‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقنية. إظهار كافة الرسائل

13 يناير 2013

راديو هند - ٢: لجام نار

الحلقة الثانية من راديو هند، "لجام نار"، تزامنت مع إعلان خبر وفاة آرون سوارتز، الناشط الإلكتروني المعروف، والمُساهِم في نشر ثقافة البرمجيات الحُرة وتحرير مصادر المعرفة من الاحتكار. وفاة سوارتز جاءت في خِضم الاستعداد لمُحاكمته بسبب اختراقه لقاعدة بيانات JSTOR ونشره الأوراق العلمية فيها. قاعدة بيانات JSTOR ليست قاعدة بياناتٍ تابعة لأي جهاز دولة في أي مكانٍ في العالم، ولا تحتوي على معلومات حساسة تُهدد الأمن القومي لأي أمة، ولا تُهدد أمن أي فردٍ في العالم وسلامته. ومع ذلك، فقد كان سوارتز ليواجه أحكاماً بالسجن تصل إلى خمسة وثلاثين عاماً، بسبب اختراقه لهذه القاعدة وتوفيره الأوراق البحثية فيها للعموم.

20 سبتمبر 2010

El Jobso

ستيف جوبز

كنت أقرأ اسم ستيف جوبز لماماً في كتابات فلاسفة التقليلية Minimalism، إذ أنهم يقتبسون منه بين حينٍ وآخر. ورغم اهتمامي بمُنتجاتِ شركة آبل، وبثقافتها، إلا أن رئيسها التنفيذي كان دوماً شخصيةً ثانوية بالنسبة لي. كان يُخيَلُ إلّي - عندما أقرأ اسمه عند فلاسفة التقليلية - أن هذا الاسم مألوف، لكنني أعجز عن نسبه إلى مهنةٍ محددة. هل هذا الجوبز فيلسوف؟ ناشط ثقافي؟ الاحتمالات لا نهائية. المهم أنه شخصٌ انتقائي كاره للبشر.
ذات يومٍ، تعثرت بمقالةٍ - لا أذكر كيف وصلت إليها - جذبت انتباهي بعبارةٍ افتتاحية مُخيفة عن ستيف جوبز. (لن أعيد اقتباسها، لأنها قاسية جداً ولا إنسانية). قررتُ قراءة المقال لأعرف من هذا الستيف جوبز، وما الذي فعله حتى استنزل عليه لعنة الكاتب بهذا الشكل الذي يُجمد الدم في العروق. وصلتُ إلى نهاية المقال - الذي يُشبه وثيقة إعدام - ولم أعثر على إجابةٍ شافيةٍ لأسئلتي، لكنني اكتشفت معلوماتٍ لم أكن أعرفها من قبل. اتضح لي - من المقال - أن هذا الستيف مزيجٌ من كراكن وتنين وهيدرا، له تسعة رؤوس، ينفثُ اللهب من منخريه، يتغذى على الأطفال الصغار - نفت تعليقات القراء ذلك، مشيرةً إلى أنه يعتاش على دماء العذارى فحسب، ويخدمه دارث فيدر والإمبراطور بالبتَين ولورد فولدمورت وسورون ومورغوث والنازكُل التسعة مجتمعين غير قادرين على النظرِ في عينيه لفرط شره. انتهت المقالة نهايةً درامية لا تقلُ قوةً عن افتتاحيتها، ومفادها أن ستيف سينتهي في مصحٍ عقلي.
لم تكن التعليقات أقل عدائية من المقالة، إذ ناقشت بحقه أحكاماً تتراوح بين خوزقته وإلقائه لأسماك القرش. أرعبني الأمر، فنقاش مصيرُ إنسانٍ حي بهذه الطريقة اللا إنسانية أمرٌ يصطدم مباشرة مع موروثي الحضاري، والتزامي الأخلاقي تجاه الإنسانية. بدل أن يتحقق هدف كاتبُ المقال الأصلي - أن أكره ستيف جوبز كما يكره الأتقياء الشيطان، وأتحول إلى الطائفة الغوغلية - فإنني صرتُ من المهتمين بستيف، وفقدتُ آخر خيطٍ يربطني بالغوغلية. إذا كان الرجلُ قادراً على توليد كُل هذه الكم من الكراهية ضده والعنف اللفظي من دون أن يكون مُجرم حربٍ أو قاتل أطفال، فإنه ليس أقلَ من فنان.
اكتشفتُ بعدها أن ستيف جوبز أكثر تأثيراً في عالم التقنية من بيل غيتس نفسه - مع أن ثروته عُشر ثروة غيتس، وأنه العدو الأوحد لمجتمع المصادر المفتوحة، مايكروسوفت، غوغل، نوكيا، وسوني إريكسُن. كذلك، تعرفتُ على تأثيره على النزعات الاستهلاكية اليوم، بوصفه الأب الروحي لمجتمع الآي بود التي تظهر في مسلسل آل سمبسون بوصفها المُستعبِد المُستقبلي للجنس البشري. وتذكرتُ أنه ظهر في حلقة "مايبودات ومقشات" في مسلسل آل سمبسون - الحلقة التي عرضت شخصياتٍ مسلمة بوصفها المُحرِك الرئيسي للحبكة لأول مرة في تاريخ المسلسل - في هيئة الكيان المُسيطر على عالم مابل من مقره تحت الماء. رغم أن "مايبودات ومقشات" ليست من كلاسيكيات آل سمبسون، إلا أنها لم تخلُ من أفضل ما يُميز المسلسل: النقد الاجتماعي الحاد لظاهرة آبل، وشخوصها، وعبادة البطل المرتبطة بستيف جوبز فيها، وميولها القمعية. آخر الأمر، تضطر ليسا سمبسون للعمل عند آبل لتدفع ديونها الهائلة للشركة في وظيفة يعرضها عليها ستيف نفسه، وبعد أن تتحمس وتوافق، تكتشف أنها وقعت عقداً شيطانياً آخر مع الشركة، إذ أن وظيفتها تصير الوقوف في ركن الشارع مرتدية زي آي بود، لتردد من دون انقطاع شعار آبل (الرسمي): "فكر بشكلٍ مختلف! فكر بشكلٍ مختلف!".
يوجد أكثر من ثلاثين كتاباً تتحدث عن ستيف جوبز في موقع أمازون، بين سيرة شخصية غير رسمية له، وبين تأريخ لشركة آبل، وتحليل لقراراته في مسيرته بوصفه المدير التنفيذي لشركةِ آبل. واحدُ من هذه الكتب، iCon، أحنق ستيف للغاية حتى أنه منع منشورات دار وايلي بأكملها من الظهور في متجر iTunes، وبالتالي من الوصول إلى أجهزة الآي بود والآي فون والآي باد. قرارُ ستيف الديكتاتوري جلب له أعداء كثيرين أحنقهم أن يقوم بمراقبة متجر الكتب، كأن رقابة الحكومات القمعية لا تكفي. وشبهه البعضُ بالصين، قائلين إنه مساعد الرئيس الصيني هو جِنتاو. فيما بعد، تراجع ستيف عن قراره، لكن متجر iTunes بقي مُعادياً لكل أشكال السخرية والهجاء السياسي والاجتماعي بمنعه كل التطبيقات ذات "الروح اللئيمة" التي تبطن "نية الإيذاء وجرح المشاعِر". بهذه الطريقة، تمكن ستيف من منع مُعظِمِ المحتوى الذي يسخر منه من الوصول إلى iTunes - وإن لم يتمكن من منعه على يوتيوب والمواقع المستقلة على الشبكة - مفوتاً على زبائن المتجر فرصة الاستمتاع بفنِ هجاء ستيف جوبز.
غير أنه يُلهِم طوائف الماك، ومن يعتقدون أنه تجسدٌ خوارقي، فإن ستيف يُلهِمُ العديد من الكُتاب والمُبرمجين والرسامين والمُصممين ليسخروا منه، ومن الكلمات التي يُكررها في عروضه الرسمية ("جنوني"، "سحري"، "ثوري"، و"مذهِل")، ومن ردوده عن طريق البريد الإلكتروني على بعض من يراسلونه، ومن ثيابه التي لا يُغيرها، ومن هوسِه بالمُنتجات التقليلية، ومن بغضه للأزرار، ومن مزاجيته، ومن سلاطة لسانه. بعضُ المحتوى الساخر عن ستيف جارحٌ حقاً - أكثر من المقالة التي جذبت انتباهي إليه - إذ يستخدم معاناته مع سرطان البنكرياس واختلال التوازن الهرموني واقترابه من الموت للسخرية، ويتطلب الضحك عليه قدراً كبيراً من الأباثية أو السادية.
