‏إظهار الرسائل ذات التسميات هوزن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هوزن. إظهار كافة الرسائل

01 مايو 2010

صورة الأب

لا أتابع السينما المصرية الجديدة، فلا أحبُ رؤية الضحالة التي صارت علامةً فارقةً تُميزُ سينما جيلي. مع ذلك، يحدثً أن أشاهد فيلماً من الموجة الجديدة من حينٍ لآخر بدافع الملل أو الفضول، وفي كُلِ مرةٍ أكتشفُ مدىً جديداً للسخف الذي تقدمه السينما اليوم، وتأكيداً على أن مُهمتها الوحيدة "عمل الفلوس" كما يقول جمال مروان في إعلان ميلودي الذي يُعرض على القناة في هذه الآونة؛ عمل الفلوس بالتهريج، لا بالاحترام، فحتى الأفلام التي تدعي مُناقشةَ قضيةٍ ما تنتهي إلى ثقبٍ أسود من بؤسِ السيناريو، وسوء التصوير والأخراج، ورداءة التمثيل، والشعور بالحسرةِ على الوقتِ الذي انقضى في مشاهدةِ فيلمٍ سخيفٍ إلى درجة أن عدَ بلاطِ الغُرفة يُقدم فائدة تفوق فائدته، ومتعة تفوق متعة مشاهدته.
السينما صناعة، وكونها كذلك يعني أنه من أبسط حقوقِ المستهلك الحصول على سلعةٍ جيدة مقابل ما يدفعه؛ غير أن صناعة السينما في مصر - حاضرة العالم العربي السينمائية - تدخل في باب النصب العام. مع ذلك، يستمرُ المستهلكون في ضخِ الأموالِ في حسابات مليارديرات السينما، بينما لا أرى سبباً يدعو لدفعِ المالِ لمشاهدةِ أي فيلمٍ جديد: ليست هُناك قصةٌ جيدة، ولا إخراجٌ مقبول، ولا تصوير فني، ولا تمثيل جيد. في الواقع، لا توجد أي عوامِلِ جذبٍ في سينما اليوم، فلا البطلات جميلاتٌ - كما هُن بطلاتُ الأفلام القديمة - ولا الأبطال رجالٌ وسيمون. بطلاتُ اليومِ نساءٌ حمقاواتٌ، وأبطالُ اليوم شبابٌ (صفيق) كما جاء في فيلم عمر وسلمى بالحرف. (مع أنني لا أشعرُ بالارتياح لاستخدام كلمةٍ مثل "صفيق").
مع ذلك، تحقق مثل هذه الأفلام أرباحاً طائلة حتى أن أخي الأصغر قد توصل إلى استنتاجٍ مفاده أن الصيغة السحرية لنجاح أي فيلمٍ واحدة من اثنتين: "شعر صدر + أحضان + صفعات" أو "مخدرات + راقصة + قضية طنانة". باستخدام واحدةٍ منهما، لا يُمكن أن يفشل فيلم، ولا يُمكن أن يتعرض أيٌ منها للهجوم لأنها تقع في نطاق السينما (النظيفة)، وبذلك يكسب الممولون والمنتفعون مالاً (حلالاً) رغم أنهم يغشون في الصنعة، ويخدعون المستهلك.
كُل ما سبق لا يتجاوز كونه الطبقة السطحية لإشكالية أكثر عمقاً وأهمية: المُنتَج الناشئ عن تفكير هذا الجيل، والمُقولِب لتفكيره في الآن عينه. فنتيجة لتغير قيم المجتمع في السنوات العشر الأخيرة، تغيرت صورة الأب في السينما المصرية، ونتيجة لتغير صورة الأب في السينما، لم يعد مُمكناً إقناع الجيل الجديد بأن الأب شيء آخر غير المسخ الذي تقدمه السينما. في الأفلام القديمة، تحضر صورة الأب - حاضراً كان أم غائباً - محاطة بالتقدير والإجلال، حتى لو كان أباً ظالماً. كُل الآباء في السينما المصرية مراكز للهيبة لا يُمكن المساس بها، مهما كانت تصرفاتهم ظالمة وجشعة وأنانية.
