُفاجأ بالأحداث الغريبة التي حدثت. يتعرف على المخلوق الذي يُقيم في المنزل والذي كان حيوان آرثر الأليف، والحارس الذي يُفترض به إبقاء الكتاب ضمن الدائرة. تختطف الغيلان أخاه التوأم الغافل سايمون فيضطر إلى الذهاب لنجدته، وهُناك يُقابل الغول مُتحول الأشكال مالغوراث الذي يسعى للحصول على الدليل ليُبيد كُل أشكال الحياة التي عرفها آرثر سبايدرويك، وتبدأ مغامرته الحقيقية مع أخيه وأخته الذين يتأكدان من وجود المخلوقات، ويُصبح عليهما تدمير مالغوراث. الشرُ واضحٌ في الفيلم مهما تنكر أو تخفى، فعينا مالغوراث متحول الشكل تفضحانه، سواء كان شيخاً مهدماً أم غراباً أم والد الأطفال مُدعياً أنه قد جاء لنجدتهم. مالغوراث الغول الشرُ بكُل قُبحه وشراسته وتوحشه. الشرُ المُدمر الذي لا يتخفى ولا يُغير شكله، الشرُ البهيمي الذي يُميزه الأطفال ويعرفونه، فالشرُ عندهم لم يتنكر بعد في صورٍ لطيفةٍ أليفة، وهو قبيحٌ في أي شكلٍ أو صورة. يلوم بعض النقاد مُخرج الفيلم مارك واترز على استخدام الرسوم المولدة حاسوبياً في الفيلم بشكلٍ كبير، وهي ملامة لا موجب لها، فبأي طريقةٍ أخرى كان واترز سيُحيي عالم الطفولة المخيف الذي يكمن عند أطراف أصابع المرء؟ كما أن استخدام الرسوم المولدة حاسوبياً في الأفلام الآن أمرٌ طبيعي كاستخدام المونتاج، فمن غير المُستساغ أن يلوم ناقدٌ مُخرجاً ما لأنه قام بمنتجة فيلمه! فيلم سجلات سبايدرويك مُنتجٌ آخر من مُنتجات الفن الرقمي الذي لا يوحي أبداً، ويُصر على أن ينقل تفاصيل القُبح الدقيقة. القُبح المُروِع والشر الذي يختفي بين أوراق الخريف بريئة المظهر. الشر الهائل الذي لا يتوقف عند حد، والقُبح الذي يُثير الغثيان. لكنه يبقى مُغامرة ذات نكهةٍ مُميزة في عوالم الطفولة شديدة الرهافة.

الفيلم من إخراج: مارك واترز، إنتاج: باراماونت ونيكلوديون، موسيقى: جيمس هورنر، بطولة: فريدي هايمور (جاريد/سايمون)، سارة بولغر (مالوري)، نِك نولتي (مالغوراث)، ماري-لويس باركر (هيلين)، جوان بلورايت (لوسيندا)، وديفد ستريتايرن (آرثر سبايدرويك).

تريلر الفيلم من موقع يوتيوب.

24 أكتوبر 2008

مائة لإليوت!

