
يحاول براند ومارك أنتوني وأوديب قولبة العالم وفق رؤاهم، ويخفقون في مساعيهم لأن العالم يسير وفق سيرورة تاريخية صاغها عددٌ لا نهائي من الحوادث في العالم أجمع - صغيرة وكبيرة - ما يجعل تغييره وفقاً لرؤية واحدة مستحيلاً لمخالفته طبائع الأشياء في الدُنيا. ويقع آمون غويت ومايكل بِرغ وآل زوننشاين أسرى لفخٍ وجودي عملاق، فهم مجرد حطبٍ يستهلكه المحرك الهائل للسيرورة التاريخية. إذ تكمن بطولتهم في محاولتهم التكيف مع حقيقة أن الإنسانية ليست جزءاً أصيلاً من الإنسان، بينما يتحدى براند ومارك أنتوني وأوديب سلطة الزمان المطلقة ولا إنسانية الوجود الإنساني فيكون في تحديهم بطولتهم ومصرعهم. كل هذه الشخصيات في قلب الحدث: إما قائدة أو منقادة، بينما تصل شخصياتٌ أخرى من شخصيات فاينز متأخرة، وتحاول الإمساك بالزمن الضائع رافضة بعنادٍ طفولي الإقرار بمروره، ومحاولة كسر النظم القائمة، الأمر الذي ينتج عنه دمارها ودمار من حولها.
زوجات رجالٍ آخرين
في أول أفلامه واسعة العرض في المملكة المتحدة مرتفعات ويذرنغ (1992)، يؤدي فاينز واحداً من أكثر أدواره إخافة: هِثكلِف، الغجري الذي يحب كاثرين إيرنشو حباً يدمرهما ويدمر كل من حولهما، كما في عبارة الفيلم الإعلانية: "شغف! هوسٌ دمر كل ما لمسه!". في النسخة الحديثة من رواية إيملي برونتي الفاجعة، يلتزم فاينز بدور هِثكلِف كما كتبته برونتي في الأصل، لا كما استقر في وجدان جمهور السينما من الفيلم الذي قام ببطولته لورانس أوليفييه في 1939 بوصفه فتى يتيماً رقيقاً مظلوماً، إذ يتبنى فاينز مقاربة الغجري المخيف - وهو خيارٌ جريء في بداية حياته المهنية - ويجسد دور هِثكلِف الشيطاني الذي لا يتورع عن نبش قبر حبيبته بسبب عاطفته المخيفة التي تمتزج فيها عدة عوامل خارقة للطبيعة.
في رواية برونتي، يحضر الشيطان حضوراً قوياً - وإن كان لم يُشَر إليه بالاسم - فهِثكلِف القادم من الجحيم بذرة الشيطان في مرتفعات وذرنغ، وطبيعته أقرب إلى طبيعة الغيلان، كما إن ولادته وموته أمورٌ غامضة خارقة للطبيعة. مع ذلك، فإن اقتباسات الرواية المختلفة للسينما والتلفاز والمسرح تحولها إلى مجرد قصة حبٍ عاثرة الحظ. ورغم جودة أداء فاينز في فيلمه الأول، إلا أنه نساج واحدٌ في معمل النسيج الذي يصنع الفيلم، ولئن كانت الرقعة التي نسجها مظلمة وخيالية وما ورائية، فإن بقية النسيج الذي نسجه بقية النساجين كان مختلطاً، الأمر الذي أثر على الفيلم في المجمل، وجعله - رغم محاولته الجريئة - غير قادرٍ على الوصول إلى التأثير المقبض لقصة هِثكلِف وكاثرين.
وإذا كان شغف هِثكلِف بكاثرين شغفاً ما ورائياً دمر آل إيرنشو وآل لنتون ودمر كاثرين نفسها، ومن ثم هِثكلِف. فإن شغف الكونت لازلو دو ألماشي المفاجئ بكاثرين كليفتون في الصحراء الكبرى قد أوقعه وسط متاهة الحرب العالمية الثانية الوجودية، التي تداخلت مع المأساة الشخصية التي جمعت المثلث: لازلو دو ألماشي، كاثرين كليفتون، وزوجها جيوفري كليفتون. في فيلم المريض الإنكليزي لأنتوني منغيلا - المأخوذ عن رواية مايكل أونداتجي بالاسم نفسه - تنشأ علاقة حبٍ بين كاثرين كليفتون ولازلو دو ألماشي الجغرافيان الذين يعملان في الصحراء الكبرى حيث رياح الخماسين وكهف السباحين، ومن ثم تتطور في القاهرة. في زمنٍ آخر، ما كانت علاقة الحب هذه لتتجاوز كونها قضية خيانة زوجية، لكنها صارت قضية استخباراتية في الحرب العالمية الثانية، فكاثرين بريطانية وبلدها من دول الحلفاء، بينما لازلو مجري وبلده من دول المحور. والمطروح لم يعد مجرد خيانة زوجية، بل خيانة وطنية فادحة يزيدها سوءاً أن جيوفري كليفتون - الزوج - ضابط مخابرات دُس على الجمعية الجغرافية الملكية ليحصل على خرائط الصحراء الكبرى وشمال إفريقيا. تنفصل كاثرين عن لازلو، لكنه يعجز عن إدراك السر في هجرها له، ويتحول إلى عاشقٍ غيور يحكم مراقبتها ليعرف بمن تتصل. ومن ثم، تنتهي حياته - عملياً - حين يعرف جيوفري كليفتون بما يعرفه زملاؤه في إدارة المخابرات، فيقرر الانتحار وقتل زوجته وعشيقها في حادث طائرة.
