21 أغسطس 2010

Kratos

كريتس الإسبارطي في صور إله الحرب الترويجيةتُثير سلسلة ألعاب الفيديو إله الحرب God of War الجدل، فغير أنها تزعج بعض المُتشددين بسبب الصراع بين بطل السلسلة كريتس وبين كبير آلهة الإغريق زيوس، تُثير السلسلة حفيظة الكثيرين ممن يعترضون على العنف فيها وسفك الدماء. مع ذلك، تحظى بشعبيةٍ عاليةٍ - رغم أنها محصورة بمنصة الألعاب بلايستيشن، لأسبابٍ منها مستوى الرسوميات الممتاز فيها - الذي صار مقياساً في صناعة الألعاب، وسهولة الحركة، والتحكم الجيد بالشخصية، غير أن عامل الجذب الأقوى في إله الحرب، إله الحرب نفسه: كريتس الإسبارطي.
في البداية، كان صعباً تقبل فكرة أن هُناكَ إله حربٍ يونانياً آخر غير آرِس - خصوصاً كتلة عضلات صلعاء بخطوطٍ حمراء عريضة، إلا أن إله الحرب شدت انتباهي مُنذ المشهد الأول - الذي صار من (كلاسيكيات) الألعاب: كريتس يقف على حافة جبلٍ شاهقٍ تضطرب أمواج بحر إيجة الهائلة أسفله، ويقفز. تعود اللعبة إلى ما قبل ثلاثة أسابيع من انتحار كريتس لتقود اللاعب في المسار الذي أدى به إلى الانتحار آخر الأمر. بدءاً من قتال الهيدرا في بحر إيجة، مروراً بأثينا المُدمَرة، حتى الوصول إلى قمم الأوليمب.
كريتس ليس بطلاً، بل سفاحاً يُخلف وراءه الدماء والخراب، همجي يخلو من الفضائل، وأقرب إلى الشرير منه إلى نقيض البطل. رغم كل هذا، فإن في شخصيته عوامل جذبٍ أكثر بكثير من مجرد إفراغ شحنة العدوانية عند اللاعبين. وإذا كان للمرء أن يعود إلى الأساطير الإغريقية ليُحاول تفسير جاذبية الشخصية، فإن كريتس شخصية ديونيزية - نسبة إلى إله الخمر الإغريقي، ديونيزيس - مُضادة لنموذج البطل الإغريقي المُعتاد الأقرب إلى أبولو - إله الشمس الإغريقي، البطل الذي يسعى للوصول إلى الكمال، والالتحاق بالآلهة.

لمسة فاوستية
شخصية كريتَس نقيضٌ لشخصية فاوستس، إذ يبدأ كلاهما من أصلٍ متواضع، ليشق كلٌ منهما طريقه في اتجاه مُختلف طلباً للمجد: فاوستس باتجاه العقل المحض الذي يسعى للخير العام، وكريتَس باتجاه لا عقلاني يسعى للإرضاء الوقتي على حسابِ الجموع. الاختلافُ الزمني بين الشخصيتين قد يكون مؤثراً في اختياراتهما، ففي حين أن فاوستس رجلُ عصرِ النهضة الأوروبي الذي يسعى إلى الشرف عن طريق العلوم، فإن كريتَس رجل عصرِ الأبطال الإغريقي الذي يسعى إلى الشرف عن طريق الحرب.
بوصف كريتس محارباً من إسبارطة - الشهيرة بقدرتها الحربية، فإنه قد كرس حياته كُلها لفكرة الشرف المحض الذي يكفل له مكانه بين السادة عن طريق الانتصارات العسكرية - مثل كريولانِس في مسرحية شكسبير بالاسم نفسه. تعرضت مكانة كريتس لتهديدٍ جدي على يدِ زعيمٍ بربري كاد يقضي عليه، وكانت المنازلة بينهما منبع ما يُسمى بالوضعية الأساسية في الدراما - أي الحدث الذي ينبع منه كل حدثٍ لاحق. إذ اضطر كريتَس للاستنجاد بإله الحرب، آرِس، لمعاونته، فيأتي فعلاً ليُتِمَ مع كريتًس صفقة فاوستية، يصير بمقتضاها عبداً له يوجهه حيثما شاء ليضرب من يشاء، ويكفل له مقابل ذلك الحماية والنصر في المعركة. وخُتِمَت الصفقة بأن غرس آرِس سلاسل شفراته في ذراعي كريتس علامة عبوديته له، ومنذ ذلك الحين صارت الشفرات سلاحه الذي لا فكاك منه.
مثل فاوستس، كان كريتس راضياً بالصفقة، إذ أنه ستمنحه القوة التي يحتاجها ليُحقق ما يُريد. غير أنه ينتهي ألعوبة في يدِ آرِس كما انتهى فاوستس ألعوبة في يدِ مفستوفِلِس. وتصل مأساة كريتس ذروتها حين يقتل زوجته وابنته ضمن من كانوا في أحدِ المعابد التي اقتحمها ودمرها تماماً إرضاء لإله الحرب، كما تصل مأساة فاوستس - في فاوست غوته - ذروتها حين يتسبب في موت طفله من مارغريت.

