26 فبراير 2010

تيرا ليرا

(سيدة شالوت، سيدني متيارد)

ما أخرج سيدة شالوت من برجها الرمادي في جزيرة شالوت كان صوتاً، وما حبسها فيها كان صوتاً. فبالإضافة إلى الصور البصرية الجميلة فيها، تمتاز القصيدة بصورها الصوتية المتناسقة مع مشاهدها لتكوين التأثير الكلي الموحي بالقدر الذي يعصف بالفنان. بنية القصيدة الظاهرية رُباعية، حيث تنقسم إلى أربعة أقسام، كل قسمٍ فيها يضم مجموعاتٍ من أربعة أسطر تنتهي بكلمات: شالوت، كاميلوت، أو لانسلوت بشكلٍ يحافظ على إيقاع القصيدة الهامس في ترجماتها.
تصف بداية القصيدة جزيرة شالوت والطريق إلى كاميلوت كما يظهر في مرآة سيدة شالوت، لكنها لا تظهر نفسها إلا في آخر مقاطع القسم الأول، عندما يسمع الحصادون أغنيتها، ويعتقدونها جنية:
وَحْدَهُمِ الحَاصِدُون؛ الحَاصِدُونَ مُبْكِرَاً
عَبْرَ حُقُولِ الشَعِيْر سَمِعُوْا أُغْنِية
يتردد صداها بهيجاً واضحاً،
من النهر الملتف
مُتجهاً إلى كاميلوت.
وبحلول القمر، تهمس الحصادة
التي أنهكها جمع الحُزم في
الأكوام المعرضة للهواء، مصغية،
"هذه هي الجنية،
سيدة شالوت."
صوت سيدة شالوت - الذي لا يُمكن وزنه أو تحديد طوله وعرضه وارتفاعه - الدليل الوحيد على وجودها، لأن أحداً لم يرها من قبل. لكن الصوت الذي يتردد بشكلٍ غامض يُجردها من كيانها المادي ويحولها إلى جزء من السحر. وصوتٌ غامض لا تعرف مصدره - ولا تصرح به القصيدة - حبسها رهينة الظلال التي تنسجها ليلاً ونهاراً.
هناك تنسج في الليل والنهار
نسيجاً سحرياً بهيج الألوان.
سمعت همسة تقول؛
أن اللعنة ستحل عليها
إن هي أبداً نظرت إلى الأسفل
حيث كاميلوت.
لم تعرف أبداً ما قد تكونه اللعنة،
لذا استمرت تنسج بثبات وعناية،
سيدة شالوت.
بنفس المنطق الذي جعل سيدة شالوت جنية في خيال الحصادات لأنهن لم يرينها بل سمعن صوتها، أذعنت للصوت الذي همس لها بأن لعنة ستحل عليها إن هي نظرت من النافذة، رغم أنها لا تعرف مصدره، ولا تعرف ما قد تكونه اللعنة التي ستحل عليها. بقيت في جزيرتها الصامتة تنسج وتغني، الصوت الوحيد الذي تسمعه - عدا صوت اللعنة - صوتها الذي يصل إلى الحصادات، ولأنها لا تسمع غير صوتها، فإن كل الصور التي تعكسها المرآة تصير ظلالاً خالية من الروح، لأنها مشاهد صامتة.
والذي أخرج سيدة شالوت من الجزيرة لم يكن مرأى سير لانسلوت، بل صوته، فوصفه الذي يستغرق معظم القسم الثالث من القصيدة لا يلفت اهتمام سيدة شالوت، بل الصوت الذي ينبعث منه ويبدد صمت الجزيرة:
برق اللجام المرصع بالجواهر،
شبيهاً بفروع النجوم
المُعلقة في المجرة الذهبية.
دقت أجراس اللجام مرحة،
بينما ركب إلى كاميلوت.
شدهت أجراس اللجام سيدة شالوت، وربما لذلك صمتت ولم يسمعها سير لانسلوت. تستمر القصيدة في وصف مرآه الجميل:
كالغالب عبر الليل الأرجواني،
تحت عناقيد النجوم اللامعة،
بعض من شهاب مُتحدٍ، ضوء متثاقل
يتحرك فوق الساكنة شالوت.
اتقد جبينه العالي في نور الشمس،
على حوافره الصقيلة تقدم حصانه الحربي،
من تحت خوذته تدفقت
خصلات شعره الفاحمة بينما ركب؛
ركب إلى كاميلوت.
لكن ذروة المشهد لم تأتِ إلا حين غنى سير لانسلوت نفسه، فوميضه في المرآة لم يُحرك سير لانسلوت، بقدر ما حركتها أغنيته:
من الضفة ومن النهر
ومض في المرآة البلورية،
"تيرا ليرا"، قرب النهر
غنى سير لانسلوت.
صوت سير لانسلوت الصوت الوحيد الذي سمعته سيدة شالوت بعد صوت اللعنة، لذا كانت لأغنيته المرحة قوة تعادل قوة اللعنة جعلتها تترك المغزل والنسيج، وتعبر الغرفة لتطل من نافذتها مباشرة:
تركت النسيج، وتركت المغزل،
عبرت ثلاث خطوات عبر الغرفة،
رأت زنابق الماء تُزهِر،
رأت الخوذة والريشة،
ونظرت هناك إلى كاميلوت.
لم ترَ سيدة شالوت سير لانسلوت، بل خوذة وريشة، لكنها نظرت إلى كاميلوت التي لم ترَ من قبل غير أبراجها العالية في مرآتها. جاء صوت سير لانسلوت نداء للخروج يُلغي الصوت الذي حبسها في الجزيرة، ويجبرها على النظر إلى المكان الذي ينبغي أن تكون فيه.
تطاير النسيج عائماً في الهواء،
تصدعت المرآة من طرف إلى طرف،
"حلت علي اللعنة!"
صاحت سيدة شالوت.
تطاير النسيج في كل مكان لأن عالم سيدة شالوت القديم قد انقلب، وتصدعت مرآتها من طرفها إلى طرفها الآخر دلالة على انكسار السحر إلى الأبد، لقد حلت اللعنة على سيدة شالوت، وطُردت من جنة الظلال الصامتة إلى العالم الحقيقي حيث ينبغي أن تذهب إلى كاميلوت وتكشف للعالم عن وجودها وتجابهه.
حين تعثر سيدة شالوت على مركب، فإن أول ما تفعله أن تكتب اسمها على مقدمته ليعرف العالم من تكون. ثم تخرج في النهر تتلاعب بها الريح التي تحمل أغنيتها الأخيرة إلى كاميلوت المشغولة بمباهج الحياة فيها عن مأساة سيدة شالوت التي غادرت جزيرتها الصامتة. تموت سيدة شالوت في أغنيتها، وتصل إلى كاميلوت ميتة فتنطفئ كل أصوات البهجة، ويخاف الفرسان والسيدات والسادة من دخول سيدة شالوت الميتة في قاربها، ويصطفون على ضفة النهر كأنهم يُلقون النظرة الأخيرة على جثمان ملكة عظيمة. ثم تأتي الخاتمة باعتراف سير لانسلوت بوجود سيدة شالوت، وبالبهاء الذي منحها الله إياه.
يُمثل سير لانسلوت في هذه الحكاية الشخص المتمتع بمباهج الحياة، الشخص الحقيقي الذي يُريد الفنان الوصول إليه، ويُمثل كل ما يفتقده في سجنه المنسوج من الظلال. كاميلوت - التي تصلها سيدة شالوت ميتة - الحياة التي تؤثر فيها بأغنيتها وبحضورها النهائي المؤتلق بحيث يصير وصولها حدثاً تتوقف عنده كاميلوت بأكملها، بعد أن تردد صدى أغنيتها. ما يختتم القصيدة صوتٌ أيضاً: اعتراف لانسلوت:
وحده لانسلوت من أطرق هنيهة،
قال: "إن لها وجهاً جميلاً،
وهبه الله من رحمته البهاء،
سيدة شالوت."
الصوت مثل الاسم، حضورٌ مجرد يبقى بعد زوال المجسد من لحمٍ ودم، مثل الريح التي قال بريشت إنها وحدها ما يبقى من المدن التي عبرتها. شيء لا يُمكن أن يقبضه أحدٌ، كالأحلام التي يُطاردها الفنان طوال حياته. ما بقي يشهد على مرور سيدة شالوت ليس سوى صدى صوتٍ وظلالٍ واسم.

لورينا مكنيت تغني القصيدة من يوتيوب.
عرض للوحات جون ويليام ووترهاوس، وفي الخلفية كورال فرانشيسكو لانديني: "وداعاً، أيتها السيدة الجميلة! وداعاً!".