على سبيل المثال، يشتكي حسن يوسف من أبيه الظالم في فيلم أنا حرة، فلا يجرؤ إلا على ترديد عبارة من كتابه: "وكان هولاكو رجلاً ظالماً"، ورغم أن الفيلم يُناقش تراجع الجيل القديم ليُفسح مجالاً للجيل الجديد، فإن شخصيتي الأب فيه حافظتا على احترامهما رغم أنهما صورتان لزمنٍ يذوي ويتراجع.
أما اليوم، فالأب حشاشٌ مُهرج في السينما، سواء كان من مليارديرات عصر الانفتاح أم من مسحوقيه. اختفت هيبة الأب التقليدية ليتحول دوره إلى مجرد زينةٍ للديكور الاجتماعي، ومُسهِلٍ للانحراف. حتى أن الأب فقد هيبته التي تجعله مصدر تعاسة الأبطال وشعورهم بالتهديد، فلم يعد يملك القدرة على التدخل في الأحداث بأي شكلٍ فعال، وصار أقل شأناً من أن (يَظلِم)، وتحول إلى مُجرد سنيدٍ للبطل (الابن) يشتكي من فواتير إنفاقه، ويتسابق معه ليفوز عليه بلقب الأشد (صياعة).
حين يُريد المنتجون - في سينما اليوم - إضافة عمق للفيلم، فإنهم يجعلون شخصية الأب تغضب مثلاً، لكن غضبتها تنتهي إلى لا شيء، لأن الأب قد فقد دوره المحوري بوصفه نقطة اتزان الكون، وتحول إلى مجرد مزودٍ مالي وشريكٍ في التهريج. لا يعني شيئاً أن يستاء الأب أو يغضب في السينما المصرية الجديدة، بينما كانت غضبة الأب في السينما القديمة تحقيقاً لمقولة: "غضب الأب من غضب الرب".
من المؤسف أنه لا يُمكن اختيارُ نموذجٍ بعينه لضرب مثالٍ عليه، فكل الآباء مهرجون: حسن حسني في معظم أفلامه الجديدة، ومنها فيلم إتش دبور، عزت أبو عوف سينمائياً وتلفزيونياً في أفلامٍ مثل عمر وسلمى ومسلسلاتٍ مثل العمة نور، حتى لطفي لبيب مهرج، مع أنه يُمثل عادة دور أبي الفتاة، والفتيات أقل (صياعة) من الفتية في السينما، خصوصاً البطلات اللائي يتزوجهن الأبطال في النهاية. وينسحب هذا التهريج على رجال الدولة كذلك، فأحمد راتب ليس إلا أباً مهرجاً في رامي الاعتصامي.
في الأفلام التي تُصنف على أنها أفلامُ (مثقفين)، يغيب الأب تماماً وتتلاشى صورته، فيتحول - إن وُجِد - إلى كيانٍ هُلامي يعيش على حدود مملكة الأبطال النفسية. البحث عن الأب في أحلى الأوقات لا يقود البطلة إلا إلى إيجاد زوج، لأن الأب الحقيقي مهرج عاطلٌ، والقائم مقامه مهرجٌ (شيك). في أوقات فراغ يغيب الأب تماماً، وفي أفلامٍ مثل دكان شحاتة، لا يحدث وجوده فرقاً أو غيابه.
تحول شخصية الأب إلى مهرج، وانسحاب هذا الدورِ على رجالِ الدولة، جعل التهريج ينسحب حتى على الشخصياتِ التي تُجسد الشيطان. رغم أن خالد صالح ممثلٌ ممتاز، إلا أن شخصيته في الريس عمر حرب أقرب إلى المهرج منها إلى الشيطان. هُنا، تتجلى إحدى صور معضلات هذا الجيل: قتل الأب كان دوماً الطريقة التي يتراجع بها النظام القديم، ويُفسح المجال لنظامٍ جديد يحلُ محله. أما الآن، فلا يوجد غير التهريج، ولا نظامَ جديد يحلُ محل النظام القديم. لم يعد هُناك صراعٌ لأن الجميع تساووا في الضحالة، ولم يعد للفضيلة معنىً أو للرذيلة، إذ لا يوجد اختيارٌ، ولا عُمق، ولا معنى لأي صراعٍ أو انتصار أو تسامٍ.