في 2006، بدأ دان ليونز مدونة بعنوان المفكرة السرية لستيف جوبز، ووقعها باسم "ستيف جوبز المزيف". ولعامٍ بقيت هويته سراً يُحيِرُ المهتمين بالتقنية، إلى أن كُشِفَت في 2007. بعدها بعامٍ أصدر روايةً باسم "ستيف جوبز المزيف" عن أزمةِ حصة الأسهم الممنوحة لستيف جوبز بسعرٍ تفضيلي - عن طريق التلاعب بتواريخ منحها - يجعله يُهرِبُ عشرين مليون دولارٍ بعيداً عن عيون الضرائب. تعرضت آبل لسلسلةٍ من التحقيقات الحكومية بسبب الأزمة - خصوصاً وأن مسؤولين تنفيذيين آخرين في الشركة تورطوا فيها، واستقال بعضهم - ورفع مجموعة من حملة الأسهم في الشركة دعوى قضائية جماعية ضد جوبز ومجلس الشركة التنفيذي تُطالبهم بسبعة مليارات دولارٍ تعويضاً عن الضرر الذي أصاب سمعة الشركة وتسبب في انخفاض قيمة أسهمها. في النهاية، لم يستقِل جوبز، ولم يحصل على الأسهم، ولم توجه إليه أي تُهمِ إجرامية حيثُ برأه التحقيق الحكومي مثبتاً أنه لم يكن على علمٍ بالتلاعب في حسابات آبل المالية والمعاملة التفضيلية التي حصل عليها التنفيذيون، وكذلك فعل التحقيق الداخلي الذي أجرته آبل، غير أن وسائل الإعلام بقيت تنظر إليه بوصفه محتالاً كبيراً.
أضافت أزمةُ الأسهم - التي قد يكون بريئاً منها - إلى سمعةِ ستيف السيئة أصلاً بوصفه أبخل المدراء التنفيذيين في عالم التقنية. إذ أنه أغلق قسم الأعمال الخيرية في آبل عندما عاد ليتولى قيادة الشركة بدعوى تخفيض النفقات حيث أن الشركة لم تكن تربح شيئاً يُذكر في ذلك الوقت، لكنه لم يعاود افتتاح القسم عندما عادت الشركة للربح. كذلك، فإنه لا يتبرع شخصياً لأي جهة خيرية، ولا يستثمر في أي مشاريعٍ تهدفُ إلى تحسين أوضاعِ الطبقاتِ المحرومة - كما يفعل بِل غيتس، مثلاً. ولا يُقدم في آبل أي مُنتجاتٍ معقولة الأسعار، مما جعله يشتهر بلقب "كاره الفقراء".
مهد دان ليونز الطريق للكثير من الساخرين الذين ينالون من ستيف بطرقٍ مُختلفة، سواء كان هدفاً عشوائياً لهم، أم هدفاً مُستمراً. مع كم هائلٍ من الفيديوهات الساخرة في موقع يوتيوب، ومجموعةٍ من الحسابات المُزيفة على موقع تويتر، وبعض العروض المُخصصة له. واحدٌ من أشهر حساباتِ ستيف المزيفة على تويتر الحسابُ المعروف باسم @ceostevejobs. يتحدث مُشغِلُ الحساب - المجهول حتى الآن - بجدية حول مواضيع عديدة، ويسخر من سياسات آبل وما يدور في عالم التقنية بشكلٍ هادئ حتى أن البعض يعتقدُ أنه حسابُ ستيف جوبز الحقيقي نفسه، لكنه يرفض تأكيده على موقع تويتر ليتمكن من قولِ ما يحلو له من دون مُحاسبة. خدعت هذه النظرية صحيفة الديلي ميل التي نشرت تقريراً بناء على واحدٍ من تحديثات الحساب.
واحدٌ من أطرف العروض التي تدور حول ستيف جوبز برنامج The Steve Jobs Show الذي يُقدمه ستيف نفسه في هيئة دمية، ويتحدث بوضوحٍ من خلاله عن آرائه في التقنية، وفي الانتقادات الموجهة إلى شركة آبل، ويجيب فيه عن أسئلة الجمهور. مُقدمةُ البرنامج طويلة، وتظهرُ فيها كلماتُ مديحٍ لستيف على خلفية نظام Mac OS X، وموسيقى "غزوة الفالكيري" الشهيرة. بعد المقدمة، يظهر ستيف فوراً ويتحدث في موضوعه مباشرة. البرنامج واحدٌ من أفضل العروض الساخرة على الإطلاق، خصوصاً في حلقاتٍ مثل "زبائننا الكرام الأعزاء" و"أناس أكرههم، أناسٌ أحبهم".
مع كُلِ محاكاةٍ ساخرةٍ جديدة، يكسب ستيف جوبز أرضاً جديدة، إذ أن صورته تترسخ بوصفه أهمَ أقطابِ التقنية اليوم وأكثرهم نفوذاً. إن الجمهورُ الذي ينجذبُ إليه أكبرُ بكثيرٍ من الجمهور الذي ينجذب إلى بِل غيتس وستيف بالمر ولاري إليسون وإريك شميدت، ويضمُ أناساً من خارج الجمهورٍ التقني. كذلك، فإن المستوى الفكري المُرتفع لكثيرٍ من الأعمال التي تسخرُ منه يجذب إليه جمهوراً من مستوى فكريٍ مرتفع، ويجعله أيقونة للثقافتين النخبوية والشعبية. بهذه الطريقة، يصيرُ قادراً على أن يُحدد اتجاه التقنية (اتجاهه للهواتف المحمولة ألهم غوغل وفيسبوك)، ويفرض مقاييسه الجمالية عليها (التقليلية، والمونوكرومية).
تأثيرُ ستيف يتجاوز التأثير الثقافي والتقني إلى التأثير الاقتصادي، إذ أن انتعاشَ أسهم آبل وقيمتها السوقية مُرتبطٌ بشخصه ارتباطاً تاماً، فالأنباء عن تدهور حالته الصحية تؤدي إلى تدهور قيمة آبل السوقية، والنبأ غير المؤكد الذي نُشِرَ عن إصابته بسكتةٍ قلبية ونقله إلى المُستشفى بشكلٍ عاجل تسبب في هبوط أسهم آبل بشكلٍ غير مسبوق. في المُقابل، لم تُسبب أزمة هوائي iPhone 4 مشكلةً حقيقية في أسهم آبل، رغم أنها كان يُمكن أن تخاطر بسمعةِ شركةٍ أخرى. حتى أن البعض يعتقد أن الاستثمار في آبل ليس استثماراً في الشركة بقدر ما هو استثمارٌ في شخص ستيف جوبز، قُطب الشركة الأوحد، أعلى المدراء التنفيذيين أجراً في العالم، والمدير التنفيذي الوحيد الذي لا يجرؤ مجلس إدارة شركته على طرده.
جزء كبيرٌ من تأثير شخصية ستيف يعود إلى حقيقة أن أي خبرٍ عنه قابلٌ للتصديق - مهما كان غريباً - لذلك شاع مؤخراً خبرٌ كذبته آبل عن منعه من الصعود على متن طائرته الخاصة في اليابان حاملاً سلاح نجوم الننجا، ورغم التكذيب فإنه قد وجد طريقه إلى التصوير ثلاثي الأبعاد، وفسره البعض تفسيراً منطقياً.
التأثير الثقافي والاقتصادي لستيف جوبز يجعله على درجةٍ من الأهمية توازي أهمية فلاسفة ما بعد الحداثة. في الواقع، بحكم أنه من كبار منظري التقليلية، فإنه يُمكن أن يُعد ضمن الفلاسفة، وبسبب ميوله الكارهة للبشر، فإن نيتشه قد يكون مصدرَ إلهامٍ محتملاً له. وعلى كل حالٍ، فإن الوقتَ لا يزال مُبكراً - بعض الشيء - لوضع ستيف جوبز في مكانه المُستحق من التأثير الثقافي في القرن الحادي والعشرين.

