
سُفكت كلماتٌ كثيرة على مذبح فيلم مارتن مكدوناه الأول، قبل الانتهاء منه بعدة أشهر، ثم عند إطلاقه في فبراير من هذا العام، ولا تزال الكلمات تُسفك حتى الآن. حصل مكدوناه على أوسكار أفضل فيلمٍ قصير في 2006 عن فيلمه ست طلقات، ثم قرر صيد السمكة الأكبر، الأفلام الروائية، بادئاً بفيلم في بروج الذي هلل له النقاد قبل أن يعرض، لأن صاحبه مسرحي مرضيٌ عنه نقدياً. ليس مسرحياً فحسب، وإنما مسرحياً (إيرلندياً) وهذه هي النقطة الأهم، فكتاب المسرح الإيرلنديون حالة خاصة في الدراما الحديثة. غير أنه- كما يحدث عادة مع الأفلام المحتفى بها نقدياً - حين يُراجع المرء المقالات النقدية التي قرأها عن الفيلم بعد مشاهدته، سيكتشف أنه لا بد قد قرأ مقالاتٍ عن فيلمٍ آخر.
أول الغرابات النقدية، وصف الفيلم بأنه كوميدي. الفيلم ليس كذلك أبداً، فالقيمة التي يتركها عند مشاهدة حالة صدمة. أحداث الفيلم جنونية بعض الشيء، وحوارات الشخصيات عبثية، وهذه ليست كوميديا بل سخرية عالية النبرة تصبغ الفيلم بصبغة داكنة. قد يبتسم المرء في بعض المشاهد، لكن الضحك يحتاج إلى معدةٍ حديديةٍ وعقل أجوف. غير أن المرء ينبغي ألا يُسرف في لوم هؤلاء النقاد، فهم أحفاد من افتروا الفرية الكبرى وأصروا على أن تاجر البندقية مسرحية كوميدية. أجل، تاجر البندقية مسرحية كوميدية، في بروج فيلمٌ كوميدي، والمهاتما غاندي كان تركياً.
لفيلمه - الذي يفترض به أن يكون خارج إطار السينما التجارية - يحشد مكدوناه طاقم ممثلين جيداً، يُصدره بأسماء كولن فاريل (راي)، بريندان غليسون (كِن)، وريف فاينز (هاري)، ثم يضيف إليهم كليمنتين بويسي (كلوي) التي استطاعت أن تحظى بوقتٍ على الشاشة لتمثل فيه. (هذا التواجد الغامض لثلاثة ممثلين من سلسلة أفلام هاري بوتر في فيلمٍ واحدٍ كان أمراً لاحظه المعجبون فوراً، لكنه لا يدل على شيءٍ غير أن وورنر بروز وظفت كُل الممثلين الإنكليز في السلسلة). طاقم الممثلين نقطة القوة الرئيسية في الفيلم، فكلهم أدى دوره بشكلٍ طبيعي - قدر الإمكان، باعتبار أن جميع الشخصيات تعاني من خللٍ نفسي أو وظيفي باستثناء كن -. واحدة من الغرابات النقدية انتقاد ريف فاينز - الذي يظهر في الثلث الأخير من الفيلم - باعتباره ناسخاً أداءه من بن كنغسلي في Sexy Beast، بينما لم أستطع أن أتبين هذا النسخ. الصفة الوحيدة المسيطرة على هاري (فاينز) هي الغضب، وهي ما يحدد شخصيته، غير أن فاينز ينجح في تمرير لحظاتٍ تظهر فيها مشاعر غير الغضب على وجهه، دون أن يفقد انطباع وجهه وحركاته الكلي الذي يوحي برجلٌ على وشك الانفجار.
يحاول فيلم في بروج أن يجد له هوية، دون أن يفلح في ذلك كثيراً. فيلم عصاباتٍ أوروبي يحاول أن يبدو مضحكاً، وسخرية من المدينة القروسطية بروج التي تشبه الحكايات الخرافية. قاتلان محترفان أحدهما قتل طفلاً، ويفترض بالآخر أن يقتله لذلك، ممثل قزم يظهر في مشاهد الكوابيس - إشارة إلى فيلم لا تنظري الآن -، منتجة أفلام تتجر بالمخدرات وتسلب السياح بمساعدة صديقٍ لها، بائع أسلحةٍ مهووس بالكلمات الغريبة، سياح أمريكيون بدينون، موظف سياحي مزعج، زعيم عصابة سايكوباثي. جميعهم في خليطٍ يضيف مكدوناه إليه عباراتٍ دينية عن المطهر والفردوس والجحيم، وحواراتٍ عبثية طويلة، ومشاهد عنفٍ سافر، ثم يحرك الكاميرا ببرود وملل قبل أن ينفجر في التتابع النهائي للفيلم محاولاً تحميل الفيلم بدلالاتٍ ودلالاتٍ. الفيلم كُله مشحونٌ بالدلالات، تجوال راي وكٍن في بروج، نظرية صديقهما القزم والحرب الخيالية التي يفكر فيها بينما يتعاطون المخدرات، وقوف هاري وكِن على قمة المدينة، انتحار هاري لأجل مبادئه. هي مسألة شرف، الفيلم يدور حول "مسألة الشرف" العبثية هذه، ويتوه في فوضى من الدلالات ليصل المرء معه إلى أن الفيلم لا يدل على شيء.