عندما يحاول لازلو طلب العون لإنقاذ حبيبته، يُدرك مشكلتهما الحقيقية في زمن الحرب: اسمه خطأ، ودولته خطأ، وزمنه خطأ. يعجز عن إنقاذ حبيبته، فيعطي خرائط الصحراء للألمان - ليُحقق ما اتهمه به البريطانيون من قبل - ويقرر الخروج من الصحراء، فيحترق في طائرته، ويبقى حطاماً مشوهاً يُعرف بالمريض الإنكليزي في إشارة ساخرة إلى ما كان عليه أن يكونه عندما كانت كاثرين حية.
فيلم المريض الإنكليزي واحدٌ من الأفلام القليلة في تاريخ السينما التي تتفوق على الروايات التي أُقتبست عنها، فمن يقرأ رواية أونداتجي يعرف أنها نسيجٌ تصعب الإحاطة به من الارتجاعات والمشاهدات الضبابية، بينما فيلم أنتوني منغيلا قصيدة بصرية ترتبط أجزاءها بشكلٍ محكم.
يحضر فيلم المريض الإنكليزي عند الحديث عن فيلم نهاية علاقة غرام الذي يدور أيضاً حول سرقة زوجة رجلٍ آخر في زمن الحرب العالمية الثانية، وفي لندن هذه المرة. الرواية من تأليف غراهام غرين، والفيلم من إخراج نيل جوردان، ويؤدي فاينز فيه دور موريس بندريكس - معادل غرين نفسه - الكاتب البريطاني الذي يقيم علاقة مع زوجة أحد معارفه في زمن الحرب. موضوع الفيلم يُشبه موضوع فيلم المريض الإنكليزي، ونيل جوردان مثل أنتوني منغيلا مخرجٌ ذو حيثيات، إلا أن نهاية علاقة غرام يفشل في تحويل الكلمات إلى معادلٍ بصري. موريس بندريكس غيورٌ، لكن غيرته بالكلام فقط، ومثل لازلو دو ألماشي فإن حبيبته تهجره من دون سببٍ مفهوم له، لكنه يعود ويعرفه في النهاية منها شخصياً. في الفيلمين، تموت الحبيبة، لكن الاختلاف الرئيسي بين دو ألماشي وبندريكس يكمن في أن الحب دفع دو ألماشي الجامد الخامل للتصرف، بينما دفع بندريكس إلى مزيدٍ من الكلام حول أمورٍ لا يعيها ولا يفهمها. مشكلة فيلم نهاية علاقة غرام أنه يتكلم ولا يقول شيئاً، فيعجز عن عرض الإنساني في علاقة ممزقة في زمنِ الحرب. الشيء الوحيد الذي يقوله الفيلم - رُبما - إن الحرب العالمية قد خلقت أزمة ضمير في أوروبا - وهذا ما تقوله معظم الأفلام التي تدور في تلك الحقبة.
من وجهة نظر هِثكلِف، فإنه لم يسرق زوجة رجلٍ آخر بل قاتل لاستعادة ما يخصه، بينما يُبرر لازلو دو ألماشي سرقته بأن للحب قانونه الخاص الذي يبيح للمحب ما لا يُبيحه لغيره، ولا يأبه موريس بندريكس للتبرير لأن دافعه الأعمق دافعٌ عدائي ضد الشرائع نفسها. أزمات الرجال الثلاثة، وعلاقاتهم بنسائهم - وأدوار النساء نفسها - تطرح تساؤلاتٍ عميقة حول ماهية الأخلاق، والبناء المخلخل للمجتمع البطريركي. كما إنها تطرح نقطة مهمة، فالنساء الثلاث أقدر على التكيف مع واقعهن، ورغم أن ثلاثتهن ينتهين بالموت، إلا أن خياراتهن كانت أكثر ثباتاً وشجاعة، وتأتي من منطقٍ خاص لا يفهمه الرجال. كاثرين إيرنشو تعرف أنها تحب هِثكلِف، لكنها لن تقلل من مكانتها الاجتماعية بالاقتران به، وكاثرين كليفتون تعرف خطيئتها وتحاول إصلاحها، وتحاول سارة مايلزل مداراة ضعفها بعقد هدنة ما مع ضميرها، لكنهن ينتهين قبل أن تُهيأ لهن الفرصة لتوضيح بواعثهن الخفية.