ستيف جوبز ومشكلة هوائي الآي فون - يوتيوب
أغنية هوائي الآيفون - يوتيوب
ستيف وبِل معاً - يوتيوب
حقائق حول ستيف جوبز - موقع يُقدم مجموعة من (الحقائق) التي وضعها الجمهور

16 سبتمبر 2010

Monochrome

تفاحة آبل الملونة

في فيلم فورست غمب (1994)، يستثمرُ الملازم دان المال الذي كسبه مع فورست غمب من صيد القريدس في شركةِ آبل، ويحققان ثروة تجعل من فورست غمب واحداً من أثرياء الولايات المُتحدة الكبار. كانت تلك أولَ مرةٍ أسمع فيها عن شركةِ آبل ذات التُفاحة الملونة المقضومة، وأرى شعارها مطبوعاً على الأوراق التي يُرسلها المُلازم دان إلى فورست ليوقعها. زمنُ الاستثمارِ في آبل كان النصف الأخير من السبعينيات وجزءاً من الثمانينيات، ثُم توارت الشركةُ تماماً، تاركةً ذكرى مشوشة عن أجهزة ماكنتوش. لم أسمع بعدها عن الشركة، فاعتقدتُ أنها من صنعِ خيالِ مؤلفي الفيلم.
الدليلُ الأهمُ على وجودُ آبل كان الصورةَ التي قصصتها من مجلةٍ ما في التسعينيات، وتُصور قاعةً ملأى بأجهزةِ الحاسوب المُلونة، وتحته تعليقٌ يقول إن هذه أجهزةُ ماكنتوش من آبل - في الواقع، لم تكُن أجهزة ماكنتوش عموماً، وإنما فرعاً خاصاً من الماكنتوش يحمل اسم بوندي. وقتها، استقرَ في نفسي أن شركة آبل تحتفي بتعدد الألوان، وأنها المهرب من أجهزة الحاسوب أحادية اللون القبيحة التي أجدها حولي. لكن هذا الخيالَ الطفولي تبدد فيما بعد. اليوم، التفاحةُ المقضومة نفسها أحادية اللون بعد تخلي آبل عن قوسِ القُزَح. لم تعُد أجهزةُ بوندي تُصنع في حُقبة الآي ماك والماكبرو، ولم تزدهِر فلسفةُ الألوان في المُنتجات التقنية الجديدة. في طريقِ تحولها إلى الأخ الأكبر، التقطت آبل عدوى رُهاب الألوان من الشركاتِ الأُخرى، فصارت تصنع حواسيب أُحادية الألوان تقمعُ الروحَ الإبداعية، وتُذكِرُ المُستخدِم باستمرار بأنه يعملُ على مُنتجٍ يخصُ الأخَ الأكبر. حتى أجهزةُ iPod Shuffle وNano الملونة أُحادية الألوان. الخيارُ الوحيد الذي تمنحه آبل للمُستهلِك مع هذه الألوان اختيارُ اللونِ الأُحادي الذي سيسودُ جهازه، فحسب. يقتصر كرمُ آبل على أجهزةِ iPod Shuffle وNano، ولا يتجاوزه إلى بقيةِ مُنتجاتها أحادية اللون - إما بيضاء أو سوداء - لاجتثات أي ميولٍ إبداعية عند المُستِخدم - عملاً بسياسة المُدير سكِنَر، مُدير مدرسة سبرينغفيلد الابتدائية في مسلسل آل سِمبسون، الذي يمنعُ استخدام الطباشير الملونة في الفصول لأنها تنمي الميول (الليبرالية) عند الطُلاب.
تُنادي آبل اليوم بفلسفةٍ جمالية خاصة تلتقي في بعض جوانبها مع الفلسفة التقليلية Minimalism، وتستمدُ قوتها في السوق من فلسفتها الخاصة التي يُنادي بها الكثير من دُعاة التقليلية في العالم، ممن يشكلون نوعاً من حواريي آبل الذين ينقلون عنها الحكمة. مبدأ التقليلية يعتمد على المساحات الفارغة كثيراً، وعلى حذف كُل ما لا حاجة للمُستخدم به - أو له حاجةٌ به، لكنها ليست حاجةً أساسية لا يستقيم العيشُ من دونها - من دون الاكتراث لما يعتقدُ المُستخدِم أنه يحتاجه. إذا لم يتفق المُستخدِم مع مبادئ التقليلية، فإن بإمكانه أن يلجأ إلى بدائل أخرى تُدينها التقليلية بوصفها (قبيحة)، (مزدحمة)، (مُبهرجة)، وتفتقر إلى الذوق. إن الذوق، المبدأ الأساسي الذي يجعل من آبل متميزة عن غيرها، يتحولُ إلى أداةِ قمعٍ فاشية مع كل مُنتجٍ جديد تطرحه في السوق.

