05 ديسمبر 2010

فاشية بالنعناع

اضطررتُ - مؤخراً - للإصغاء إلى إملاءات أحد المثقفين بخصوص الحالة الثقافية للعالم العربي، وغياب ثقافة التسامح والتأصيل المعرفي فيه - من جملة قضايا أخرى مُتنوعة. أخيراً، قاطع المثقف الكبيرُ نفسه وسألني: "ما آخر قراءاتك؟" فأجبت: "أُمبرتو إيكو." هز المثقف الكبيرُ رأسه في وقارٍ وواصل إملاءاته: "مُشكلة إيكو أنه لساني، وهذا يُفسد كتاباته." ثم مضى ينتقد ضعف أداء إيكو الروائي وجموده الشديد لكونه عالم لسانيات في الأصل. كان كلامه يحملُ قدراً من الصحة، لكنني قرأتهُ في عدةِ أماكِن قبل ذلك، وبدا لي كأنه يُردد رأياً سمعه لا كونه بنفسه. لم أُعلِق، فمضى يُعدد مثالِب إيكو: أنه عالمٌ لساني، أنه عالمٌ لساني، أنه عالمٌ لساني. ثم اقترح علّي قراءة إيزابيل أليندي إذ أن لها اشتغالاتٍ تاريخية في مرحلة ما بعد زورو. (روايات إيكو تاريخية كُلها، وكذلك روايات أليندي التي تربط بين تاريخ تشيلي وتاريخ الولايات المُتحدة الأمريكية مُنذ بيت الأرواح إلى الجزيرة تحت البحر).
بالنسبةِ لي، إيكو قروسطي، وهذا المفتاحُ الرئيسي لمعظم ما قرأته له من روايات - بغض النظر عن الجدليات اللسانية التي يدخلُ فيها. إنه يحكي حكاياتٍ مُسليةً عن الحالة الثقافية في القرون الوسطى، وإسقاطاتنا المُعاصرة عليها، ولديه مغامراتٌ طريفة، وحبكاتٌ مثيرة للاهتمام، وشخصياتٌ مميزة، بل إنه يكتُبُ شخصياتٍ ثانوية مثيرة للاهتمام أكثر من شخصياته الرئيسية (فريدريك بارباروسا، عبدول، سان سافان، أدزو،....). ورغم أنه يزورُ نفس أماكن هرمان هِسِه في نرسيس وغولدموند - مثلاً، إلا أن كتاباته أقل جموداً بكثير من كتابات هِسه الروائي غير اللساني.
والمسألة ليست ما يكتبه إيكو أو أليندي أو هِسِه، وإنما اعتقادُ المُثقف اليقيني بأن التأويل الذي يتبناه للنص التأويل الأوحد، وأن مقولاته في مُختلف القضايا التي عرضها فصلُ الخطاب، بحيث تصير أي فُرصةٍ يعثر فيها على شخصٍ يستمع له مُناسبةً لفرض إملاءاته عليه. لا تعود هذه الإملاءات إلى المثقف نفسه، وإنما إلى مُثقفٍ أكبر حجماً منه وأكثر مهابة، وهذا الأخير قد رضعها بدوره عن مُثقفٍ أكبر حجماً منه ومهابة، وهكذا إلى ما لا نهاية. المسألة تعود بنا إلى فرض الرقابة على التاريخ في جوهرها، فبينما تأتي المُطالبة بفرض رقابة على التاريخ صريحةً وواضحة تُلغي النص، يُصادِرُ النفوذ الثقافي تأويل النص ويُغلقه. ليس هذا خبراً جديداً، فأهمُ ما تعلمته في حياتي أن الفاشية موجودة في كُل مكان، وقادرةٌ على التكيف لتحافظ على بقائها.

النص الذي لا يقرأه أحد
لأن المثقفين الفاشيين يقرأون عادة
دليل الفاشي الذكي إلى حياةٍ أكثر فاشية، فإنهم لا يفرضون رقابةً صريحةً ومُباشرةً على التاريخ، وإنما يلجأون إلى فرض الحصار على تأويل النص فيميتونه بهذه الطريقة. مُذ كُنت في الإعدادية وأنا أحضر ندواتٍ عن رواية مأساة واق الواق لمحمد محمود الزُبيري، وأقرأ مقالاتٍ ودراساتٍ لا تزيدني إلا نفوراً منها. في كُلِ مُناسبةٍ - ومن دون مناسبة أحياناً - لا بُد من أن تظهر جماعة تقيم ندوةً لدراسة مأساة واق الواق، تتحدث عن الأبعاد الوطنية والدينية واللسانية في الرواية - وهذه الأخيرة (موضة). حتى في كتاب الأدب المدرسي القديم كان ثمة إشاراتٌ إلى مأساة واق الواق - بوصفها واحدةً من الروايات اليمنية المُهمة وحسب.
كُنت قد عزمتُ في الجامعة على ألا أقرأ
مأساة واق الواق ما حييت - وعلى أن أفرِ من الندواتِ التي تُعقد لها ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً، وبقيتُ على العهد القديم، حتى صادفتُ باحثاً أجنبياً قرأها، فشعرت ببعض الخجل من رفضي لقراءة الرواية، وقررتُ أن أقرأها. عندما انتهيتُ من قراءة مأساة واق الواق، خلصتُ إلى نتيجة مفادها أنهم جميعاً يتحدثون عن رواية أخرى لم أقرأها.
بغض النظر عن استطرادات الزبيري الطويلة وخُطبه، فإن
مأساة واق الواق تنطلقُ من سؤالٍ مركزي: أين اليمن؟ لا يزالُ هذا السؤالُ قائماً بعد اثنين وخمسين عاماً من كتابة الرواية، ولهذا السبب، كان واجباً وأدُ نص مأساة واق الواق، وتحويله إلى عجينة مائعة من الشعارات الأيديولوجية التي تُلائم القائمين على الندوات، ليستمرَ الفراغ في الاتساع.
يتحدث الزبيري بصراحة عن العقدة اليزنية التي لا يزال اليمنيون يعانون منها إلى اليوم، وهذه عُقدةٌ ترجع أصولها إلى سيف بن ذي يزن الذي يُقال إنه لم يُقاتل الأحباش بجيوشه اليمنية فقط، وإنما طلب معونة الفرس، فأرسل كسرى إلى اليمن ستمائة فارسي من المحكوم عليهم بالإعدام ليساعدوا سيفاً في حملته. بعد طرد الأحباش من اليمن، وتتويج سيف ملكاً، تسلط الفرس على اليمن عن طريقه، ومات هو بطريقةٍ مريبة، ليبدأ الحُكم الفارسي لليمن حتى مجيء الإسلام. ويبدو من روايته أن المفكرين اليمنيين كانوا يُناقشونها بصراحة في الأربعينيات والخمسينيات، وأن بعضهم قد أخذ على بعضهم الآخر تبعيتهم المُطلقة لمصر.

لأن الزبيري كتبَ روايته بعد إعدام كثيرين من المفكرين والأدباء اليمنيين في ما أعقب ثورة 1948، فإنه قد انشغل بالتبرير للجميع، وبتجميل صورة الجميع، حتى اليزنيين، لكنه مع ذلك لم يستطع أن يتجاهل العُقدة اليزنية وتجاهل مصر لليمن - أول الأمر - فانشغل العزي محمود - بطل روايته - بشرح مكان بلده ومأساتها لشيوخ الأزهر المصري الذين اهتموا بكل بقعة من بقاع الدنيا ما عدا واق الواق. وفي محاولته هذه، فإنه يبحث عن بلاده في كُل مكان، ويزور الجنة والنار ويحاور الثوار والطغاة وحتى الملائكة بحثاً عنها. الأمرُ الذي يرتجف النقاد منه فرقاً اليوم، ويتجاهلونه تماماً. والحديث عن
مأساة واق الواق يطول.
في السياق ذاته، شكا إلّي زملاء من ندوة حضروها، تحدثت عن كتابٍ مُعين واصفةً إياه بأنه منهجٌ في علم التأويل - رغم أنه يخلو من أي إشارةٍ منهجية، ويكتفي بعرض قراءة سطحية للكاتب في نصٍ ما. قال الزملاء إن جميع النقاد المشاركين في الندوة قد وصفوا الكتاب بما ليس فيه، وكأنهم يتحدثون عن كتابٍ آخر، وأنهم حين حاولوا الاعتراض أُجلِسُوا.


طه حسين ما كانش يقصد!

تُشعِرُ الشكوى من ضعف التقدير الذي يُكنه الآخرون لأهمية عمل المرء الشاكي بالتميز، وقد ابتُليتُ بمقابلة أسرابٍ من الشاكين من كُل صنفٍ ونوعٍ حتى خرجتُ بنظريةٍ مفادها أن من يشتكي من ضعف تقدير الآخرين لأهمية ما يقوم به، يشعرُ بأنه قد أدى ما عليه بالشكوى، ويعجز عن إنتاج أي عملٍ ذي قيمةٍ بعدها. حتى الآن، أثبتت نظريتي غير مرة، ونجحت تتمتها التي تقضي بأن جميع الشاكين فاشيون بالضرورة بصورةٍ مُزعِجَة.

من ذلك، أنني - في نهارٍ شتوي شديد البرودة - قد أُجبِرتُ على الإصغاء لشكوى مُثقَفين اثنين من مُصادرة الآراء، وضعف التفكيرِ العام، وفرض الإملاءات القسرية على كُل من يحاول أن يُفكِر بمفرده، ومن إهمال الجامعة ومراكز البحث لاثنين من ألمع المفكرين مثلهما. وحيثُ أنهما قد كانا في مكتبةٍ عامة - والذوق يفرض عدم إزعاج الناس في مكتبةٍ عامة - فقد صدف وأن جلسَ قريباً منهما قارئ، وانهمك في قراءة كتابه. توقف المثقفان عن تبادل الشكوى، ونظرا إلى الفريسة، ثم سأل أكثرهما عدوانية: "ما الذي تقرأه؟"

"في الشعر الجاهلي." أجاب القارئ بحسن نية.

هز أكثرهما عدوانية رأسه وأشار للآخر: "هل رأيت؟ هذا ما كُنت أتحدث عنه! طه حسين لم يقصد أن يكتب
في الشعر الجاهلي، وإنما اضطر إلى كتابته إرضاء لنزوات أستاذه الفرنسي الكاره للعرب!"
حاول القارئ الاعتراض على ما ذهب إليه المثقف، مُشيراً إلى أن طه حسين خرج بكتابه بعد دراسةٍ مُطولة، وإلى أنه كان مُقتنعاً بما قاله، فهز المثقف العدواني رأسه في خطورة: "أنت عارف إن طه حسين حوكم على هذا الكتاب؟" همهم القارئ بشيء ما فقمعه المثقف، "هذا جزء من بليتنا! مسكين طه حسين! اضطر إلى كتابة كتابٍ لأنه كان أعمى وفقيراً في باريس، ولكنه في النهاية تاب عنه."

"عفواً،" قال القارئ، "هل قرأت كتاب
في الشعر الجاهلي؟"
فنظر إليه المثقف باحتقارٍ شديد: "لا، طبعاً! لكن قرأت ما قيل عنه."
 
 لكن هذا لم يُثِر اهتمامي بقدر مفارقة حوار المثقفين قبل ظهور القارئ قُربهما، وهذه مُفارقةٌ لن يسلم أي كاتب دراما من الانتقاد لو ضمنها واحداً من أعماله. ليس هذا لأن الجمهور عدواني مُتطلب، بل لأن الحياة مُبتذلة للغاية، وعلى كاتب الدراما أن يحولها إلى صيغةٍ مُتسامية. هذه شروط العقد الدرامي: لا تنسخ الحياة، اجعلها أفضل.
في تأملاتي الشخصية حول طبيعة الحياة والدراما، لم أنتبه إلى الكيفية التي تفاقمت فيها المُشكلة بين القارئ - الذي كان متحمساً - والمثقفين الفاشيين الذين أصرا على أن طه حسين قد تبرأ من
في الشعر الجاهلي وأعلن توبته قبل مماته، وأنه ينبغي إعدام جميع نُسِخ الكتاب لتوبة صاحبه!

ماحدش أحسن من حد!

مع كأس العالم 2006 في ألمانيا، أخذت صورٌ لنصبٍ تذكاري مُكونٍ من الكُتِب تنتشرُ في كُلِ مكان، وصرتُ أسمعُ ثناءً على الألمان في كُلِ مكانٍ، فهُم قومُ ثقافةٍ وكتابٍ، كرموا كُتابهم بنصبٍ تذكاري هامٍ بينما يموت كُتابنا من الإهمال. لكنني لم أتحمس للنصب، فقد شعرتُ بأنه يفتقر إلى شيء ما - غير الجمال. هُناك اسمٌ ما ناقص، وقد
تفطنت إليه أخيراً: لا يُوجَدُ في النصب إشارةٌ إلى فريدريك نيتشه! الألمان مثلنا - والفاشية لا تعرف ديناً أو عرقاً على كُل حالٍ - يُمارسون النبذ والإقصاء، ويحذفون كُتاباً مُهمين لمُجَرَدِ أنهم لا يتلاءمون مع الصورة العامة التي تحاول السُلطاتُ الثقافية تكريسها عن البلد وترويجها.
إن فريدريك نيتشه أديبٌ أكثر إثارة للاهتمام من توماس مان - مثلاً - وأكثر تأثيراً، وفلسفته لا تقل أهمية عن فلسفات كانت وهيغل. لكن إضافة اسمه إلى النصب قد تتسبب في كارثةِ علاقاتٍ عامة للقائمين على تنظيم كأس العالم، فكثيرٌ من الفاشيين الأوروبيين والأمريكيين سيلوكون حديث النازية والمحرقة، إذ أن اسم نيتشه موصومٌ بالنازية. لذلك اتخذت الفاشية الألمانية الطريق الأسهل، فأنكرت نيتشه وشوبنهاور وكُل من لا يُناسِبُ موجة جلد الذات الألمانية العامة. ووفقاً لترتيبٍ فاشي ذكي، احتل غونتر غراس قمة الهرم، لا لأنه أحدث الكُتاب زمناً - فالهرم غيرُ مُرتبٍ زمانياً - وإنما لأنه أكثر جلادي النازية قسوة - قبل أن يُقر بأنه كان فرداً في شبيبة هتلر. ولأسبابٍ مُشابهة قفز مارتن لوثر فوق كانت، وتوارى ماركس تحت الأخوين غريم. هكذا، يصيرُ نصب الكُتاب الألمان واحداً من أكثر أعمالِ الفاشية إبداعاً وذكاء.


قضية عباد الشمس

وبالحديث عن الإبداع الفاشي، تذكرتُ الاتصالَ الهاتفي الذي أثار ضجة قبل مُدة، إذ اتصلت سيدةٌ بأحد برامج الأسئلة الدينية، وتحدثت بُحرقة عن شيوعِ نباتٍ كافر لا يعبد الله، اتضح أنه عبّاد الشمس. السخرية من مشاعِرِ الناس مُعيبة، وقد تعرضت هذه السيدة لكمٍ كبيرٍ من السخرية. المشكلةُ في العقلية التي أفرزت مثل هذا الهجوم العاطفي على عبّاد الشمس، والعقلية التي تحاولُ أن تدعي العقلانية فتقول إن عبّاد الشمس ينبغي أن يُسمى دوار الشمس أو تبّاع الشمس. كُل هذه الزوبعة الفاشية عاطلةٌ عن العقل، فعبّاد الشمس مخلوقٌ لا يُفكِر، والشمسُ مخلوقٌ لا يُفكِر، ومن لا يُفكِر لا يختار. كذلك لا يفعل من يتجاهلون التسمية الاستعارية لعبّاد الشمس، ومن يعتقدون فعلاً أنه نباتٌ كافر يتسبب في كفر من يتعاطونه.

على أيِ حالٍ، أعتقد - شخصياً - أن الفاشية الخلّاقة إنما تكمن في خُطةِ شركاتِ زيوت الذرة لضربِ سوقِ زيوتِ عبّاد الشمسِ في مقتل بعد أن تعددت مصانع زيوت عبّاد الشمس العربية، وتغلبت على سوق زيوت الذرة حتى كاد يُشَلُ. إنها حقيقة يُدركها العالم أجمع، أن المال حليف الفاشية الأكبر.