زوجات رجالٍ آخرين
في أول أفلامه واسعة العرض في المملكة المتحدة مرتفعات ويذرنغ (1992)، يؤدي فاينز واحداً من أكثر أدواره إخافة: هِثكلِف، الغجري الذي يحب كاثرين إيرنشو حباً يدمرهما ويدمر كل من حولهما، كما في عبارة الفيلم الإعلانية: "شغف! هوسٌ دمر كل ما لمسه!". في النسخة الحديثة من رواية إيملي برونتي الفاجعة، يلتزم فاينز بدور هِثكلِف كما كتبته برونتي في الأصل، لا كما استقر في وجدان جمهور السينما من الفيلم الذي قام ببطولته لورانس أوليفييه في 1939 بوصفه فتى يتيماً رقيقاً مظلوماً، إذ يتبنى فاينز مقاربة الغجري المخيف - وهو خيارٌ جريء في بداية حياته المهنية - ويجسد دور هِثكلِف الشيطاني الذي لا يتورع عن نبش قبر حبيبته بسبب عاطفته المخيفة التي تمتزج فيها عدة عوامل خارقة للطبيعة.
في رواية برونتي، يحضر الشيطان حضوراً قوياً - وإن كان لم يُشَر إليه بالاسم - فهِثكلِف القادم من الجحيم بذرة الشيطان في مرتفعات وذرنغ، وطبيعته أقرب إلى طبيعة الغيلان، كما إن ولادته وموته أمورٌ غامضة خارقة للطبيعة. مع ذلك، فإن اقتباسات الرواية المختلفة للسينما والتلفاز والمسرح تحولها إلى مجرد قصة حبٍ عاثرة الحظ. ورغم جودة أداء فاينز في فيلمه الأول، إلا أنه نساج واحدٌ في معمل النسيج الذي يصنع الفيلم، ولئن كانت الرقعة التي نسجها مظلمة وخيالية وما ورائية، فإن بقية النسيج الذي نسجه بقية النساجين كان مختلطاً، الأمر الذي أثر على الفيلم في المجمل، وجعله - رغم محاولته الجريئة - غير قادرٍ على الوصول إلى التأثير المقبض لقصة هِثكلِف وكاثرين.
وإذا كان شغف هِثكلِف بكاثرين شغفاً ما ورائياً دمر آل إيرنشو وآل لنتون ودمر كاثرين نفسها، ومن ثم هِثكلِف. فإن شغف الكونت لازلو دو ألماشي المفاجئ بكاثرين كليفتون في الصحراء الكبرى قد أوقعه وسط متاهة الحرب العالمية الثانية الوجودية، التي تداخلت مع المأساة الشخصية التي جمعت المثلث: لازلو دو ألماشي، كاثرين كليفتون، وزوجها جيوفري كليفتون. في فيلم المريض الإنكليزي لأنتوني منغيلا - المأخوذ عن رواية مايكل أونداتجي بالاسم نفسه - تنشأ علاقة حبٍ بين كاثرين كليفتون ولازلو دو ألماشي الجغرافيان الذين يعملان في الصحراء الكبرى حيث رياح الخماسين وكهف السباحين، ومن ثم تتطور في القاهرة. في زمنٍ آخر، ما كانت علاقة الحب هذه لتتجاوز كونها قضية خيانة زوجية، لكنها صارت قضية استخباراتية في الحرب العالمية الثانية، فكاثرين بريطانية وبلدها من دول الحلفاء، بينما لازلو مجري وبلده من دول المحور. والمطروح لم يعد مجرد خيانة زوجية، بل خيانة وطنية فادحة يزيدها سوءاً أن جيوفري كليفتون - الزوج - ضابط مخابرات دُس على الجمعية الجغرافية الملكية ليحصل على خرائط الصحراء الكبرى وشمال إفريقيا. تنفصل كاثرين عن لازلو، لكنه يعجز عن إدراك السر في هجرها له، ويتحول إلى عاشقٍ غيور يحكم مراقبتها ليعرف بمن تتصل. ومن ثم، تنتهي حياته - عملياً - حين يعرف جيوفري كليفتون بما يعرفه زملاؤه في إدارة المخابرات، فيقرر الانتحار وقتل زوجته وعشيقها في حادث طائرة.