يعشق مُعظم أساتذة المُستعمرة تي. إس. إليوت، ويُشيرون إليه كُلما استطاعوا وأمكنهم حشره في سياقٍ منطقي، بل إن بعضهم يحشر إليوت بأي طريقة، فيتحدث عن الجُبنة:
"وبمناسبة الحديث عن أنواع الجُبنة، فإن تي. إس. إليوت قد أشار في قصيدته "الأرض اليباب" إلى خراب المجتمعات التي تخلوا من الجُبنة".
إليوت - بالنسبة لأساتذة المستعمرة - مُنتهى النقد، وصاحب الكلمة الفصل في كُل مسائل الأدب. مع ذلك، يجد أساتذة المستعمرة أنفسهم مضطرين - ولو على استحياء - إلى مُخالفته في بعض آرائه، فيتحفظ هذا على هجوم إليوت الشنيع على الشعراء الرومانتيكيين في القرنين الثامن والتاسع عشر، ويختلف ذاك مع استحسان إليوت لأدب الكلاسيكيين الجُدد. عندها يقول الواحد منهم:
"إليوت عظيمٌ حقاً، لكننا نجد أنفسنا غير قادرين على الاتفاق معه مائة بالمائة في هذا السياق".
الاتفاق مع إليوت مائة بالمائة غير مُمكن، لأنه نفسه لا يتفق مع نفسه مائة بالمائة، وكثيراً ما يُعدل آراءه ويراجعها. والاختلاف معه - أو مع غيره - واجبٌ لأن العقول تختلف، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة - إن وُجِدَت -. ومع أن إليوت يكاد يكون معبود الكثيرين من النقاد ودارسي النقد الأدبي، إلا أن نقاداً آخرين في زمنه وبعده مزقوه بشراسة، ولم يُبقوا على شيء من ميراثه النقدي باستثناء المعادل الموضوعي.
لو أن إليوت قدم اختباراً في النقد، أكان يحصل على مائة من المائة؟
المنطق يقول إن إليوت لن يحصل على مائة، فلا بُدَ من أن يُنقصه هذا المُعلم درجتين لكراهيته المُطلقة للشُعراء الرومانتيكيين، ولا بُدَ من أن يُنقصه ذاك خمس درجات لأنه يُفضل سطحية القرن الثامن عشر على غنائية تاليه. هل يعني عدم حصول إليوت على مائة في المائة أنه ناقدٌ فاشل؟
سيُجيب الطُلاب بنعم، إليوت ناقدٌ فاشل، فلو كان ذكياً كان ليحصل على مائة.
بأخذ ناقدٍ آخر، أرسطو مثلاً - حيث أنني لا أطيق أفلاطون -. وضع أرسطو قواعد الدراما التي لا تزال سارية إلى اليوم، فهل سيحصل أرسطو على مائة بالمائة في الدراما؟ لن يفعل، لأن وحداته الثلاث (الزمان، المكان، الحدث) انتُهِكت ولا تزال تُنتهَك على المسرح مراراً، ولأن المسرحيين الجُدد تجاوزوه، ولأن التلفاز ظهر ليدعم الحبكة المتسلسلة التي استبعدها هو لعدم إمكان تطبيقها عملياً. هل صار أرسطو فاشلاً؟
تمضي العجلة، فلا أحد سيحصل على مائة في امتحان النقد. لا يوجد قولٌ غير مُختلف فيه، ولا يوجد تأويل أوحد. لا أحد يستطيع أن يحتكر الحقيقة أبداً. قُلت إنني لا أطيق أفلاطون، فهل يُجرد قولي أفلاطون من عظمة إنجازه؟ وهل يعني نقد أرسطو وإليوت أنهما فاشلان؟
إذا كان النقد - وهو علمٌ - لا يُمكن أن يُقيَم بنظام درجات، لا بعشر نقاطٍ، ولا بعشرين، ولا بمائة. لا يُقيَم بنظام درجات أو نجومٍ أو تفاحاتٍ أو ما شابه من وسائل التقييم التي يعتمدها البعض لتصنيف الأعمال الأدبية، فكيف يُمكن أن تُقيَم الأعمال الأدبية؟
كيف يُمكن أن نُقرر أن عبد الله البردوني قد حصل على تسعة من عشرة، أو أن إليوت يحصل على أربع نجمات وربع من خمس نجمات؟ لماذا لم تكن أربع نجماتٍ ونصف؟
تُضحكني التقييمات للأعمال الأدبية والفنية على مقاييس رياضية، وتبدو اعتباطية في مُعظمها. إذا أعجبني العمل سأمنحه خمس نجمات، ثم أفكر مُجدداً، يجب أن أكون (موضوعية)! سأمنحه أربع نجماتٍ ونصف! لم يُعجبني ذاك، حسناً، سأمنحه نجمتين، ونصف نجمة لأكون كريمة و(موضوعية)!
هُراء!
من السُخف بمكان تقييم أي عملٍ إبداعي بمقياس نجماتٍ أو تفاحاتٍ أو درجاتٍ أو ما شابه! حتى في فيزياء الكم لا يُمكن حساب موقع الإلكترون وسرعته في الآن ذاته، مما يُوجد مبدأ "عدم التيقن" الشهير، فكيف يُمكن أن تُقاس عظمة عملٍ أدبي؟ وكيف يُمكن أن يُترجم هذا القياس إلى درجاتٍ؟
يُذكرني هذا بمشهدٍ من فيلم جمعية الشُعراء الموتى Dead Poets Society يبدأ فيه الأستاذ كبلنغ (روبن ويليامز) تطبيق مُعادلة في كتاب الأدب لقياس عظمة قصيدة، ثُم يشطب الكلام واصفاً إياه بأنه (هُراء) ويطلب من تلاميذه تمزيق الصفحة، لأن عظمة الأدب لا تُقاس بالمعادلات الرياضية. الأدب العظيم ما يترك أثراً في نفس الإنسان، والنفس الإنسانية أعمق بكثير وأعقد من أن يُحاول المرء قياسها بالحساب، فإذا كان مبدأ "عدم التيقن" ينطبق على فيزياء الكم، فإنه ينطبق كذلك على الأدب، لأنه لا شيء فيه يقيني.
خُدع الناس طويلاً ليؤمنوا بالأرقام، بينما الأرقام ليست سوى تبسيطات مُخادعةٍ تُشيء الإنسان وتحرمه من أي خيارٍ.
يُضحكني كثيراً التبجح والإدعاء الذي يُشع ممن يُعطون درجاتٍ ونجماتٍ للإبداع. رُبما، سيتكرم أحدهم بمنح مائة لإليوت، وسيرد عليه آخر بمنحه واحداً. كُل هذا غرورٌ لا يُصدق، وفشلٌ في إدراك حقيقة الإبداع.

13 أكتوبر 2008

Senior Citizen

العام الرابع في مُستعمرة الهنود.
كمواطنين شيوخ في المستعمرة، يتوقع المرء أن نُعامَلَ بشكلٍ مُختلفٍ ولو قليلاً، وفعلاً، اختلفت المُعاملة عن السنين السابقة، لكن اختلاف المُعاملة لا يعني تحسنها بالضرورة، وآخر الأمر نحن (رهائن) في المستعمرة ولا حقوق لنا.
مضى العُمر في المستعمرة، وما بقي ليس إلا محاولة لمسابقة الزمن، ليحاول المرء أن يدعي عند خروجه بعض العلم. يقول أستاذ الترجمة: "الله أكبر! كُل شيء تدرسونه هذا التيرم! ماذا فعلتم في بقية السنين؟" والحق أنه لا جواب غير عند أهل الحل والربط في المُستعمرة، فما نحنُ إلا (رهائن) ليس لنا إلا ما يجود كرمهم علينا به. هذه المرة فاض الكرم، فأفاضوا في المواد إفاضة. ثلاث سنين مضت ولم يُفكر أحدٌ بتعليمنا كيف نكتب بحثاً، وهذا العام وضعوا منهجاً، ثم بات علينا أن نطبقه في بحثين لا واحد. وكعادتهم، فإنهم بُخلاء بالثواب للحسن، أسخياء في العقاب لغيره. تذكروا أن هُناك شعراً ورواية وتاريخاً وترجمة وأدباً مقارناً، بل - ويا للهول! - هُناك أدبٌ أمريكي كذلك!
كُل هذا الضغط على مواطني المُستعمرة الشيوخ مُضحك، كالشيخ الذي يرتدي قميصاً أحمر مزيناً بالورود وبنطالاً قصيراً ويصبغ وجنتيه وشفتيه ثم يدعي أن العُمر لم يفته، بل ويدعي أنه لا يبدو كمهرج.
لم يبقَ إلا قبض الريح.