تُقدم التقليلية نفسها بوصفها رديفة للتطور الإنساني والتحضر، واصمة مخالفيها بالبدائية والهمجية. يُحِب التقليليون دائماً ضرب أمثلةٍ على فسادِ المُعتقدات غير التقليلية بحالة المواقع على شبكةِ الإنترنت في بداياتها، حيثُ كانت مهرجانات ألوانٍ فسفورية مليئة بكل أنواعِ الحركة التي قد تُسبب نوبةَ صرعٍ لأي شخصٍ يحتوي دماغه على أبسطِ شحنةٍ غير اعتيادية. وفيها يلتقي التايتنان: آبل وغوغل، إذ أن آبل رائدة التقليلية في العتاد، وغوغل رائدة التقليلية في مواقع الإنترنت، حيث لا يزدهر إلا البياض. وتمتدُ التقليلية إلى المساحات الافتراضية الأخرى: أسطح المكاتب الافتراضية، واجهات البرامج الرمادية في برامج Mac OS وiOS، والألعاب التقليلية. خارج الشبكة، تبسط التقليلية نفوذها في الديكورات الداخلية، مروجة لمذهب الغرف شبه الفارغة، وسيادة اللون الواحد. في هذا السياق، يصير الاحتفاء بالألوان نوعاً من الذوق (البلدي) إن جاز التعبير. يصيرُ غوغائياً كالسينما الهندية، أو كاحتفالٍ شعبي.




هُناك مُنتجاتٌ أحادية اللون أخرى قبيحة للغاية، مُعظم أقفاص الحمام الحاسوبية أحادية اللون، وحتى حواسيب VAIO التي تروج لها سوني بوصفها لمسة اللون في عالمٍ يخلو من الألوان أحادية اللون. تقليلية آبل وغوغل فاشية، وأقفاص حمام دِل، سوني، وهيولِت باكارد قبيحة. وكُلها تعتنق مبدأ المونكرومية، ولا تبغي عنها بدلاً. حتى هواتف مايكروسوفت القادمة تأتي لُتضيف إلى الركب الفاشي. بوصفها أكثر التايتنات ماكيافيلية، فإن غوغل تُقدِمُ جُرعةً من الألوان لمحبي الألوان مع مُتصفح Chrome وشعاره ثلاثي الألوان، كما تفعل ذلك بشعارها الذي يحتوي على ألوانٍ كثيرة. لكن نظامها أندرويد نظامٌ أحادي الألوان، وقبيح في الوقتِ عينه، والأجهزة أحادية اللون التي تدعمه تجمعُ ما بين الانبهار بتقليلية آبل، والميلِ إلى صُنع مُنتجاتٍ قبيحة لتُعطي إيحاء الأهمية التقنية.

تُعطي حواسيب بوندي إيحاء مُستقبلياً بخلفياتها المُقببة، وتصميمها الذي يُقسِم قُبة الشاشة إلى قسمين، لكنه إيحاء مُستقبلي بهيج، يحتفي بالألوان، ولا يوحي بأنه قد صُنِع بناء على أوامِرِ الأخ الأكبر. لذلك، توقف الأخ الأكبر عن صناعتها تماماً. الحواسيب اليوم تواصل مسيرةَ التصنيعِ مُنذ بدايتها، مُحاولة تقديم المُستقبل اليوم. الأدوات (المستقبلية) التي يُقدمها مُصنعو التقنية تُمثِل مُستقبلاً شمولياً يسود فيه الأخ الأكبر، ويُفكِر الناس جميعاً فيه بطريقةٍ واحدة. في الواقع، فإن الحواسيب التي تصنعها التايتنات اليوم - وما في حكمها من هواتف ذكية وحواسيب لوحية ومشغلات فيديو - تُماثل تماماً بدل رجال كوريا الشمالية المتماثلة التي ينتقدها الغرب. إن كوريا الشمالية - بوصفها نظاماً شمولياً قمعياً - تعي تماماً أهمية أحادية اللون في سحقِ الأرواح، كما يفعل ذلك تايتنات التقنية، والمدير سكِنِر، ووزراء التربية والتعليم العرب الذين يفرضون زياً مدرسياً موحداً على طُلاب المدارس العامة. كُل ما يفعله هؤلاء ترويج رُهاب الألوان، وتثبيت مجموعة من المسلمات في أذهان الجموع، تحرمهم من القُدرة على أي تفكيرٍ خلاق.

تُشبه مسألة الألوان عند الشركات ما عبر عنه فيلم بلِزنتفِل (1998)، حيثُ ينتقل صبيٌ عادي وأخته إلى برنامج تلفزيوني بالأبيض والأسود عن مكانٍ مثالي اسمه بلِزنتفِل حيثُ الكُل مثاليون، مسالمون، ويتحركون كالروبوتات. تحدث تغييراتٌ في بلِزنتفِل، وكُل تغييرٍ يحدث يخلق لوناً جديداً في عالم بلِزنتفِل المونوكرومي. في النهاية، تنشبُ حربٌ ثقافية بين أحاديي الألوان ومتعددي الألوان، قبل أن يتحول عالم بلِزِنتفِل إلى الألوان بالكامل. أعتقدُ أن عالم التقنية الآن في بدايات الحربِ الثقافية بين أحاديي الألوان ومتعددي الألوان: نحنُ في المرحلة التي يوصم فيها متعددو الألوان بأنهم (فجون)، (مجافون للذوق)، و(خطرون على المجتمع). لكن غلواء أحادية الألوان ستخف مع انحسار التقليلية. (هُناك من يقول إن الطريق الأقصر نحو سيادة تعدد الألوان أن يُصاب ستيف جوبز بنوبةِ نوستالجيا هيبية حادة، وستُغرِقُ الألوان بعدها السوق).
في مسيرته مع المستهلِك العادي، منذ السبعينيات حتى الآن، صحح الحاسوب الشخصي مساراته كُلها، فكُلما بدا أنه اتجه قليلاً ناحية تشجيع الحرية والفردية والخصوصية، أعاد تصويب مسارِه لئلا يضل عن سبيل الفاشية. ما يحتاجه الوضع الآن إعادةُ قراءةٍ لتاريخ الحواسيب الشخصية - وما يرتبط بها من أدواتٍ ذكية، وشبكة الإنترنت - لإعادة تصحيح السجل التاريخي، ومحاولة (تدمير) الثقافة السائدة قبل أن تقضي على آخر نزعاتِ الحرية الفردية. المطلوب - بعبارةٍ أخرى - ثورة ثقافةٍ مُضادة.