21 فبراير 2010

سيدة اللوحات

وصول سيدة شالوت إلى كاميلوت(وصول سيدة شالوت إلى كاميلوت، رسامٌ غير معروف)

لو أن سيدة شالوت وصلت بخيرٍ إلى كاميلوت وقابلت سير لانسلوت، لاتخذت حكايتها مجرى جديداً رُبما كسر السحر وأزال عن قصتها التأثير الدرامي الذي ألهم رسامي ما قبل الرافاييلية المعاصرين لشاعر "سيدة شالوت" ألفرد تينيسون وأجيالاً من الرسامين بعدهم. هُناك شيء ساحرٌ في قصة سيدة شالوت المأساوية التي ترويها القصيدة، شيء قدري لا مفر منه جعل سيدة شالوت تهجر جزيرتها وتُبحر إلى كاميلوت التي وصلتها ميتة، مزيج من التسليم بالمكتوب ومقاومته جعل هذه القصيدة مُلهمة للعديد من الأعمال الفنية الخالدة - رغم أن بعض نقاد الشعر قد نفوا عنها صفة الجودة.
يعترض بعض النقاد الإنكليز على ما يرونه (إطناباً) في القصيدة، فالقصيدة مُبالغٌ في كتابتها، ومُعظم أجزائها وصفٌ لجزيرة شالوت وما تعكسه المرآة لسيدة شالوت ثم وصفٌ لما تمر به من كاميلوت. غير أن هذا الوصف مكمن قوة القصيدة، وما يجعلها مُلهمة للرسامين بالذات، فوصف الأمكنة في القصيدة يمكنهم من الإحاطة بدقائق الجو النفسي لسيدة شالوت وعكسه في لوحاتهم عنها ومصيرها المأساوي، خصوصاً وأنها كانت مثلهم - بشكلٍ أو بآخر - رسامة مسكونة بالرؤى التي تنسجها.
سيدة شالوت كما رسمها جون ويليام ووترهاوسأشهر اللوحات التي استوحت قصيدة "سيدة شالوت" لوحة جون ويليام ووترهاوس التي صورت واحداً من أكثر مشاهد القصيدة درامية وتأثيراً في النفس، خروج سيدة شالوت من جزيرتها الصغيرة على مركبٍ تتقاذفه الريح الشرقية عاصفة المزاج كما تشاء.
"وأسفل امتداد النهر الغامض
كعراف جريء في غشية؛
رائياً كل فرصه الضائعة
بسيماء زجاجية؛
نظرت إلى كاميلوت."
في اللوحة تعبير قوي عن ذهول سيدة شالوت التي ترى فرصها الضائعة بينما كانت في برجها الرمادي المنعزل محكومة بتعويذة، سيدة شالوت خائفة كذلك من اللعنة التي حلت عليها بسبب رؤيتها لكاميلوت، خائفة من الرياح، من الماء، لكنها ماضية في طريقها لأنها لم تعد تستطيع البقاء في شالوت بعد انكسار السحر. لا بد وأن تصل إلى كاميلوت.
سيدة شالوت كما أعاد يانغ زانغ رسمهاأعاد الفنان الرقمي يانغ زانغ رسم لوحة ووترهاوس رقمياً مغيراً بعض التفاصيل في خلفية اللوحة، كنوع الأشجار المختلف، والشلال الذي يظهر فيها - في إيماءة تقدير لفن ووترهاوس وتينيسون معاً، فسيدة شالوت تحولت إلى رمزٍ للمرأة العاشقة التي تعصف بها الريح في كل مكانٍ من دون مرشدٍ لها، أو لنداء الفن الغامض الذي يعصف بالفنان ويقوده إلى الضياع. تفاصيل اللوحة مهمة: الكتابة على المركب، الشمعات الثلاث - غير المذكورة في القصيدة - التي ترمز إلى ضعف الضوء الذي تعتمد عليه سيدة شالوت المتخبطة التي تقول القصيدة إنها تنظر بعينين زجاجيتين لا تريان شيئاً وتُبحر في مهب الريح، الثوب الأبيض والنظرة المرتاعة والملامح البريئة، الرداء والأوراق المنسابة مع الماء، وفوضى الأوراق والأغصان والأعشاب في مقدمة اللوحة، كلها تفاصيل تُعزز الأثر الدرامي لخروج سيدة شالوت من جزيرتها.
سيدة شالوت تنظر إلى كاميلوت، جون ويليام ووترهاوسألهمت القصيدة جون ويليام ووترهاوس لوحتين أخريين، إحداهما تصور سيدة شالوت ناظرة إلى سير لانسلوت، وفيها تظهر بشكلٍ مختلف تماماً عن لوحته الأخرى "سيدة شالوت" في البُنية الجسدية والشكل. سيدة شالوت هنا ليست فتاة رقيقة هشة، وإنما امرأة ناضجة مكتملة البنية، امرأة ذات مزاج غامض تسمع أصواتاً غريبة. ولا يتعلق الأمر باختلاف (موديل) الرسام في اللوحتين، بقدر ما يتعلق باختلاف التفسير الفني للقصيدة في اللوحتين، واختلاف المقطع المأخوذ. في اللوحة السابقة، كانت سيدة شالوت محكومة بقدرٍ أجبرها على الخروج من جزيرتها المنعزلة إلى كاميلوت، بينما في هذه اللوحة، تتخذ سيدة شالوت خياراً بنفسها، فتنهض من مكانها لتنظر إلى سير لانسلوت.
مع ذلك، تظل ملامح سيدة شالوت خائفة متوجسة، تتطلع في وجلٍ خشية أن تكتشفها أعينٌ خفية. خيوط المغزل تلتف حول ثوبها وتُقيدها في إشارة إلى ثقل اللعنة التي تحكمها، وعلى الأرض تتناثر كرات الخيوط السوداء التي وقعت منها في عجالتها - وقد تكون سوداء تعبيراً عن مخاوفها. في خلفية الصورة، تبدأ المرآة بالتصدع. لقد اتخذت سيدة شالوت خيارها، ولم تعد هناك فرصة للتراجع.
يرسم ووترهاوس في لوحته الثالثة مشهداً مبكراً من القصيدة، إذ يُصيب سيدة شالوت السأم من الظلال التي تعكسها مرآتها عندما ترى حبيبين تزوجا حديثاً ذاهبين إلى كاميلوت. تريد سيدة شالوت ما يزيد عن الظلال، شيئاً حقيقياً جداً. ولعل هذه إشارة مبكرة في القصيدة إلى خروج سيدة شالوت من الجزيرة لتستكشف كاميلوت. ألوان اللوحة مشرقة، لكن سأم سيدة شالوت ينعكس على كل شيء فيها، فالحبيبان في المرآة قصيان وكأنهما غير حقيقيين، وأبراج كاميلوت لا تبدو حقيقية أكثر من نسيج سيدة شالوت. كل ما حولها ممل وكئيب وباعث على السأم، المغزل، النسيج، قطع القماش المتناثرة، الخيوط. ولعل الرسام يُشير إلى أن سيدة شالوت كانت تريد حقيقية لا يُمكن مقايضتها بالصور. سيدة شالوت تريد أن تكون جزءاً من المشهد، لا ناقلة له. ورُبما كانت تلك رغبة في الرسام الذي يريد أن يذوب في النسيج الذي يرسمه، ويُصبح جزءاً منه، لا مجرد رسامٍ للظلال.
من المشاهد التي تنسجها سيدة شالوت بنفسٍ قانعة - ظاهرياً - لا يستفزها للتعبير عن سأمها غير مشهد الحبيبين الذي يبدو لها مجرد ظلٍ مهما حاولت نسجه، مما يوحي بأنها تسعى للاكتمال الذي تلوح فرصة لتحقيقه بظهور سير لانسلوت لاحقاً. وبتصويره للحبيبين على أنهما تفصيلٌ صغير في صورة، يُكثف ووترهاوس السأم الذي يُسيطر على سيدة شالوت، فرغم أنها تظهر كنموذج وحي - مقارنة بالحبيبين - إلا أنها طاقة معطلة مشغولة بأفكارٍ تُعبر عنها أبراج كاميلوت، أفكارٌ لا يُمكن التعبير عنها. هنا، تصير سيدة شالوت فعلاً تجسيداً للفنان أو المفكر أو الفيلسوف الذي لا يستطيع نقل رؤاه إلى سواه، وبالتالي يشله السأم، ويُصبح غير قادرٍ على تحقيق اكتماله. عندها تأتي التتمة في خروج سيدة شالوت إلى كاميلوت تمثيلاً رمزياً للخروج سعياً إلى تحقيق الرؤى وتجسيدها.
سيدة شالوت، ويليام هولمان هنتلوحة ويليام هولمان هنت احتفاء بالألوان التي تميز أسلوب ما قبل الرافاييلية، يُصور سيدة شالوت بينما المرآة تتصدع. سيدة شالوت شديدة البهاء لم تعد تنظر إلى المرآة التي تعكس أبراج كاميلوت كأنها دعوة سحرية إلى عالم الحلم، بل يشغلها التخلص من خيوط النسيج المتطاير بعد أن حلت اللعنة عليها. حالة الغرفة فوضى من الألوان التي تكاد تُغرق سيدة شالوت، والخيوط التي تملأ اللوحة تقيدها بقيودٍ قدرية، وتحولها نفسها إلى جزء من المنسوجات يحاول التحرر.
"تطاير النسيج عائماً في الهواء،
تصدعت المرآة من طرف إلى طرف،
“حلت علي اللعنة!”
صاحت سيدة شالوت."
في لوحته، يوحي هولمان هنت بأن سيدة شالوت نفسها جزء من السحر، مثلها مثل المرآة ومنسوجات الغرفة. هي ليست شخصاً حقيقياً يحاول الخروج من الوهم، بل جزء من الوهم نفسه يحاول التحرر. سيدة شالوت عند هولمان هنت شخصية في لوحة تريد الخروج إلى العالم، والمرآة المكسورة قد تكون انعكاساً للعالم الواقعي الذي تحاول الخروج إليه. هي شبيهة بشخصيات برانديلو الست التي تبحث عن مؤلف، إلا أنها لا تبحث عن مؤلف، بل عن شيء ملموس بعيداً عن انعكاسات المرآة، سيدة شالوت الشخصية التي تهرب من المؤلف لتلاقي حتفها لأنها ليست مصنوعة للعالم خارج حدود الذهن.
خروج سيدة شالوت من جزيرتها خروج الفنان من أسوار عقله والرؤى التي تحكمه ليحاول الوصول إلى العالم وإلى الاكتمال الفني، ورغم أن سيدة شالوت تموت في طريقها، إلا أنها تصل إلى كاميلوت، ويعرف كلُ من فيها أنها وُجِدت، وأنها سيدة شالوت، كما يُقر لها سير لانسلوت بالبهاء. الوصول النهائي لمركب سيدة شالوت الذي يحمل اسمها إشارة إلى خلود الاسم الذي يحوي خلاصة الوجود بينما يفنى الجسد، وإلى أن ما سيبقى منا ليس سوى أسمائنا. صحيح أن سيدة شالوت ماتت، إلا أنها حققت اكتمالاً فنياً بخروجها من حصار المرآة إلى مواجهة الواقع، وبأن العالم صار يعرف اسمها الذي لا يناله الموت.