26 سبتمبر 2008

نادر المُجالِد - 2

إذن، نادر سببُ مشاكل العالم الحالية، لأنه تسبب في صعود بوش. ولا يُهم معرفة الناخبين بأجندة بوش، فالخطأ خطأ نادر الذي سمح له بالفوز وتطبيق أجندته. لماذا لا يُعدمونه بالكرسي الكهربائي أو في حجرة الغاز؟

لماذا يُرشح نادر نفسه ليخسر؟
يرى أوباما أن ترشيح رالف نادر المستمر لنفسه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية أمرٌ مُخزِ، ويعتقد أنه مجرد استعراض، وأنه لا معنى لترشيح نادر نفسه للرئاسة فقط ليُثبت مبادئه. أوباما (مُتضرر) من ترشيح نادر، فليس عليه حرج، وكلامه - تقريباً - كلام مُختلف النُخَب الحاكمة في واشنطن دي سي، وبعض الصحفيين الديموقراطيين ممن يستخدمون تعبيراتٍ بحق نادر تصل إلى حد السب العلني. نفسُ الانتقاد يُوجه إلى نادر من قِبَلِ مؤيديه، لماذا تُرشح نفسك لتخسر؟ وهُناك من يقول: أؤمن بك يا نادر، لكنني إن صوتُ لك، فإن صوتي سيكون قد رُمي لأنه بلا قيمة في النتيجة النهائية.
قضية نادر الأساسية ضد النظام الانتخابي الحالي في الولايات المُتحدة كونه نظاماً غير ديموقراطي، لافتقاده أهم أُسسِ الديموقراطية، العدالة. ديموقراطية أمريكا ليست ديموقراطية في الحقيقة، فالرئيس الأمريكي إما فيلٌ وإما حمار، ولا فُرصةَ لأي كان من خارج الحزبين ليُحدث فرقاً حقيقياً! أمريكا ديموقراطية للبيض الأنكلو ساكسون البروتستانت WASP فقط، وليصل أسودٌ - أو نصف إفريقي كما في حالة أوباما ذي الأم البيضاء - إلى مكانةٍ متقدمة فيها، فإن عليه أن يتكلم مثل البيض، ويُفكر مثل البيض، ويصبح أبيض أكثر من البيض! الديموقراطية في أمريكا لا تصل إلى الفُقراء، وإلى الفئات التي لا تُشكل خطراً في عمليات التصويت. الديموقراطية في أمريكا ليست إلا لمن يستطيع دفع ثمنها. الديموقراطية في أمريكا تعني أن يُحولُ السياسيون والمنظرون والصحفيون وكُل النخب الحاكمة المواطنين إلى مُجرد أرقامٍ إحصائية أو دوائر وأعمدةٍ ملونة في بيانات الاستطلاع، مُتجاهلين حقيقة أن الناخبين أفرادٌ لهم إرادتهم الفردية. يرى نادر أن كُل صوتٍ مُهم لقيمته الفردية، للاختيار الذي يقوم به صاحبه. الديموقراطية الحقة تعني الحُرية الفردية، حُرية اتخاذ القرار، لا حُرية الاستهلاك اللا مسؤول. الذين صوتوا له اتخذوا قراراً، ورأوا أن سياسات نادر تُناسبهم، وقرروا أن يكونَ صوتهم مسموعاً. وإذا كان غور أو كيري قد خسرا الانتخابات فعلاً بسبب الأصوات التي ذهبت لنادر، فهذا يعني أن ناخبي نادر قادرون على صُنع فرقٍ حقيقي، وأن الديموقراطيين لم يفهموا الرسالة. هُناك ناخبون يُريدون أكثر من انتهازية سياسيين أمثال باراك أوباما الذي ينتقد نادر لأنه يُصر على تنفيذ أجندته بكاملها.
سياسةُ الحزب الديموقراطي ضعيفة، فالحزب الذي يُقدم نفسه على أنه نصيرُ الأقليات لا يكاد يُقدم للأقليات شيئاً بسياساته التي لا تفعل شيئاً غير تلوين البيت الخرب بطلاء جديد، أو - بتعبير جون مكين المأخوذ مباشرة من عامية السود الأمريكية في وصف سياسة هيلاري كلنتون الصحية - تضع أحمر الشفاه على الخنزير! وهذا اعتراض ناخبي نادر الذين يرون أن سياسات الحزب الديموقراطي لا تخدم المصلحة العُليا للمواطن بقدر ما تخدم المصالح الضيقة للسياسيين، لذلك لا يثقون بهم. وأزمة الثقة بين الديموقراطيين والناخبين ليست مشكلة نادر، وليست مشكلته شكوى أوباما من أنه يُريد تطبيق أجندته بكامله. لديه مبادئه، وهو مستعدٌ للدفاع عنها.
يعرف الأمريكيون أن نادر واحدٌ من مائة أمريكي يقولون الحقيقة دائماً، وصدقه الدائم مصدر احترامه وتأثيره في الرأي العام الأمريكي. نادر صاحب مبادئ لا يُغيرها، بينما غالبية السياسيين انتهازيون بلا مبدأ ولا قضية. - لذا لا يُقدم على أنه سياسي، بل على أنه: محامٍ، مؤلف، و(ناشط سياسي) أو (مصلح سياسي) -.
(ولذلك - أيضاً - يبدو مكين أوفر حظاً من أوباما، فبغض النظر عن كونه أبيض، حافظ مكين على نهج واحدٍ في حملته الانتخابية، وبغض النظر عن مواقفه المثيرة للجدل والتي أزعجت كثيراً من الناخبين كمواقفه من البيئة والحرب على العراق، إلا أنه يحظى باحترامٍ واسع لمحافظته على نهجٍ واحد في حملته).
(كان ذلك قبل أن تُطيح الأزمة الاقتصادية بالجمهوريين تماماً).
يُصدِق الأمريكيون نادر، لكنهم لا ينتخبونه. لأنهم لا يشعرون بوجود خللٍ كبيرٍ يقتضي التحرك لتغييره، ويفضلون بقاء الأمور على ما هي عليه. المجتمع استهلاكي بشكلٍ كبير، ولم يعد راغباً في إحداث أي تغييرات سياسية كُبرى، حتى لو كانت النتيجة النهائية في مصلحته، لأن (هذا ما ألفينا عليه آباءنا). وهذه حجة نادر عليهم، نظام الولايات المُتحدة ليس ديموقراطياً حقاً لأنه نظامُ حزبين، وليست الولايات المُتحدة ديموقراطية لأنها تفتقر إلى العدالة. بدون عدالة، لا ديموقراطية، وبدون ديموقراطية فإن الأساس الذي تدعي عليه أمريكا حضارتها وهيمنتها في العالم قد زال.
نادر يقول للإمبراطور الأمريكي: "أنت عارٍ." والمشكلة في الإمبراطور نفسه الذي يرفض الإصغاء إلى الحقيقة، بينما سيواصل نادر إزعاجه بها، حتى يرى الإمبراطور الحقيقة بوضوح، أو يموت نادر.