ملاحظة:
فيلم في بروج الدعائي واحدٌ من أفضل الأفلام الدعائية لهذه السنة، لكنه مضللٌ بشكلٌ كبير. مكدوناه يواصل التآمر على مشاهديه بحذاقة، ومن ثم يشتكي صانعو الأفلام المستقلة من مقت الجمهور لأفلامهم!
أول الغرابات النقدية، وصف الفيلم بأنه كوميدي. الفيلم ليس كذلك أبداً، فالقيمة التي يتركها عند مشاهدة حالة صدمة. أحداث الفيلم جنونية بعض الشيء، وحوارات الشخصيات عبثية، وهذه ليست كوميديا بل سخرية عالية النبرة تصبغ الفيلم بصبغة داكنة. قد يبتسم المرء في بعض المشاهد، لكن الضحك يحتاج إلى معدةٍ حديديةٍ وعقل أجوف. غير أن المرء ينبغي ألا يُسرف في لوم هؤلاء النقاد، فهم أحفاد من افتروا الفرية الكبرى وأصروا على أن تاجر البندقية مسرحية كوميدية. أجل، تاجر البندقية مسرحية كوميدية، في بروج فيلمٌ كوميدي، والمهاتما غاندي كان تركياً.
لفيلمه - الذي يفترض به أن يكون خارج إطار السينما التجارية - يحشد مكدوناه طاقم ممثلين جيداً، يُصدره بأسماء كولن فاريل (راي)، بريندان غليسون (كِن)، وريف فاينز (هاري)، ثم يضيف إليهم كليمنتين بويسي (كلوي) التي استطاعت أن تحظى بوقتٍ على الشاشة لتمثل فيه. (هذا التواجد الغامض لثلاثة ممثلين من سلسلة أفلام هاري بوتر في فيلمٍ واحدٍ كان أمراً لاحظه المعجبون فوراً، لكنه لا يدل على شيءٍ غير أن وورنر بروز وظفت كُل الممثلين الإنكليز في السلسلة). طاقم الممثلين نقطة القوة الرئيسية في الفيلم، فكلهم أدى دوره بشكلٍ طبيعي - قدر الإمكان، باعتبار أن جميع الشخصيات تعاني من خللٍ نفسي أو وظيفي باستثناء كن -. واحدة من الغرابات النقدية انتقاد ريف فاينز - الذي يظهر في الثلث الأخير من الفيلم - باعتباره ناسخاً أداءه من بن كنغسلي في Sexy Beast، بينما لم أستطع أن أتبين هذا النسخ. الصفة الوحيدة المسيطرة على هاري (فاينز) هي الغضب، وهي ما يحدد شخصيته، غير أن فاينز ينجح في تمرير لحظاتٍ تظهر فيها مشاعر غير الغضب على وجهه، دون أن يفقد انطباع وجهه وحركاته الكلي الذي يوحي برجلٌ على وشك الانفجار.
يحاول فيلم في بروج أن يجد له هوية، دون أن يفلح في ذلك كثيراً. فيلم عصاباتٍ أوروبي يحاول أن يبدو مضحكاً، وسخرية من المدينة القروسطية بروج التي تشبه الحكايات الخرافية. قاتلان محترفان أحدهما قتل طفلاً، ويفترض بالآخر أن يقتله لذلك، ممثل قزم يظهر في مشاهد الكوابيس - إشارة إلى فيلم لا تنظري الآن -، منتجة أفلام تتجر بالمخدرات وتسلب السياح بمساعدة صديقٍ لها، بائع أسلحةٍ مهووس بالكلمات الغريبة، سياح أمريكيون بدينون، موظف سياحي مزعج، زعيم عصابة سايكوباثي. جميعهم في خليطٍ يضيف مكدوناه إليه عباراتٍ دينية عن المطهر والفردوس والجحيم، وحواراتٍ عبثية طويلة، ومشاهد عنفٍ سافر، ثم يحرك الكاميرا ببرود وملل قبل أن ينفجر في التتابع النهائي للفيلم محاولاً تحميل الفيلم بدلالاتٍ ودلالاتٍ. الفيلم كُله مشحونٌ بالدلالات، تجوال راي وكٍن في بروج، نظرية صديقهما القزم والحرب الخيالية التي يفكر فيها بينما يتعاطون المخدرات، وقوف هاري وكِن على قمة المدينة، انتحار هاري لأجل مبادئه. هي مسألة شرف، الفيلم يدور حول "مسألة الشرف" العبثية هذه، ويتوه في فوضى من الدلالات ليصل المرء معه إلى أن الفيلم لا يدل على شيء.
"ربما يكون هذا هو الجحيم، الأبدية بكاملها في بروج".هذه عبارة الفيلم الختامية التي تحاول تلخيص رؤية مكدوناه للأمر برمته، ومن المرجح أنه محق.
ملاحظة:
فيلم في بروج الدعائي واحدٌ من أفضل الأفلام الدعائية لهذه السنة، لكنه مضللٌ بشكلٌ كبير. مكدوناه يواصل التآمر على مشاهديه بحذاقة، ومن ثم يشتكي صانعو الأفلام المستقلة من مقت الجمهور لأفلامهم!