شبح إسبارطة
حيث أن كريتَس نقيضُ فاوستس - ونقيض أي شخصية أبولونية - فإن حزنه الذاتي وندمه يتخذ مظهراً حسياً، إذ يلتصق رماد زوجته وابنته بجسده إلى الأبد محولاً إياه إلى شبح إسبارطة الذي يحمل خطيئته في جلده. يرى آرِس أنه قد تحول إلى المحارب الكامل بعد أن ضحى بزوجته وابنته، وتحوله إلى المحارب الكامل يجعله يسعى للانتقام من آرِس نفسه لما ألحقه من عارٍ به وبأسرته، وللكوابيس التي صارت تُطارده في صحوه ومنامه. هُناك سببٌ آخر لسعي كريتَس لقتل آرِس، إذ أن المحارب البشري الكامل لا بُد من أن يصطدم بالمحارِب الإلهي الكامل.
كريتس قبل تحوله إلى شبح إسبارطةشبح إسبارطة لا يعتزل الحرب، بل ينغمس فيها أكثر لأنه لم يعد يستطيع التراجع، وإسبارطة تحولت بفضله إلى قوةٍ عظمى. غير أنه دائماً وحيد، منبوذ، ملعون. إنه المحارب الكامل الذي كف عن كونه بشرياً.
تظهر أثينا - حامية المحاربين - لكريتَس، وتعرض عليه عون الآلهة لقتل آرِس الذي قرر تدمير مدينة أثينا، ومُقابل قتله لآرِس - وتحقيقه لثأره الشخصي - فإن الآلهة ستخلصه من كوابيسه، وستسامحه على الفظائع التي ارتكبها. هكذا، يكون على كريتَس البشري أن يُحقق ما لم يُحققه بطلٌ إغريقي قبله أو إله: أن يقتل إلهاً.
صفقة كريتَس مع الآلهة صفقةٌ فاوستية أخرى، تقوده في مغامرةٍ عنيفة عبر طرقات أثينا المُدمرة إلى معبد النبوءة ليجد عوناً في سعيه. في الطريق يلتقي بحفّار قبورٍ يُخبره أنه يحفر قبره، ولا يستطيع أن يفعل له شيئاً. (تستعرٌ حربٌ بين من يرون أن حفار القبور آرِس مُتنكراً، وبين من يرون أنه زيوس متنكراً.) في النهاية، يصل كريتَس إلى صحراء الأرواح الضائعة ليبحث عن معبد باندورا الذي ربطه زيوس على ظهر كرونوس وأطلقه به في التيه.
يصل كريتَس إلى المعبد، لكن آرِس يُرسله إلى العالم السفلي بضربة حجر. هُنا يكون على كريتَس الخروج من العالم السفلي، ليس بالحيلة - كما هو الحال مع سيزيف - وإنما برضى الآلهة - باستثناء هادِس - بعد مغامرة كئيبة ومُقبضة. بمساعدة زيوس - وسيف أوليمبس - ينتصر شبح إسبارطة ويقتل أرِس، فيبتهج الآلهة الذين روعهم من قبل وتحداهم ساخراً منهم. لكن كريتَس لا يجد خلاصه من كوابيسه ومن رماده، وتخبره أثينا بأن الآلهة وعدته بمسامحته، لكنها لن تخلصه من شياطينه، وإذ ذاك ينتحر كريتَس بإلقاء نفسه في بحر إيجة.
غير أنه لا يموت، بل يصير إله الحرب الجديد بعد قتله لأرِس، ويستولي على عرشه في أوليمبس. شخصية كريتَس البهيمية تظهر جلية في صورته الإلهية، إذ أنه لم يعد يبحث عن خلاصه، بل عن مزيدٍ من الحروب التي ينصر فيها إسبارطة على بقية المُدن الإغريقية.
يجد الآلهة أن كريتس أكثر عنفاً ودموية من أرِس الملطخ بالدماء، فيُقرر زيوس الخلاص منه بخدعة أثناء هجومه على جزيرة رودس. وإذ يخدعه ليستولي على قدراته الإلهية، فإنه يقتله بسيف أوليمبس ويرسله إلى العالم السفلي من جديد.