19 أكتوبر 2010

لوسيفر

يعتقد أرسطو أن المأساة Tragedy تتفوق على الملحمة Epic والملهاة Comedy وغيرها من أشكال التعبير الفني، ويُفسِرُ اعتقاده بأسبابٍ عديدة، منها: أن المأساة الحقة عميقة وعظيمة، وأن زمنها مُحدد، وأن مقياسها أكبر من الحياة، وأن الموسيقى تصحب أحداثها. السبب الأهمُ الذي يجعل المأساة أعظم أشكال التعبير الفني أن مصدر المعاناة فيها قرارات البطل المأساوي نفسه: الخلل الذاتي المؤدي للسقوط. البطل المأساوي لا يُعاني نتائج أفعال غيره، وتأتي عظمته من قدرته الخاصة على ارتكابِ الأفعال العظيمة والشريرة، ومن ثم تحمل العواقب. ما يجعلُ المأساة شكلاً فريداً من أشكال التعبير الفني أنها عمل فردي إذ لا يوجد ثنائيات في المأساة الحقة: هُناك أوديب وحده، أنتيغونا وحدها، مكبث وحده.
عدا المأساة، فإن كُل الخيال القصصي يعتمدُ على الثنائيات: البطل والشرير، العامل الرئيسي والعامل المضاد، الملاك والشيطان. الثنائيات قاعدة في الميثولوجيا الدينية: النور والظلمة، سِت وأوزيريس، أهورا مزدا وأهريمان، أودِن ولوكي، الآلهة والتايتنات. وفي الحكايات الشعبية، فإنه لابد من أمنا الغولة لتكتمل مغامرات الشاطر حسن. وفي الثقافة الشعبية هناك: شرلوك هولمز وجيمس موريارتي، سوبرمان ولِكس لوثر، لوك سكايووكر ودارث فيدر، هاري بوتر ولورد فولدمورت، كريتُس وزيوس، آبل وIBM، غنو لينكس ومايكروسوفت. لتنجح هذه الثنائيات، فإنه ينبغي أن تكون العلاقة تبادلية بين البطل وخصمه، بحيث يكون الخصمُ مساوياً للبطل في قدراته الشخصية، ويصير الصراع بينهما متكافئ القوى، مما يحول سعي البطل إلى ملحمة.
في هذا النظام الثنائي، قد يتحول التركيز إلى الشرير (العامل المضاد) بوصفه المُحرك الرئيسي للصراع، كما في أفلام نهضة ديزني حيثُ طموحات أشرارٍ مثل سكار (الأسد الملك) وجعفر (علاء الدين) منبع الحدث الدرامي. بل إن الشرير قد يصير حالةً مُطلقة كما هو الحال مع القاضي كلود فرولو في فيلم أحدب نوتردام (1996)، إذ أنه ليسَ شريراً يواجهه بطلٌ واحدٌ، وإنما تواجهه بقيةُ شخصيات الفيلم: كوازيمودو وإزميرالدا ورئيس شمامسة نوتردام وفيبُس - والكراغل الحجرية - ولا تأتي نهايته نتيجة لانتصار البطل - الحتمي - بل نتيجة لما يُمكن أن يوصف بأنه تدخلٌ إلهي. (إلى حدٍ ما، تُحقق حالة كلود فرولو شروط المأساة، ويُمكِن - بقليلٍ من سعة الخيال - اعتباره بطلاً مأساوياً).
يُذكِر د. فرانتز لوسيفر من سلسلة ما وراء الطبيعة بالقاضي كلود فرولو إلى حدٍ ما، إذ أنه شريرُ السلسلة المُطلق الذي لا يُمكِن للبطل (رفعت إسماعيل) احتواؤه، أو حتى مُقارعته وجهاً لوجه، ويحتاجُ الخلاص منه إلى تدخلٍ إلهي. يتحركُ فرولو من قاعدةِ أنه رجلُ الله في أرضه، ويتحركُ د. لوسيفر من قاعدةِ أنه - بوصفه الشيطان - واحدٌ من أدواتِ الخلق، وجزءٌ من الحياة التي لا تكتمل إلا بالضوء والظل.
يُثير لوسيفر الاهتمامَ لأسبابٍ أخرى غيرَ كونه الشيطان، فبوصفه شريرَ السلسلة، يُفترض برفعت إسماعيل - الذي يصطف في الجانب الخيّر دائماً - أن يُمقته. رفعتُ يُمقت لوسيفر فعلاً، غير أنه لا يستطيع التغلب على انبهاره الشديد به. تمر كُل شخصياتِ ما وراء الطبيعة إلى القراء عبر منظاره: مملة، مليئة بالعيوب، ولا شيء مهمٌ بشأنها، إلا عندما يتعلق الأمر بلوسيفر الذي ينقل عنه أدق تفاصيل حركاته وسكناته وتعبيراته، غير قادرٍ على إخفاء انبهاره به، وحسده له.
يُعادي رفعت لوسيفر في حكايات التاروت من النظرة الأولى، لأنه نجم الحفلةِ والشخص الذي جاء الجميعُ من أجله، بينما رفعت وصديقاه مجرد شخصياتٍ هامشية لا يأبه بها أحد. إنه يتحدث عن الحب في غرفةٍ باردةٍ ملأى بالغرباء، ويظهر ثرياً، مهيباُ، ومسيطراً، بينما رفعت يشعر بعدم الارتياح في بيئةٍ غريبة ومعادية، وفي حضور رجلٌ غريبٍ يرتدي قرطاً. يزداد العداء بين الاثنين بسبب احتقار رفعت المُطلق للسحر والكهانة، وينتقم منه لوسيفر بدق أسس يقينه العلمي عن طريقِ إخباره بما لا يعمله أحدٌ عنه. يُقدم لوسيفر قصةً طريفة عن مصير رفعت، تحملُ شبهاً بما سيحدث لاحقاً، ولا تعني أكثر من معابثة عابرة، بينما يبذر بذوراً شريرة في بقية الحضور، تؤدي بهم إلى ارتكاب جرائم مروعة لاحقاً. لقد اختار رفعت ليصير سخريته الدائمة عقاباً له على الموقف المتعالي الذي أبداه نحوه من البداية. (يتمتع فرانتز لوسيفر بحسِ فكاهةٍ عالٍ، مع أن رفعت يعتقد حقاً أنه لا يفهم النكات. كونه يفهم النكاتُ أو لا يفهمها مسألةٌ غير ذاتِ أهمية لأن رفعت يختارُ أوقاتاً غير ملائمةٍ لها، قاصداً تسخيف أفكارِه).
المسألة ألا شيء في رفعت يُغري كياناً شيطانياً يجعله عدواً له، لأن رفعت آخر شخصٌ في العالم يُمكِن أن يفهم الشطحات العبقرية التي تدفع الشخصيات الأخرى في السلسلة إلى القيامِ بأعمالٍ جنونية (استكشاف كهوف تسيلي، إحياء أسطورة ميدوسا، جمع كتاب العزيف، استخدام الفيزياء لاستكشاف العالم وراء الطبيعي، ......)، بل إنه يُمقت اللوحات الأصلية في المتاحف لأن [ضربات الفرشاة تكون واضحة وخشنة فيها، بينما تجعلها الصور في المجلات جميلة ومضبوطة الألوان]. لكنه لا يزالُ متصلاً بعالم ما وراء الطبيعة بشكلٍ أو بآخر، إنه ليسَ مُغامراً ولا شاعراً، لكنه رجلٌ مُثقف "يفهم في هذه الأمور" ويُمكنه أن يتخذ منها موقفاً عقلانياً. إنه رجلُ عصر الأنوار المتمسِك بالعقل المحض - وإن كان الزمن قد أجبره على الإقرار بوجود أمورٍ لا يُدركها العلم. وإلى حدٍ ما، يُشبِهُ رفعت الشاعر الإنكليزي سامويل تايلر كولردج، الذي يرى كثيرٌ من نقاد الأدب الإنكليزي أنه ليسَ شاعراً حقاً - رغم "أغنية البحار القديم" و"قبلاي خان" - وإنما رجلاً يُحسِنُ فهم الشعر، ومُدمِنَ أفيون قادراً على تذكر رؤاه بوضوح، لذلك أمكن له أن يكتب قصائد عبقريةً في بربريتها. صحيحٌ أن رفعت ليسَ مُدمِنَ أفيون، لكن معرفته الواسعة بعالم الخوارق تعمل في لا وعيه، بحيثُ يُمكِنُ فعلاً أن يكون مجرد عجوزٍ خرف يختلق الحكايات.
لكن في رفعت ما قد يُغري رجلاً عبقرياً بعدائه والسخرية منه: إنه انتقامٌ مُستمرٌ يُنزله لوسيفر بالرجل الذي سخرَ منه ذات مرةٍ بينما آمن الآخرون به. وحصانة رفعت الطبيعية تجاه الشطحات العبقرية تجعله موضع إغراء لكُل ذوي الطموحات العبقرية في السلسلة (تابيثا، المستكشف الإيطالي، فرانكنشتاين،......). لذلك، يدعوه لوسيفر إلى (حفلاته) الخاصة من حينٍ لآخر. في مرحلةٍ ما من السلسلة، يتحول لوسيفر من كونه (رجلاً) إلى كونه (كائناً)، وتصير المسألة واضحة بلا مواربة: رفعت إسماعيل يتعامل مع الشيطان مُباشرة - أو وكيله - من دون أن يكون هناك سببٌ يوجِب هذا التعامل، فرفعت ليس ساحراً، وليس مفتوناً بما لا يعرفه، ولا يهتمُ بشحطات العبقرية البربرية. إن كون لوسيفر رجلاً يجعل فهم الضغينة التي يُكنها لرفعت الذي لا يُدرِكُ أن العبقرية - بحد ذاتها - أمرٌ خارقٌ للطبيعة مُمكنأما كونه شيطاناً فيجعل الفكرة أكبرُ من العبارة، لأن بناء ما وراء الطبيعة - على ما هو عليه الآن - لا يستوعِبُ الثِقلَ الفلسفي للفاوستية، ولأن شخصية رفعت إسماعيل ليست صالحةً لأن تكون في عداد الشخصيات الفاوستية، ذلك أنه لم يُجِرِب صنع شيء يتطلب عبقرية ما، وليس فيلسوفاً.
في أسطورة شبه مخيفة، تصيرُ الأمورُ مخالفةً لطبيعة السرد القصصي حقاً، ففرانتز لوسيفر يتحول إلى شيطانٍ متغير الشكل يُتعِبُ نفسه بالتدبير عامين لمكيدةٍ جديدة لرفعت وحبيبته الأزلية ماغي - هذه المرة - ويظهر بصورةٍ مُختلفة في معظم القصة - ولو إنه من المُمكِن التنبؤ باكراً بأن د. نورمان هارتفورد هو لوسيفر من انبهار رفعت الشديد به. هُناك الدُعابة - غير الموفقة إطلاقاً - في نهاية الرواية، وفيها يظهر أن رفعت وحياته كلها قصةً يكتبها خرياسوس المدون ليُسلي أباه لوسيفر. هُناك كمٌ كبير من التحفظات على مواهِب السيد خرياسوس الكتابية، وعلى ذوق السيد لوسيفر الأدبي، لكن المسألة تتجاوز هذه الشكليات إلى فقدان الدافع السردي، وسقوط حبكة لوسيفر الفرعية في السلسلة سقوطاً مدوياً.
مشكلةُ أسطورة شبه مخيفة الأولى أنه ليسَ هُناكَ سببٌ مُقنِع يُحرِك الأحداث: كاتبٌ يكتب قصص رعب تتحقق، ويتضح أنه ابن لوسيفر الذي يُدبِرُ مقلباً لرفعت من دون سببٍ وجيه. الأمرُ لا يتعلق هُنا بدعوةٍ إلى جانب النجوم، أو إرسال صندوقٍ إلى رفعت، بل بخطةٍ مُدبرةٍ للإيقاع به وبحبيبته من دون أن يكون لهذا هدفٌ أكبر. حتى حب لوسيفر للتسلية والعبث لا يستطيعُ أن يُنقذ حبكة هذه القصة، لذلك جاءت (دعابة) النهاية، فإذا كان من المستحيل إقناع القراء بأن رفعت أوقع بابن لوسيفر في الحفرة التي حفرها بنفسه، فإنهم سيستشيطون غضباً بسبب النهاية التي يتضح فيها أن كُلَ شيء مكتوب جاء من وحي خيالِ خرياسوس المدون، وعليه سينتقل الجدل إلى منطقةٍ مُختلفة بعيدةٍ عن الاستحقاق الأدبي. (هُناك حرب التشكيك في النوايا المعتادة، والدفاع المُعتاد بحجة "الكاتب الفلاني استخدم هذه التقنية"، وفلسفة "إنها قصة يا جماعة" المعتادة).
هُناكَ أيضاً فكرةُ الكاتب محدود الموهبة والشهرة. لقد كان مقبولاً في حكايات التاروت أن يكون لوسيفر ساحراً لم يسمع به أحد خارج دوائر السحر المُغلقة بوصفه (خبيراً) كما هو الحال مع خُبراء التقنية - مثلاً - ممن يحصلون على أجورٍ عالية نظير خدماتهم الاستثنائية، ويعرفهم أهل التخصص، بينما يجهلهم الجمهور العريض. الأمرُ مختلفٌ في أسطورة شبه مُخيفة لأن شخصية لوسيفر قد تغيرت من رجلٍ عبقري إلى كيانٍ شيطاني، ولأن ابنه كاتبُ رعبٍ يكتب للجمهور العريض، لا خبيراً في (تخصصٍ دقيق) كما كان أبوه في بداية السلسلة. من الصعب تصديق أن لوسيفر لا يستطيعُ أن يجعل ابنه أفضل وأشهر كاتب رعبٍ في العالم أجمع، بينما يسخر كافة قواه ليهزأ برفعت. الأمرُ يتعدى حدود المقبول سردياً، لكنه قريبٌ من عالم رفعت إسماعيل النفسي، إذ يستحيلُ على رفعت الواقع في منطقة الوسط أن يقترن بأيِ خُطة عالمية طموحة. إنه رجلٌ متواضع، وأعداؤه أناسٌ متواضعون ينصبون له مقالب متواضعة.
الشرخُ في شخصيةِ لوسيفر ظهرَ واضحاً في هذه القصة، فبعد أن كان شخصاً عبقرياً غير معروف النوايا - مثل تابيثا مكغفرت - صار كياناً شيطانياً، ثم كياناً شيطانياً له ابن ضعيف قبيح المنظر، ثم كياناً شيطانياً يتورط في مقالب سخيفة. (وما من شكٍ في أنه لن يُقبل بعدها في النادي الشيطاني الذي يضم مفستوفِلِس وبعلزبوب وفولند، رغم أن اسمه لوسيفر، مما يعني أن رتبته أعلى من رُتبهم. ذلك أن ترتيب القيادة الجهنمية التقليدي يضع لوسيفر في أعلى الهرم، ثم يليه بعلزبوب، فمفستوفِلِس - الذي يعمل مبعوثاً رسمياً ومحصل ديون ووكيلاً إدارياً لجهنم.)
بتجاهل أسطورة شبه مخيفة وصندوق بندورا، فإن شخصية لوسيفر تصلُ أعلى نقطةٍ لها في جانب النجوم، حيثُ يُحقق لوسيفر الفرض المبدأي لشخصيته، ويحمل رفعت على مواجهة الشر مُباشرة. مجموعة في جانب النجوم مقبضة، سوداوية، وخانقة كما يُفترض بالشرِ أن يكون، ورفعت لا يستطيع فيها إلا أن يكون طفلاً صارخاً غير قادرٍ على احتمالِ فكرةِ أن يُجبَرَ على تلاوة آثامه. إنه لا يستطيع أن يفهم غرض لوسيفر من دعوته إلى محكمة الشر، ولا يستطيع أن يرتكب الشر لأنه محدود الخيال بما فيه الكفاية لئلا يُفكِرَ بارتكاب الشر المُطلق، ولم يتعرض لتجربةٍ يُجبَرُ معها على الخضوع لسلطان الخوف المهيمن.
في محكمة جانب النجوم، يعرضُ لوسيفر جانباً من عبقريته الشريرة على رفعت إسماعيل. إنه سيدُ جانب النجوم المُطاع - مع أنه بشري، أو شبه بشري - وتتبعه كُل الوحوش المروعة التي تعيشُ في ذلك المكان المجنون. جانب النجوم مملكةُ فرانتز لوسيفر الخاصة من الخمايرات، حيث يحكمُ وحده، وحيثُ يُحققُ عدالته الخاصة. ورغم أنه يظهرُ مسالماً في حكايةٍ سابقة، أسطورة دماء دراكيولا، بوصفه مجردَ شاهدٍ دعاه فلاد الوالاشي ليشهد عودته، فإنه ليسَ صعباً أن يُستشف من جانب النجوم أنه مُدِبرُ الأحداثِ المؤسفة في هالماجيو، وأن فلاد الوالاشي واحدٌ من الوحوش التي يحتفظ بها بوصفها حيوانات أليفة. هكذا، تصيرُ دعوته لرفعت إسماعيل مُبررة، إذ أنه يرغب في أن يعرض عليه جزءاً من عالمه الذي استخف به في لقائهما الأول. إنه ببساطة ينتقمُ من كبرياء رفعت، ويريه أنه - فرانتز لوسيفر - رجلٌ قادرٌ على أعاجيبٍ يحيا رجالٌ مثل رفعت ويموتون من دون أن يحلموا بها حتى.
من المؤسف أن تلقى شخصيةٌ لها إمكانيات لوسيفر الهائلة مثل هذا المصير. الآن، لا يبدو مصير تابيثا قاتماً أبداً، فما يعني فُقدان المرء رأسه أمام انحطاطِه من دون أن يكون بطلاً مأساوياً؟