01 فبراير 2010

شارب الوغد

بدأت أقرأ بعض أعداد سلسلة ما وراء الطبيعة - بشكلٍ متقطع - في سن الطفولة - بعد أن كانت تخيفني مجرد عناوينها التي كُنتُ أؤلف لها قصصاً كاملة مخيفة - إثر اختبارٍ مطلقٍ لشجاعتي قرأتُ فيه الظل فوق إينزماوث لهوارد فِلِبس لفكرافت وترجمة أحمد خالد توفيق - مؤلف السلسلة. كنتُ أقرأ ما يقع في يدي منها في مناسباتٍ متفرقة لا أحسبها شجعتني على أن أصير من متابعي السلسلة، لكنها كونت في ذهني مجموعة ملاحظاتٍ عامة شكلت انطباعي الوحيد عن السلسلة لوقتٍ طويل.

انت حكيم ولا تمرجي؟
كانت أولى ملاحظاتي على السلسلة علامات الترقيم فيها، فأكثر العلامات المستخدمة النقطتان ".." في نهاية الجمل، وعلامات التعجب. كذلك، مضاعفة حروف المد "يااااااااااااااه!" مع أن علامة التأثر أو التعجب تفيد المعنى الشعوري المصاحب للكلمة من دون الحاجة إلى مضاعفة حروف المد. أما أول ملاحظة على سلاسل المؤسسة العربية الحديثة بشكلٍ عام فكانت حرف الدال الذي يسبق أسماء الكتاب، والإعلانات (المخيفة) من قبيل: مغامرة جديدة مع د. نبيل فاروق! فأرتعب - في تلك السن الصغيرة - من هذه المغامرة ذات الدكتوراة، وأتوهم أنها للكبار فقط، فوحدهم الكبار من يفهمون مسائل (الدكاترة) العويصة، خصوصاً وأن العرف عندنا ألا يُكتب لقب الكاتب العلمي على غلاف الكتاب، حتى لو كان كتاباً في مجال تخصصه الأكاديمي، فبدت لي الألقاب العلمية على أغلفة الروايات - وعلى حدِ علمي، لا توجد درجات دكتوراة في كتابة الرواية - وكأنها تهديدٌ للقارئ ليخرس ويستمع إلى كلامِ الدكاترة.
(طبعاً، عرفت فيما بعد أنها دال المهنة وليست دال الدرجة العلمية وأن كل من دخل تمهيدي طب بات يكتب: أساطير بدروم الجيران من تأليف: د. فلان علان العلتاني.)
معلومات وقليلٌ من الحبكة
توقفت عن قراءة السلسلة لفترةٍ طويلة، إلى أن وقع في يدي كتيب العلامات الدامية. (تزعجني كلمة أسطورة في عنوان كل رواية ، فما ضر لو كانت العناوين من دون هذه الكلمة؟) الذي أعادني إلى قراءة السلسلة من جديد، لمزجه بين المغامرة والرعب والرواية في مزيجٍ مسلٍ مرعب. (ودافعي الأساسي لقراءة السلسلة التسلية التي لا أرى فيها ما يُعيب، أما ما يقوله البعض عن المعلومات التي تقدمها، فأمرٌ محمود، لكنني - مع ذلك - أشكك جدياً في سلامة منطق أي شخصٍ مصدر معلوماته رواية أياً كانت، ولا أتمنى رؤيته يقترح على أحد دكاترته في الجامعة مجموعة مراجع تتكون من روايات المغامرات.) من العلامات الدامية عدتُ لأقرأ السلسلة بكاملها، لأجد معظم ما تخيلته من قصصٍ بناء على عناوينها لا يمتُ بصلةٍ للروايات الحقيقية. كان أكبر مقلبٍ شربته في التوءمين والنصف الآخر والنبوءة، فما تخيلته أوقف شعر رأسي بينما كانت الروايات أقرب إلى قصصٍ عائلية هادئة. كان تخميني صحيحاً بخصوص الجنرال العائد إذ توقعت أن يكون جنرالاً نازياً، وقد كان سيدلتز غابلر كذلك فعلاً - والاسم من فيلم ليلة الجنرالات - والفصيلة السادسة، لكن القصص التي تخيلتها كانت مختلفة إلى حدٍ كبير. حارس الكهف ولعنة الفرعون كانتا فوق ما تخيلت، أما دماء دراكيولا، فما زلتُ أجد صعوبة في تقبلها فبلعها لأنني من أتباع المدرسة القديمة لبرام ستوكر، وأرى هذه التعديلات على الأسطورة غير مناسبة لمزاجي.

الولية المجنونة
في العودة، كنت قد صرتُ في الثامنة عشرة، مما جعل ملاحظاتي على السلسلة تتضخم. أكثر ما يُضايقني في السلسلة تحاملها ضد النساء، فهن هيستريات غبيات عاجزاتٌ عن التصرف مشكوكٌ في قدراتهن العقلية والسلوكية. حتى أنهن لسن حتى نساء، بل "إناث" فكل امرأة في السلسلة "أنثى" مما يخسف وجودها الإنساني ويعيدها إلى خانة التصنيف البيولوجي البحت: إنها مجرد "أنثى" غير مفكرة. النساء في السلسلة (آخر) باختصار، ولعل ذلك بلغ ذروته في القصة عن ليليث، حيث تتحول النساء الفيمينست إلى مصاصات دماء شبيهات بالسحالي، وتُلصَقُ بهن كل صفة منفرة بشكلٍ لا يُراعي دراسة الفيمنزم وتقسيم أنواعها وتأريخها، فهناك أنواعٌ عديدة من النسوية. لكن الكاتب أحمد خالد توفيق لم يقدم غير تصورٍ مشوه لها، يُحجم دور المرأة، ويكمل على خط السلسلة، ليُحذر الفتيات من أية طموحاتٍ زائدة. قد يقول قائلٍ إن هذه قصة، لكن أحمد خالد توفيق يكتب بنمطٍ اعتذاري حين يُقدم قضايا محل نقاشٍ، ويُقدم مراجعاً، ويحاول أن يعود إلى الدين وإلى المراجع العلمية المختصة والدراسات التأريخية ليُثبت كل حرفٍ يقوله ويستطرد طويلاً في الدفاع عن وجهة النظر التي يتبناها في النص مع عرض وجهات نظرٍ أخرى لئلا يقع في (مخالفة شرعية) يقضي عليه القراء بسببها. بينما حين يتحدث عن النساء، فإنه لا يحاول أن يتوسع في تاريخ الحركات المتعلقة بهن، ولا يكتب بنمطه الاعتذاري، بل بنمط من يُقرر حقيقة واقعة، ولعل ذلك يعود إلى أن النساء لا دية لهن، كما في التعبير المحلي عن كُل مهضوم حقٍ لا رأي له.
(ولا أستغرب الإعجاب الهائل بالسلسلة في أوساط النساء والذي يصل إلى مرحلة التقديس، فكثيراتٌ هن عاشقات الأنيمي الياباني مع كل تحقيره للمرأة، وكثيراتٌ معجبات بكتابات ستيفاني مير التي تعكس وجهة نظرٍ تشييئية عن المرأة ليس هنا محل نقاشها، مما يدل للأسف على أن النساء ألد عدواتِ ذواتهن.)