25 سبتمبر 2008

نادر المُجالِد - 1

"لا يُمكن أن تكون هُناك ديموقراطية يومية بدون مواطنة يومية. ديموقراطية عميقة تحمل للأجيال القادمة مبدأ كون السعي للعدالة شرط السعي للسعادة."
- رالف نادر، المواطن العام

سمعت عن رالف نادر لأول مرةٍ في 1996 عندما رشح نفسه لانتخابات الرئاسة الأمريكية. كان وقتها شيئاً جديداً هُنا، لكنه كان خبراً قديماً في الولايات المتحدة. كان الأمرُ غريباً، فالرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية إما أحمر أو أزرق، إذن، لماذا يُرشح هذا الأخضر نفسه لانتخاباتٍ يعلم أنه سيخسرها؟ بدا الأمرُ وكأنه (تقليعة) أو ما شابه، وتحدثت وسائل إعلامٍ عربية عن نادر، لا كناشط أخضر، أو كمرشح مستقلٍ للانتخابات الرئاسية الأمريكية، بل كعربي، فآل نادر مهاجرون لبنانيون، ولغة نادر الأم العربية. وكون المرء عربياً ليس مهنةً، لكن نادر كان يُقدّم وقتها على أنه: رالف نادر، (عربي). بعد 1996 لم أسمع شيئاً عن نادر حتى اتُهِمَ في 2000 بأنه سبب وصول بوش إلى الرئاسة الأمريكية لسرقته مائة ألف صوتٍ من آل غور المرشح الديموقراطي وقتها - وكأن الانتخابات في 2000 لم تكن منافسة بين الغبي والممل! وكأن غور وليبرمان لم يرتكبا أخطاء قاتلة في حملتهما! وكأن بوش لم يربح الانتخابات بقرار محكمة! -، ثم بعدها اتهُم في 2004 بالتسبب في هزيمة جون كيري - وكأن بن لادن لم يُحرض الناخبين الأمريكيين على إعادة انتخاب بوش في وقتٍ حرج يوحي بتعاونه مع السي آي إيه! وكأن الأمريكيين سينتخبون كيري الكاثوليكي الذي تُهدد الكنيسة بحرمانه وتصدم بعض آرائه الأسر المحافظة! -، وفي 2008 استُقبل نبأ اعتزامه ترشيح نفسه بتهديداتٍ شديدة من قبل الديموقراطيين الذين يرون نادر بُعبعهم ولص أصواتهم الدائم. لم يكن نادر موضوعاً مثيراً للاهتمام بالنسبة لي، حتى عُقدت مناظرة رئاسية في محادثة جماعية لمُناقشة تأثير الانتخابات الرئاسية الأمريكية على العالم. لأن باراك أوباما يبيع كالخبز الساخن، فقد أراد الجميع أن يكونوا أوباما، ولما حصل أحدهم على دور أوباما، اصطف الباقون لدور جون مكين. لم أتخذ أياً من الجانبين، وبقيت أسأل المرشحين الرئاسيين، حتى تذكرت الأمريكية المرشح الثالث رالف نادر، فسألت: "من يتطوع ليكون نادر؟" اعترض زميلها: "إنه مهرج!". أصرت: "لدى نادر ما يقوله!" حسناً، أنا سأكون نادر في هذه التمثيلية! وسيتعلم الصبي الأبيض ألا يدعوه بالمهرج ثانية. صحيح أن نادر أبلى حسناً، وربح الانتخابات، لكنني تمنيت لو كنت أعرف عنه أكثر وقتها.