10 أكتوبر 2010

تابيثا

أول مرةٍ صادفت فيها رفعت إسماعيل بطلاً كانت في أسطورة رأس ميدوسا، ولم يكن لقاء موفقاً. كنتُ قد استعرت الكتيب من مكتبة المدرسة ظناً مني بأنه كتابٌ يتحدث عن الأساطير الإغريقية، ولم يُعجبني منذ صفحاته الأولى بسبب استخفافه بالميثولوجيا الإغريقية التي شكلت الأساس الكلاسيكي لقراءاتي - بترجمات أمين سلامة ودريني خشبة وعبد الرحمن بدوي - وخلطه أسماء الآلهة اليونانية بالرومانية، ومن ثم موقف رفعت إسماعيل - الذي يعرف كل شيء عن أي شيء - المستفز .
منذ البداية، يرفض رفعت إسماعيل فكرة إيجاد رأسِ ميدوسا لأنها أسطورة ذات أساسٍ وثني، وهو لا يؤمن بالأوثان، لذلك تتحول القصة إلى مطاردةٍ بوليسية لكشف من يحاولون إحياء أسطورة الغرغونات. يتكرر هذا الموقف بعد عدة سنوات مع أسطورة صندوق بندورا، حيثُ المسألة بأكملها ملعوبٌ من لوسيفر. في المُقابل، يتقبل رفعت وجود المينوتور من دون أن يعلق بشيء على أصولِ الأسطورة (الوثنية)، فالمينوتور لعنة صبها بوسايدن على مينوس ملك كريت، وجاءت ولادته نتيجة لانحرافٍ مُرعب يتجنب الإشارة إليه تماماً. الأمرُ غريبٌ، فكل الأساطير اليونانية ذات منشأ وثني، وقبول المينوتور بوصفه ظاهرةً بيولوجية خارقة يقتضي قبول الغرغونات بوصفهن حالة فيزيائية خارقة، وقبول صندوق بندورا بوصفه صندوقاً سحرياً حيكت حوله الحكايات الوثنية. كان من الأفضل الخروجُ من هذه الورطة برمتها، إما بتجاهل الميثولوجيا الإغريقية جملةً وتفصيلاً - والاكتفاء بالفرايكولاياس، إذا كان لا بد من اليونان وإن طال السفر - أو بالخضوع لقواعدها - مع بعض التحويرات الضرورية لأي عملٍ فني. المشكلة أن تجاهل الحقبة الكلاسيكية Classical Antiquity غير ممكن، كما أنه من غير الممكن أن يتخلى رفعت عن الصفات التي تجعل منه رفعت إسماعيل. والحل الوحيد أمام القارئ لتجنب التشويه اللاحق بالميثولوجيا الإغريقية أن يكون عارفاً بها. (المعرفة بالميثولوجيا الإغريقية - والحقبة الكلاسيكية، عموماً- مفيدةٌ في كل الأحوال، إذ يستحيل على أيِ كاتبٍ التنمر على أي قارئ كلاسيكي، ولو كان ت. س. إليوت نفسه).
مع ذلك، كانت هُناك تابيثا، وهي وحدها من جعلت الكُتيب يستحق القراءة والتقدير. واحدٌ من المآخذ على سلسلة ما وراء الطبيعة الذي ذكرته تدوينة "شارب الوغد" كان موقفها العدائي من النساء، وفي محاولات المدافعين عن السلسلة لتفنيد هذا المأخذ، تكرر اسمُ ماغي ماكيلوب كثيراً. ما يتناساه الكثيرون في هذه الحمية أن ماغي ليست امرأة بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما صورة الحضارة الغربية (الرومانتيكية) في مُخيلة رفعت إسماعيل. إنها شقراء، أرستقراطية، عالمة، ابنة أستاذه، تُحِبُه ولن تتزوجه أبداً - لأن الشرق شرق، والغرب غرب، ولا يلتقيان أبداً. إنها تتحدث الإنكليزية، لكنها ليست إنكليزية بل إسكتلندية - لأن الإنكليز احتلوا مصر وإسكتلندا. كل هذه الصفات تتردد - بشكلٍ أو بآخر - في كتاباتِ الكتاب العرب الذين كتبوا عن الغرب منذ زمنٍ يسبق موسم الهجرة إلى الشمال، وسيظلون يكتبون كذلك حتى تزول الهوة الحضارية بين الشرق والغرب، ويكف الغرب عن كونه امرأة جميلة تتعلق ببطلٍ شرقي. هُناك من ذكر إيناس من آخر الليل والجاثوم، والواقع أنها لا تصلح، لأنها مسيرة لا مُخيرة، وعندما تُقرر بنفسها أن تبقى مع الرجل الذي تحبه، يظفر بها الجاثوم، ويمزقها حبيبها شر ممزق. (لتكون عبرة لكل من تسول لها نفسها الحديث إلى الرجال الغرباء في السينما).
لا أجد ما يثير الاهتمام في الحديث عن التوأم نجلاء وناهد، أو عن د. كاميليا، أو عن سهام وهويدا، أو حتى عن براكسا نجيب ورونيل السوداء والأم مارشا - وأعتقد أن من اقترح الثلاث الأخيرات يملك حساً بالدعابة. الشخصية الأنثوية الوحيدة التي يُمكن أن تُصنف (إيجابية) - في السلسلة - قد ظهرت مُبكراً جداً - أسطورة رأس ميدوسا - وقُتِلَت مُبكراً أيضاً - أسطورتها - بطريقةٍ بشعة. لا ضغائن هُنا، فعالم ما وراء الطبيعة لا يسع رفعت إسماعيل وتابيثا ماكغفرت معاً. تأخذ تابيثا زمام المُبادرة من رفعت في كُلِ المواقف تقريباً، فهي من تُراسله - وترسمه بطريقة ساخرة، وقبل أن يصفها هو بالشيطانة القبيحة، فإنها تصف نفسها بأنها شيطانة موهوبة، وتوقِع به في مآزق كلامية لم ينتبه إليها، وتأخذ دوره (التثقيفي) فتكون مصدراً لكثيرٍ من المعلوماتِ في الرواية. إنها - بالنسبة لرفعت - الكابوس الأسوأ، ولولا المسألة الما ورائية المُتعلقة بلوسيفر، لكانت العدو المثالي لرفعت إسماعيل، خصوصاً وأنها مؤلفة رعب، وهو يمقت كتاب الرعب.
هُناكَ لمسةٌ تراجيدية تتعلق بتابيثا، إنها - بشكلٍ ما - ليدي مكبث مُعاصِرة، تأخذ عهد الزواج بحرفيةٍ تامة: "في السراء والضراء، وفي الصحة والمرض، إلى أن يُفرقنا الموت". كلتا المرأتين تُحبُ زوجها، وتشاركه جرائمه الطموحة بدافع الحُب. كلتاهما تملكان خيارَ الانسحاب، لكنهما تختاران المواجهة عارفتين بالنتائج المأساوية لخياراتهما. تابيثا أكثر حيوية وبراعة وموهبة من ليدي مكبث، وفي وضعٍ أسوأ. لقد عاشت مُرفهة في إسكتلندا، ثم عرفت الفقر والجوع والتشرد مع زوجها اليوناني الذي لا يمتازُ بالأمانة أو البراعة العلمية. كان بإمكانها أن تحزم حقائبها وتعود إلى إسكتلندا، لكنها اختارت البقاء مع زوجها، واختارت مساعدته على النجاة من عواقب مخالفاته المتكررة للقانون.
فكرة إحياء أسطورة رأس ميدوسا تدلُ على قدرٍ من الجنون، لكن الجنون والموهبة متقاربان جداً. وقد كانت تابيثا موهوبة بما فيه الكفاية لتُحيي أسطورة عتيقة: تنحت تماثيل مُتقنة، تتنبأ بما سيحدث وتستعد له، وتضيف قليلاً من المرح فتنحت حتى الفئران. هُناك رعبٌ في القصة - لمن يُدركه، ومصدره العبقرية المتوهجة لتابيثا - التي تراسل هنري ماتيس، أحد رموز الوحوشية: العبقرية التي تقتضي شيئاً بدائياً، بربرياً، وهائلاً ولا تعرفُ الحدود الأخلاقية الضيقة. العبقرية التي تجعل من تابيثا ملكةٍ على مملكةٍ من الخمايرات. لذلك، يصعب أن يفهمها رفعت إسماعيل - الذي لم يكن في حياته عبقرياً، ولم يحلم في حياته بأن يحكم مملكة من الخمايرات. (بل إنه يتخصص في علم أمراض الدم لأنه المجال الطبي الوحيد الذي تقلد فيه الطبيعة الكُتب).
إن تابيثا لا تصلح حبيبة لرفعت، ولا تصلح تلميذة له، أو زوجة (باسلة) لأحد أصدقائه، أو فتاة يعطف عليها عطفاً أبوياً، لذلك فإنها لا تنتمي إلى عالم ما وراء الطبيعة إطلاقاً، بل إنها واحدةٌ من الشخصيات القلائل التي يُطلق عليها الرصاص لإنهاء مواجهته معها بطريقةٍ جذرية. وفي النهاية، فإن الرصاص لا يقتلها - لأنها لم تُصنع من العجينة الرومانتيكية التي صُنِع منها رفعت - وتنهض، وتتحدث إليه، وترد ببراعة، وتتقبل السجن ببساطة. لقد غامرت، وخسرت، وهي ممن يتقبلون الخسارة بروحٍ رياضية. لولا تدخل الشبح الفج - وغير المُبرر، إلا لعرض المزيد من رومانتيكيات رفعت إسماعيل - لاستمرت تابيثا في مغامراتها بعد الخروج من السجن، ولرُبما توصلت إلى جعل شعبٍ من البدائيين يعبدها - كما فعل كرتز - وحكمت مملكتها الفعلية من الخمايرات.
لو كان هُناك مجتمع معجبين ناضج بالعربية، فإنني أعتقد أن تابيثا ماكغفرت كانت لتكون من أكثر الشخصيات التي تُكتب عنها قصص fan ficton - مع د. لوسيفر، بطبيعة الحال. ورُبما كانت بعض الكتابات عن تابيثا لتصيرَ سلاسل قائمة بذاتها، أو على الأقل روايات لها استحقاقها الروائي الخاص بها - إذا صار عالم ما وراء الطبيعة مفتوحاً للمشاركة العامة كما هو عالم هوارد فيلبس لفكرافت. لكن، والحال كما هو الآن - فإن أكثر الُمعجبين ابتكاراً يستضيف حلقاتٍ على غرار برنامج بعد منتصف الليل. من يدري؟ فرُبما نرى المزيد من تابيثا غداً. في النهاية، التفاؤل واجبٌ أخلاقي، حتى في المملكة الرمادية العظيمة.