كلارك غيبل

الكلاركجي
في سلسلة ما وراء الطبيعة، الشرير إما وغدٌ أو رقيع أو الاثنان معاً، ولا يوجد أي شرير (يحترم نفسه) يتصف بأي صفة أخرى. كما إن كل وغدِ رفيع الشارب كما هم الأوغاد في السينما العربية، فلا يوجد وغدٌ (يحترم نفسه) في السلسلة إلا وله شاربٌ رفيع معتنى به. مع أن الشوارب كانت موضة في السينما العربية، ولم تكن مقصورة على الأوغاد فقط. وأصل هذه الموضة الممثل الأسطوري كلارك غيبل - الممثل المفضل عندي - الذي اكتسح العالم بنمط فاتن النساء الذي كان يمثله، حتى كان لقب (الكلاركجي) علماً على فاتن النساء في تركيا مثلاً. فاتن النساء ليس وغداً بالضرورة، لكنه في السلسلة وغدٌ حتى أن نسبة ظهور عبارة "شارب رفيع" مع كلمة "وغد" تكاد تقترب من عدد مرات استخدام كلمة وغد في السلسلة.
(وقياساً على ذلك، تعاني الشبكة انفجاراً "وغدياً" فالكتاب الذين يستنسخون توفيق في كل مكانٍ - حتى أن المرء "صار يُغلق بابه لئلا يدخل منه عشرة منهم" - وكلهم يتحدث عن "الأوغاد". ولا أعرف السبب الذي يمنعهم من استخدام كلمة "رقيع" - قد يكون ذلك عائداً لعدم معرفتهم بالكيفية التي تُجمع بها الكلمة - أو عدم استخدامهم للشارب الرفيع كعلامة تدلل على ظهور "الوغد" - يبدو أنني وحدي أتذكر كلارك غيبل.)

"آخرين وآخرين وآخرين......."
إذا كان أحدٌ يملك وقتَ فراغِ زائداً، وكان من المولعين بالسلسلة، فأقترح عليه عمل إحصائية بأكثر الكلمات تكراراً في السلسلة، وأعتقد بأن كلمتي "وغد" و"هراء" ستكونان من ضمن أكثر الكلمات تكراراً فيها. فكل شيء يُقال هُراء، حتى بدا لي أن العربية تعاني عجزاً شديداً في المفردات، فقد عقمت عن إيجاد كلماتٍ يُمكن أن تستبدل "وغد" و"رقيع" و"هراء". (ولو عجزت العربية، فما كان يضير لو أُخِذَ من الإنكليزية، فصار لدينا: نَنَسِنس، فيلِن، وومانيزر،.....)
هناك أيضاً، صيغة التفضيل "ألعن" - صيغة التفضيل مصطلح نحوي، ولا يؤدي معنىً إيجابياً في الجملة بالضرورة - فهناك "ألعن رائحة شممتها" و"ألعن منظر يُمكنك تخيله" و"ألعن كوابيسك"، ومزيدٍ من "ألعن" كُل شيء. أعتقد أن هذا من إنجازات السلسلة الخاصة، فلست أجد هذا الاستخدام المكثف للكلمة في أي مكانٍ آخر.
يتكرر تعبير "ها نحن أولاء" كثيراً في السلسلة - مع توأمه "ها أنتم أولاء" - في معظم أعداد السلسلة، وصحيح أنه أقل تكراراً من مفردتي "وغد" و"هراء"، إلا أنه يتكرر بما فيه الكفاية ليلاحظ المرء أن هُناك جملاً تتكرر بكاملها في السلسلة مثل: "الآن نرجوكم الصمت" بتنويعاتها المختلفة، وجملٌ أخرى تأبى أن تحضرني الآن.
يقودنا الحديث عن الجمل المكررة إلى الحديث عن صوت الشخصيات المكررة، فمشكلة السلسلة العظمى ألا شخصية فيها تملك صوتاً خاصاً بها، فكلهم "رفعت إسماعيل" بشكلٍ أو بآخر، وكلهم يستخدم كلماته وتعبيراته، من دون أي اعتبارٍ لتكوين الشخصية الخاص، فلا يُهم إن كانت الشخصية طفلاً أم شيخاً، أمياً أم مثقفاً، رجلاً أم امرأة. كلهم رفعت إسماعيل، ورفعت إسماعيل - بشكلٍ أو بآخر - المؤلف. وأقصى ما تستطيعه شخصية من التعبير عن ذاتها بضع جملٍ يتلبسها بعدها رفعت إسماعيل. هذه مشكلة قاتلةٍ في أي نصٍ، فعدم قدرة الشخصية على التعبير عن تكوينها النفسي والاجتماعي والعمري يعني أن صوت الشخصية مصطنع، ويستخف بعقل القارئ.
تعدد الحبكات ليس الدليل الوحيد على موهبة الكاتب، بل تعدد أصوات الشخصيات، وأبرز دليلٍ على هذا جين أوستن التي تدور رواياتها حول طبقةٍ واحدة: ملاك الأراضي، وحول مغامراتِ نساءٍ شابات حتى يتزوجن. رغم ما في هذا من حثٍ على التكرار، إلا أن مقدرة أوستن الفذة تتجلى في الأصوات المميزة لكل شخصية من شخصياتها، حتى أنه إذا تكلمت إحدى شخصياتها من وراء ستار، فإن قراءها يستطيعون أن يعرفوا من يتحدث بالضبط لمعرفتهم بالاختلاف الجلي بين كل شخصية وأخرى في طريقة التعبير. وعلى العكس منها، نجد أن الجميع في روايات ستيفاني مير - في توايلايت وسواها - يتحدثون بصوتٍ واحد لمراهقة فارغة العقل في السابعة عشرة مهما بلغوا من الكبر عتياً. الأمر الذي نجده في ما وراء الطبيعة، فكل المتحدثين فيها شيخٌ ملول مثقف ومولع بالأفلام. بحيث نرى امرأة متوسطة التعليم والمستوى المادي تتصل ببرنامج بعد منتصف الليل لتقول : "ربما أبدو قاسية، لكن محمود - رحمه الله - لم يكن أفضل ولا أرق زوج في العالم.." بينما صيغة المخافضة غير معروفة في العربية إلا على نطاقٍ محدود وعند قلة من المثقفين، فامرأة بالشكل الذي تقدمه القصة كانت لتكون أكثر وضوحاً وأقل تلاعباً بالألفاظ. "محمود - يرحمه الله - كان يجعلني أبكي كل ليلة من القهر." ربما كان ليكون تعبيراً عن صوت المرأة وشخصيتها، من دون أن نُعرّج على: "لم أكن أقرأ إلا الشعر ولا أنسج إلا الكانافاه.. لم أكن أنام إلا على وسادة محلاة بالدانتيلا.. كنت حلماً.." و"إنه فظ.. بخيلٌ كالبراغيث.." وغيرها من التعبيرات التي لا تناسب امرأة من الطبقة المتوسطة جُلُ ما تفكر فيه أموال زوجها، بل إنها تدخل في حوارٍ مع رفعت إسماعيل حول السادية! وهذا مثالٌ واحدٌ من أمثلةٍ كثيرةٍ في السلسلة يصبح فيها الطفل شيخاً، والأمي مثقفاً يقتبس تشبيهاته من الأفلام، ولا يهم ما إذا كان المتحدث من مصر أو المجر أو الاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة أو بريطانيا أو واق الواق. بل إن حالة التلبس الرفعتي تتلبس العامل المضاد الرئيسي في السلسلة، د. فرانتز لوسيفر (وكلهم دكتور، وكأن من الإهانة لرفعت ألا يحمل خصمه درجة علمية معادلة لدرجته العلمية، ولو كانت في قراءة البخت!) الذي يقول: "لو أنها تعرف العامية المصرية لسرها كثيراً تعبير (عزومة مراكبية) فهو يعبر بدقة عمّا تفكر فيه الآن.."مع أن الأخ لوسيفر مجري يتحدث الإنكليزية بلكنة ثقيلة! والتعبير مسروق من رفعت إسماعيل بالنص.

بيلا لوغوزي
تأثير بيلا
وما دام الأخ لوسيفر قد دخل في النص، فلا بأس من الحديث عنه، وعبارته المستفزه "إني بك أسعد.. ولك قلبي يطرب.." التي لا يمل من تكرارها، - ومنذ صغري كنت أرى كلمة "يطرب" مفتقرة إلى أدنى حدٍ من الوقار - وطريقته في قلب العبارات في محاولة لإعطائه صوتاً خاصاً يختفي بمجرد أن تزيد جمله في النص عن ثلاث جمل، إذ سرعان ما يتلبسه رفعت إسماعيل ويعود لنسخ تعبيراته، مما يجعل رفعت أقوى مسوخ السلسلة لقدرته على تلبس كل شخصياتها، بمن فيهم المعادل الرمزي للشيطان.
كما يُذكر شارب الوغد بكلارك غيبل، يُذكِر فرانتز لوسيفر ببيلا لوغوزي - أشهر من أدى دور دراكولا - فكلاهما مجريان، وكلاهما يتحدث الإنكليزية بلكنة شرق أوروبية ثقيلة، وكلاهما من منطقة تتأرجح بين المجر ورومانيا. إضافة إلى ذلك، فإن وصف عيني لوسيفر ينطبق على عيني لوغوزي، وصوته قريبٌ من صوته، بحيث يصير لوسيفر لوغوزي وقد طال شعره وارتدى قرطاً وعدداً من الخواتم.
تأثير بيلا ينتقل من لوسيفر إلى الممثل المجري الذي تأثر بعباءة دراكولا في إحدى قصص المتحف الأسود، فأوصاف الممثل تنطبق جميعها عليه، بحيث يصعب تخيل بيلا إلا في هيئة مصاص دماء أو شيطان - وهذا عائدٌ جزئياً إلى أدواره - ويجعل كل من يحمل أياً من صفات بيلا الشكلية مصاص دماء - أو شيطاناً - إلى إن يثبت العكس.