13 سبتمبر 2010

الغول

مُذ حصلت على حاسوب بمعالج بنتيوم 2 ونظام تشغيل ويندوز 98، أحببتُ الحواسيب. قبلها، كُنتُ أتعذب في دراسة نظام MS DOS، ومن ثم ويندوز 95. لم أكن أحب الحواسيب، وكُنت أنظر إليها بتشكك، لكنها كانت نافذتي نحو المُستقبل حيث لا مكان إلا لمهووسي الحواسيب - كما كانوا يخبرونني باستمرار. كُل شيء تغير مع حاسوب بنتيوم 2 ونظام تشغيل ويندوز 98 الذي لا يزال نظامي المُفضَل حتى اليوم. بعيداً عن الكُتب التي تصلح كراسٍ لفرطِ ضخامتها - لم أقرأها، بطبيعة الحال، لأنها مكتوبة بلغة لا أفهمها، وتحكمات المُعلمين الذين يريدون تصميم جيلٍ من روبوتات تفعلُ ما يُطلب منها ولا تُفكر: كنت أشغل مُشغل الدوس، وأنطلق. كان النظام - المُغلق بمعايير السبعينيات - أقرب شيء مُمكن للأنظمة المفتوحة مُقارنة بأنظمة اليوم، تشغيل سطر الأوامر مُمكن في غمضة عين، والتحكم بالجهاز سهلٌ عن طريقه. كانت هُناك مساحاتٌ واسعة لاختبار النظام، مساحاتٌ واسعة للتجربة، مساحاتٌ للتحرك، تغيير مظهر النظام، خصائصه، استكشاف أدواته، حذف وتثبيت الحُزَمِ البرمجية. الجهازُ كان واحداً من وحوش كومباك التي لم تعُد تُصنَع اليوم، لذلك كانت أعطالُ النظام قليلة - مقارنة بنكبات أنظمة اليوم.
في تلك الفترة، كانت آبل منسية. لا أحد يتحدث عنها، كأنها سرٌ صغيرٌ قذر يتحاشى الجميع ذكره. لولا صورةٌ لحواسيب ماكنتوش الأنيقة قصصتها من مجلة، كُنت لأعتقد أنني تخيلتُ وجود شركة بهذا الاسم. كانت هُناك أنظمة لينُكس ماندرِك ورِد هات، وقد جربتُ واحداً منها، ووجدته مُمتازاً، لكنه لم يكن قريباً إلى قلبي مثل ويندوز 98. حين صدر ويندوز ميلينيَم، استخدمته، وصار النظام المُفضل الثاني عندي، مُباشرةً بعد شقيقه. كُنت أتحرك في عالم الحواسيب بغيرِ هُدىً، فلم يكن استخدام الإنترنت شائعاً في ذلك الوقت، والمواد المتوفرة بشأن تاريخ الحوسبة شحيحة للغاية، وبعيدة عن مُتناول يدي. مع ذلك، كُنتُ أتقدم بشكلٍ جيد في التحكم بالنظام واستكشافه، بإنكليزية مُتعثرة، وروحٍ مُغامرة، ورغبةٍ عميقة في فهم معمارية الحواسيب.
لم يكُن مُمكناً إلا أن أدرس تقنية المعلومات لفترةٍ من حياتي. كان ذلك إبّان العهد الذهبي لمايكروسوفت، وكانت الأنظمة الوحيدة التي تُدّرَس أنظمة ويندوز، وما يتعلق بها. في تلك الفترة، عايشت ثقافة الطوائف عن قُرب، لأن الأكاديمية التي درستُ فيها كانت مُكونة من طائفة مايكروسوفتيين متحمسين على المذهب الغيتسي. كانت المُحاضرات تتعلق بمُنتجات مايكروسوفت: ويندوز، أوفِس، إس كيو إل سيرفر، ويندوز سيرفر، ..... ومتوافقات ويندوز من البرامج. قبل المُحاضرات، كانت هُناك تجمعاتٌ تُقام لتدارس سيرة بيل غيتس. كان الطُلاب يجتمعون في الأروقة بعد المُحاضرات ليرووا طُرفاً من كرامات غيتس الذي صار مزيجاً من سوبرمان وعبقرينو والمُخلِص. في هذه البيئة، شعرتُ لأولِ مرةٍ بالاختناقِ من مايكروسوفت. وبعد أن كُنت أحترم غيتس، صارَ ذِكرُ اسمه مُزعِجاً لي. صارت الأكاديمية مُعتقلاً مُخصصاً لأنصارِ مايكروسوفت، يخنُقُ تلقائياً أي ميولٍ غير ويندوزية. في تلك الفترة، كانت لغة جافا مُتوهجةً، وبدت المهرب المثالي من مهووسي مايكروسوفت وغيتس. انكببتُ على دراسةِ جافا باهتمامٍ، لكن لغتي الإنكليزية لم تُساعِدني على تحقيق ما كُنت أرجوه منها - رغم أنني كُنت أحصلُ على أعلى الدرجاتِ في مشاريع جافا. لم يكنُ اهتمامي بجافا اهتماماً باللغة نفسها - لعدم توفر منظورٍ تاريخي يُمكنني من وضع جافا في موضعها الصحيح من تطور البرمجة في ذلك الوقت - بقدر ما كان هرباً من مايكروسوفت وويندوز وبيل غيتس. تعرفت على شخصية جيمس غوسلنغ، مُبتكر لُغة جافا، وتحول إلى مُضادِ غيتس. قمت بحملةَ دعايةٍ في الأكاديمية لجذبِ الانتباهِ إلى غوسلنغ، ونجحت في ذلك إلى حدٍ ما. غير أن الطُلاب الكِبار مارسوا نوعاً من النبذ الاجتماعي إزائي: لماذا يهتم المرء بغوسلنغ في وجود غيتس، أثرى رجلٍ في العالم؟ ولماذا يُتعِبُ نفسه في كتابة شيفرة جافا في وجود بيئة .Net السهلة؟ مُغامرات الجافا نوعٌ من تسلية الفشلة الذين لا يستطيعون تقدير نعمة وجود مايكروسوفت.
ترقت مُعظم البرامج وبيئات التطوير، وصارت غيرَ صالحةٍ للعمل على ويندوز 98 فاضطررت للترقية إلى ويندوز XP، وتعرفت - مُذ ذاك - على شاشة الموت الزرقاء حتى صارت كأنها صديقة قديمة. لم يعد مُعالج بنتيوم 2 صالحاً، فاستُبدِل بمُعالج 4، وقائمة مواصفاتٍ لا يُمكنني أن أتذكرها - ثم استبدل بمعالجٍ لا يُمكنني أن أتذكر حتى اسمه، يُشغل الألعاب الكبيرة جيداً، لكنه لا يُقارن بوحش كومباك القديم أبداً. كان نظام XP أعجوبة حينها، لكنني لم أحبه، وبقيتُ أعمل على ويندوز 98 وميلينيَم ما استطعت. تعرفتُ على شبكةِ الإنترنت أخيراً، ووجدتُ شغفي في شيفرة HTML وملفات CSS - التي فضلتها على JSS في حينه، ولم يكن هذا خياراً شائعاً. بمُحرِر نصوصٍ عادي، كُنت أُنشئ صفحاتٍ كاملة، بشيفرة نظيفة ومرتبة. صممتُ لي موقعاً صغيراً على Geocities واستخدمته لترويج أفكاري في الأكاديمية - والإشارة إلى سلسلة هاري بوتر، و الحديث عن ولعي بالتنانين وألعاب الدومينو وتِك تَك تو. آخر الأمر، كانت سُمعة nerd التي لحقتني مُبررة نوعاً ما - واشتهر الموقع - في المُجتمع المحدود الذي كانت تُمثله الأكاديمية - لأنه مكتوبٌ بكامله يدوياً، من دون استخدام أي برنامجٍ لتوليد الشيفرات - رغم أنني كُنت أستطيع استخدام MS FrontPage وMacromedia Flash وDreamweaver بحكم دراستي.