عندما يحاول لازلو طلب العون لإنقاذ حبيبته، يُدرك مشكلتهما الحقيقية في زمن الحرب: اسمه خطأ، ودولته خطأ، وزمنه خطأ. يعجز عن إنقاذ حبيبته، فيعطي خرائط الصحراء للألمان - ليُحقق ما اتهمه به البريطانيون من قبل - ويقرر الخروج من الصحراء، فيحترق في طائرته، ويبقى حطاماً مشوهاً يُعرف بالمريض الإنكليزي في إشارة ساخرة إلى ما كان عليه أن يكونه عندما كانت كاثرين حية.
فيلم المريض الإنكليزي واحدٌ من الأفلام القليلة في تاريخ السينما التي تتفوق على الروايات التي أُقتبست عنها، فمن يقرأ رواية أونداتجي يعرف أنها نسيجٌ تصعب الإحاطة به من الارتجاعات والمشاهدات الضبابية، بينما فيلم أنتوني منغيلا قصيدة بصرية ترتبط أجزاءها بشكلٍ محكم.
يحضر فيلم المريض الإنكليزي عند الحديث عن فيلم نهاية علاقة غرام الذي يدور أيضاً حول سرقة زوجة رجلٍ آخر في زمن الحرب العالمية الثانية، وفي لندن هذه المرة. الرواية من تأليف غراهام غرين، والفيلم من إخراج نيل جوردان، ويؤدي فاينز فيه دور موريس بندريكس - معادل غرين نفسه - الكاتب البريطاني الذي يقيم علاقة مع زوجة أحد معارفه في زمن الحرب. موضوع الفيلم يُشبه موضوع فيلم المريض الإنكليزي، ونيل جوردان مثل أنتوني منغيلا مخرجٌ ذو حيثيات، إلا أن نهاية علاقة غرام يفشل في تحويل الكلمات إلى معادلٍ بصري. موريس بندريكس غيورٌ، لكن غيرته بالكلام فقط، ومثل لازلو دو ألماشي فإن حبيبته تهجره من دون سببٍ مفهوم له، لكنه يعود ويعرفه في النهاية منها شخصياً. في الفيلمين، تموت الحبيبة، لكن الاختلاف الرئيسي بين دو ألماشي وبندريكس يكمن في أن الحب دفع دو ألماشي الجامد الخامل للتصرف، بينما دفع بندريكس إلى مزيدٍ من الكلام حول أمورٍ لا يعيها ولا يفهمها. مشكلة فيلم نهاية علاقة غرام أنه يتكلم ولا يقول شيئاً، فيعجز عن عرض الإنساني في علاقة ممزقة في زمنِ الحرب. الشيء الوحيد الذي يقوله الفيلم - رُبما - إن الحرب العالمية قد خلقت أزمة ضمير في أوروبا - وهذا ما تقوله معظم الأفلام التي تدور في تلك الحقبة.
من وجهة نظر هِثكلِف، فإنه لم يسرق زوجة رجلٍ آخر بل قاتل لاستعادة ما يخصه، بينما يُبرر لازلو دو ألماشي سرقته بأن للحب قانونه الخاص الذي يبيح للمحب ما لا يُبيحه لغيره، ولا يأبه موريس بندريكس للتبرير لأن دافعه الأعمق دافعٌ عدائي ضد الشرائع نفسها. أزمات الرجال الثلاثة، وعلاقاتهم بنسائهم - وأدوار النساء نفسها - تطرح تساؤلاتٍ عميقة حول ماهية الأخلاق، والبناء المخلخل للمجتمع البطريركي. كما إنها تطرح نقطة مهمة، فالنساء الثلاث أقدر على التكيف مع واقعهن، ورغم أن ثلاثتهن ينتهين بالموت، إلا أن خياراتهن كانت أكثر ثباتاً وشجاعة، وتأتي من منطقٍ خاص لا يفهمه الرجال. كاثرين إيرنشو تعرف أنها تحب هِثكلِف، لكنها لن تقلل من مكانتها الاجتماعية بالاقتران به، وكاثرين كليفتون تعرف خطيئتها وتحاول إصلاحها، وتحاول سارة مايلزل مداراة ضعفها بعقد هدنة ما مع ضميرها، لكنهن ينتهين قبل أن تُهيأ لهن الفرصة لتوضيح بواعثهن الخفية.