من هنا إلى الأبدية!
تصدر سلسلة ما وراء الطبيعة منذ 1993، ما يعني أن نسبة لا بأس بها من قرائها وصلوا اليوم إلى الثلاثينيات من العمر أو نحوها. كما أن مرور سبعة عشر عاماً على السلسلة يعني أن وقت المراجعة قد حان، لتجاوز البدايات، والعودة لقراءة السلسلة كوحدة متكاملة، ومعرفة أوجه تفوقها وأوجه قصورها، والتأصيل لها، وبناء العديد من الأعمال الناضجة على الأرضية التي أسستها. لكن واقع الحال اليوم يختلف عن المفروض، فلا يوجد بناء على بناء أو تناص مع السلسلة، وإنما (تلاص) من السلسلة. وطوفان من الكتاب المستنسخين الذين يكتبون بطريقة "الوغد" و"الهراء" ويحاولون أن يسخروا مثل أحمد خالد توفيق، لكنهم لا يوفقون إلا في رفع ضغط دم وعين القارئ بسماجتهم. وقبل الوقوع في فخ التعميم، أذكر أن هناك مسرحية صدرت بعنوان سبعة باب، مبنية على مجموعة وراء الباب المغلق في السلسلة. للأسف، لم أقرأ المسرحية - وإن كنت أريد ذلك - وإنما قرأت مقدمة أحمد خالد توفيق لها، والتي يقول فيها بأبوية ناعمة معناه: "إذا وجدتم عيباً في المسرحية، فالعيب في فكرتي لا في كاتب المسرحية." وهي أبوية لا تختلف كثيراً عن أن يقول شيئاً من قبيل: "وهذا ولدٌ يحاول أن يقلدني، ولكنه في أول الطريق فترفقوا به." بينما الكاتب الحقيقي يستطيع أن يصنع عملاً عظيماً من الفكرة التي يختارها، من دون الحاجة إلى أي تبرير أو اعتذار.
هناك الكثير من الشباب المثقف، أو - شبه المثقف على اعتبار أنه لا يوجد من يقرأ أدب نجيب محفوظ اليوم - من المعجبين بالسلسلة، ولهم تجمعاتٌ كبيرة على الشبكة. وظيفة هذه التجمعات الرئيسية - والوحيدة في بعض الأحيان - سدانة السلسلة ومؤلفها، ووأد أي محاولة للنقد العقلاني بطريقة "يلزم خدمة يا كابتن" التي يستخدمها موظفو الفنادق المتنمرون المجبرون على التأدب مع نزلاء الفندق، رغم أنهم يريدون الفتك بهم، ويحرصون على توضيح هذا. في هذا المناخ، يصعب أن ينتج شيء حقيقي واعٍ له علاقة بالسلسلة، فكل ما عندنا محاولات - بعد سبعة عشر عاماً - لتقديم أعمالٍ مبنية على السلسلة، أو لإعطاء السلسلة الزخم اللائق بمناقشتها كما ينبغي فعلاً، لا بطريقة أول محاولة لكتابة أدب الرعب في العالم العربي، لأن السلسلة قد خرجت من طور البدايات في وقتٍ مبكر جداً.
أعتقد أن سبعة عشر عاماً كافية لتصبح السلسلة معلماً ثابتاً من معالم الحياة الأدبية، سواء كان المرء من قراءها أم لم يكن. الأمر الذي يُقدم مؤشراً على حالة الشباب العربي القارئ لها، فالكل يتذمر من إهمال النقاد لها، لكن أحداً لا يجرؤ على تقديم نقدٍ لائق لها. النقد لا يعني الإشارة إلى المساوئ فحسب، بل يشمل معانٍ أوسع من تحليل وتفسير ومقارنة وبحث. بينما لا يستطيع أحدٌ من معجبي السلسلة أن يكتب حرفاً عن السلسلة من دون المقدمة: "أنا تربيت على هذه السلسلة العظيمة التي علمتني القراءة والكتابة والحساب" ومن دون أن يضع قاطرة ألقابٍ قبل اسم المؤلف. صحيح أن الاحترام مطلوب، لكنه لا يعني الإسراف في الألقاب، والنقد بطبيعته جافٌ لأنه لا يعتمد على المجاملة، بل على استحقاق العمل الأدبي.
مع ذلك، إذا كان جيل الثلاثينيات لم يفعل شيئاً ذا بالٍ بالسلسلة، فربما يفعل جيل العشرينيات ذلك. ونرى كتابات رصينة عن السلسلة، وكتاباتٍ أخرى ساخرةً - والسخرية أمرٌ محمود ومطلوب، لكن ليس بطريقة الكتاب الساخرين الذين صاروا يتوالدون بمعدل كاتبٍ ساخر كل دقيقتين هذه الأيام، وتميزهم جميعاً سماجة تتفوق على سماجة بوش الأب والابن معاً - وتحليلاتٍ جادة، وأعمالاً أدبية راقية، وأعمالاً فنية متعددة مختلفة، وأفلاماً سينمائية تختلف عما تعرضه السينما هذه الأيام.