جلبت الإنترنت غنائم عديدة، فقد انضممتُ إلى المُجتمع البرمجي الذي كانت ترعاه شركة Sun Microsystems، وتعرفتُ على ويكيبيديا وفلسفة المصادر المفتوحة، وشاركت في مجموعات MSN. لكن مغنماً لم يكن أكبر من غوغل، الذي كان في بداياته. كان الفتية الأقوياء (cool guys) يستخدمون أدلة ياهو ومُحرك بحث MSN، وكان غوغل للضعفاء، لمن وصمهم المجتمع بأنهم nerds، geeks أو ما شابه. في ذلك الوقت، انغمستُ في استخدام غوغل بحماسة. كان محطة الانطلاق إلى عوالمٍ لا مُتناهية. كنتُ أكتب عنه في المنتديات الأجنبية، وكتبت عنه في موقعي - قبل أن أُغلِقه بسبب اعتراضي على سياسات ياهو. كُنت أتابع أخباره، وأُحدث قسم Google Vs. Them All في الموقع الخاص بي لأتحدث عن الشركاتِ التي تغلب غوغل عليها، وعن تطور حصته في السوق، وخدماته الجديدة. كانت شركة غوغل الناشئة، المُبتكَرة، والخيّرة محطة وصول الهاربين من عالم مايكروسوفت. ومع شعارها الشهير: "لا تكن شريراً،" كانت المُخلِصَ الجديد لعالم الحوسبة. كما أنها كانت الشركة الوحيدة التي تدعم العربية بشكلٍ لائق.
أتذكر المرةَ الأولى التي أعلنت فيها غوغل عن خدمة جي ميل، والتسجيل المُبكر لاختبارها، ثم الانتظار المُمِض لتاريخ إطلاقها، وبعدها الانغماسُ الجنوني في عملية إرسالِ الدعواتِ وتبادلها على مواقع الإنترنت - في العصر الذهبي للمنتديات. في ذلك الوقت، ظهرت مُشكلة الخصوصية لأول مرة مع غوغل، لأن بريدها العملاق يتجسس على محتوى الرسائل ليُقدم للمُستهلِك إعلاناتٍ تُثير اهتمامه. قالت غوغل إنها تبحث فقط عن (كلماتٍ مفتاحية)، وإنها لا تتجسس على البريد، وصدقتها - كما صدقها الكثيرون. أعني، إنها كلماتٍ مفتاحية فقط! لا شيء مُهم! غوغل لن تخذلنا، ولن تخنقنا بالإعلانات المصورة التي يزدحم بها بريد هوتميل. إن غوغل ليست إلا كُل ما يتمناه المرء في شركة: الأمان، الابتكار، الثقة. غوغل ستدافع عنا. نحنُ نثق بغوغل. نثق بغوغل حتى عندما تستحوذ على خدمة بلوغر، نثق بغوغل حتى عندما تربط الحساب البريدي بعملياتِ البحث، ثم تربط كافة عمليات المُستخدم على النطاقات المملوكة لها باسمٍ واحد. لا يُمكن أن تخون غوغل مُستخدميها لأنها وطنهم الإلكتروني، إنهم يعتنقون فلسفتها، وينشدون اسمها، ويسبحون بحمد سجاياها ليلاً ونهاراً. هذه مُجرد دعاياتٍ كاذبة، إشاعاتٍ مُغرضة من ياهو ومايكروسوفت. تخوض غوغل بضع معارك استعراضية من أجل (خصوصية) المستهلكين، فتزداد الحماسةُ أضعافاً مُضاعفة. الآن، تصيرُ غوغل شركة للأقوياء والمقبولين اجتماعياً. مع مُختبر تطبيقاتها، وخدماتها المُختلفة الجديدة، تصيرُ غوغل عدة النجاة للمُبرمج، ويضمحل مُجتمع Sun Microsystems. تشتري غوغل بضعَ شركاتٍ أخرى. يظهرُ يوتيوب، فتشتريه فوراً. تحاولُ شراء موقع فيس بوك بحماسة، وتُنشئ شبكةً اجتماعية. تُنشئ برامج خرائط ومسحٍ جوي تُمكن المُستخدم من رؤية الأرض كُلها على شاشته. لقد تغوّلَت غوغل.
دق ناقوس الخطر قبل سنواتٍ، والآن نزل البلاء: إن غوغل تهديدٌ حقيقي للخصوصية يفوق تهديد بيل غيتس نفسه. لقد صار لغوغل طائفةٌ تتبعها أشدُ قطيعيةً من طوائف مايكروسوفت وآبل مجتمعة. غوغل الآن تعرفُ عن المُستخدمين أكثر مما تعرف أمهاتهم عنهم. غوغل تملك الرفاهية لتبدأ مشاريعاً خيالية مثل مراقبة الكرة الأرضية عن طريق الأقمار الصناعية، وإنشاء خدمة مزود اتصالٍ بشبكة الإنترنت. غوغل - في عقدٍ فقط - صارت تملك المُستخدمين، وتملك المال، وتملكُ السُلطةَ المُطلقة التي تفوق سلطةَ الشركاتِ الأخرى مجتمعة. لقد صار المُخلِصُ التايتن الجديد.