أمريكا تُريد كبش فداء!
أولُ ما يتذكره العالم عن نادر ترشحه في خمس انتخاباتٍ رئاسية متتالية، لكن أول ما يتذكره العالم عنه ليس بالضرورة أول ما يتذكره الأمريكيون عنه، فنادر - بالنسبة للكثيرين في أمريكا - "رجل السيارات" الذي رفع قضية على كُبريات شركات تصنيع السيارات الأمريكية مُجبراً إياها على اعتماد معايير سلامة لحماية الركاب، ومُمراً قرار إنشاء هيئة لسلامة الطرقات والمركبات في 1965. نتائج مجالدة نادر لأجل حقوق مستخدمي السيارات تظهر اليوم في أحزمة الأمان التي يربطها الركاب لحمايتهم، وفي الوسادات الهوائية التي تحمي الركاب عند الحوادث من التعرض لإصاباتٍ خطيرة. أصبحت السيارات أكثر أماناً، ليس للركاب في أمريكا فقط، لكن للركاب في كثيرٍ من أنحاء العالم بعد تطبيق معايير السلامة الأمريكية. تأثير نادر يصل إلى ناحية مؤثرة من حياة كُل شخصٍ اليومية، وهذا ليس تأثيراً هيناً لشخصٍ واحد! مع ذلك، يُسخِفُ سياسيو واشنطن دي سي عمل نادر واصفين إياه بأنه مجرد "رجل سيارات" يرفع قضايا على الشركات الكُبرى بشكلٍ دائم، حتى أن السناتور تِد كنيدي يطلب من نادر علناً أن "[يذهب] ليهتم بالسيارات، و[يترك] الانتخابات [للديموقراطيين]". كنيدي جعل قضية حياته أن يفوز أوباما - رغم أن فوزه غيرُ مرجح - لذا، يمكنه أن يُسخِفَ الفوز بمعركة لأجل سلامة المستخدمين دون أن يشعر بتأنيب الضمير. ونادر عدو الديموقراطيين الدائم، وشماعتهم التي يُعلقون عليها فشلهم أمام بوش.
يتحدث المُنظرِون الديموقراطيون عن تأثير نادر المُدمر على مُرشحيهم - آل غور وجون كيري - مستخدمين تعبيراتٍ مثل: تأثير المُخرِب Spoiler effect لوصف الأصوات التي يأخذها نادر في كُل مرةٍ يترشح فيها. تأثير المُخرِب يظهر في السباقات الانتخابية ذات النتائج المُتقاربة، حيث يسحب مُرشحٌ ثالث لا حظ له في الفوز حصةً من أصوات المُرشحِ المُقارب له في الفكر - المرشح الديموقراطي في هذه الحالة - لذا يُحمله الديموقراطيون مسؤولية فشل غور وكيري - رغم أنه ترشح في 1992 و1996 وخسر الانتخابات أمام بِل كلنتون (الديموقراطي)، دون أن يفتح ديموقراطي فمه ليشتكي من الأصوات التي (سرقها) -، بل ويتمادى البعض محملين نادر مسؤولية حربي العراق وأفغانستان، وهوجة الحرب على الإرهاب!
الشعب الأمريكي لا يُريد تحملَ مسؤولية اختياره للتكساسي السعران، والديموقراطيون لا يُريدون تحمل نتائج فشلهم في اختيار مُرشحين يُقنعون الشعب الأمريكي بوجوب انتخابهم. وحتى مع مرشح (تاريخي) مثل باراك أوباما، تبدو حملة الديموقراطيين الانتخابية مجرد فيلم دعائي هوليوودي مبنيٍ على براعة تقنيي الغرافيكس، لافتقاد أوباما - كسابقيه - إلى شخصية قيادية تستطيع إحداث فرقٍ حقيقي، أو إلى موقفٍ حقيقي من العالم اليوم. لذا يحاول الديموقراطيون من البداية لومَ نادر على فشلهم المُنتظر قريباً.
لا يُهمُ جهاد نادر من أجل سلامة المستهلك، وصيانة الحقوق الدستورية للمواطنين، وتعميق مفاهيم الحرية والمسؤولية، والحفاظ على البيئة، والتقليل من نسبة تلوث الهواء، والحصول على ديموقراطية حقيقية بعيداً عن نظام الحزبين الديكتاتوري، ولا يُهمُ أن الذين ذهبوا للتصويت لنادر أفرادٌ أحرارٌ اتخذوا قراراتهم بأنفسهم، لا مجرد دُمى تُغير أصواتها بمجرد إنقاص عدد الأسماء على ورقة الاقتراع، فأمريكا التي لا تُريد تحمل مسؤولية اختياراتها، ولا تريدُ تُحملَ مسؤولية الفوضى التي سببتها في العالم، لن تلومَ رئيسها الحالي - الذي انتخبته - بل ستلوم الشخص الذي جالد لأجلها. إنه (الشخص الشرير)، وهو سبب كُل الخراب! تذكروا، نادر من أصلٍ عربي ويدعم حقوق الفلسطينيين! لقد دمر العالم!

18 أغسطس 2008

السادس: أنت لا تقرأ ما تكتبه

فكر في القائمة التي أعددتها للسبب الأول: أنت لا تشتري كتباً. (ادع أنك أعددت قائمة).
تخيل أنه عليك أن تعيد كل هذه الكتب إلى الرفوف التي أخذتها منها في المكتبات التي اشتريتها منها (أو فكر فقط بمكتباتك المفضلة).
تخيل الآن كتابك القادم في غلافٍ مثير يحمل روح قصتك كما هي. أين سيكون مكانه في هذه المكتبات؟ هل سيكون في أي مكانٍ قرب الكتب التي اشتريتها، أم سيكون في مكانٍ آخر؟
هل ستلتقطه - أو سيفعل قارئ افتراضي -؟