30 يناير 2010

فاينز - 4

ريف فاينز
يحاول براند ومارك أنتوني وأوديب قولبة العالم وفق رؤاهم، ويخفقون في مساعيهم لأن العالم يسير وفق سيرورة تاريخية صاغها عددٌ لا نهائي من الحوادث في العالم أجمع - صغيرة وكبيرة - ما يجعل تغييره وفقاً لرؤية واحدة مستحيلاً لمخالفته طبائع الأشياء في الدُنيا. ويقع آمون غويت ومايكل بِرغ وآل زوننشاين أسرى لفخٍ وجودي عملاق، فهم مجرد حطبٍ يستهلكه المحرك الهائل للسيرورة التاريخية. إذ تكمن بطولتهم في محاولتهم التكيف مع حقيقة أن الإنسانية ليست جزءاً أصيلاً من الإنسان، بينما يتحدى براند ومارك أنتوني وأوديب سلطة الزمان المطلقة ولا إنسانية الوجود الإنساني فيكون في تحديهم بطولتهم ومصرعهم. كل هذه الشخصيات في قلب الحدث: إما قائدة أو منقادة، بينما تصل شخصياتٌ أخرى من شخصيات فاينز متأخرة، وتحاول الإمساك بالزمن الضائع رافضة بعنادٍ طفولي الإقرار بمروره، ومحاولة كسر النظم القائمة، الأمر الذي ينتج عنه دمارها ودمار من حولها.
زوجات رجالٍ آخرين
في أول أفلامه واسعة العرض في المملكة المتحدة مرتفعات ويذرنغ (1992)، يؤدي فاينز واحداً من أكثر أدواره إخافة: هِثكلِف، الغجري الذي يحب كاثرين إيرنشو حباً يدمرهما ويدمر كل من حولهما، كما في عبارة الفيلم الإعلانية: "شغف! هوسٌ دمر كل ما لمسه!". في النسخة الحديثة من رواية إيملي برونتي الفاجعة، يلتزم فاينز بدور هِثكلِف كما كتبته برونتي في الأصل، لا كما استقر في وجدان جمهور السينما من الفيلم الذي قام ببطولته لورانس أوليفييه في 1939 بوصفه فتى يتيماً رقيقاً مظلوماً، إذ يتبنى فاينز مقاربة الغجري المخيف - وهو خيارٌ جريء في بداية حياته المهنية - ويجسد دور هِثكلِف الشيطاني الذي لا يتورع عن نبش قبر حبيبته بسبب عاطفته المخيفة التي تمتزج فيها عدة عوامل خارقة للطبيعة.
في رواية برونتي، يحضر الشيطان حضوراً قوياً - وإن كان لم يُشَر إليه بالاسم - فهِثكلِف القادم من الجحيم بذرة الشيطان في مرتفعات وذرنغ، وطبيعته أقرب إلى طبيعة الغيلان، كما إن ولادته وموته أمورٌ غامضة خارقة للطبيعة. مع ذلك، فإن اقتباسات الرواية المختلفة للسينما والتلفاز والمسرح تحولها إلى مجرد قصة حبٍ عاثرة الحظ. ورغم جودة أداء فاينز في فيلمه الأول، إلا أنه نساج واحدٌ في معمل النسيج الذي يصنع الفيلم، ولئن كانت الرقعة التي نسجها مظلمة وخيالية وما ورائية، فإن بقية النسيج الذي نسجه بقية النساجين كان مختلطاً، الأمر الذي أثر على الفيلم في المجمل، وجعله - رغم محاولته الجريئة - غير قادرٍ على الوصول إلى التأثير المقبض لقصة هِثكلِف وكاثرين.
وإذا كان شغف هِثكلِف بكاثرين شغفاً ما ورائياً دمر آل إيرنشو وآل لنتون ودمر كاثرين نفسها، ومن ثم هِثكلِف. فإن شغف الكونت لازلو دو ألماشي المفاجئ بكاثرين كليفتون في الصحراء الكبرى قد أوقعه وسط متاهة الحرب العالمية الثانية الوجودية، التي تداخلت مع المأساة الشخصية التي جمعت المثلث: لازلو دو ألماشي، كاثرين كليفتون، وزوجها جيوفري كليفتون. في فيلم المريض الإنكليزي لأنتوني منغيلا - المأخوذ عن رواية مايكل أونداتجي بالاسم نفسه - تنشأ علاقة حبٍ بين كاثرين كليفتون ولازلو دو ألماشي الجغرافيان الذين يعملان في الصحراء الكبرى حيث رياح الخماسين وكهف السباحين، ومن ثم تتطور في القاهرة. في زمنٍ آخر، ما كانت علاقة الحب هذه لتتجاوز كونها قضية خيانة زوجية، لكنها صارت قضية استخباراتية في الحرب العالمية الثانية، فكاثرين بريطانية وبلدها من دول الحلفاء، بينما لازلو مجري وبلده من دول المحور. والمطروح لم يعد مجرد خيانة زوجية، بل خيانة وطنية فادحة يزيدها سوءاً أن جيوفري كليفتون - الزوج - ضابط مخابرات دُس على الجمعية الجغرافية الملكية ليحصل على خرائط الصحراء الكبرى وشمال إفريقيا. تنفصل كاثرين عن لازلو، لكنه يعجز عن إدراك السر في هجرها له، ويتحول إلى عاشقٍ غيور يحكم مراقبتها ليعرف بمن تتصل. ومن ثم، تنتهي حياته - عملياً - حين يعرف جيوفري كليفتون بما يعرفه زملاؤه في إدارة المخابرات، فيقرر الانتحار وقتل زوجته وعشيقها في حادث طائرة.
عندما يحاول لازلو طلب العون لإنقاذ حبيبته، يُدرك مشكلتهما الحقيقية في زمن الحرب: اسمه خطأ، ودولته خطأ، وزمنه خطأ. يعجز عن إنقاذ حبيبته، فيعطي خرائط الصحراء للألمان - ليُحقق ما اتهمه به البريطانيون من قبل - ويقرر الخروج من الصحراء، فيحترق في طائرته، ويبقى حطاماً مشوهاً يُعرف بالمريض الإنكليزي في إشارة ساخرة إلى ما كان عليه أن يكونه عندما كانت كاثرين حية.
فيلم المريض الإنكليزي واحدٌ من الأفلام القليلة في تاريخ السينما التي تتفوق على الروايات التي أُقتبست عنها، فمن يقرأ رواية أونداتجي يعرف أنها نسيجٌ تصعب الإحاطة به من الارتجاعات والمشاهدات الضبابية، بينما فيلم أنتوني منغيلا قصيدة بصرية ترتبط أجزاءها بشكلٍ محكم.
يحضر فيلم المريض الإنكليزي عند الحديث عن فيلم نهاية علاقة غرام الذي يدور أيضاً حول سرقة زوجة رجلٍ آخر في زمن الحرب العالمية الثانية، وفي لندن هذه المرة. الرواية من تأليف غراهام غرين، والفيلم من إخراج نيل جوردان، ويؤدي فاينز فيه دور موريس بندريكس - معادل غرين نفسه - الكاتب البريطاني الذي يقيم علاقة مع زوجة أحد معارفه في زمن الحرب. موضوع الفيلم يُشبه موضوع فيلم المريض الإنكليزي، ونيل جوردان مثل أنتوني منغيلا مخرجٌ ذو حيثيات، إلا أن نهاية علاقة غرام يفشل في تحويل الكلمات إلى معادلٍ بصري. موريس بندريكس غيورٌ، لكن غيرته بالكلام فقط، ومثل لازلو دو ألماشي فإن حبيبته تهجره من دون سببٍ مفهوم له، لكنه يعود ويعرفه في النهاية منها شخصياً. في الفيلمين، تموت الحبيبة، لكن الاختلاف الرئيسي بين دو ألماشي وبندريكس يكمن في أن الحب دفع دو ألماشي الجامد الخامل للتصرف، بينما دفع بندريكس إلى مزيدٍ من الكلام حول أمورٍ لا يعيها ولا يفهمها. مشكلة فيلم نهاية علاقة غرام أنه يتكلم ولا يقول شيئاً، فيعجز عن عرض الإنساني في علاقة ممزقة في زمنِ الحرب. الشيء الوحيد الذي يقوله الفيلم - رُبما - إن الحرب العالمية قد خلقت أزمة ضمير في أوروبا - وهذا ما تقوله معظم الأفلام التي تدور في تلك الحقبة.
من وجهة نظر هِثكلِف، فإنه لم يسرق زوجة رجلٍ آخر بل قاتل لاستعادة ما يخصه، بينما يُبرر لازلو دو ألماشي سرقته بأن للحب قانونه الخاص الذي يبيح للمحب ما لا يُبيحه لغيره، ولا يأبه موريس بندريكس للتبرير لأن دافعه الأعمق دافعٌ عدائي ضد الشرائع نفسها. أزمات الرجال الثلاثة، وعلاقاتهم بنسائهم - وأدوار النساء نفسها - تطرح تساؤلاتٍ عميقة حول ماهية الأخلاق، والبناء المخلخل للمجتمع البطريركي. كما إنها تطرح نقطة مهمة، فالنساء الثلاث أقدر على التكيف مع واقعهن، ورغم أن ثلاثتهن ينتهين بالموت، إلا أن خياراتهن كانت أكثر ثباتاً وشجاعة، وتأتي من منطقٍ خاص لا يفهمه الرجال. كاثرين إيرنشو تعرف أنها تحب هِثكلِف، لكنها لن تقلل من مكانتها الاجتماعية بالاقتران به، وكاثرين كليفتون تعرف خطيئتها وتحاول إصلاحها، وتحاول سارة مايلزل مداراة ضعفها بعقد هدنة ما مع ضميرها، لكنهن ينتهين قبل أن تُهيأ لهن الفرصة لتوضيح بواعثهن الخفية.