المُشكلةُ مع غوغل أنها تايتن كُلي الحضور، كُلي العِلم، وكُلي القُدرة. بالنسبة لملايين المُستخدمين في العالم، تعني شبكة الإنترنت غوغل: محرك بحث غوغل، خدمة ترجمة غوغل، بريد غوغل، مدونات غوغل، مجموعات غوغل، إجابات غوغل، متصفح غوغل، ..... انعدام الكيان المادي في تعامل المُستهلِك مع الشركة يجعل الفكاك منها صعباً. إذا أرادَ المُستهلِكُ الطلاق من مايكروسوفت، فما عليه إلا أن يُزيل نظام ويندوز من على جهازه، وإذا أراد الخلاص من HP فإن بإمكانه بيع حاسوبه أو التبرع به. ولحماية بياناته من الاستعادة، فإن بإمكانه تدمير القرص الصلب للحاسوب. مُشكلةُ غوغل أنها لا تُقدم سلعة ملموسة، يُمكن قياس حجمها ووزنها وكثافتها، وتقدير كلفة موادها الخام النقدية، وهامش ربح الشركة، وتوقيع عقدٍ لاستخدامها. مجانيةُ خدماتِ غوغل تجعلها مريبة أكثر: لماذا قد تُقدم شركةٌ ربحية كُل هذا الكم من الخدمات المجانية، وتحصد أرباحاً هائلة؟ أرباح إعلانات غوغل جزء من دخلها، لكنها ليست كل الدخل. هُناكَ مصادرُ أخرى لمداخيل غوغل، ومُعظمها بعيدة عن نظر المُستهلك العادي الذي تُشكِلُ بياناته رأسمال غوغل الأساسي. العلاقة مع غوغل غير قابلة للفصم، فلا يُمكن للُمستخدم أن يُزيل نظام غوغل من حاسوبه، أو أن يُدمِر القُرص الصلب لجهازه ليمنع أي مُتطفلٍ من معرفة أنه كان مولعاً بالأنيمي الياباني في 1997. غوغل تحتفظ بكل بيانات المُستخدِم في خوادمها التي لا يستطيع الوصول إليها، ولا تمحوها بناء على طلبه. حتى لو هاجر المُستخدم من غوغل، فإنها تبقى مُحتفظة بكُل بياناته جاهزة تحت الطلب.
تجهل نسبةٌ كبيرة من مستخدمي الإنترنت اليوم أهمية الخصوصية - أو تتجاهلها. وحجتهم في هذا التجاهل أنهم ليسوا (شخصيات هامة) بحيث تهتم الشركات الكُبرى بأسرارهم. ما يجهله أصحابُ هذه الحجة أن الجميع مُعرضٌ للفضح في عالم غوغل، وأن كُل شيء له عواقبه. إذا تقدم مُراهق اليوم لعملٍ بعد خمسِ سنواتٍ، مثلاً، سيكون بوسع أي شركة أن تطلب معلوماته من غوغل. قد ترفض شركةٌ ما توظيفه بسبب سلسلة من الرسائل الغاضبة تبادلها مع أحد معارفه قبل سنوات، استنتجت منها الشركة أنه سريع الغضب. هُناك كمٌ هائل من الصور والمقالب والحماقات التي يجري تبادلها كُل يوم، ولا يُريد المُستخدم أن يجدها في وجهه بعد سنوات، لكنه لا يملك خيار حذفها. أمرٌ آخر، إن كون المُستهلِك نكرةً اليوم لا يعني أنه سيبقى نكرةً في المُستقبل، وعندها ستُشكِل خلفيته السابقة مادة دسمة لكُل من يرغب في قضم قطعةٍ منه. يقول المُدير التنفيذي لغوغل، إريك شميدت، للمُستخدم ببساطة إنه سيأتي زمنٌ يكون فيه على الشباب أن يُغيروا أسماءهم في المُستقبل لمحاولة النجاة في عالمٍ مُنتَهَك الخصوصية. يربط شميدت الحاجة إلى الخصوصية بفعل أشياء قذرة على الإنترنت، مما يُسيء إلى صورةِ المُطالبين بحماية خصوصية المُستهلِك في أذهان القطيع الغوغلي. ليس ضرورياً أن يكون المُستهلِك متورطاً في نشاطاتٍ غير قانونية، أو مُدمناً للمواد الإباحية على الإنترنت حتى يكون راغباً في حماية خصوصيته. الأمرُ يتعلق بما يصلح للعرض العام، وما يختصُ بدائرةٍ مُحددة من الناس. ليسَ من الضروري أن يعرف أحدٌ بأن فلاناً من الناس لا يطيق ابن عمته، ويُكاتِبُ أخاه المُسافر واصفاً الأفعال المُستفزة التي لا يتوقف عن القيام بها - أخذ أغراضه من دون إذن، تغيير المحطة في التلفاز، الاستحواذ على الوقت المُخصص للعبة إله الحرب على بلايستيشن وتخصيصه للعبة فيفا، ........
مُشكلةٌ أخرى تتعلقُ بعجز كثيرٍ من المُستهلكين اليوم عن التفريق بين الخاص والعام، على فيسبوك كما على غوغل. تشارك الروابط شأنٌ عام، لكن رأي المُستهلك في غباء ابن الجيران ليس مسألةً للعرض على حائطه ليقرأها جميع المُضافين بوصفهم (أصدقاء) له، أو يقرأها كامل مُجتمع فيسبوك - إذا كان مُطيعاً لمارك زوكربرغ ومفهومه عن الخصوصية. هذا أمرٌ غير لائق، أو غير مفيد - إذا صُغنا الأمر بعبارةٍ مُخففة. غياب مفهوم "المسافة الاجتماعية" عند كثيرٍ من المُستهلكين اليوم، وتحول الشركات إلى أنظمة استخباراتية فاشية يجعل من المُستِهلِك عُرضةٍ للخطر من كُل ناحية: اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً.
قبل سِت سنوات، حصلتُ على عنوانٍ من بريد غوغل. كان عملي هذا نتيجة لإيماني بأن غوغل مُستقبلُ الإنترنت المُشرِق. في ذلك الوقت، لم تكن مُصطلحاتٌ ضبابية ومُعقدة مثل "الحوسبة السحابية" قد ظهرت. لم تكن غوغل قد تحولت إلى غول. لكن العلامات كانت قد ظهرت: تقديم غوغل بوصفها ثقافة مُتفردة وأسلوب حياة، استغلال جشع المُستِهلِك الطبيعي لإغرائه باستخدام خدماتها، أسلوبها الاستعراضي في دخول سوق الأسهم، استحواذها على أكبر نصيبٍ في عمليات البحث بشكلٍ جعل مُحرك بحث MSN خارج اللعبة وقضى على بقية مُحركات البحث. رُبما لم أفكر في الأمرِ كثيراً، ورُبما اخترتُ تجاهل العلامات لأنني أحبُ غوغل. النتيجة أنني اليومَ أكتشفُ في أي ورطةٍ وقعتُ مع كُلِ توسعٍ جديد لغوغل. إرسالُ عنواني إلى غوغل للتسجيل في خدمة جي ميل الاختبارية كان أقرب شيء فعلته في حياتي إلى توقيع فاوستس بدمه على ميثاقه مع مِفِستوفِلِس. على الأقل، يستطيع فاوستس الحديث مع مِفِستوفِلِس في المسائل التي تشغله، ويعرفُ جيداً نواياه تجاهه. أنا - في المُقابل - قيدتُ نفسي إلى غولٍ هائل لا أرى منه إلا أقل القليل، ولا أعرف نواياه، لكنني أعرفُ أنه سينتهي بافتراسي، إما عاجلاً أم آجلاً.