شون لندسي، 6 نوفمبر 2006
Reason#6: You Don't Read What You're Writing

تعليق: كاتبٌ وليس قارئاً!
يوسع الكثيرون استخدام مفهوم: "أنا لا أؤمن بكل ما أكتبه، ولا أفعل كل ما تفعله شخصياتي". - الضروري في الكتابة -، ويحولونه إلى: "أنا لا أقرأ ما أكتبه أصلاً" مُعتبرين ذلك (فتحاً) أدبياً من نوعٍ ما. إذا لم يقرأ المرء أعماله، فمن سيقرأوها؟ ولماذا يفترض من يكتب أنه سيجد تلقائياً من يقرأ له لمجرد أنه (ارتكب) فعل الكتابة؟
قرأت في مجلةٍ ذات مرة حكايةً يتذكرها أديبٌ شهير - نسيت اسمه - من أيام عمله مسؤولاً عن القسم الأدبي لإحدى الصحف عن شابٍ جاء إلى الصحيفة حاملاً قصصه ووساطة أحد معارف الأديب. وجدَ الأديب قصصه غايةً في السخف والركاكة، فسأله عن قراءاته: هل قرأت الكتاب الفلاني؟ هل قرأت أدب فلان؟ واستمر يسأله فترةً طويلة والشاب يجيبه بالنفي، ثم ضاق الشاب بأسئلته فقال له: "يكفي يا أستاذ! قُلت لك إنني كاتبٌ ولستُ قارئاً". يُطبق مُعظم من يكتبون هذه الواقعة بحذافيرها، فهم لا يقرأون أبداً، بل يكتبون فقط. أعرف (روائيين) يعتبرون قراءة الروايات مضيعة للوقت، ولا يقرأون حتى رواياتهم التي يكتبونها، ولو لمراجعة أخطائها النحوية واللغوية، ومعالجة ثغرات الحبكات. مع ذلك يعتقدون أن ما يكتبونه يستحق أن يُكتب بماء الذهب ويُحفَظَ في أرقى متاحف العالم. لذلك، يصحُ ما يُشاع أنه قد قيل عن أدب الشباب ويصف أدبهم بأنه "خطأ مطبعي ممتد".

15 أغسطس 2008

والآن، محمود!

لم أقرأ شيئاً يتعلق بمحمود درويش مُنذ وفاته، ولكل امرئٍ حُزنه. غير أن المواد عنه تصلني بالقوة، حتى أنني أفكر في أن فايرفوكس، الذي يحمل إلى المرء كُل شيء دون أن يتصفح حتى، نقمةٌ بقدر ما هو نعمة.
هذا مُبدعٌ آخر قد رحل، وفرصةٌ جديدة سنحت لنهش لحمه قبل أن يستقر في قبره. مُناسبةُ وفاته فرصةٌ (سعيدة) لاتهامه بالكفر والعمالة والخيانة، وبأنه ليس شاعراً!
- يُزعجني الجهلة حين يظهرون في مُناسبات الوفاة ليبدوا (رأيهم) في إبداعاتِ شخصٍ لم يسمح لهم جهلهم بأن يسمعوا عنه من قبل مهما بلغت شهرته، فيصفونها بأنها (دون المستوى) أو (رديئة) أو ينفون عن الراحل صفة الإبداع من الأساس! -
اليمين واليسار، التيار الديني الأصولي والتيارالملحد الأصولي، الشيوعيون والرأسماليون، كُلهم يتفقون في إفلاسهم الأخلاقي الفاحش ولا يفوتون مناسبة لإظهاره كمن يتلذذ بعرض عاهته ليستفز عواطف الناس أو ليظفر بالانتباه. مثلهم أولئك الذين يتساءلون عند وفاته بشكلٍ سخيفٍ: هل نُحبُ محمود درويش أم نكرهه؟ كمن يفتح مدونةً ليستشير عابري سبيل لا يعرف عنهم شيئاً: هل أتزوج هذه الفتاة أم لا؟ أشخاصٌ وصلوا من الخواء الفكري والروحي حداً جردهم من كُل معنى وحولهم إلى مجرد فقاعاتٍ منتفخة تتغذى على تفاهاتِ أشخاصٍ لم يجدوا في حياتهم ما يفعلونه خيراً من انتظار موتِ أديبٍ ليفتحوا أشداقهم المسعورة على آخرها.
هُناك أشخاصٌ يبدو أن حياتهم قد توقفت على قضيةٍ واحدة، منع الناس من التعبير عن حزنهم على محمود درويش - وكُل امرئ يحزن كما يشاء -، بعضهم بالسخرية من فكرة الحزن على رحيل شخصٍ لم تربط قراءه به غير قصائده التي لن ترحل برحيله، وبعضهم بآياتٍ وأحاديثٍ تحط من قدرِ الشعراء، وتجعل الحُزن عليهم موبقة توجب دخول جهنم. الأخيرون يذكرونني برحيل إدوارد سعيد قبل سنوات. كُنت في المدرسة الثانوية وقتها، ولم يكن أحدٌ في المدرسة يعرف سعيداً باستثناء معلمَينِ فلسطينيَين. لم أقل شيئاً، لكن مزاجي ظل حزيناً لفترةِ. شجنٌ غامض لم يُبارحني عند الرحيل أبداً، جدده رثاء درويش لصديقه بقصيدته "طباق" - التي تُرجِمَت إلى الإنكليزية ترجمةً غير موفقةٍ، ثُم (تُرجمت) مُجدداً إلى العربية فأصبحت شيئاً لا علاقة له بدرويش، أو بالشعر من الأساس -. ثُم تذكروا فجأةً رحيل إدوارد سعيد في الإذاعة المدرسية - في محاولة لاسترضاء أحد المدرسين الفلسطينيين -، فتحدثوا عنه حديثاً غير موفق، وبطبعي الذي لا يعرف السكوت حين يحسن السكوت صححت الكثير من المعلومات عنه. تعرضتُ لاستجواباتٍ كثيرةٍ وُجِدَ منها أنني شعرتُ بالحزن حقاً لرحيل سعيد. لم يكن عليهم أن يتحروا عنه وقتها، فالحزن على شخصٍ اسمه الأول إدوارد، وتمني الرحمة له أمران يوجبان العقاب الأبدي في جهنم لو مِتُ دون أن أتوبَ عن هذه المعصية. - والعُمر يجري، وأنا لم أتب بعد! -
(يُضحكني من يسألُ عن السبب في مقتي للمدرسة، معسكرُ اعتقالٍ يُديره آمون غوث كان ليكون مكاناً أفضل بكثير).
عرضُ العاهاتُ العقليةِ أمرٌ، ومنعُ الناسِ من الحُزن أمرٌ آخر. كِلاهُما دليل على انعدام الأخلاق، وعلى أدنى قدرٍ من الإنسانية يكاد يتحول حيوانية محضة، لكن الأخير اعتداءٌ غاشم على حقوقِ آخرينَ في الإنسانية، وكأن القطيع المتوحشَ يُريد أن يحول الجميع مسوخاً مثله.