12 يناير 2010

فاينز - 3

ريف فاينز في دور آمون غويت
رغم أن فرويد قد وصم أوديب - سواء شئنا أم أبينا - إلى الأبد، جاعلاً إياه علماُ على جريمة قتل الأب واشتهاء الأم، إلا أن هذه لم تكن خطيئة أوديب الحقيقية - ذلك أنه قد فعل أقصى ما يستطيعه ليهرب من قدره الفاجع، بل كانت خطيئته الكبرياء الذي جعله يخرج ليقرر مصيره بيده، ويغير قدره، ويحكم طيبة بثقة وغطرسة من يعتقد أنه قادرٌ على مجابهة الآلهة. خطيئة أوديب تُذكِر بخطيئة مارك أنتوني وبراند، بل وتضرب بعيداً في عمق الإنسانية، إذ أن ما يجعل الإنسان إنساناً حقاً سعيه لتقرير مصيره بنفسه، وهذا ما يدخله في صراعٍ مع الآلهة: بروميثيوس سرق النار من جبل الأوليمب ووهبها للبشر، وسيزيف اعتقد أن بوسعه خداع الآلهة، وتنتالوس سرق طعام الآلهة وشرابهم، وأوديب هرب من قدره. كُلهم عوقب بعقوباتٍ خرافية في وحشيتها وعبثيتها، وكُلهم يرمز في سعيه إلى سعي البشر كلهم، وصراع الإنسان مع القوى العاتية التي تعصف به حتى تكاد تدمره، ومن هُنا تأتي عظمة المأساة الأنسانية.
كما أن سعي الإنسان لتغيير مصيره جزء من متلازمة وجوده، فإن قدرتنا على الكراهية مكونٌ أساسي من مكونات إنسانيتنا ومتلازمات وجودنا. قدرة الكراهية عند الإنسان موجودة مُذ وُجد الإنسان الحديث على الكرة الأرضية قبل عشرة آلاف سنة: فالحروب تمزق شمل الإنسانية منذ بدء التاريخ، والأديان - التي يُفترض أن تعاليمها تُبشر بالمحبة والسلام - تحولت إلى مبررات إضافية للكراهية، فالهندوس والسيخ والزرادشتيون والمجوس يقتلون بعضهم بعضاً لأن كل دينٍ من أديانهم يحتقر الآخر، وعباد مارس يقتلون عباد أودن في أوروبا، وتستولي القبائل الإفريقية - وقبائل الهنود الحمر - على طوطمات بعضها البعض. ثم تأتي الأديان السماوية، فيُسخرها المؤمنون بها لمزيدٍ من الحرب: اليهود لا يعترفون بالأغيار أو الأمم، المسيحيون يستخدمون الدين الجديد للتحكم سياسياً في الدول الأخرى - وعندما لا يتأتى لهم ذلك - فإنهم يكتسحون الأمم الأخرى عسكرياً. قبائل الجرمان - مثلاً - دخلت المسيحية - لأن أحد ملوكها رأى أن رب روما الجديد قادرٌ على جلب النصر في الحرب أكثر من أودن. في اليمن، رعت الدولة الفارسية اليهودية بينما شجعت الدولة الرومانية المسيحية، وكان من نتائج هذا المحرقة البشعة التي نصبها اليهود في اليمن للمسيحيين، والتي نتج عنها احتلالٌ حبشي - روماني لليمن. بل إن الحروب صارت بين الأديان نفسها، فأبناء كل دين يقتلون بعضهم البعض، وكلهم يعتقد أنه الفرقة الناجية في مركبٍ كارثي من طاقة الكراهية البشرية وغريزة الفناء.
تقدم البشرية التكنولوجي، استثمر في القرن العشرين للقتل في حربين عالميتين قتلتا خلقاً كثيراً، ووسمتا العالم بسمت الموت إلى الآن. بعد الحرب العالمية الثانية التي وصلت فيها الكراهية إلى أقصى مداها، نشأت عقدة ذنب عند الأمم الأوروبية تجاه الأقلية اليهودية التي كانت مضطهدة في أوروبا دائماً، الأمر الذي تسبب في تعقيد العالم أكثر بعقدة الذنب الأوروبية وعقدة الاضطهاد اليهودية، ومن ثم التقمص الذي انتقلت إليه الضحية، فالصهيونية حلت محل النازية، والعرب صاروا الهدف الجديد لعقيدة الكراهية التي يعتنقها العالم بأسره.
النازي واليهودي
أول دورٍ لفت أنظار العالم إلى ريف فاينز - وجلب له أول ترشيحات الأوسكار في حياته - كان دور ضابط معسكر الاعتقال النازي آمون غويت في فيلم ستيفن سبيبلبرغ الشهير قائمة شندلر. شكل أداء فاينز للدور علامة فارقة في تاريخ أفلام المحرقة، فلأول مرة لم يُقدم الضابط النازي بشكل مسطح بوصفه سادياً مجنوناً يُعذب اليهود الأبرياء من دون سبب، بل قدمه بصورةٍ إنسانية بوصفه شخصاً حقيقياً يُحب ويكره ويخاف ويتسلط. صحيح أن آمون غويت فاسد - حيث يقبل الرشوة من أوسكار شندلر، وإن كانت هذه الرشوة قد تسببت في إنقاذ حيوات بعض البشر - لكنه يمتثل للعقيدة النازية التي يؤمن بها، فهو كاملٌ لأنه: ذكر، آري، ألماني، كاثوليكي؛ فيما اليهودي أدنى منه تماماً: اليهودي ليس بشراً، ووفقاً لهذه العقيدة فإنه يُشرف على قتل اليهودي. متلازمة غويت مثل متلازمة المتدين الذي يقبل الرشوة: إن الدين يُحرم ذلك، لكنه لا يستطيع الامتناع عن قبول الرشوة، لذلك يمارس مزيداً من العبادات ويستمر في قبول الرشوة آملاً في الوصول إلى توازن، لكن ما يفعله هو أن يُطيح باستقراره النفسي إلى الأبد. غويت يقبل الرشوة، لكنه يحاول أن يُعوض عمله بقتل مزيدٍ من اليهود ليثبت ولاءه للنازية.
فيلم قائمة شندلر فيلم دعائي للصهاينة، ولولا أداء ريف فاينز - من دون مبالغة - لما كان للفيلم قيمة تزيد عن قيمة أي فيلم دعاية نازي - في تجسيد واضح لحالة التقمص الصهيونية للنازية - لكن أداء فاينز جعل الفيلم واحداً من الأفلام التي تستحق المشاهدة، وحفر شخصية حارس معسكر الاعتقال النازي في العقلية الأوروبية لزمنٍ طويل - ولعل من ذلك أن عضواً إيطالياً في البرلمان الأوروبي شبه المستشار الألماني السابق غيرهارد شرويدر بآمون غويت الأمر الذي تسبب في أزمةٍ دولية حينها.
غويت - مثل كل البشر - ضحية وجلاد وعرضة للفساد والضلال، وفوق هذا، فإن مزيج عقيدته النازية وشعوره الشخصي بالذنب وملله من أوشفيتز قد قادته إلى ارتكاب فظائع مثل إطلاق النار من شرفة مسكنه على السجناء اليهود في المعسكر وكأنه يقنص بعض الحيوانات - هُناك شيء في غريزة الصياد يجعل الانتقال من صيد الحيوانات إلى صيد البشر أمراً غير بعيد الاحتمال. مع ذلك، تمر به لحظات شفقة يقمعها بشدة، لأنه السيد في المعسكر، ولأنه يخشى على حياته من الفوهرر. حالة غويت مثالٌ واضح لما يُمكن أن يُصبح عليه الحال عندما يُصبح شخصٌ ما صاحب سلطة مطلقة في مكانٍ ما، بأيديولوجيا عنصرية كالنازية - والواقع أن كُل الأيديولوجيات عنصرية بشكلٍ أو بآخر، لكن بعضها عنصري أكثر من بعضها الآخر.
أداء فاينز جعل كاميرا سبيلبرغ - رغماً عنه - تُغرم به، وتحتفي به على الشاشة بوصفه رمزاً يُفترض به أن يُجسد الشر المُطلق، فإذا به يُجسد هشاشة النفس الإنسانية في مواجهة الشر، وانخداعها بأكاذيب الإيديولوجيا، وقدرتها على الكراهية المدمرة. ولعل هذا الدور، وظهور شخصية غويت بهذا الشكل الذي جعلها الشيء الأبرز - وربما الوحيد - الذي يتذكره كثيرون ممن شاهدوا الفيلم، السبب في أن سبيلبرغ لم يتعاون مع فاينز ثانية في أي فيلمٍ له، رغم إشادته الكبيرة به وبأدائه وموهبته.
أداء فاينز الأيقوني كان كاسحاً بحيث لم يُمكن لأكاديمية الفنون والعلوم الأمريكية تجاهله عند عرض ترشيحات أفضل ممثل في دورٍ مساعد عام 1994، إلا أن الغالبية اليهودية من أعضائها امتنعت عن التصويت له لينال الأوسكار عن دور ضابط نازي سادي، ومنحت الأوسكار ذلك العام لتومي لي جونز عن دوره في فيلم الهارب - ورغم أن تومي لي جونز ممثلٌ جيد، إلا أن أداءه لم يكن عبقرياً كأداء فاينز، وزادت الأكاديمية الأمر سوءاً عندما منحته الدور عن فيلمٍ ليس من أفضل أفلامه، معطية مبرراتٍ واهية لقرارها.
بعد ذلك، تجاهل الممثلون الموهوبون أدوار الممثلين النازيين لفترة استمرت قرابة خمسة عشر عاماً، قبل أن تظهر أفلام مثل: الصبي في المنامة المقلمة الذي يؤدي فيه ديفد ثويلز دور ضابط معسكر اعتقالٍ نازيٍ أيضاً - مع فرق الأداء - والقارئ الذي تؤدي فيه كيت وينسلت دور حارسة أمية لمجموعة من السجينات اليهوديات. الأمر الذي رفع الحظر المفروض على تمثيل الشخصيات النازية قليلاً، وشجع ممثلاً أمريكياً شهيراً هو توم كروز على تجريب دور نازي (صالح) في فيلم الفالكيري.