11 سبتمبر 2010

1984

أثناء مباراة السوبر بول - ذروة مشاهدة التلفاز في الولايات المُتحدة الأمريكية - في 1984، عرضت شركة آبل إعلانها الشهير "1984". عُرِض الإعلان الذي أخرجه ريدلي سكوت مرةً واحدةً فقط، ودخل تاريخ الإعلانات - والتقنية والثقافة الشعبية - بوصفه "مانفيستو" ثورة. قبل عرض الإعلان بأشهر، تحدث ستيف جوبز في مؤتمر أبل 1983 عن فلسفة إعلانه، وعن نيته إسقاط الشركة الزرقاء IBM، شركة التقنية العملاقة المستمرة منذ القرن التاسع عشر.
العداء بين جوبز وIBM - التي يلجأ إليها بيل غيتس لتستحوذ مايكروسوفت على السوق - عداء آيديولوجي عنيف يجعل من الشركة الزرقاء العدو الأوحد له، رغم أن آبل في منافسةٍ طاحنة مع شركاتٍ أخرى. إعلان "1984" يُصور هذا العداء الآيديولوجي مستوحياً أجواء رواية جورج أورويل الشهيرة 1984، فيُقدم عالماً يحكمه الأخ الأكبر الذي يُهيمن على مجموعة من السجناء مطموسي الهوية، ويخاطبهم عن طريق شاشةٍ عملاقة. يظهر المُخلص في هيئة بطلة أولمبية - الشخصية الوحيدة بالألوان الطبيعية في الإعلان - تحمل مطرقة عملاقة وتركض بين السجناء مُلاحَقَةً من قِبل شرطة الأخ الأكبر. تُلقي البطلة المطرقة على الشاشة، فتُدمِر صورة الأخ الأكبر، وتظهر عبارةٌ إعلانية تُنبئ عن وصول أجهزة حواسيب ماكنتوش، وتقدم وعداً من أبل بأن الأخ الأكبر لن يحكم العالم في وجودها.
ما أعقب "1984" قلب عالم الحوسبة رأساً على عقب، لا بالطريقة التي أرادها ستيف جوبز والثوار التقنيون، بل بالطريقة التي أرادها الحرس القديم في IBM. نجحت حواسيب ماكنتوش، وأوشكت على طرد IBM من عالم الحوسبة، غير أن الشركة الزرقاء ردت بشكلٍ موجع على آبل: سمحت لمصنعين خارجيين بتصنيع عتاد الحاسوب بناء على نموذجها للحاسب الشخصي، ولم تكلف نفسها عناء تقديم أنظمة تشغيل لأن بيل غيتس قد أنشأ - مع ستيف بالمر وبول ألِن - شركة مايكروسوفت للبرمجيات. دخل العديد من اللاعبين مجال تصنيع الحواسيب الشخصية، تأسست دِل، وطُرِد جوبز من آبل، ثم دخلت آبل طور الموت الإكلنيكي، وتحولت من أكثر شركات وادي السليكون ازدهاراً إلى زومبي.
يستطيع أيُ مُهتمٍ بالأعمالِ استخلاص دروسٍ قيمة من قصة صراع جوبز مع IBM، لكن المغزى الحقيقي لحكاية "1984" الحال الذي آلت إليه الحوسبة اليوم. فبعد ستةٍ وعشرين عاماً من صراع تايتنات الحوسبة، انتصر الأخ الأكبر انتصاراً ساحقاً، وتحول مسار الحوسبة تماماً عن مسارِه المُفترض لو لم تتدخل IBM لتقتل آبل. في السبعينيات، كانت الحواسيب الشخصية تُصنَع من قِبل الأفراد لتخدم احتياجاتهم الفردية التي تتجاهلها الشركات الكُبرى. ثم قدمت شركة آبل جهازها الشهير Apple II ليكون أشهر حاسبٍ شخصي يوزع بشكلٍ تجاري. فكرة Apple II كانت بسيطة: توفر آبل العتاد، ويعود أمرُ برمجة الجهاز للمشتري. صحيح أن هذا المُقترب قد حصر استخدام الحاسوب الشخصي في فئة القادرين على البرمجة، لكنه أيضاً وفر حرية كبيرة للمستخدمين في نوعية التطبيقات التي يختارونها، والاستخدام الذي يفضلونه لأجهزتهم. لم يكن لآبل - حينها - شأنٌ بما يفعله المُستهلك بجهازه، وكان ذلك العصر الذهبي للحاسب الشخصي الحر.
يُفتتح فيلم قراصنة وادي السليكون (1999) بإعلان "1984"، ويُختتم به. في البداية، يُريد ستيف جوبز تدمير الأخ الأكبر، لكنه يستسلم بعد عقدٍ له - في مشهدٍ آيقوني، يتحول بيل غيتس إلى الأخ الأكبر الذي يملأ الشاشة وينظر باحتقارٍ إلى جوبز بينما يُعلن انتهاء عصر المنافسة بين آبل ومايكروسوفت باستسلام آبل التام والنهائي للأخ الأكبر. لقد انتهت مجالدة جوبز إلى هزيمة مُذلةٍ أمام غيتس الذي ققز على ظهر التايتن IBM ليُنهي عصر الحواسيب الشخصية الذهبي. لا أحد يملك حاسوبه اليوم: العتاد تملكه الشركة مصنعة العتاد وتمنع تعديله، ونظام التشغيل مملوكٍ لمايكروسوفت. كُل ما يملكه المُستخِدم اليوم (رُخصة) لاستخدام المُنتجات التي اشتراها، وفقاً لشروط الجهات المُصنِعَة.
ينتهي قراصنة وادي السليكون باستسلام جوبز للأخ الأكبر (غيتس)، لكن القصة تستمر بعد نهاية الفيلم: جوبز يصير الأخ الأكبر الجديد. لقد خرج جوبز من جوف التايتن ليصير تايتن آخر، فبعد أن كانت أنظمة آبل مرنةً، صارت اليوم مُغلقة أكثر من أنظمة مايكروسوفت نفسها. لم يعد أحدٌ قادراً على التصرف في جهازه خارج ما يرغب فيه الأخ الأكبر. مُقابل الطاعة التامة، يُقدم الأخ الأكبر للمستهلكين الرفاهية والعتاد المصنوع بشكلٍ يجعل منه عملاً فنياً مقارنة بأقفاص الحمام - كما يُسميها جوبز - التي تُصنعها الشركات الأخرى ومنفذاً إلى احتكاراته الكُبرى. لم تكتفِ آبل بالتحكم بأنظمة الحاسوب تماماً، لكنها نقلت سلطتها إلى أجهزة الهواتف، والحواسيب اللوحية، ومشغلات الأغاني. وعندما قبلت المحكمة أن يكسر المستخدم حماية جهازه الشخصي ليحصل على مزيدٍ من الحرية في استخدامه، تحرك الأخ الأكبر طالباً براءة اختراع لبرنامج يعمل في الخلفية ويقيس كل ما يفعله المستخدم بجهازه ليمنع أي محاولةٍ لكسر حماية الأجهزة.
وفرت الحوسبة السحابية الفرصة للأخ الأكبر ليُحكِمَ قبضته أكثر على حيواتِ المستهلكين الإلكترونية، وليُسيطر على مجريات حيواتهم: لم تعد الملفات تُخزّن في خوادم محلية، بل في مكانٍ بعيد في السحابة الكونية. لا أحد يعرف بالضبط ما البرامج التي تُشغِل خوادم الحوسبة السحابية، ولا نوعية المعلومات التي تحتفظ بها عن المُستخدم. الحوسبة السحابية نوعٌ من بطاقات الائتمان يصير المستهلك بموجبها مديناً أبدياً للبنك صاحب البطاقة، يجمع من خلالها صاحبُ البنك معلوماتٍ حول ميول المستهلك وعاداته الانفاقية وقيمته السوقية، ومن ثم يبيع هذه المعلومات ويشتريها كما يأمر السوق. التحقت آبل بعصر الحوسبة السحابية، وتفوقت على كثيرٍ من الشركات في هذا المجال: صارت التايتن الذي يتحكم بما يملكه المُستهلك من تطبيقات، وما يُسمح له بتحميله، وما يُسمح له باستيراده واستخدامه. لأن المُحتوى يبقى ملكاً للتايتن، فإن المُستهلك - دافع النقود - ليس غير مُستأجرٍ للخدمة وفقاً لشروطٍ مُسبقة، عرضةً للتغيير في أي وقت من دون إشعارٍ سابق. (يحتفظ ستيف جوبز شخصياً بسجل غير مسبوق في عمليات المنع والمصادرة على آي تونز، حيث أنه يمنع التطبيقات التي تحتوي على مُحاكاةٍ ساخرة لأيِ شخصيةٍ معروفة، ومنع منشورات دار وايلي على أجهزة آبل لشرها سيرة له لم تُعجبه. ويُشكلُ مع إريك شميدت، الرئيس التنفيذي لشركة غوغل، ثنائي تايتنات مُعادياً لفكرة خصوصية المُستهلك.)
مُشكلة ثورة 1984 كانت أن الثوار لم يستطيعوا تقديرَ قوة IBM، والمعونة التي تلقتها من مايكروسوفت. ككل ثورةٍ، التهمت أبناءها، وغرقت في الدم والخيانة، وصارت بحاجة إلى ثورةٍ جديدة لتصحيح مسارها. غير أن نظام 1984 يبدو نظاماً غير قابلٍ للاختراق، لأن الكُل يتحول إليه: آبل، غوغل، فيس بوك، وحتى كانونيكل. رُبما الحريةُ الحقيقية للُمستخدم اليوم ألا يقترب من العالم الإلكتروني، أو من بطاقات الائتمان.