14 أغسطس 2008

وإن ما كبرت...

... ما بتصغر!
مع اقتراب رمضان، تعرض الفضائيات نماذج من بضائعها الجديدة للشهر الفضيل، جنباً إلى جنب مع قمر الدين والكُنافة والسمبوسة، بوصف الطعام والمسلسلات (العربية) المميز الأساسي لشهر رمضان (الفضيل). أحدُ المسلسلات المُنتظرة في رمضان، الجزء الثالث من مسلسل "باب الحارة" الذي يبدو أن القائمين عليه قد قرروا تحويله إلى "ليالي الحلمية" الجديد، ولا عجب، فللمسلسل نسبة متابعةٍ عاليةٍ في العالم العربي قد تُغطي على مسلسلاتٍ أخرى مثل "نور" و"سنوات الضياع." (على الأقل، باب الحارة من إنتاج عربي.)
تعرض قنوات MBC لقطاتٍ من المسلسل كدعاية لتشويق المشاهدين للأحداث، وكُل اللقطات التي تعرضها تُظهر أناساً يتوعدون آخرين بأشياء فظيعة لا يستحقها المقام - فالأمر كُله يدور في حارة! -، ويصرخون بأعلى أصواتهم - رجالاً ونساء -، ثُم تنتهي المشاهد الخاطفة بعبارة: "وإن ما كبرت، ما بتصغر!".
شاهدت قليلاً من الجزء الأول للمسلسل، لكنني لم أشاهد الجزء الثاني بالمرة، ولا أخطط لمشاهدة الثالث. فالمسلسل تحول إلى سلسلةِ مشاكلَ وشجاراتٍ تافهةٍ لا نهاية لها، بين الكنة والحماة والأصهار والأعمام والأخوال و.......... وكأنه لا تكفي المرء مشاكل الحياة اليومية ليضيف عليها كُل هذا الكم من المشاكل والصُراخ!
مع ذلك، فهذا الكم الذي لا ينتهي من المشاكل هو السبب الرئيسي الذي يجذب الجمهور للمسلسل، ويجعلهم متحمسين: "والله أبو شهاب رجال" (!)، "أم لطفية ثعبانة" (!)، "عصام ماشي ورا مرته" (!). تستمر الصراعات التافهة، ويستمر الصُراخ، ويستمر انشداه المتفرجين.
قدم المُخرج بسام المُلا مسلسلاتٍ أخرى قبل باب الحارة تحمل ثيمته، منها "أيام شامية" و"ليالي الصالحية" - النسخة الأولية لباب الحارة - لكن أياً منها لم يُحقق نجاح باب الحارة، لغياب الدعاية رُبما، فمركز تلفزيون الشرق الأوسط مشهور بدعايته القوية لمشاريعه، وتبنيه لباب الحارة حوله من مسلسل محلي محدود التأثير إلى حالة عربية عامة، كما فعل مع الموجة التركية التي قرر أن يغزو التلفاز بها.
سببٌ آخر جعل باب الحارة يتقدم على مسلسلات المُلا الأخرى، أنه فهم وكتاب السيناريو (المشكلة) أو (العُقدة) في الدراما على وجهةٍ غير المقصودة، فأنشأوا سلسلة مشاكل لا تنتهي وشجاراتٍ وشوارب (مبرومة) وقليلاً من الحديث عن دعم (الجهادية)، وغلفوها بأغنية مقدمة تتحدث عن الذي يحلف يميناً كاذباً - الإيدعشري الميت في الجزء الأول، ويبدو أنهم لم يريدوا تغيير أغنية المُقدمة لتبقى ثيمة المسلسل خلال سنوات عرضه كما حدث مع ليالي الحلمية من قبل -، ثم قدموها إلى مشاهدٍ أكل حتى الامتلاء، وقرر التسلي بإكمال مشاجراته على التلفاز، بعد أن أنشغل أفراد الأسرة والمعارف والجيران بإكمال مشاجراتهم هُم أيضاً عن طريق أبي شهابٍ وصحبه.
ورمضان كريم.