25 سبتمبر 2010

Maxima Culpa

قصة فيلم مُنتصف الليل في حدائق الخير والشر (1997) بسيطة: مُحاكمة ريفي ثري بتهمة قتل عشيقه المُتبطل، لكن حبكة الفيلم مُركَبة: جو مدينة سافانا الحار؛ المخيف؛ المتربِص، ميراث الجنوب الأمريكي من العبودية والثراء الريفي، سحر الهودو الذي ينتشر في جورجيا، أجواء الريف المُنغِلِق حيث يقود الرجال كلاباً ميتة للنزهة، ويُقرر ريفي مجنون تسميم المدينة بإيحاء من ذباباته. هُناك صحفي قادمٌ من مدينة كوزموبوليتانية، ومغنية متحولة (أو متحول)، ساحرة هودو، الريفي الثري، والعشيق المُتبطل. ورغم أن الجميع يعرف كُل شيء، إلا أن الجميع يُصر على الإنكار: لا أحد شاذٌ في سافانا، لا أحد يُمارس الهودو في سافانا، الكلاب لا تموت في سافانا. هكذا، يصنع كلينت إيستوود واحداً من أفضل أفلامه - وأقلها شهرة.
يأخذ الفيلم - والكتاب الذي اقتُبِسَ عنه الفيلم - عنوانه من مفهومٍ في سحر الهودو يقتضي بأن مُنتصف الليل اللحظة الفاصلة بين الخير والشر: دقيقةٌ قبل مُنتصف للسحر الخيِّر، ودقيقةٌ بعده للسحر الشرير. مُنتصفُ الليل نفسه ليس خيراً ولا شراً، وفي الحديقةِ التي يُمارَسُ فيها السحر، يحضر الخير والشر. سر مقتل الصبي مجهول، أو تحاولُ المُحاكمة تغطيته. هُناك عاملٌ ميتافيزيقي يتعلق بالقضية، فغضب الصبي المقتول يلحق القاتل - أو من يعتقد الصبي أنه قاتله - بشكلٍ مُستمر، ويقتله آخر الأمر. الخيرُ والشرُ يحضران في كُلِ نواحي سافانا حضوراً كاملاً: الموتى ما زالوا أحياء، والأحياء موتى. لقد مسَ الشرُ الجميع، لكنَ الخيرَ لم ينعدِم.
في فيلم الشك (2008)، تمثل الأخت ألويشس بوفييه اليقين المُطلق. إنها متيقنة من الأب فلِن يستغلُ طفلاً أسود منبوذاً، وتسعى طوال الفيلم لإثبات جريمته وطرده. يُنكِر الأب فلِن التُهمة باستمرار، لا يعترف الولد بالعلاقة، تقع معلمة الولد في حيرةٍ كبيرة بين يقين مرشدتها ودفاع الأب فلِن عن نفسه، ترفض أم الولد المشاركة في محاولة تجريم الأب. جميعهم محكومون بالشك، لكن الأخت ألويشس متيقنة مما يجري. إنها لا تقتنع بدفاع الأم - الذي يفطرُ القلوب - عن حالةِ طفلها: ابنها مُختِلِف، وهي تعرف ذلك يقيناً. أبوه يُريد قتله، وزملاؤه السود سيقتلونه في المدرسة الإعدادية. قد يستغله الأب فلِن أو قد لايستغله، المُهِم أن ينجح الولد ويدخل جامعةً في مكان بعيدٍ، ويعيش إلى أن يكتشف الطب حلاً لحالته. لا أحدَ يُعاون الأخت ألويشس، لكنها لا تقنط. ستفضح الكاذب وستخرجه. آخر الأمر، تتخلص من الأب فلِن، لكن نفيه يتضمن ترقيةً إلى مكانٍ يُمكن أن يُسبب فيه ضرراً أكبر. في النهاية، ترتجف الأخت ألويشس في فناء الكنيسة: هل كان الأب فلِن بريئاً وعادته لأنه يتناول السُكر ويطيل أظافره ويستخدم كلماتٍ مسيئة في العرف الكاثوليكي؟ هل كان الأب فلِن مُذنباً حقاً وتسببت هي في مزيدٍ من الأذى لمزيدٍ من الأطفال؟ ما هو مصيرُ الولد الصغير؟ تحطم يقينُ الأخت ألويشس إلى الأبد، لأنه: "في السعي لكشف الشر، يبتعد المرء عن طريق الله."
يقينُ الأخت ألويشس ليسَ خيراً، وشكها ليس كذلك أيضاً. إنها شخصية (خيّرة)، لكن سعيها لفضح الشر يقودها إلى الجانب الآخر. في النهاية، تمرُ بلحظة تنوير، ولحظة تنويرها تحملُ دمارها النهائي والمُطلق: إنها اللحظة التي ترى فيها الوحش في الداخل، والشرَ الذي يكمنُ في الطبيعة الإنسانية. لحظة تنوير الأخت ألويشس لحظةُ النهاية، بينما في فيلم ديزني الشهير أحدب نوتردام (1996)، يُحارِبُ القاضي كلود فرولو لحظات تنويره الشخصية، رافضاً رؤية الوحش في الداخل. يبدأ فرولو من منطلقاتٍ شبيهةٍ بمنطلقات الأخت ألويشس: التوقُ لتخليص العالم من الخطيئة والرذيلة. خطيئتهما المُشتركة الخطيئةُ اللوسيفرية القديمة: الغرور. كلاهما لا يستطيع أن يرى الشر في داخله، وكلاهما يعتقد أنه قريبٌ من الله بما يكفي لئلا يمسه الشر. تقول كلمات أغنية "أجراس نوتردام" هذا بوضوح حين تصف القاضي كلود فرولو:
"كل ما أراده القاضي فرولو
تطهيرُ العالم من الخطيئة والرذيلة،
كان يرى الفساد في كُل مكانٍ،
إلا في نفسه."
بينما تمتلك الأختُ ألويشس فضيلةَ الإقرار بالذنب، يُنكِر القاضي فرولو الذنب. إنه يرفض أن يعتبر مطاردته العنيفة للغجر عملاً شريراً لأنهم "وثنيون"، ويُعذِب قائد الحرس السابق لأنه "متهاون"، ويقتل أم كوازيمودو لأنها "هربت". وفي المشهدِ الأيقوني الذي يُدافع فيه عن نفسه أمام محكمة الرب، فإنه يُنكِرُ الذنب. يعترفُ رُهبان نوتردام بالخطيئة، بينما يُنكرها معارضاً إياهم - والصلاة الكاثوليكية التي ينتمي إليها:
"ليس خطأي
خطيئتي
لستُ الملوم
خطيئتي
إنها الغجرية التي رمتني باللهب
خطيئتي العُظمى
ليس خطأي
خطيئتي
إذا كان الرب قد قرر
خطيئتي
أن الشيطان أقوى من الإنسان
خطيئتي العُظمى"
مع أنه قبل ذلك، يعترف بأنه قريبٌ من الخطيئة، ويرى نيران الجحيم تُحيطه من كُلِ جانب. عندما تُحاصره الظلال وتتمكن منه، يُطلق القاضي فرولو سراح الوحش في داخلهِ تماماً، ليُحرق باريس، ويُعذب بالجملة، ويحاول قتل كوازيمودو وإزميرالدا. تصيرُ حالتُه قريبة من حالة فاوستس الذي يرى أن "جزاء الخطيئة الموت، ومن يقولُ إنه ليس خاطئاً، إنما يخادع نفسه." يستسلم فاوستس للخطيئة ويسلم روحه للشيطان، بينما يعكسُ فرولو خطيئته على إزميرالدا ويُقرر إعدامها صارخاً: "وجزاء من لا يُطيع الموت"، ومُردداً: "وهو سيضربُ الأشرار، ويرميهم في الهوةِ المُحترقة." إنه يرى نفسه يدَ الرب. الطريقان المتعاكسان الذين ذهب فيهما فاوستس وفرولو قادا إلى هلاكهما هلاكاً تاماً ونهائياً.
حتى من دون ثقل الهودو الميتافيزيقي، وثقل فكرةِ الخطيئة الديني، يحضر الشر بوصفه شيئاً أصيلاً وخارقاً في النماذج التي تُمثِل الثورة الصناعية (كرتز من قلب الظلام)، وأشرار الخيال العلمي (دارث فيدر من حروب النجوم)، وأشرار الفانتازيا (لورد فولدمورت من سلسلة هاري بوتر). إن كرتز نموذجٌ غير ديني، يدعو إلى "إبادة الهمج" بشكلٍ علمي منهجي. وبوصفه عبقرياً، فإن عبقريته تقتضي تحقيق شيء "أصيلٍ، خارق، وبربري". يستسلمُ كرتز للشرِ في الأدغال، ويجعلُ من نفسه إلهاً للبدائيين بالدم والنار. وتأتي لحظة تنويره النهائية بصرخته الشهيرة: "الرعب! الرعب!" إنه يُدرك - على حافةِ الموت - البعد الميتافيزيقي للشر الذي يتمكن منه، ويرى نفسه في الأدغال أخيراً. لقد أدركَ تماماً ثقل الشر الساحق، وزالت عن عينيه الغشاوة.
رغم أن دارث فيدر شخصية درامية أقل عُمقاً بكثير من شخصية كرتز، إلا أنه ينطلق من ذات مُنطلقاتِه: القدرة الفائقة والطموح. كلاهما يتبع سلطةً أكبر (الشركة الأم بالنسبة لكرتز، والإمبراطور بالباتِن بالنسبة لدارث فيدر)، وكلاهما يملكُ قدراتٍ لا تملكها هذه السُلطات. حكايةُ جنون دارث فيدر وتحوله من جيداي إلى سِث مزيجٌ من الغيرةُ والطموح الزائد. إنه كتلةُ عواطف مشتعلة تتحول إلى نصف آلةٍ نتيجة لانفجاراتها العاطفية. التشويه الجسدي الذي يلحقُ أناكِن سكايووكر يحوله إلى دارث فيدر المشوه نفسياً. وخلافاً لغيره، فإنه لا يسقط في الهوة المُحترقة، أو يُدرك الرُعب. إن خلاصه يتم على يدِ ابنه الذي كان عدواً له منذ زمنٍ طويل. في النهاية، يخلع قناعه لأنه يُدرك أن عليه مواجهة العالم بوجهه المُشوه، وروحه المشوهه. إنه يُقرُ بحقيقةِ نفسه في النهاية، وفي هذا خلاصه.
يصلُ التشويه الروحي في سلسلة هاري بوتر بُعداً جديداً، فلورد فولدمورت يُمزقُ روحه إلى أجزاءٍ عامداً لأنه يُريد الخلود. مثل دارث فيدر، فإنه يبدأ باسمٍ آخر وشخصية مُختلفة، ثم يمرُ بطورِ التشويه الجسدي والنفسي ويُغيرُ اسمه، لكن التشابه بين الشخصيتين ينتهي هُنا. ينشأ توم مارفولو ريدل في ملجأ أيتام، ويكتشف أنه يملكُ قوةً خاصة، لكن من دون توجيه أو إرشاد. إن الأفاعي تهمسُ له بأشياءٍ في الليل - أمرٌ مرعبٌ لطفلٍ - وتزيدُ من ميولهِ الأباثية. إنه لا يأبه بمن حوله، ويعرف أن من حوله لا يأبهون به، لكنه يُريدُ أن يعيش أبدَ الدهر، ويُريدُ من العالم أن ينظر إليه باحترامٍ وتوقير. دوافعُ لورد فولدمورت مُعقدةٌ، إذ يمتزجُ فيه جنون العظمة برُهابِ الموت وانعدام الإحساس بمن حوله. جنونُ العظمة ورُهاب الموتِ يدفعانه لأن يتخلص من إنسانيته - كما فعل كرتز - وحسه الكليل يحرمه منها. لورد فولدمورت لا يعبرُ باتجاهِ الشرِ لأن الخير والشر لا يعنيان له شيئاً. واحدةٌ من العبارات المُقتبسة عنه كثيراً - حتى تحولت إلى كليشيه: "لا يوجد خيرٌ أو شر، هُناك فقط القوة، ومن يخشون امتلاكها." تحولاتُ لورد فولدمورت ليست عفوية مثل تحولات دارث فيدر، بل مُخططاً لها، إذ بدأ بتبني اسم لورد فولدمورت في مُراهقته، وفي تلك السن ارتكب أولى جرائمه ليُمزق روحه عامداً. إن فكرةَ القتل وتمزيق الروح المُرعبة لم تجعل شعرةً في رأسه تهتز، لأنه لا يُؤمن بمفاهيم الخير والشر التي يؤمن بها الآخرون. حتى فاوستس يخاف حين يوقع العقد مع مفستوفِلِس، ويتراجع فرولو عن غيه خوفاً على روحه، لكن فولدمورت لا يهتمُ بها إلا بقدر ما تكفل له عدم الموت الذي يراه مرادفاً للفناء. ورغمَ أنه لا يؤمن بالخير والشر، إلا أنه يؤمن بالخرافات المتعلقة بالرقم سبعة وبالنبوءات وبتأسيس هوغوورتس، وإيمانه الشديد بالخرافات يقتله. تحولُ لورد فولدمورت إلى شيء غولاني يأتي تدريجياً ومتعمداً: إنه يُرافق "أسوأ أنواع السحرة، ويخضع لتجارب شريرة" لوقتٍ طويل. وتحوله ليس شيئاً سرياً، وإنما علنياً، ويجري لزمن - بحيث أنه كان من المُمكن إيقافه لولا تقاعس دمبلدور. وفي ذلك، يتشابه فولدمورت مع مالاخ (الرمز المفقود) الذي يُقدم جسده قُرباناً للمعرفة المُطلقة.
لا يحظى لورد فولدمورت بلحظةِ تنويرٍ نهائية، لأن الموتَ يقهره من دون أن يمرَ بلحظةِ إدراك. لكن منفاه الإجباري لثلاثة عشر عاماً قد يكون نوعاً من التنوير الذي يقوده إلى صعودٍ ثانٍ أكثر وحشيةً وعدوانية: إنه يبقى لثلاثة عشر عاماً إرادة محضة، لا يعرف ما يكون، لكنه يعي العالم من حوله. لقد قهر الموت، وقهر العالم بأكمله عندما استعاد جسده وأفسد مخططات ألباس دمبلدور. في عودته، لم يكن فولدمورت متسامحاً مع أكلة الموت - أتباعه - لأنه أدرك أنهم استغلوه. لقد ركب أنقياء الدم العربة مع لورد فولدمورت لأنه كان قوياً، ويكره غير السحرة، ويُحقق لهم فكرتهم العنصرية عن النقاء العرقي، غير أنه لم يكن نقياً عرقياً - بشكلٍ شخصي - وعندما سقط، أنكره أكلة الموت جميعاً - عدا أربعة فحسب. لذلك، عاد مُبغضاً لهم جميعاً، يؤنبهم بشدة، ويستولي على قصر مالفوي رغماً عن إرادته. انتقامه الوحشي من لوسيس مالفوي يجعله يضم ابنه المُراهِق إلى أكلة الموت، ويكلفه بمهمة قتل دمبلدور التي لا يستطيع القيام بها أفضلُ السحرة. رغم أن جماعة أكلة الموت كانت جماعة سرية منذ البداية، أي أن الخروج عنها يعني الموت، إلا أنها تحولت في عهد فولدمورت الثاني إلى جماعةٍ علنية الانضمام إليها إجباري، ولا يعني الحصانة من غضب فولدمورت، ورغبته في إذلال أكلة الموت قبل غيرهم.
في عالم الأرض الوسطى الذي يُنشئه ج. ر. ر. تولكن، تدعو مصائر الأشرار للرعب والشفقة: النازكُل التسعة الذين تعفنوا وهم أحياء لقرون ومن ثم تحولوا إلى أشباه أشباح، سميغول الهوبيت الذي تحول إلى الوحش غولوم، سارومان الساحر الذي سلك طريق الشر. إن الشرَ قويٌ، مُطلق، عتيق، وكامنٍ في الأعماق في أساطير تولكِن. إنه ينالُ حتى أكثر الكيانات قداسة في المؤسطرة: الجن. وحضوره عن طريق العين التي لا تنام أكثر من حضورٍ ميتافيزيقي، إنه ثقلٌ يسحق الوجود بأكمله، ويجدد نفسه كلما انطفأت شعلته. الشرُ مُتمركزٌ في موردُر، ومنها يخرجُ إلى العالم، لكن جارة موردُر المباشرة المدينة البيضاء غوندُر، أول مُدن البشر، أو آخرها. إنها المكانُ الذي يواجه شرَ موردُر، والمكانُ الذي يمسهُ الشر من حينٍ لآخر. إنها دوراتٌ متعاقبة، يحلُ فيها الشر بوصفه أمراً قدرياً لا فكاك منه، ينالُ كُلَ الأعراق، ولا ينجو منه أحد.

23 سبتمبر 2010

عشرة سمبسون

كُنت أمقت مسلسل آل سمبسون بشدة. لهذا المقت أسبابٌ عديدة، فدبلجة المسلسل إلى آل شمشون واستظراف محمد هنيدي ومنى زكي - أم أنها كانت حنان ترك؟ - فوق احتمالي. كذلك، فإن دعايات المسلسل سمجة ولا تُشجِعُ على مُشاهدة أناسٍ صفرٍ يتصرفون بغباء. كان ذلك حتى شاهدتُ حلقةً من المسلسل بالصدفة، فصرتُ من متابعيه الدائمين، لأسبابٍ عديدة - كذلك. يمتاز آل سِمبسون بأنه أفضل هجاءٍ سياسي واجتماعي للولايات المُتحدة الأمريكية وعلاقاتها بالعالم، وبحبكاته غير المتوقعة، والسخرية (السمبسونية) التي تميزه. بعد واحدٍ وعشرين عاماً من العرض المُستمر، فإن آل سِمبسون قد تحول إلى عالمٍ متكامل خاصٍ به.
في سنين متابعتي للمسلسل، تبدلت الشخصياتُ التي تروقني فيه غير مرة، كما تبدلتُ قوائم حلقاتي المفضلة. مع وصول المسلسل إلى الموسم الحادي والعشرين بسلامٍ، فإنني أستطيعُ أن أُسمي قائمة مستقرة - نسبياً - للسمبسون العشرة المفضلين عندي.



1- نِد فلاندرز
أتمنى أن يكون نِد فلاندرز جاري، لكنني لا أريده في أسرتي بميوله المتزمتة. يُمثِل فلاندرز - ذي الأبوين الوجوديين - المسيحي الإنجيلي المُتشدد في المسلسل، لكن شخصيته ليست مُزعجةً بقدر ما تدعو للتعاطف. فلاندرز سامري صالح في أرض سدوم وعامورة، لذلك فإنه يقعُ غالباً ضحية لجيرانه - خصوصاً هومر سِمبسون. ومع طريقته الغريبة في الكلام، وكونه أعسر، وأدبه الجم فإنه نموذج لكل ما تكرهه الطبقة الأمريكية العاملة.
فلاندرز جمهوري - كما هم الإنجيليون عادة - لكنه ليسَ من الجمهوريين الأثرياء مصاصي الدماء الذين يجتمعون في مقر الحزب الجمهوري في سبرينغفيلد (السيد برنز، رينييه وولفكاسل، التكساسي الثري، د. هِبَرت، والكونت دراكولا). وحين تضحك سبرينغفيلد بأكملها منه خفيةً، فإنه يهرُب إلى المدينة المثالية التي يحلم بها الجمهوريون، لكنه غريبٌ حتى في أرض الأحلام، إذ يستهدفه سكان المدينة المثالية بسبب شاربه الذي يرفض التضحية به. مأساة فلاندرز الوجودية أنه آخر في كُلِ مكانٍ يذهب إليه.
رغم تسبب نِد فلاندرز في حالة الأباثية التي يُعانيها قسيس سبرينغفيلد الأب لفجوي لكثرة اتصالاته طلباً (للفتوى)، إلا أنه ليس متديناً شكلياً، ولم يحدث أن تخلى عن إيمانه حتى حينما يتخلى عنه القسيس نفسه. حين ترمله، كشف عن روحٍ شفافة في واحدةٍ من أفضل حلقاتِ آل سمبسون. من تجلياتِ فلاندرز اللحظات التي يكشف عن تعصبه الديني فيها، إذ يُلخِص الخلاف بين البروتستانت والكاثوليك في المسيحية بقوله إنه لا يُمكن أن يتصالح مع الكاثوليك لأنهم "منعونا حقنا المُقدس في الذهاب إلى الكنيسة بشعورنا المُبللة، وهذا حقٌ أبطلناه فيما بعد، لكن لم يكن للكاثوليكيين أن يمنعونا إياه!" ويُعاقب طفليه تود ورود بسبب مشاهدتهما لإعلان غريز أناتومي. وحين يكتشف أن أطفال آل سمبسون لم يتلقوا العماد، فإنه يلجأ لعدة تعميد الطوارئ ليُدخِلَهم المسيحية. (يُضحي هومر ويتلقى العِماد بدلاً عن أبنائه لئلا يصيروا مسيحيين).
في اللحظات التي لا ينشغل فلاندرز فيها بالتعصب الديني، فإنه يكون لطيفاً ومُسالماً وحاضر النكتة. وفي فيلمِ آل سمبسون، فإنه السبرينغفيلدي الوحيد الذي يعاوِن هومر سِمبسون وعائلته، بعد أن يتسبب هومر في تدمير المدينة، ويقرر أهلُ المدينة الفتك به. ومن بين كُل سكان سبرينغفيلد فإنه لا يوجد رجلٌ صالحٌ من الداخل بقدر ما هو نِد فلاندرز، لذلك كان المرشح المثالي للعب دور الشيطان في حلقة الرعب الأولى للمسلسل، ولذلك فإنه أول الضحايا.



2- تشارلز مونتغومري برنز
مونتي برنز جمهوري مثل نِد فلاندرز، وهذا العامل المشترك الوحيد بين الشخصيتين. يُمثِل برنز رجل الأعمال الاحتكاري المتوحش الشرير للشر نفسه. يملك برنز مفاعل سبرينغفيلد النووي - حيث يعمل هومر سمبسون - وثروةً طائلةً يجمعها منذ مئات السنين. لشدة نفوذه، لا يدعو برنز لعيد ميلاده أي رئيسٍ أمريكي يتولى الحكم لفترةٍ واحدة فقط، ولشدة ثرائه فإنه يملك الكأس المقدسة وسيف إكسكاليبر. برنز مُسنٌ جداً، حتى أن رقم خزانته السري عُمره الحقيقي، وفي حلقةٍ من الحلقات فإنه يعزو طول عمره للشيطان. في حلقةٍ أخرى، يُقدم على أنه الشيطان ذاته، وقد سلب أرواح الهنود الحمر.
في كثيرٍ من الأحيان، يعيش برنز في القرن التاسع عشر - أو قبله، ويُعبِر عن عقليته بإنكليزية مُتحجرة يُفضلها على الإنكليزية (الحديثة). إنه لا يزال غاضباً من والدته لأنها كانت على علاقة بالرئيس الأمريكي تافت، ويتبجح بأن قنابله التي صنعها للنازيين كانت تعمل جيداً. وفي كثيرٍ من الأحيان، فإنه يدعو لسيطرة الذكور البيض البروستاتنتيين على العالم. لكن تعلقه بالماضي لا يمنعه من اضطهاد سبرينغفيلد بمُختلف الطرق: مرةً يحجب الشمسَ عن المدينة، ومرةً يتسبب في كارثة بيئية بنفايات مصنعه، ومرةً يحرم المدينة من الأدوية.
يميلُ السيد برنز للُمبالغة قليلاً، ويحبُ تأليف الحكايات وإضافةِ بعضٍ من خيالاته المُتعلقة بالقرون الوسطى إليها. لا يهتمُ بمشاعِرِ من حوله، وفي كثيرٍ من الأحيان فإنه يجهل ما يدور حوله تماماً. في أحيانٍ أخرى، يتقمص دوراً ويستحيل عليه أن يخرج منه. ورغم أنه شرير محض، إلا أنه واهنُ القوى حتى أن ماغي - طفلة آل سمبسون الرضيعة - تغلبت عليه غير مرة، بل إن نملةً تمكنت من إلقائه أرضاً حين حاول أن يدوس عليها. لذلك، يعتمد غالباً على تابعه الأمين - الذي يحبه سراً - ويلون سميذرز في كُل شؤونه المعيشية.
إذا كان فلاندرز الخيرَ في سبرينغفيلد، فإن السيد برنز الشرُ المُطلق. إنه ثري، مُسن، قبيح، ولا يُقاوَم. ويجمع مسلسل آل سمبسون الشخصيتين معاً بطريقةٍ لماحة، فحين يحاول فلاندرز إخراج أفلامٍ مستوحاة من الإنجيل، يعجز عن إيجاد التمويل، وبعد أن يُشارِف على اليأس يخفُ برنز لنجدته، لأن القصص الإنجيلية مليئة بكل أنواع العُنف والتعذيب. طبيعةُ فلاندرز الرقيقة تحجم عن المبالغة في تصوير التعذيب، لكن برنز يُجبره على ذلك: "إنه في كتابك! كُلّهُ في كتابك!".