إرادة الدمار
مرة أخرى يفرُ كريتس من العالم السفلي - بمساعدة التايتَن غايا - ويكون هدفه الانتقام من زيوس هذه المرة، ولتحقيق انتقامه، فإن عليه أن يصل إلى معبد ربات القدر ليغير مصيره. هنا، تواصل إله الحرب اختراق الميثولوجيا الإغريقية، فبعد أن قتل كريتَس إلهاً، فإنه يسعى لتغيير قدره بالوصول إلى معبد رباتِ القدر وإجبارهن على تغيير مصيره. الأمر الذي لم يستطع حتى زيوس فعله.
في جزيرة الأقدار، يقود كريتس جياد الزمن، ويُنازِل أبطال الميثولوجيا الإغريق: جيسن وثيزيس وبرسيوس، ويصل إلى العملاق أطلس، ويبعث العنقاء من رمادها ليصل إلى معبد ربات القدر، ويقهر القدر نفسه ليعود بالزمن ويغلب زيوس. ليتسبب بالفوضى والخراب، وينتقم التايتَن من زيوس عن طريقه فيتسلقوا جبل أوليمبس ليجلبوا الخراب إليه.
في النهاية، يحلُ الخرابُ بكل شيء. لقد انتصر كريتَس الإسبارطي على الآلهة نفسها، وقهر القدر، وأعاد الكون إلى حالة الفوضى Chaos. لقد وصلت الديونيزية إلى أقصى حدود الكون وأغرقته في الفوضى التامة، مُدمرة كل الأنظمة التي سنتها الآلهة، وهازئة بالحدود العقلية لما يُمكن فعله أو لا يُمكن. قد يكون سعي كريتَس تحذيراً مما قد تؤول إليه الأمور إن انتصرت البهيمية على العقلانية، إذ أن الدمار الكبير الذي يُحدثه فاوستس يحيق به وحده، بينما يحيق الدمارُ الذي يُحدثه كريتَس بالكون بأكمله.
مع ذلك، فإن عمل كريتَس الذي يُحقق واحدةً من تنبوءات فرويد عن غريزة الفناء، عملٌ خلاقٌ بطبيعته، لأن حالة الفوضى يتمخض عنها نظامٌ جديد. النظامُ يصلُ إلى مرحلة تحجر يضمحلُ فيها، وينشأ منه نظامٌ جديد يحتفظ ببعض خصائصه، أما حلُ كريتَس الجذري بالعودة إلى حالة الفوضى فيمنع أن يحملُ أي نظامٍ جديد خصائص نظامٍ منتهٍ. حالة الفوضى تقطع الصلة بما قبلها، وما بعدها متولدٌ عنها في ذاتها، إذ أنها الحالة الأولى للوجود، ولا يسبقها سوى العدم.