حظ ريف فاينز السيء مع الأوسكار استمر بعد ذلك، فلم يفز به عن فيلمه الأيقوني - أيضاً - المريض الإنكليزي، ولم يُرشح له بعد 1997 أبداً - رغم سلسلة أدواره التي لا تُنسى في: أوسكار ولوسيندا، سنشاين، سبايدر، البستاني المخلص، في بروج، والدوقة. وحُرم من الترشيح أحياناً لصالح ممثلين أقل كفاءة في أفلامٍ أقل جودة، حتى علق أحد معجبيه في موقع قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت على خبر حرمانه من الترشيح عن الدوقة أو في بروج لصالح روبرت داوني الابن عن فيلم الرعد الاستوائي: "لو كان على الأكاديمية أن تختار بين بوزو المهرج وريف فاينز لاختارت بوزو المهرج من دون تردد".
هناك من يرى أن فاينز حاول استرضاء الأكاديمية بأدائه دور اليهودي في فيلم سنشاين عام 1999، غير أن هذا القول غير دقيق تماماً. ذلك أن للأكاديمية حساباتها المعقدة التي قد تتجاهل الفيلم - وهذا ما حصل - ولأن في الفيلم نازيون يتعامل معهم أحد أبطاله، وشيوعيون يتعامل معهم بطل آخر - وكلا الدورين من تمثيل ريف فاينز. لذلك، من الأرجح أن يكون فاينز يقول الحقيقة، ذلك أنه يقول إن الفيلم تحقيق لحلمه بالعمل مع المخرج المجري إشفان زابو، ولأن السيناريو مثل له تحدياً كبيراً.
في فيلم سنشاين - يُترجم أحياناً ضوء الشمس، لكنه صيغة إنكليزية من اسم الأسرة التي يتحدث عنها الفيلم، زوننشاين - يُمثل فاينز ثلاثة أدوار لثلاثة أجيالٍ من أسرةٍ يهودية في فيلمٍ يروي سيرة المجر في القرن العشرين من الملكية إلى النازية إلى الشيوعية. الجد، إغناز زوننشاين يُغير اسم عائلته اليهودي إلى سورز لإرضاء الملكيين وليصبح قاضياً، لكن الملكيين يُطيحون به عندما يحتاجون إلى كبش فداء - بسبب يهوديته. ابنه، آدم سورز، يتعرض للتنمر في يفاعته ويُوضع حد السيف على عنقه، فيصير بطلاً في المبارزة في حالة تماهٍ مع معذبيه، وفي توقه للتخلص من دونيته، فإنه يُغير دينه إلى الكاثوليكية، ويفوز بالميدالية الذهبية في الأولمبياد لتصبح هذه هويته البديلة. لكن لا شيء يشفع لآدم سورز يهودي الأصل، إذ يوضع في معسكرات الاعتقال النازية ويُعذب، ويُقتل بطريقة بشعة.
يشهد إيفان سورز مقتل أبيه، لكنه لا يتعلم الدرس، فينضم للحزب الشيوعي المجري، ويتحول هو الآخر إلى جلاد عندما يشترك في تعذيب صديقٍ له متهمٍ بالتآمر على الحكومة. لكن مصيره أفضل من مصيره أبيه وجده، حيث يعيش وقتاً طويلاً، يُقرر مع الكف عن محاولة ادعاء هوية ليست له، ويعود إلى اسم عائلته الأصلي: زوننشاين مع نهاية القرن العشرين.
لعل ما يُلخص معضلة الرجال الثلاثة من آل زوننشاين/سورز عبارة إغناز زوننشاين عندما يُسئل: "من تريد أن تُرضي؟" فيرد بانفعالٍ متصاعدٍ: "يجب علّي أن أرضي عائلتي، وأكرم ذكرى جدنا الحاخام! يجب علّي أن أرضي الحكومة والمعارضة! يجب علّي أن أرضي أخانا الذي يريد قلب العالم رأساً على عقب، وأبانا الذي يريد إبقاء العالم كما هو عليه!"
يؤدي فاينز الشخصيات الثلاث بطريقة مختلفة لكل شخصية، فالجد إغناز هادئ ومحافظ يبحث عن التوازن والتراضي، بينما الابن آدم رياضي مندفع متغطرس متماهٍ في هويته المستعارة كمبارز فائز وكعضو في الحزب، والحفيد آدم منظرٌ جبان ينزلق إلى خيانات كثيرة لكنه يحظى بفرصة للنضج والعودة. تشترك الشخصيات الثلاث في انجذابها إلى علاقات حبٍ مدمرة تمثل غريزة تدمير الذات في داخل كلٍ منهم. كلهم يحاول استعارة هوية جديدة، وكلهم يُؤسر في هوية مفروضةٍ عليه.
يُمثل فاينز بأستاذية سعي الشخصيات الثلاث العدمي: إغناز الباحث عن العدالة، آدم الباحث عن التفوق، وإيفان الباحث عن تبرير لتخاذله. كل هذه الشخصيات تمثل طرفاً من الحالة الإنسانية المعقدة التي يمثلها وجودنا المزمن، وكلها تمثل أطرافاً من عقدة النقص اليهودية وعقدة الذنب الأوروبية. كما أنها تحذير بليغ عن عواقب الاستسلام للتنميط المفروض على هوياتٍ معينة، ينبغي أن يحذر منه العرب الذين أُسروا في نمط واحد: العرب الأشرار. حالة إغناز الذي تخلى عن لقبه، وآدم الذي تخلى عن دينه، وإيفان الذي تخلى عن كرامته تدفع المرء للتفكير ملياً في معنى الهوية، وفي الفرق الذي يمكن أن تحدثه خيارات الإنسان.
وبين آمون غويت وآل زوننشاين يقبع مايكل بِرغ في فيلم القارئ. مايكل بيرغ تجسيد لعقدة الذنب الألمانية التي أفرزتها الحقبة النازية، فمايكل - الذي لم يعرف النازية - دُمر بالإرث النازي الذي يُسيطر على ألمانيا ويحكم علاقاتها بالعالم. يلتقي مايكل المراهق بامرأة تكبره سناً بكثير، ويقيم معها علاقة جسدية يتخللها قراءته المستمرة لها بصوتٍ عالٍ. تستمر العلاقة صيفاً واحداً، ثم تختفي المرأة غريبة الأطوار. بعد سنوات، يذهب مايكل مع أستاذه في القانون وطلاب صفه المختارين إلى محاكمات للنازيين السابقين، وهناك يلتقي بامرأته السابقة: هانا شميدت، الحارسة النازية التي تركت مجموعة سجيناتٍ يهوديات يحترقن. تتآمر رفيقاتها لتحميلها القضية وحدها، ويزعمن أن أمراً صادراً بترك السجينات كتبته هي، وترفض هي أن تُنكر أن الخط لها. يعرف مايكل أنها أمية، وأن كونها كذلك يعني ألا علاقة لها بالأمر الصادر، لكنه يُحجم عن الإدلاء بالمعلومة تاركاً إياها تُسجن مدى الحياة.
يقضي مايكل حياته رهين الذنب الذي حملته إياه النازية، فعلاقته مع هانا تعني أنه على علاقة بالنازية وأفعالها، وهذا يُحمله جزءاً من الذنب النازي. كما أن صمته أدى بهانا إلى سجنٍ مؤبد، مما يحمله ذنب سجنها كذلك. معضلة الذنب الألماني أن الشعب كان يعرف بما يحدث، لكنه كان صامتاً، ومعضلته أن كثيرين - مثل هانا الأمية البسيطة - انبهروا بالنازية ونفذوا أوامرها حرفياً من دون أن يُسائلوا ضمائرهم، ومعضلته الأدهى أن القانون قاصر إذا ما حاول محاسبة المتورطين في الأحداث السابقة: ما فعله النازيون لم يكن يُجرمه قانون بلدهم، ولا يُمكن فرض قانون بأثرٍ رجعي، عندها تصبح المحاكمة كُلها لا أخلاقية ويتساوى الجميع في لا أخلاقيتهم: النازيون وقضاتهم.
مايكل بِرغ يختار الانسحاب التام - الذي يجسده ريف فاينز ببراعة - فينسحب تدريجياً من كل شيء، حتى من حياته هو نفسه، ولولا أن له ابنة، لكانت حياته قد انتهت تماماً في دوامة الذنب. بعد طلاقه، يعود مايكل إلى بلدته الأم، وهناك يعيد زيارة أمكنته القديمة، ويُقرر فعل شيء: يقرأ لهانا كل الكتب التي كانت تحبها، وكتباً أخرى، ويسجلها لها - في واحدٍ من أجمل مشاهد الفيلم - ثم يرسل الأشرطة إلى عنوانها في السجن. من قرائته، تعلم هانا نفسها القراءة والكتابة، وتُراسله، لكنه لا يرد على رسائلها أبداً. تنتحر هانا وتجعله منفذ وصيتها، فيذهب للبحث عن الفتاة اليهودية الناجية لينفذ وصيتها، لكن المرأة اليهودية - التي صارت فاحشة الثراء - تصده: "إذا كُنت تبحث عن خاتمة أو تطهير، اذهب إلى المسرح." رافضة مساعدته على الخروج من عاره وذنبه المزدوج، لكنها تفتح أمامه طريقاً آخر - عن غير قصد - إذ يتجه إلى ابنته، ليصارحها بكل شيء، ويخرج نفسه من دوامة الصمت والذنب والعار.
رغم أن فيلم القارئ يدخل ضمن أفلام المحرقة، إلا أن نهايته لن تعجب اليهود كثيراً، إذ يقول لأوروبا بوضوح: إن عليها أن تنفتح على ماضيها النازي بوضوح وصراحة لتخرج من دوامة الذنب، وإن اليهود لن يُقدموا للأوروبيين إلا مزيداً من الذنب والعار.
في أدواره الثلاثة - أو الخمسة، إذا فصلنا أدوار آل زوننشاين - يُقدم ريف فاينز أطرافاً مختلفة من جدلية النازي واليهودي التي لا تزال حيةً إلى الآن، ويستخرج من شخصياته عمقها الإنساني الذي يُجبرنا على إعادة النظر في مسلماتنا الأخلاقية، ويُرينا العالم الموحش والحي لهذه الأرواح المعذبة. فاينز يُجرد مشاهده من مطرقة القاضي ومن سيف الجلاد، ويُجبره على النظر إلى الإنسان في كلٍ منا. لهذا، فإنه ممثلٌ وعرٌ يصعب التعامل معه في الأفلام الدعائية: هو لن يُقدم أبداً شخصية كالتي يُريدها منتج الفيلم، شخصية دعائية مسطحة. ولهذا فإنه ممثلٌ حقيقي.