3- سيمور سكِنَر
ذهب المدير سكنر إلى فيتنام مُحارباً، وظل يتذمر بخصوص ذهابه إلى هُناك لسنين - كما ترى والدته. سيمور سكِنر الذي يعيش مع أمه الشريرة المتزمتة مدير مدرسة سبرينغفيلد الابتدائية وعدو بارت سمبسون اللدود. سكِنَر ابن أمه المظلوم، فأمه تضطهده بشدة وتمنعه من أن يعيش حياة اجتماعية سليمة، والمُشرف تشالمرز يضطهده في المدرسة بشدة ويعايره بأنه مديرٌ بديل منذ ثلاثين عاماً، وحبيبته الوحيدة إدنا كرابابل لا تطيقه في كثيرٍ من الأحيان.
المدير سكِنَر نموذجٌ للشخص الذي يدعو للرثاء لأنه لا يملكُ أملاً في المُستقبل، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً لتغيير وضعه. مع ذلك، فإن لشخصيته نواحي إيجابية، إذ أنه يسعى لتعليم تلاميذه بكُل الطُرِق المُمكنة. وحتى حين ينقطع الدعم الحكومي عن مدرسته، فإنه يصطحب الطلاب في رحلةٍ ميدانية لموقعٍ تاريخي ليختلسوا النظر من وراء الأسوار - قبل أن يكتشف مشغلو الموقع الطلاب الذين يحاولون التعلم (مجاناً) ويطاردوهم. كذلك، يؤجر جزءاً من المدرسة لسجن سبرينغفيلد من أجل توفير النفقات، ويحارب العمدة ومجلس المدينة لإيجاد تمويلٍ للفنون، ويحاول حماية ليسا سمبسون بكل الطرق لأنها التمليذة الوحيدة التي تُبقي المدرسة مُعتمدة.
أحياناً، يكون المدير سكِنَر الشرير بحكم وظيفته، لكنه مستعدٌ للمخاطرة بوظيفته حتى من أجل حماية تلاميذه، وحين يفقدون الأمل فإنه يُقدم لهم العون من حيث لا يعرفون. في الفترات التي يُفصَلُ فيها من المدرسة، فإنه يكون الصديق الأول لتلاميذه، وغالباً ما يعيدونه إلى منصبه لأنه الوحيد الذي يعرف أسماء جميع الطلاب وخلفياتهم الاجتماعية والمعلومات المدونة في سجلاتهم الدائمة.
سكِنَر ليسَ شريراً، وليس خيراً بالمُطلق. إنه رجلٌ غسل المجتمع يديه منه، ويحاول فعل الصواب بأي طريقةٍ مُمكنة. مشكلةُ سكِنَر مع سبرينغفيلد تختلفُ عن مشكلة فلاندرز مثلاً، ففي حين أن فلاندرز ممقوتٌ لأنه رجلٌ تقي، فإن سكِنَر ممقوتٌ - غالباً - لأنه رجلُ علمٍ عقلاني، يتحدى مفاهيم سبرينغفيلد العلمية العائدة للقرون الوسطى. وفي واحدةٍ من أفضل لمحاتِ المسلسل، يوشك أهل سبرينغفيلد على إحراقه لأنه قال إن الأرض تدور حول الشمس.



4- سيدة القطط المجنونة
كانت سيدة القطط المجنونة فتاة طموحة جداً اسمها إليانور أبرناثي، حصلت على إجازة في القانون وفي الطب، وجمعت بين الوظيفتين لوقتٍ طويل، حتى ظهرت عليها أعراض الاستنزاف الروحي. في النهاية، التجأت إلى الكحول، وتحولت إلى تكديس القطط. هذه القصة الخلفية لسيدة القطط المجنونة التي لا يعرفها الكثيرون. رغم أن سيدة القطط المجنونة شخصية ثانوية، ولا تتدخل في حبكاتِ المُسلسل، إلا أن ظهورها مسلٍ كثيراً، خصوصاً مع أفعالها المجنونة وقططها والهراء الذي تهدر به. في المرات القليلة التي تقول فيها سيدة القطط كلاماً مفهوماً، فإنه يكون كلاماً على درجةٍ عالية من الثقافة. سيدة القطط المجنونة واحدةٌ من أكثر الشخصيات إثارةً للحزن بسبب المصير الذي انتهى إليه طموح إليانور، وتظهر بوصفها تحذيراً من مجتمعٍ عقلاني لا يرحم، يستهلك طاقة الإنسان الروحية. مع ذلك، تبدو سيدة القطط المجنونة أفضل حالاً في جنونها، لأن أغلال المُجتمع العقلاني قد زالت عنها. رُبما تكون التمثيل الأصح لعبارة: "من الجنون ألا تُجَن." وتصويراً صريحاً لعصرِ رُهابِ الجنون. (يُرسَلُ نِد فلاندرز إلى مصحة مجانين، ويُحاكَمُ مونتي برنز على أنه مجنون، ويوصمُ هومر سمبسون بالجنون لوقتٍ طويل، وتُسلِمُ ليسا سمبسون نفسها طواعية لمصحة عقلية.)



5- إدنا كرابابل
معلمة الصف الرابع الابتدائي في مدرسة سبرينغفيلد الابتدائية. يصفها بارت سمبسون بأنها "ليست أفضل مدرسةٍ في العالم، لكنها تحضر إلى الصف مهما تكلف الأمر." تُدخِن إدنا لتتغلب على إحباط وظيفتها المُرهِقة ذات الأجرِ المُنخفض، وتلعبُ بشخصياتٍ عدوانية في ألعابِ الإنترنت متعددة اللاعبين. تواعد المدير سكِنَر من حينٍ لآخر - لنقص الرجال في سبرينغفيلد - وكادت تتزوجه مرة. كذلك، تزوجت من رجل المجلات الهزلية في مؤتمرٍ للشخصيات الهزلية.
رغم أنها مُحبطة ومكتئبة، إلا أن إدنا كرابابل قويةٌ للغاية. وتتزعم المعلمين الآخرين ضد المدير سكِنَر والمُشرف تشالمرز. وفي النهاية، فإنها تهتمُ حقاً بمصلحة طُلابها، بمن فيهم بارت سمبسون ونِلسون متنز الذين يقول سجلهما الدائم أنهما سينتهيان مجرمين. إدنا كرابابل نموذجٌ للإحباط - في مواجهة الآنسة هوتن المتذاكية، معلمة الصف الثاني - والتسليم بأنه لم يعد في الحياة ما يُجدي. الخاصية المشتركة بينها وبين سيمور سكِنَر تعرضهما للإحباط والقمع، وتغليبهما مصلحة الطلاب على مصلحتهما الذاتية، لكن أكبر فارقٍ بينهما عدم اكتراثها بالمجتمع. إنها تحتقر محاولاتِ سكِنَر لجعل الأهالي يهتمون بأولادهم، وتحتقر محاولاته لتثقيف المجتمع، وتؤمن بسخفِ النشاطات المدرسية، وبسخف النشاطات الاجتماعية عامة. ورغم أنها تحضر إلى المدرسة مهما كلف الأمر لتواصل دحرجة الصخرة السيزيفية، إلا أنها لا تفعل هذا بالإجبار، بل بالاختيار. إدنا كرابابل تختارُ حياة المستنقع في مجتمعٍ يمتص طاقة الإنسان الروحية، لأنها تؤمن أن وجود الإنسان نفسه عبثي.



6- التكساسي الثري
يظهر التكساسي الثري ليقول جملة واحدة - غالباً - ثم يتبعها بإطلاق الرصاص عشوائياً من مسدسيه صائحاً: "ييها!". حين أقنع مارج سِمبسون بالاحتفال بطريقته، اتضح أن له طريقة في رفع المسدسات وإطلاق الرصاص مع الصرخات، وأن فن إطلاق الرصاص في الجو لا يصلح لكل من هب ودب. التكساسي الثري واحدٌ من شخصيات آل سمبسون التي لا تحمل اسماً، ولكنها تنتمي إلى منطقةٍ مُحددة. على الرغم من أن التكساسي الثري ليس من سكان سبرينغفيلد الأصليين - ولا تعود أصوله إلى تكساس حقاً، إلا أنه عضوٌ ذو نفوذ في فرع الحزب الجمهوري في سبرينغفيلد - مع أن عمدة سبرينغفيلد الدائم هو الديموقراطي جو كويمبي - ويملك فريق سبرينغفيلد للبيسبول، ويملك عدة قنواتٍ تلفزيونية يفرضُ من خلالها ذوقه المبهرج وميله لإطلاق الرصاص على كُل ما يتحرك. التكساسي الثري ليس شريراً محضاً مثل السيد برنز، وليس أباثي الميول مثل د. جوليوس هِبَرت. إنه ببساطة ريفي ثري ومسن يعتقد أنه لم يعد هُناك رجالٌ في أمريكا.



7- مارج سِمبسون
مارج سِمبسون الفردُ الوحيد العاقل في عائلة سمبسون، وواحدة من أعقل الشخصيات في المسلسل. تتحمل بصبر حماقات زوجها هومر، وشيطنات ابنها بارت، وشطحات ابنتها ليسا، وتحمل ابنتها الرضيعة ماغي طوال الوقت. تُعامِل مارج جيرانها بُلطفٍ، وتحل كل المشاكل ببعض الطعام اللذيذ. لكن اللحظات التي تُجنُ فيها تتحول إلى أفلام رُعب: ينتهي رُهاب الأماكن المفتوحة الذي كانت تعانيه بتحولها إلى كتلة عضلات تُدمر حانة مو تماماً وتنشرُ الخوف في بيتها، وينتهي بيعها للأدوات المستعملة في منزلها إلى اتجارٍ بالمخدرات يقودها إلى سجن الولاية. في فترة ما، تُدمِنُ على القمار.
مارج اجتماعيةٌ وصبورة، غير أن أهل سبرينغفيلد يمقتون اقتراحاتها الغريبة مثل التحول لاستعمال النظام المتري، أو إصلاح الطرقات المدمرة في المدينة. رغم ذلك، فإنها تتحول إلى مصدر عزاء سبرينغفيلد بعد أن تأخذ مكان الأب لفجوي وتُصغي لشكاوى الرعية، مُقدمةً لهم حلولاً عملية لمشاكِلهم. بسبب صبرها، وميلها إلى كتمان كُل شيء بداخلها، تعاني مارج من عدة اختلالاتٍ نفسية، منها ميلٌ مرضي للقمار والكحول، وعدة رُهابات من الطيران وانتقاد الجيران. وبسبب مراعاتها للمظاهِر الاجتماعية، فإن تحول ابنها بارت للكاثوليكية يُرعبها ويحولها إلى التعصب الديني - منظمة إلى الأب لفجوي ونِد فلاندرز - إذ أنها لا تريد لابنها أن يذهب إلى الجنة الكاثوليكية البعيدة عن الجنة البروتستانتية. ومع جنونها بسبب تحول ابنها بارت إلى الكاثوليكية، إلا أن تحول ابنتها ليسا إلى البوذية لا يخيفها. في داخلها، تخاف مارج النساء الذكيات - مثل ابنتها - ويهمها كثيراً ألا يحتقرنها. إن كُل إنجازٍ نسوي يُشعرها بالضعف والتهديد، ويخيفها كثيراً أن تجد نفسها امرأة مسنة متروكة في مُجتمعٍ تنافسي للأذكياء فقط، لذلك فإنها تحاول أن تُثبت قدرتها على البقاء في مجتمعِ النخبة، فتكتب روايةً - تسبب فضيحة في سبرينغفيلد - وتنظم مهرجاناً للأفلام وتصنع منحوتات خشبية وتدير نادياً للكتب. مارج سبمسون ربة بيتٍ يائسة قبل ربات البيوت اليائسات بزمنٍ طويل.



8- فات توني والمافيا الإيطالية
كُل تناولٍ فكاهي للمافيا جذاب، وفات توني زعيمُ المافيا الإيطالية التقليدي: يُخلص لذكرى زوجته الميتة ويحاول أن يعيش ابنه مايكل حياة طبيعية، يُمارس أعمال المافيا المُعتادة تحت ستار التخلص من القمامة، ويقوم بعمله تحت أنف الشرطة من دون أن يحاول أحدٌ إيقافه. يتآمر فات توني وأتباعه كثيراً تحت نافذة ماغي سمبسون، وتقدم لهم مارج سبمسون عصير البرتقال من حينٍ لآخر. واحدٌ من أتباع فات توني مزموم الشفتين حتى أنه يرفض أن يقول أين أصيب، والآخر واشٍ حتى أنه يشي بنفسه، لكنهم جميعاً يشاركون في المناسبات الاجتماعية مع فات توني.
لا يستطيع فات توني أن يقول شيئاً من دون أن يفسره أتباعه على أنه أمرٌ بالقتل، ويلتقي دورياً بقادة المافيا الآخرين ليقوموا بتصفيةِ بعضهم البعض. (في واحدةٍ من الحلقات، يُجنُ جنون رئيس جمعية "مكافحة تشويه سمعة الشخصيات الإيطالية" بسبب المافيا الإيطالية ودورها في تخليد صورة الإيطاليين بوصفهم أعضاء فيها، فيفتح النيران على جميع أعضاء المافيا في المكان). ويدخل في علاقةِ عملٍ مع الكثير من شخصيات سبرينغفيلد - ليس بينها السيد برنز - إذ أنه يُساعد العُمدة كويمبي على تخدير الناخبين بالكحول، ويُبقي برغر كنغ وماكدونالدز بعيداً عن سبرينغفيلد لصالح كرستي المهرج وسلسلة مطاعم كرستي برغر التي يملكها، ويبتز مو سيزلاك - مالك حانة مو - مقابل الحماية.
يعمل فات توني وأتباعه - غالباً - في خلفية المشهد، ويوفرون أفضل ما تعرضه الأنماط السائدة من فكاهة. فات توني ليس شريراً - رغم كل أعمال القتل التي يتورط فيها - لأنه ربُ أسرةٍ صالح، وجارٌ يهتمُ بمصلحةِ جيرانه، ورجلٌ مجتمعٍ مُحسِن. إنه يعمل فقط في مجالِ التخلص من النفايات البشرية، وأعمالهُ توفِر فرصةً للجميع ليكسبوا عيشهم. يحبُ فات توني أن يرى نفسه بوصفه حافظاً للنظام لا مُدمراً له.