كريتس يقاتل الخمايراشخصية المكان
إن الشخصية الرئيسية في لعبةٍ مثل حجرة الأسرار، قلعةُ هوغوورتس البديعة نفسها، الجامعةُ بين الأبراج الجميلة والأقبية المريعة. وشخصية المكان في إله الحرب تُعادِلُ كريتَس أهميةً في تكوين جو اللعبة. على خلافِ لُعبةِ حجرة الأسرار، أو GTA IV حيث المكان واحد - قلعة هوغوورتس أو ليبرتي سيتي - فإن المكان في إله الحرب متعدد، فهناك المُدن - أثينا وإسبارطة، وصحراء الأرواح التائهة، وبحر إيجة، وجبل الأوليمب، وجزيرة ربات القدر، ومعابد الربات بما فيها من ممرات وحجرات. حتى أن مخلوقات حية تتحول إلى أمكنةٍ مثل أطلس وكرونوس وغايا. ومثل GTA فإن الفضاء المُحيط فيها يتفاعل مع الشخصية، ويجعل من اللعبة نافذة سحرية تُطل على كاميلوت.
يشتكي بعض اللاعبين من زوايا الكاميرا المحصورة في اللعبة، إذ أنها لا تُتيح مساحة كافية لاستكشاف المكان وإمكانياته. زوايا الكاميرا في إله الحرب ليست اعتباطية، إذ أنها تُعزز فكرة الحيوانِ الحبيس التي يُجسدها كريتَس، فالكاميرا تُراقب كريتَس في قفصها بينما يسعى للخروج من هذا القفص. منظور أوسع للكاميرا، أو تغيير البؤرة، سيُدمر فكرة الحبس، ويجعل من كريتَس شخصية هرقلية أخرى. من ذلك، الكاميرا التي تنظر مُباشرة إلى كريتَس عندما يتسلق جداراً، مُعطية إيحاء حيوانٍ زاحف يتسلق، ماحية أي وهمٍ حول كريتس، وكل محاولة لإضفاء طابع الهمجي النبيل عليه.
موسيقى اللعبة تُعزز شخصية المكان أيضاً، ففي ممراتِ أثينا تحمل مقطوعة "بهاء أثينا" كل وجع المدينة المُدمرة إلى المُتلقي، مُضاعفةَ من هول المأساة. كريتس يدخل المدينة ليلاً، فلا يرى بهاءها يزول، لكن الموسيقى تُضفي على المكان هالةً من القداسة والشجن، وتناديه إلى معبد النبوءة. في صحراء الأرواح، تكون أغنية السايرينات دليل كريتَس لئلا يضيع، وهاديته إلى الطريق. وفي مساكن الآلهة، فإن الموسيقى تُضفي البهاء اللازم.

مقطوعة "بهاء أثينا" من يوتيوب
مقطوعة "الإسبارطي المُنتقم" من يوتيوب - وفيها الموتيفة اللحنية التي تتكرر في ألحان اللعبة
مقطوعة "غضب زيوس الإلهي" من يوتيوب
موسيقى الجزء الثالث من إله الحرب للتنزيل
تيزر الجزء الثالث من إله الحرب في معرض E3

هناك تعليق واحد:

  1. صراحة هذا هو التحليل الادبي الكلاسيكي المليء بالمعاني العميقة لشخصية كريتوس وماتحمله من تناقضات تكون اشبه بالفوضى التي جلبها للعالم

    ردحذف