13 أغسطس 2008

Villain

ليس ثمة قصة جيدة بدون شرير جيد.
مع أن ثُنائية البطل - الشرير صارت أقرب إلى الهرطقة في النقد الحديث - وصار الاعتقاد بها في درجة الاعتقاد بوجود أبو رجل مسلوخة -، إلا أنها لا تزال محور الحكاياتِ غالباً، والمُقترب الأساسي لقراءة كُتب الخيال، أو مُشاهدة الأفلام، وما إلى ذلك. أولُ ما يفعله المرء التفكير:
من الأبطال؟ ماذا يُريدون؟
من الأشرار؟ ماذا يُريدون؟
تُركز غالبية كُتب النقد على الأبطال دون الأشرار، فلتكون عند المرء قصةٍ، ينبغي أن يكون لها بطلٌ يجذب اهتمام القارئ وتعاطفه، بينما يحلُ الشرير في المرتبة الأخيرة، باعتباره العائق الذي يمنع البطل من تحقيق ما يُريده. حين ينتقل المرء إلى التطبيق، يجد أن القصة تفشل إذا لم يكُن الشرير مُتقناً. وغالباً ما يعلقُ الشرير في أذهان الجمهور أكثر من البطل، حتى يكاد يُنازعه مكانته، كما حدث مع فاوستوس ومفستوفيليس، فالأصل أن مفستوفيليس باعتباره الشيطان - أو وكيله - الشرير المُطلق في القصة، لكن مفستوفيليس هجر فاوستوس، وخرج من عباءته ليقوم وحده بوصفه رمزاً متفرداً في الفن.
تتخفى ثُنائية البطل - الشرير أحياناً، وتتزيا بأزياء مختلفة، فبطلٌ تراجيدي مثل مكبث شريرٌ إذا نُظِرَ إلى أفعاله من قتله لملكه وابن عمه دنكن، وقتله لصديقه بانكو، وذبح رجاله لأسرة مناوئه مكدَف. وفي المُقابل، فإن مكدَف هو البطل لأنه يُناوئ طاغية دموياً مثل مكبث، ويُحارِبُ لإعادة العرش المُغتصب إلى صاحبه الحقيقي، ولأنه - في سعيه البطولي - يتعرض لنكباتٍ أنزلها به الشرير (مكبث). ومع ذلك، فإن الأحداث جميعها تدور من وجهة نظر مكبث، وتُصبح محاولات مكدف ومالكولم ودونالبين للنيل منه اعتداءاتٍ (شريرةٍ) لإيقاف مكبث (البطل)، الأمر الذي أثار جنون النُقاد، وجعل لمسرحية مكبث مكاناً متفرداً بوصفها متمردةً على التصنيف النقدي الكلاسيكي، ووقحةٍ في تجرؤها على تقديم قاتلٍ جبان كمكبث في مكان البطل. وفي محاولةٍ منهم للتغلب على الكمين الذي نصبه لهم شكسبير بمسرحيته، (عَيَنَ) النُقاد ليدي مكبث شرير المسرحية الرسمي، والساحرة الرابعة الشمطاء، وحملوها وِزرَ أفعال مكبث جميعاً، فعاد مكبث البطل، وتحولت زوجته إلى شرير. وبغض النظر عن ضعف إحلال الأدوار هذا، وإغفاله لثيمة الشر الذي يأتي من الداخل، فإنه لم يحل مشكلةً هامة تتعلق بمكدَف (الشرير)، فلا جدال في أن أهدافه نبيلة، إذن، لماذا يأخذ مكانة الشرير في المسرحية؟
ليس غريباً أن تُلقب مسرحية مكبث بالمسرحية الإسكتلندية تحاشياً لذكر اسمها، فالمسرحية تُخيف النُقاد - والعاملين في المسرح - أكثر مما يُخيف أنتم-تعرفون-من عالم السحر.
تطور المسرح كثيراً، وتغير منذ أيام شكسبير، لكن المسرحيين لم يتوقفوا عن نصب الفخاخ والكمائن للقُراء والنُقاد، فغوته يحرمُ فاوست من الخصائص الإنسانية بينما يهبها لمفستوفيليس، بحيث تُصبح نجاته في النهاية غير مُبررة، ومُجحفةً بحق مفستوفيليس الذي يتحول من جلادٍ إلى ضحية. وهنريك إبسن يكتب براند الذي يسعى إلى الخلاص بالتضحية بزوجته وابنه وكُل من يعني له شيئاً في العالم. جُنَ أبطال المسرح، ولم يعودوا أبطالاً، بل صاروا إلى الشر أقرب بحيث أصابوا النُقاد بالإعياء. بطلُ المسرحية ينبغي أن يكون (بطلاً)، لكن الأبطال الجُدد ليسوا كذلك. ظهرت مصطلحات جديدة تُحاول التغلب على معضلة الأبطال الأشرار هؤلاء فأصبح لدينا بطلٌ مُضاد Anti-hero، ثم حاول النُقاد التخلي أخيراً عن ثنائية بطل - شرير Hero - Villain لصالح ثُنائية العامل الرئيسي - العامل المُضاد Protagonist - Antagonist، تاركين أحكام البطولة والشر، فصار ممكناً أن يكون العامل المُضاد في العمل ممثلاً للخير، طالما أن أفعاله تُعارض أفعال العامل الرئيسي الذي بدأ الحدث منه، وبشكلٍ طبيعي، فإن الجمهور سيهتف للعامل الرئيسي.
رغم أن العاملين الرئيسي والمضاد قدما خدمة كبيرة للتصنيفات النقدية، إلا أن الشرير لم يختف، بل نال اهتماماً أكثر من السابق، فكما وُجدت مُصطلحات: بطل مأساوي Tragic hero وبطل مضاد Anti-hero، وُجدت في المقابل مصطلحات: شريرٍ مأساوي Tragic villain وشرير مُضاد Anti-villain، حين قرر النقاد اتباع الجانب الغامض الذي أغراهم صغاراً بالتعاطف مع الشرير في سعيه الملحمي لإيقاف البطل. كان بوسع شكسبير أن يقلب أحداث مكبث، فيقدمها من وجهة نظر مكدَف، لكنه لم يفعل، لأن مكبث (الشرير) إنساني في خوفه ووحدته وعجزه، إنساني في رثائه لنفسه، إنساني في طغيانه وعزله، إنساني في موته. مكبث ليس مجرد صخرةٍ صماء تُحيل حياة مكدَف إلى جحيمٍ دون سببٍ ظاهر غير أغراض الحكاية، بل إنه شخصية من لحمٍ ودم. شخصية تُغري الدارسين بالبحث في الشرير المسكوت عنه طويلاً في الفن.
بدون شريرٍ لا يوجد بطلٌ، وبدون سعيهما الملحمي، لا توجد حكاية لتُروى.