9- سايدشو بوب
إذا كان السيد برنز الشرير المحض، وفات توني الشرير الضروري لحفظ النظام، وسنيك المجرم الاعتيادي، ود. جوليوس هِبرت الشرير الأباثي، فإن روبرت أندردرنك ترويلغر الشهير باسم "سايدشو بوب" الشريرُ الثقافي - إن صح التعبير. سايدشو بوب خريج جامعة ييل، وعضوٌ في الحزب الجمهوري، وعبقري - كما يرى نفسه - يُمثلُ صورةً متطرفة لرموز الثقافة النخبوية التي تحتقر كُل ما هو شعبي. رغم ذلك، بدأ سايدشو بوب حياته مساعداً للمهرج كرستي في برنامجه التلفزيوني - ومن هنا جاء اسم سايدشو بوب - ومن ثم اتجه للإجرام محاولاً توريط المهرج كرستي في جريمة سطو مسلح. بعدها تزوج من سيلما بوفييه - أخت مارج سمبسون - وحاول اغتيالها فدخل السجن بتهمة الشروع في القتل. (استبدلهُ كرستي بعدها بسايدشو مِل الذي يبدو مثقفاً هو الآخر، ولعل كرستي - شبه الأمي - يُحب استعباد مثقفي النخبة للتعويض عن شعوره الذاتي بضعة الثقافة).
ليسَ كرستي عدو سايدشو بوب، وإنما بارت سِمبسون الذي أفسد عليه مخططاته الإجرامية. في كثيرٍ من الحلقات، يحاول سايدشو بوب قتل بارت سمبسون، ويرسم لذلك خططاً ذكية تفسد لأسبابٍ سخيفة. العداء بين سايدشو بوب وبارت سمبسون قد يُفهم على أنه العداء المجازي بين ثقافة النُخبة وبين ثقافة الطبقة العاملة، ففي حين أن سايدشو بوب مثالي وكاره للبشر وطبقي، فإن بارت سبمسون عملي ولا يثق بالبشر - وإن كان يحبهم - ولا يؤمن بالنظام الطبقي. مع ذلك، ينجح سايدشو بوب في الهروب من السجن غير مرةٍ مستخدماً ثقافته الرفيعة لإشعار الآخرين بالضعة، ويصير عُمدة سبرينغفيلد لفترة - ثم يضيف تهم تزوير الانتخابات إلى التهم التي يقبع في السجن بسببها. مرةً يُهدد سايدشو بوب بتفجير سبرينغفيلد إن لم تتخل عن التلفزيون، ومرة يوشك على تدمير سد المدينة بسبب خلافٍ بينه وبين أخيه سيسيل. يهرب إلى إيطاليا ويصير عمدة مدينة فيها لفترة قبل أن ينكشف ماضيه الإجرامي.
تُمثِل ليسا سمبسون المثقف المعزول بعيداً عن المجتمع بسبب شطحاته المثالية، بينما يُمثل سايدشو بوب المثقف المصاب بجنون العظمة، والذي يُريد تغيير العالم بأكمله ليوافق صورته المثالية للثقافة. عداؤه الشديد لأسس المجتمع الثقافية يُبقيه في السجن فتراتٍ طويلةٍ - بينما يُعتقَل السيد برنز، وفات توني، وسنيك لفتراتٍ قصيرة جداً - لأن المُجتمع غير قادرٍ على تحمل نواياه العدوانية إزاء ثقافته. ازدراء سايدشو بوب للثقافة الشعبية يصلُ إلى حدِ العنصرية. فشل سايدشو بوب الدائم في تحقيق نواياه يعود لطبيعة الثقافة النخبوية الاستعلائية والانتقائية، ولاستحالة ذيوعها الذي سيُفقدها نخبويتها، ولأنها مُنفصلة تماماً عن السياق المجتمعي. مع ذلك، يستمر سايدشو بوب في مساعيه السيزيفية لأنه - مثل كل شخصيات آل سمبسون - مربوطٌ إلى عجلةٍ قدرية لا يستطيع منها فكاكاً.



10 - رجل المجلات الهزلية
يوفرُ رجل المجلات الهزلية مدخل آل سمبسون الوحيد - تقريباً - إلى عالمِ ثقافة الطوائف، فصاحبُ محل "زنزانة شبيهات البشر" للمجلات الهزلية ومنتجات ثقافات الطوائف رجلٌ بدينٌ لا أصدقاء له يملك معرفة موسوعية بكُل نواحي عوالم الأبطال الخارقين وخبرة بكل العلامات التجارية التي تجمع حولها الأتباع بشكلٍ شبه ديني. (من ذلك أنه مستخدمٌ قديم لأجهزة آبل). اسمه الحقيقي جِف آلبرتسُن، ولا يبدو أن أحداً يعرف هذا الاسم لشهرة لقبه: رجل المجلات الهزلية.
يعي رجل المجلات الهزلية حاله بوصفه رجلاً لا أصدقاء له، ولا يملك فرصةً في القبول الاجتماعي ويتقبل وضعه ببساطة - مثل معظم شخصيات المسلسل. حينما تضرب كارثة سبرينغفيلد، يقول لنفسه: "لقد أمضيت حياتي جامعاً المجلات وصور الشخصيات، ولم أفعل شيئاً آخر. مرحى! لقد كانت حياة رائعة!" إنه راضٍ بما هو عليه، ولا يرغب في تغييرِ ما يفعله، وحتى حين يملك الثروة والشهرة، يُصِرُ على إفساد الفيلم القائم على قصته باختيار هومر سمبسون لأداء الشخصية الرئيسية. لقد تعب من الأبطال الخارقين، ويريد رجلاً بديناً عاطلاً ليقوم ببطولة فيلمٍ عن القدرات الخارقة.
رجل المجلات الهزلية أباثي وسليط اللسان، وتظهر سعة اطلاعه في سخريته. إنه رجلٌ سعيد لأنه يعيشُ في عالمٍ يملك جميع مفاتيحه، ويمضي أيامه كما يحلو له. ورغم أنه يعي وضعه بوصفه منبوذاً اجتماعياً، إلا أنه يحول نبذه إلى رفضٍ تامٍ للمجتمع الذي لا يتعامل بقيمه الشخصية. ومثل إدنا كرابابل، يعتقد إنه لا جدوى من وجود الإنسان على الأرض، لذلك فإنه يستبدل البشر بعالمٍ من "شبيهات البشر" التي تعيش في عالمٍ أكثر إثارة للاهتمام من العالم (الحقيقي) الراكد.

20 سبتمبر 2010

El Jobso

ستيف جوبز

كنت أقرأ اسم ستيف جوبز لماماً في كتابات فلاسفة التقليلية Minimalism، إذ أنهم يقتبسون منه بين حينٍ وآخر. ورغم اهتمامي بمُنتجاتِ شركة آبل، وبثقافتها، إلا أن رئيسها التنفيذي كان دوماً شخصيةً ثانوية بالنسبة لي. كان يُخيَلُ إلّي - عندما أقرأ اسمه عند فلاسفة التقليلية - أن هذا الاسم مألوف، لكنني أعجز عن نسبه إلى مهنةٍ محددة. هل هذا الجوبز فيلسوف؟ ناشط ثقافي؟ الاحتمالات لا نهائية. المهم أنه شخصٌ انتقائي كاره للبشر.
ذات يومٍ، تعثرت بمقالةٍ - لا أذكر كيف وصلت إليها - جذبت انتباهي بعبارةٍ افتتاحية مُخيفة عن ستيف جوبز. (لن أعيد اقتباسها، لأنها قاسية جداً ولا إنسانية). قررتُ قراءة المقال لأعرف من هذا الستيف جوبز، وما الذي فعله حتى استنزل عليه لعنة الكاتب بهذا الشكل الذي يُجمد الدم في العروق. وصلتُ إلى نهاية المقال - الذي يُشبه وثيقة إعدام - ولم أعثر على إجابةٍ شافيةٍ لأسئلتي، لكنني اكتشفت معلوماتٍ لم أكن أعرفها من قبل. اتضح لي - من المقال - أن هذا الستيف مزيجٌ من كراكن وتنين وهيدرا، له تسعة رؤوس، ينفثُ اللهب من منخريه، يتغذى على الأطفال الصغار - نفت تعليقات القراء ذلك، مشيرةً إلى أنه يعتاش على دماء العذارى فحسب، ويخدمه دارث فيدر والإمبراطور بالبتَين ولورد فولدمورت وسورون ومورغوث والنازكُل التسعة مجتمعين غير قادرين على النظرِ في عينيه لفرط شره. انتهت المقالة نهايةً درامية لا تقلُ قوةً عن افتتاحيتها، ومفادها أن ستيف سينتهي في مصحٍ عقلي.
لم تكن التعليقات أقل عدائية من المقالة، إذ ناقشت بحقه أحكاماً تتراوح بين خوزقته وإلقائه لأسماك القرش. أرعبني الأمر، فنقاش مصيرُ إنسانٍ حي بهذه الطريقة اللا إنسانية أمرٌ يصطدم مباشرة مع موروثي الحضاري، والتزامي الأخلاقي تجاه الإنسانية. بدل أن يتحقق هدف كاتبُ المقال الأصلي - أن أكره ستيف جوبز كما يكره الأتقياء الشيطان، وأتحول إلى الطائفة الغوغلية - فإنني صرتُ من المهتمين بستيف، وفقدتُ آخر خيطٍ يربطني بالغوغلية. إذا كان الرجلُ قادراً على توليد كُل هذه الكم من الكراهية ضده والعنف اللفظي من دون أن يكون مُجرم حربٍ أو قاتل أطفال، فإنه ليس أقلَ من فنان.
اكتشفتُ بعدها أن ستيف جوبز أكثر تأثيراً في عالم التقنية من بيل غيتس نفسه - مع أن ثروته عُشر ثروة غيتس، وأنه العدو الأوحد لمجتمع المصادر المفتوحة، مايكروسوفت، غوغل، نوكيا، وسوني إريكسُن. كذلك، تعرفتُ على تأثيره على النزعات الاستهلاكية اليوم، بوصفه الأب الروحي لمجتمع الآي بود التي تظهر في مسلسل آل سمبسون بوصفها المُستعبِد المُستقبلي للجنس البشري. وتذكرتُ أنه ظهر في حلقة "مايبودات ومقشات" في مسلسل آل سمبسون - الحلقة التي عرضت شخصياتٍ مسلمة بوصفها المُحرِك الرئيسي للحبكة لأول مرة في تاريخ المسلسل - في هيئة الكيان المُسيطر على عالم مابل من مقره تحت الماء. رغم أن "مايبودات ومقشات" ليست من كلاسيكيات آل سمبسون، إلا أنها لم تخلُ من أفضل ما يُميز المسلسل: النقد الاجتماعي الحاد لظاهرة آبل، وشخوصها، وعبادة البطل المرتبطة بستيف جوبز فيها، وميولها القمعية. آخر الأمر، تضطر ليسا سمبسون للعمل عند آبل لتدفع ديونها الهائلة للشركة في وظيفة يعرضها عليها ستيف نفسه، وبعد أن تتحمس وتوافق، تكتشف أنها وقعت عقداً شيطانياً آخر مع الشركة، إذ أن وظيفتها تصير الوقوف في ركن الشارع مرتدية زي آي بود، لتردد من دون انقطاع شعار آبل (الرسمي): "فكر بشكلٍ مختلف! فكر بشكلٍ مختلف!".
يوجد أكثر من ثلاثين كتاباً تتحدث عن ستيف جوبز في موقع أمازون، بين سيرة شخصية غير رسمية له، وبين تأريخ لشركة آبل، وتحليل لقراراته في مسيرته بوصفه المدير التنفيذي لشركةِ آبل. واحدُ من هذه الكتب، iCon، أحنق ستيف للغاية حتى أنه منع منشورات دار وايلي بأكملها من الظهور في متجر iTunes، وبالتالي من الوصول إلى أجهزة الآي بود والآي فون والآي باد. قرارُ ستيف الديكتاتوري جلب له أعداء كثيرين أحنقهم أن يقوم بمراقبة متجر الكتب، كأن رقابة الحكومات القمعية لا تكفي. وشبهه البعضُ بالصين، قائلين إنه مساعد الرئيس الصيني هو جِنتاو. فيما بعد، تراجع ستيف عن قراره، لكن متجر iTunes بقي مُعادياً لكل أشكال السخرية والهجاء السياسي والاجتماعي بمنعه كل التطبيقات ذات "الروح اللئيمة" التي تبطن "نية الإيذاء وجرح المشاعِر". بهذه الطريقة، تمكن ستيف من منع مُعظِمِ المحتوى الذي يسخر منه من الوصول إلى iTunes - وإن لم يتمكن من منعه على يوتيوب والمواقع المستقلة على الشبكة - مفوتاً على زبائن المتجر فرصة الاستمتاع بفنِ هجاء ستيف جوبز.
غير أنه يُلهِم طوائف الماك، ومن يعتقدون أنه تجسدٌ خوارقي، فإن ستيف يُلهِمُ العديد من الكُتاب والمُبرمجين والرسامين والمُصممين ليسخروا منه، ومن الكلمات التي يُكررها في عروضه الرسمية ("جنوني"، "سحري"، "ثوري"، و"مذهِل")، ومن ردوده عن طريق البريد الإلكتروني على بعض من يراسلونه، ومن ثيابه التي لا يُغيرها، ومن هوسِه بالمُنتجات التقليلية، ومن بغضه للأزرار، ومن مزاجيته، ومن سلاطة لسانه. بعضُ المحتوى الساخر عن ستيف جارحٌ حقاً - أكثر من المقالة التي جذبت انتباهي إليه - إذ يستخدم معاناته مع سرطان البنكرياس واختلال التوازن الهرموني واقترابه من الموت للسخرية، ويتطلب الضحك عليه قدراً كبيراً من الأباثية أو السادية.
في 2006، بدأ دان ليونز مدونة بعنوان المفكرة السرية لستيف جوبز، ووقعها باسم "ستيف جوبز المزيف". ولعامٍ بقيت هويته سراً يُحيِرُ المهتمين بالتقنية، إلى أن كُشِفَت في 2007. بعدها بعامٍ أصدر روايةً باسم "ستيف جوبز المزيف" عن أزمةِ حصة الأسهم الممنوحة لستيف جوبز بسعرٍ تفضيلي - عن طريق التلاعب بتواريخ منحها - يجعله يُهرِبُ عشرين مليون دولارٍ بعيداً عن عيون الضرائب. تعرضت آبل لسلسلةٍ من التحقيقات الحكومية بسبب الأزمة - خصوصاً وأن مسؤولين تنفيذيين آخرين في الشركة تورطوا فيها، واستقال بعضهم - ورفع مجموعة من حملة الأسهم في الشركة دعوى قضائية جماعية ضد جوبز ومجلس الشركة التنفيذي تُطالبهم بسبعة مليارات دولارٍ تعويضاً عن الضرر الذي أصاب سمعة الشركة وتسبب في انخفاض قيمة أسهمها. في النهاية، لم يستقِل جوبز، ولم يحصل على الأسهم، ولم توجه إليه أي تُهمِ إجرامية حيثُ برأه التحقيق الحكومي مثبتاً أنه لم يكن على علمٍ بالتلاعب في حسابات آبل المالية والمعاملة التفضيلية التي حصل عليها التنفيذيون، وكذلك فعل التحقيق الداخلي الذي أجرته آبل، غير أن وسائل الإعلام بقيت تنظر إليه بوصفه محتالاً كبيراً.
أضافت أزمةُ الأسهم - التي قد يكون بريئاً منها - إلى سمعةِ ستيف السيئة أصلاً بوصفه أبخل المدراء التنفيذيين في عالم التقنية. إذ أنه أغلق قسم الأعمال الخيرية في آبل عندما عاد ليتولى قيادة الشركة بدعوى تخفيض النفقات حيث أن الشركة لم تكن تربح شيئاً يُذكر في ذلك الوقت، لكنه لم يعاود افتتاح القسم عندما عادت الشركة للربح. كذلك، فإنه لا يتبرع شخصياً لأي جهة خيرية، ولا يستثمر في أي مشاريعٍ تهدفُ إلى تحسين أوضاعِ الطبقاتِ المحرومة - كما يفعل بِل غيتس، مثلاً. ولا يُقدم في آبل أي مُنتجاتٍ معقولة الأسعار، مما جعله يشتهر بلقب "كاره الفقراء".
مهد دان ليونز الطريق للكثير من الساخرين الذين ينالون من ستيف بطرقٍ مُختلفة، سواء كان هدفاً عشوائياً لهم، أم هدفاً مُستمراً. مع كم هائلٍ من الفيديوهات الساخرة في موقع يوتيوب، ومجموعةٍ من الحسابات المُزيفة على موقع تويتر، وبعض العروض المُخصصة له. واحدٌ من أشهر حساباتِ ستيف المزيفة على تويتر الحسابُ المعروف باسم @ceostevejobs. يتحدث مُشغِلُ الحساب - المجهول حتى الآن - بجدية حول مواضيع عديدة، ويسخر من سياسات آبل وما يدور في عالم التقنية بشكلٍ هادئ حتى أن البعض يعتقدُ أنه حسابُ ستيف جوبز الحقيقي نفسه، لكنه يرفض تأكيده على موقع تويتر ليتمكن من قولِ ما يحلو له من دون مُحاسبة. خدعت هذه النظرية صحيفة الديلي ميل التي نشرت تقريراً بناء على واحدٍ من تحديثات الحساب.
واحدٌ من أطرف العروض التي تدور حول ستيف جوبز برنامج The Steve Jobs Show الذي يُقدمه ستيف نفسه في هيئة دمية، ويتحدث بوضوحٍ من خلاله عن آرائه في التقنية، وفي الانتقادات الموجهة إلى شركة آبل، ويجيب فيه عن أسئلة الجمهور. مُقدمةُ البرنامج طويلة، وتظهرُ فيها كلماتُ مديحٍ لستيف على خلفية نظام Mac OS X، وموسيقى "غزوة الفالكيري" الشهيرة. بعد المقدمة، يظهر ستيف فوراً ويتحدث في موضوعه مباشرة. البرنامج واحدٌ من أفضل العروض الساخرة على الإطلاق، خصوصاً في حلقاتٍ مثل "زبائننا الكرام الأعزاء" و"أناس أكرههم، أناسٌ أحبهم".
مع كُلِ محاكاةٍ ساخرةٍ جديدة، يكسب ستيف جوبز أرضاً جديدة، إذ أن صورته تترسخ بوصفه أهمَ أقطابِ التقنية اليوم وأكثرهم نفوذاً. إن الجمهورُ الذي ينجذبُ إليه أكبرُ بكثيرٍ من الجمهور الذي ينجذب إلى بِل غيتس وستيف بالمر ولاري إليسون وإريك شميدت، ويضمُ أناساً من خارج الجمهورٍ التقني. كذلك، فإن المستوى الفكري المُرتفع لكثيرٍ من الأعمال التي تسخرُ منه يجذب إليه جمهوراً من مستوى فكريٍ مرتفع، ويجعله أيقونة للثقافتين النخبوية والشعبية. بهذه الطريقة، يصيرُ قادراً على أن يُحدد اتجاه التقنية (اتجاهه للهواتف المحمولة ألهم غوغل وفيسبوك)، ويفرض مقاييسه الجمالية عليها (التقليلية، والمونوكرومية).
تأثيرُ ستيف يتجاوز التأثير الثقافي والتقني إلى التأثير الاقتصادي، إذ أن انتعاشَ أسهم آبل وقيمتها السوقية مُرتبطٌ بشخصه ارتباطاً تاماً، فالأنباء عن تدهور حالته الصحية تؤدي إلى تدهور قيمة آبل السوقية، والنبأ غير المؤكد الذي نُشِرَ عن إصابته بسكتةٍ قلبية ونقله إلى المُستشفى بشكلٍ عاجل تسبب في هبوط أسهم آبل بشكلٍ غير مسبوق. في المُقابل، لم تُسبب أزمة هوائي iPhone 4 مشكلةً حقيقية في أسهم آبل، رغم أنها كان يُمكن أن تخاطر بسمعةِ شركةٍ أخرى. حتى أن البعض يعتقد أن الاستثمار في آبل ليس استثماراً في الشركة بقدر ما هو استثمارٌ في شخص ستيف جوبز، قُطب الشركة الأوحد، أعلى المدراء التنفيذيين أجراً في العالم، والمدير التنفيذي الوحيد الذي لا يجرؤ مجلس إدارة شركته على طرده.
جزء كبيرٌ من تأثير شخصية ستيف يعود إلى حقيقة أن أي خبرٍ عنه قابلٌ للتصديق - مهما كان غريباً - لذلك شاع مؤخراً خبرٌ كذبته آبل عن منعه من الصعود على متن طائرته الخاصة في اليابان حاملاً سلاح نجوم الننجا، ورغم التكذيب فإنه قد وجد طريقه إلى التصوير ثلاثي الأبعاد، وفسره البعض تفسيراً منطقياً.
التأثير الثقافي والاقتصادي لستيف جوبز يجعله على درجةٍ من الأهمية توازي أهمية فلاسفة ما بعد الحداثة. في الواقع، بحكم أنه من كبار منظري التقليلية، فإنه يُمكن أن يُعد ضمن الفلاسفة، وبسبب ميوله الكارهة للبشر، فإن نيتشه قد يكون مصدرَ إلهامٍ محتملاً له. وعلى كل حالٍ، فإن الوقتَ لا يزال مُبكراً - بعض الشيء - لوضع ستيف جوبز في مكانه المُستحق من التأثير الثقافي في القرن الحادي والعشرين.

ستيف جوبز ومشكلة هوائي الآي فون - يوتيوب
أغنية هوائي الآيفون - يوتيوب
ستيف وبِل معاً - يوتيوب
حقائق حول ستيف جوبز - موقع يُقدم مجموعة من (الحقائق) التي وضعها الجمهور

16 سبتمبر 2010

Monochrome

تفاحة آبل الملونة

في فيلم فورست غمب (1994)، يستثمرُ الملازم دان المال الذي كسبه مع فورست غمب من صيد القريدس في شركةِ آبل، ويحققان ثروة تجعل من فورست غمب واحداً من أثرياء الولايات المُتحدة الكبار. كانت تلك أولَ مرةٍ أسمع فيها عن شركةِ آبل ذات التُفاحة الملونة المقضومة، وأرى شعارها مطبوعاً على الأوراق التي يُرسلها المُلازم دان إلى فورست ليوقعها. زمنُ الاستثمارِ في آبل كان النصف الأخير من السبعينيات وجزءاً من الثمانينيات، ثُم توارت الشركةُ تماماً، تاركةً ذكرى مشوشة عن أجهزة ماكنتوش. لم أسمع بعدها عن الشركة، فاعتقدتُ أنها من صنعِ خيالِ مؤلفي الفيلم.
الدليلُ الأهمُ على وجودُ آبل كان الصورةَ التي قصصتها من مجلةٍ ما في التسعينيات، وتُصور قاعةً ملأى بأجهزةِ الحاسوب المُلونة، وتحته تعليقٌ يقول إن هذه أجهزةُ ماكنتوش من آبل - في الواقع، لم تكُن أجهزة ماكنتوش عموماً، وإنما فرعاً خاصاً من الماكنتوش يحمل اسم بوندي. وقتها، استقرَ في نفسي أن شركة آبل تحتفي بتعدد الألوان، وأنها المهرب من أجهزة الحاسوب أحادية اللون القبيحة التي أجدها حولي. لكن هذا الخيالَ الطفولي تبدد فيما بعد. اليوم، التفاحةُ المقضومة نفسها أحادية اللون بعد تخلي آبل عن قوسِ القُزَح. لم تعُد أجهزةُ بوندي تُصنع في حُقبة الآي ماك والماكبرو، ولم تزدهِر فلسفةُ الألوان في المُنتجات التقنية الجديدة. في طريقِ تحولها إلى الأخ الأكبر، التقطت آبل عدوى رُهاب الألوان من الشركاتِ الأُخرى، فصارت تصنع حواسيب أُحادية الألوان تقمعُ الروحَ الإبداعية، وتُذكِرُ المُستخدِم باستمرار بأنه يعملُ على مُنتجٍ يخصُ الأخَ الأكبر. حتى أجهزةُ iPod Shuffle وNano الملونة أُحادية الألوان. الخيارُ الوحيد الذي تمنحه آبل للمُستهلِك مع هذه الألوان اختيارُ اللونِ الأُحادي الذي سيسودُ جهازه، فحسب. يقتصر كرمُ آبل على أجهزةِ iPod Shuffle وNano، ولا يتجاوزه إلى بقيةِ مُنتجاتها أحادية اللون - إما بيضاء أو سوداء - لاجتثات أي ميولٍ إبداعية عند المُستِخدم - عملاً بسياسة المُدير سكِنَر، مُدير مدرسة سبرينغفيلد الابتدائية في مسلسل آل سِمبسون، الذي يمنعُ استخدام الطباشير الملونة في الفصول لأنها تنمي الميول (الليبرالية) عند الطُلاب.
تُنادي آبل اليوم بفلسفةٍ جمالية خاصة تلتقي في بعض جوانبها مع الفلسفة التقليلية Minimalism، وتستمدُ قوتها في السوق من فلسفتها الخاصة التي يُنادي بها الكثير من دُعاة التقليلية في العالم، ممن يشكلون نوعاً من حواريي آبل الذين ينقلون عنها الحكمة. مبدأ التقليلية يعتمد على المساحات الفارغة كثيراً، وعلى حذف كُل ما لا حاجة للمُستخدم به - أو له حاجةٌ به، لكنها ليست حاجةً أساسية لا يستقيم العيشُ من دونها - من دون الاكتراث لما يعتقدُ المُستخدِم أنه يحتاجه. إذا لم يتفق المُستخدِم مع مبادئ التقليلية، فإن بإمكانه أن يلجأ إلى بدائل أخرى تُدينها التقليلية بوصفها (قبيحة)، (مزدحمة)، (مُبهرجة)، وتفتقر إلى الذوق. إن الذوق، المبدأ الأساسي الذي يجعل من آبل متميزة عن غيرها، يتحولُ إلى أداةِ قمعٍ فاشية مع كل مُنتجٍ جديد تطرحه في السوق.

تُقدم التقليلية نفسها بوصفها رديفة للتطور الإنساني والتحضر، واصمة مخالفيها بالبدائية والهمجية. يُحِب التقليليون دائماً ضرب أمثلةٍ على فسادِ المُعتقدات غير التقليلية بحالة المواقع على شبكةِ الإنترنت في بداياتها، حيثُ كانت مهرجانات ألوانٍ فسفورية مليئة بكل أنواعِ الحركة التي قد تُسبب نوبةَ صرعٍ لأي شخصٍ يحتوي دماغه على أبسطِ شحنةٍ غير اعتيادية. وفيها يلتقي التايتنان: آبل وغوغل، إذ أن آبل رائدة التقليلية في العتاد، وغوغل رائدة التقليلية في مواقع الإنترنت، حيث لا يزدهر إلا البياض. وتمتدُ التقليلية إلى المساحات الافتراضية الأخرى: أسطح المكاتب الافتراضية، واجهات البرامج الرمادية في برامج Mac OS وiOS، والألعاب التقليلية. خارج الشبكة، تبسط التقليلية نفوذها في الديكورات الداخلية، مروجة لمذهب الغرف شبه الفارغة، وسيادة اللون الواحد. في هذا السياق، يصير الاحتفاء بالألوان نوعاً من الذوق (البلدي) إن جاز التعبير. يصيرُ غوغائياً كالسينما الهندية، أو كاحتفالٍ شعبي.




هُناك مُنتجاتٌ أحادية اللون أخرى قبيحة للغاية، مُعظم أقفاص الحمام الحاسوبية أحادية اللون، وحتى حواسيب VAIO التي تروج لها سوني بوصفها لمسة اللون في عالمٍ يخلو من الألوان أحادية اللون. تقليلية آبل وغوغل فاشية، وأقفاص حمام دِل، سوني، وهيولِت باكارد قبيحة. وكُلها تعتنق مبدأ المونكرومية، ولا تبغي عنها بدلاً. حتى هواتف مايكروسوفت القادمة تأتي لُتضيف إلى الركب الفاشي. بوصفها أكثر التايتنات ماكيافيلية، فإن غوغل تُقدِمُ جُرعةً من الألوان لمحبي الألوان مع مُتصفح Chrome وشعاره ثلاثي الألوان، كما تفعل ذلك بشعارها الذي يحتوي على ألوانٍ كثيرة. لكن نظامها أندرويد نظامٌ أحادي الألوان، وقبيح في الوقتِ عينه، والأجهزة أحادية اللون التي تدعمه تجمعُ ما بين الانبهار بتقليلية آبل، والميلِ إلى صُنع مُنتجاتٍ قبيحة لتُعطي إيحاء الأهمية التقنية.

تُعطي حواسيب بوندي إيحاء مُستقبلياً بخلفياتها المُقببة، وتصميمها الذي يُقسِم قُبة الشاشة إلى قسمين، لكنه إيحاء مُستقبلي بهيج، يحتفي بالألوان، ولا يوحي بأنه قد صُنِع بناء على أوامِرِ الأخ الأكبر. لذلك، توقف الأخ الأكبر عن صناعتها تماماً. الحواسيب اليوم تواصل مسيرةَ التصنيعِ مُنذ بدايتها، مُحاولة تقديم المُستقبل اليوم. الأدوات (المستقبلية) التي يُقدمها مُصنعو التقنية تُمثِل مُستقبلاً شمولياً يسود فيه الأخ الأكبر، ويُفكِر الناس جميعاً فيه بطريقةٍ واحدة. في الواقع، فإن الحواسيب التي تصنعها التايتنات اليوم - وما في حكمها من هواتف ذكية وحواسيب لوحية ومشغلات فيديو - تُماثل تماماً بدل رجال كوريا الشمالية المتماثلة التي ينتقدها الغرب. إن كوريا الشمالية - بوصفها نظاماً شمولياً قمعياً - تعي تماماً أهمية أحادية اللون في سحقِ الأرواح، كما يفعل ذلك تايتنات التقنية، والمدير سكِنِر، ووزراء التربية والتعليم العرب الذين يفرضون زياً مدرسياً موحداً على طُلاب المدارس العامة. كُل ما يفعله هؤلاء ترويج رُهاب الألوان، وتثبيت مجموعة من المسلمات في أذهان الجموع، تحرمهم من القُدرة على أي تفكيرٍ خلاق.

تُشبه مسألة الألوان عند الشركات ما عبر عنه فيلم بلِزنتفِل (1998)، حيثُ ينتقل صبيٌ عادي وأخته إلى برنامج تلفزيوني بالأبيض والأسود عن مكانٍ مثالي اسمه بلِزنتفِل حيثُ الكُل مثاليون، مسالمون، ويتحركون كالروبوتات. تحدث تغييراتٌ في بلِزنتفِل، وكُل تغييرٍ يحدث يخلق لوناً جديداً في عالم بلِزنتفِل المونوكرومي. في النهاية، تنشبُ حربٌ ثقافية بين أحاديي الألوان ومتعددي الألوان، قبل أن يتحول عالم بلِزِنتفِل إلى الألوان بالكامل. أعتقدُ أن عالم التقنية الآن في بدايات الحربِ الثقافية بين أحاديي الألوان ومتعددي الألوان: نحنُ في المرحلة التي يوصم فيها متعددو الألوان بأنهم (فجون)، (مجافون للذوق)، و(خطرون على المجتمع). لكن غلواء أحادية الألوان ستخف مع انحسار التقليلية. (هُناك من يقول إن الطريق الأقصر نحو سيادة تعدد الألوان أن يُصاب ستيف جوبز بنوبةِ نوستالجيا هيبية حادة، وستُغرِقُ الألوان بعدها السوق).
في مسيرته مع المستهلِك العادي، منذ السبعينيات حتى الآن، صحح الحاسوب الشخصي مساراته كُلها، فكُلما بدا أنه اتجه قليلاً ناحية تشجيع الحرية والفردية والخصوصية، أعاد تصويب مسارِه لئلا يضل عن سبيل الفاشية. ما يحتاجه الوضع الآن إعادةُ قراءةٍ لتاريخ الحواسيب الشخصية - وما يرتبط بها من أدواتٍ ذكية، وشبكة الإنترنت - لإعادة تصحيح السجل التاريخي، ومحاولة (تدمير) الثقافة السائدة قبل أن تقضي على آخر نزعاتِ الحرية الفردية. المطلوب - بعبارةٍ أخرى - ثورة ثقافةٍ مُضادة.

13 سبتمبر 2010

الغول

مُذ حصلت على حاسوب بمعالج بنتيوم 2 ونظام تشغيل ويندوز 98، أحببتُ الحواسيب. قبلها، كُنتُ أتعذب في دراسة نظام MS DOS، ومن ثم ويندوز 95. لم أكن أحب الحواسيب، وكُنت أنظر إليها بتشكك، لكنها كانت نافذتي نحو المُستقبل حيث لا مكان إلا لمهووسي الحواسيب - كما كانوا يخبرونني باستمرار. كُل شيء تغير مع حاسوب بنتيوم 2 ونظام تشغيل ويندوز 98 الذي لا يزال نظامي المُفضَل حتى اليوم. بعيداً عن الكُتب التي تصلح كراسٍ لفرطِ ضخامتها - لم أقرأها، بطبيعة الحال، لأنها مكتوبة بلغة لا أفهمها، وتحكمات المُعلمين الذين يريدون تصميم جيلٍ من روبوتات تفعلُ ما يُطلب منها ولا تُفكر: كنت أشغل مُشغل الدوس، وأنطلق. كان النظام - المُغلق بمعايير السبعينيات - أقرب شيء مُمكن للأنظمة المفتوحة مُقارنة بأنظمة اليوم، تشغيل سطر الأوامر مُمكن في غمضة عين، والتحكم بالجهاز سهلٌ عن طريقه. كانت هُناك مساحاتٌ واسعة لاختبار النظام، مساحاتٌ واسعة للتجربة، مساحاتٌ للتحرك، تغيير مظهر النظام، خصائصه، استكشاف أدواته، حذف وتثبيت الحُزَمِ البرمجية. الجهازُ كان واحداً من وحوش كومباك التي لم تعُد تُصنَع اليوم، لذلك كانت أعطالُ النظام قليلة - مقارنة بنكبات أنظمة اليوم.
في تلك الفترة، كانت آبل منسية. لا أحد يتحدث عنها، كأنها سرٌ صغيرٌ قذر يتحاشى الجميع ذكره. لولا صورةٌ لحواسيب ماكنتوش الأنيقة قصصتها من مجلة، كُنت لأعتقد أنني تخيلتُ وجود شركة بهذا الاسم. كانت هُناك أنظمة لينُكس ماندرِك ورِد هات، وقد جربتُ واحداً منها، ووجدته مُمتازاً، لكنه لم يكن قريباً إلى قلبي مثل ويندوز 98. حين صدر ويندوز ميلينيَم، استخدمته، وصار النظام المُفضل الثاني عندي، مُباشرةً بعد شقيقه. كُنت أتحرك في عالم الحواسيب بغيرِ هُدىً، فلم يكن استخدام الإنترنت شائعاً في ذلك الوقت، والمواد المتوفرة بشأن تاريخ الحوسبة شحيحة للغاية، وبعيدة عن مُتناول يدي. مع ذلك، كُنتُ أتقدم بشكلٍ جيد في التحكم بالنظام واستكشافه، بإنكليزية مُتعثرة، وروحٍ مُغامرة، ورغبةٍ عميقة في فهم معمارية الحواسيب.
لم يكُن مُمكناً إلا أن أدرس تقنية المعلومات لفترةٍ من حياتي. كان ذلك إبّان العهد الذهبي لمايكروسوفت، وكانت الأنظمة الوحيدة التي تُدّرَس أنظمة ويندوز، وما يتعلق بها. في تلك الفترة، عايشت ثقافة الطوائف عن قُرب، لأن الأكاديمية التي درستُ فيها كانت مُكونة من طائفة مايكروسوفتيين متحمسين على المذهب الغيتسي. كانت المُحاضرات تتعلق بمُنتجات مايكروسوفت: ويندوز، أوفِس، إس كيو إل سيرفر، ويندوز سيرفر، ..... ومتوافقات ويندوز من البرامج. قبل المُحاضرات، كانت هُناك تجمعاتٌ تُقام لتدارس سيرة بيل غيتس. كان الطُلاب يجتمعون في الأروقة بعد المُحاضرات ليرووا طُرفاً من كرامات غيتس الذي صار مزيجاً من سوبرمان وعبقرينو والمُخلِص. في هذه البيئة، شعرتُ لأولِ مرةٍ بالاختناقِ من مايكروسوفت. وبعد أن كُنت أحترم غيتس، صارَ ذِكرُ اسمه مُزعِجاً لي. صارت الأكاديمية مُعتقلاً مُخصصاً لأنصارِ مايكروسوفت، يخنُقُ تلقائياً أي ميولٍ غير ويندوزية. في تلك الفترة، كانت لغة جافا مُتوهجةً، وبدت المهرب المثالي من مهووسي مايكروسوفت وغيتس. انكببتُ على دراسةِ جافا باهتمامٍ، لكن لغتي الإنكليزية لم تُساعِدني على تحقيق ما كُنت أرجوه منها - رغم أنني كُنت أحصلُ على أعلى الدرجاتِ في مشاريع جافا. لم يكنُ اهتمامي بجافا اهتماماً باللغة نفسها - لعدم توفر منظورٍ تاريخي يُمكنني من وضع جافا في موضعها الصحيح من تطور البرمجة في ذلك الوقت - بقدر ما كان هرباً من مايكروسوفت وويندوز وبيل غيتس. تعرفت على شخصية جيمس غوسلنغ، مُبتكر لُغة جافا، وتحول إلى مُضادِ غيتس. قمت بحملةَ دعايةٍ في الأكاديمية لجذبِ الانتباهِ إلى غوسلنغ، ونجحت في ذلك إلى حدٍ ما. غير أن الطُلاب الكِبار مارسوا نوعاً من النبذ الاجتماعي إزائي: لماذا يهتم المرء بغوسلنغ في وجود غيتس، أثرى رجلٍ في العالم؟ ولماذا يُتعِبُ نفسه في كتابة شيفرة جافا في وجود بيئة .Net السهلة؟ مُغامرات الجافا نوعٌ من تسلية الفشلة الذين لا يستطيعون تقدير نعمة وجود مايكروسوفت.
ترقت مُعظم البرامج وبيئات التطوير، وصارت غيرَ صالحةٍ للعمل على ويندوز 98 فاضطررت للترقية إلى ويندوز XP، وتعرفت - مُذ ذاك - على شاشة الموت الزرقاء حتى صارت كأنها صديقة قديمة. لم يعد مُعالج بنتيوم 2 صالحاً، فاستُبدِل بمُعالج 4، وقائمة مواصفاتٍ لا يُمكنني أن أتذكرها - ثم استبدل بمعالجٍ لا يُمكنني أن أتذكر حتى اسمه، يُشغل الألعاب الكبيرة جيداً، لكنه لا يُقارن بوحش كومباك القديم أبداً. كان نظام XP أعجوبة حينها، لكنني لم أحبه، وبقيتُ أعمل على ويندوز 98 وميلينيَم ما استطعت. تعرفتُ على شبكةِ الإنترنت أخيراً، ووجدتُ شغفي في شيفرة HTML وملفات CSS - التي فضلتها على JSS في حينه، ولم يكن هذا خياراً شائعاً. بمُحرِر نصوصٍ عادي، كُنت أُنشئ صفحاتٍ كاملة، بشيفرة نظيفة ومرتبة. صممتُ لي موقعاً صغيراً على Geocities واستخدمته لترويج أفكاري في الأكاديمية - والإشارة إلى سلسلة هاري بوتر، و الحديث عن ولعي بالتنانين وألعاب الدومينو وتِك تَك تو. آخر الأمر، كانت سُمعة nerd التي لحقتني مُبررة نوعاً ما - واشتهر الموقع - في المُجتمع المحدود الذي كانت تُمثله الأكاديمية - لأنه مكتوبٌ بكامله يدوياً، من دون استخدام أي برنامجٍ لتوليد الشيفرات - رغم أنني كُنت أستطيع استخدام MS FrontPage وMacromedia Flash وDreamweaver بحكم دراستي.
جلبت الإنترنت غنائم عديدة، فقد انضممتُ إلى المُجتمع البرمجي الذي كانت ترعاه شركة Sun Microsystems، وتعرفتُ على ويكيبيديا وفلسفة المصادر المفتوحة، وشاركت في مجموعات MSN. لكن مغنماً لم يكن أكبر من غوغل، الذي كان في بداياته. كان الفتية الأقوياء (cool guys) يستخدمون أدلة ياهو ومُحرك بحث MSN، وكان غوغل للضعفاء، لمن وصمهم المجتمع بأنهم nerds، geeks أو ما شابه. في ذلك الوقت، انغمستُ في استخدام غوغل بحماسة. كان محطة الانطلاق إلى عوالمٍ لا مُتناهية. كنتُ أكتب عنه في المنتديات الأجنبية، وكتبت عنه في موقعي - قبل أن أُغلِقه بسبب اعتراضي على سياسات ياهو. كُنت أتابع أخباره، وأُحدث قسم Google Vs. Them All في الموقع الخاص بي لأتحدث عن الشركاتِ التي تغلب غوغل عليها، وعن تطور حصته في السوق، وخدماته الجديدة. كانت شركة غوغل الناشئة، المُبتكَرة، والخيّرة محطة وصول الهاربين من عالم مايكروسوفت. ومع شعارها الشهير: "لا تكن شريراً،" كانت المُخلِصَ الجديد لعالم الحوسبة. كما أنها كانت الشركة الوحيدة التي تدعم العربية بشكلٍ لائق.
أتذكر المرةَ الأولى التي أعلنت فيها غوغل عن خدمة جي ميل، والتسجيل المُبكر لاختبارها، ثم الانتظار المُمِض لتاريخ إطلاقها، وبعدها الانغماسُ الجنوني في عملية إرسالِ الدعواتِ وتبادلها على مواقع الإنترنت - في العصر الذهبي للمنتديات. في ذلك الوقت، ظهرت مُشكلة الخصوصية لأول مرة مع غوغل، لأن بريدها العملاق يتجسس على محتوى الرسائل ليُقدم للمُستهلِك إعلاناتٍ تُثير اهتمامه. قالت غوغل إنها تبحث فقط عن (كلماتٍ مفتاحية)، وإنها لا تتجسس على البريد، وصدقتها - كما صدقها الكثيرون. أعني، إنها كلماتٍ مفتاحية فقط! لا شيء مُهم! غوغل لن تخذلنا، ولن تخنقنا بالإعلانات المصورة التي يزدحم بها بريد هوتميل. إن غوغل ليست إلا كُل ما يتمناه المرء في شركة: الأمان، الابتكار، الثقة. غوغل ستدافع عنا. نحنُ نثق بغوغل. نثق بغوغل حتى عندما تستحوذ على خدمة بلوغر، نثق بغوغل حتى عندما تربط الحساب البريدي بعملياتِ البحث، ثم تربط كافة عمليات المُستخدم على النطاقات المملوكة لها باسمٍ واحد. لا يُمكن أن تخون غوغل مُستخدميها لأنها وطنهم الإلكتروني، إنهم يعتنقون فلسفتها، وينشدون اسمها، ويسبحون بحمد سجاياها ليلاً ونهاراً. هذه مُجرد دعاياتٍ كاذبة، إشاعاتٍ مُغرضة من ياهو ومايكروسوفت. تخوض غوغل بضع معارك استعراضية من أجل (خصوصية) المستهلكين، فتزداد الحماسةُ أضعافاً مُضاعفة. الآن، تصيرُ غوغل شركة للأقوياء والمقبولين اجتماعياً. مع مُختبر تطبيقاتها، وخدماتها المُختلفة الجديدة، تصيرُ غوغل عدة النجاة للمُبرمج، ويضمحل مُجتمع Sun Microsystems. تشتري غوغل بضعَ شركاتٍ أخرى. يظهرُ يوتيوب، فتشتريه فوراً. تحاولُ شراء موقع فيس بوك بحماسة، وتُنشئ شبكةً اجتماعية. تُنشئ برامج خرائط ومسحٍ جوي تُمكن المُستخدم من رؤية الأرض كُلها على شاشته. لقد تغوّلَت غوغل.
دق ناقوس الخطر قبل سنواتٍ، والآن نزل البلاء: إن غوغل تهديدٌ حقيقي للخصوصية يفوق تهديد بيل غيتس نفسه. لقد صار لغوغل طائفةٌ تتبعها أشدُ قطيعيةً من طوائف مايكروسوفت وآبل مجتمعة. غوغل الآن تعرفُ عن المُستخدمين أكثر مما تعرف أمهاتهم عنهم. غوغل تملك الرفاهية لتبدأ مشاريعاً خيالية مثل مراقبة الكرة الأرضية عن طريق الأقمار الصناعية، وإنشاء خدمة مزود اتصالٍ بشبكة الإنترنت. غوغل - في عقدٍ فقط - صارت تملك المُستخدمين، وتملك المال، وتملكُ السُلطةَ المُطلقة التي تفوق سلطةَ الشركاتِ الأخرى مجتمعة. لقد صار المُخلِصُ التايتن الجديد.
المُشكلةُ مع غوغل أنها تايتن كُلي الحضور، كُلي العِلم، وكُلي القُدرة. بالنسبة لملايين المُستخدمين في العالم، تعني شبكة الإنترنت غوغل: محرك بحث غوغل، خدمة ترجمة غوغل، بريد غوغل، مدونات غوغل، مجموعات غوغل، إجابات غوغل، متصفح غوغل، ..... انعدام الكيان المادي في تعامل المُستهلِك مع الشركة يجعل الفكاك منها صعباً. إذا أرادَ المُستهلِكُ الطلاق من مايكروسوفت، فما عليه إلا أن يُزيل نظام ويندوز من على جهازه، وإذا أراد الخلاص من HP فإن بإمكانه بيع حاسوبه أو التبرع به. ولحماية بياناته من الاستعادة، فإن بإمكانه تدمير القرص الصلب للحاسوب. مُشكلةُ غوغل أنها لا تُقدم سلعة ملموسة، يُمكن قياس حجمها ووزنها وكثافتها، وتقدير كلفة موادها الخام النقدية، وهامش ربح الشركة، وتوقيع عقدٍ لاستخدامها. مجانيةُ خدماتِ غوغل تجعلها مريبة أكثر: لماذا قد تُقدم شركةٌ ربحية كُل هذا الكم من الخدمات المجانية، وتحصد أرباحاً هائلة؟ أرباح إعلانات غوغل جزء من دخلها، لكنها ليست كل الدخل. هُناكَ مصادرُ أخرى لمداخيل غوغل، ومُعظمها بعيدة عن نظر المُستهلك العادي الذي تُشكِلُ بياناته رأسمال غوغل الأساسي. العلاقة مع غوغل غير قابلة للفصم، فلا يُمكن للُمستخدم أن يُزيل نظام غوغل من حاسوبه، أو أن يُدمِر القُرص الصلب لجهازه ليمنع أي مُتطفلٍ من معرفة أنه كان مولعاً بالأنيمي الياباني في 1997. غوغل تحتفظ بكل بيانات المُستخدِم في خوادمها التي لا يستطيع الوصول إليها، ولا تمحوها بناء على طلبه. حتى لو هاجر المُستخدم من غوغل، فإنها تبقى مُحتفظة بكُل بياناته جاهزة تحت الطلب.
تجهل نسبةٌ كبيرة من مستخدمي الإنترنت اليوم أهمية الخصوصية - أو تتجاهلها. وحجتهم في هذا التجاهل أنهم ليسوا (شخصيات هامة) بحيث تهتم الشركات الكُبرى بأسرارهم. ما يجهله أصحابُ هذه الحجة أن الجميع مُعرضٌ للفضح في عالم غوغل، وأن كُل شيء له عواقبه. إذا تقدم مُراهق اليوم لعملٍ بعد خمسِ سنواتٍ، مثلاً، سيكون بوسع أي شركة أن تطلب معلوماته من غوغل. قد ترفض شركةٌ ما توظيفه بسبب سلسلة من الرسائل الغاضبة تبادلها مع أحد معارفه قبل سنوات، استنتجت منها الشركة أنه سريع الغضب. هُناك كمٌ هائل من الصور والمقالب والحماقات التي يجري تبادلها كُل يوم، ولا يُريد المُستخدم أن يجدها في وجهه بعد سنوات، لكنه لا يملك خيار حذفها. أمرٌ آخر، إن كون المُستهلِك نكرةً اليوم لا يعني أنه سيبقى نكرةً في المُستقبل، وعندها ستُشكِل خلفيته السابقة مادة دسمة لكُل من يرغب في قضم قطعةٍ منه. يقول المُدير التنفيذي لغوغل، إريك شميدت، للمُستخدم ببساطة إنه سيأتي زمنٌ يكون فيه على الشباب أن يُغيروا أسماءهم في المُستقبل لمحاولة النجاة في عالمٍ مُنتَهَك الخصوصية. يربط شميدت الحاجة إلى الخصوصية بفعل أشياء قذرة على الإنترنت، مما يُسيء إلى صورةِ المُطالبين بحماية خصوصية المُستهلِك في أذهان القطيع الغوغلي. ليس ضرورياً أن يكون المُستهلِك متورطاً في نشاطاتٍ غير قانونية، أو مُدمناً للمواد الإباحية على الإنترنت حتى يكون راغباً في حماية خصوصيته. الأمرُ يتعلق بما يصلح للعرض العام، وما يختصُ بدائرةٍ مُحددة من الناس. ليسَ من الضروري أن يعرف أحدٌ بأن فلاناً من الناس لا يطيق ابن عمته، ويُكاتِبُ أخاه المُسافر واصفاً الأفعال المُستفزة التي لا يتوقف عن القيام بها - أخذ أغراضه من دون إذن، تغيير المحطة في التلفاز، الاستحواذ على الوقت المُخصص للعبة إله الحرب على بلايستيشن وتخصيصه للعبة فيفا، ........
مُشكلةٌ أخرى تتعلقُ بعجز كثيرٍ من المُستهلكين اليوم عن التفريق بين الخاص والعام، على فيسبوك كما على غوغل. تشارك الروابط شأنٌ عام، لكن رأي المُستهلك في غباء ابن الجيران ليس مسألةً للعرض على حائطه ليقرأها جميع المُضافين بوصفهم (أصدقاء) له، أو يقرأها كامل مُجتمع فيسبوك - إذا كان مُطيعاً لمارك زوكربرغ ومفهومه عن الخصوصية. هذا أمرٌ غير لائق، أو غير مفيد - إذا صُغنا الأمر بعبارةٍ مُخففة. غياب مفهوم "المسافة الاجتماعية" عند كثيرٍ من المُستهلكين اليوم، وتحول الشركات إلى أنظمة استخباراتية فاشية يجعل من المُستِهلِك عُرضةٍ للخطر من كُل ناحية: اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً.
قبل سِت سنوات، حصلتُ على عنوانٍ من بريد غوغل. كان عملي هذا نتيجة لإيماني بأن غوغل مُستقبلُ الإنترنت المُشرِق. في ذلك الوقت، لم تكن مُصطلحاتٌ ضبابية ومُعقدة مثل "الحوسبة السحابية" قد ظهرت. لم تكن غوغل قد تحولت إلى غول. لكن العلامات كانت قد ظهرت: تقديم غوغل بوصفها ثقافة مُتفردة وأسلوب حياة، استغلال جشع المُستِهلِك الطبيعي لإغرائه باستخدام خدماتها، أسلوبها الاستعراضي في دخول سوق الأسهم، استحواذها على أكبر نصيبٍ في عمليات البحث بشكلٍ جعل مُحرك بحث MSN خارج اللعبة وقضى على بقية مُحركات البحث. رُبما لم أفكر في الأمرِ كثيراً، ورُبما اخترتُ تجاهل العلامات لأنني أحبُ غوغل. النتيجة أنني اليومَ أكتشفُ في أي ورطةٍ وقعتُ مع كُلِ توسعٍ جديد لغوغل. إرسالُ عنواني إلى غوغل للتسجيل في خدمة جي ميل الاختبارية كان أقرب شيء فعلته في حياتي إلى توقيع فاوستس بدمه على ميثاقه مع مِفِستوفِلِس. على الأقل، يستطيع فاوستس الحديث مع مِفِستوفِلِس في المسائل التي تشغله، ويعرفُ جيداً نواياه تجاهه. أنا - في المُقابل - قيدتُ نفسي إلى غولٍ هائل لا أرى منه إلا أقل القليل، ولا أعرف نواياه، لكنني أعرفُ أنه سينتهي بافتراسي، إما عاجلاً أم آجلاً.