في الحلقة الأولى من الموسم الثالث لراديو هند، "وايتواشنغ"، حديثٌ عن المفهوم المُعاصر لتحويل البياض العرقي إلى اللون الافتراضي للبشرية بشكلٍ يستبعد كُل ما سواه، وكل ما عداه. ثمة حديثٌ عن المواجهة المركزية بين الغرب والشرق، والميمات الثقافية التي تُشكل محوراً تتكون حوله الهوية الغربية. كذلك، ثمة حديثٌ عن العنصرية، الفنون السوداء، والجذور الإغريقية للحضارة العربية.
30 نوفمبر 2013
راديو هند: وايتواشنغ
في الحلقة الأولى من الموسم الثالث لراديو هند، "وايتواشنغ"، حديثٌ عن المفهوم المُعاصر لتحويل البياض العرقي إلى اللون الافتراضي للبشرية بشكلٍ يستبعد كُل ما سواه، وكل ما عداه. ثمة حديثٌ عن المواجهة المركزية بين الغرب والشرق، والميمات الثقافية التي تُشكل محوراً تتكون حوله الهوية الغربية. كذلك، ثمة حديثٌ عن العنصرية، الفنون السوداء، والجذور الإغريقية للحضارة العربية.
09 نوفمبر 2013
ولدنا لنموت
يا قدمي، لا تخذليني الآن.
خذيني إلى خطِ النهاية.
قلبي ينفطر في كل خطوةٍ
أمشيها
غير أن أملي أنّه
- عند البوابات -
أمشيها
غير أن أملي أنّه
- عند البوابات -
سيقولون إنّك لي.
ماشية في شوارع المدينة،
ليس لي علمٌ، ما إذا كان عفواً أم عمداً
أن أشعر بالوحدة في ليالي الجمعة.
هل يُمكِنك أن تؤنسني لو أخبرتك أنّك لي؟
كما قُلت لك يا حُبي،
لا تُحزِّنّي، ولا تُبكني.
فالحب لا يكفي أحياناً، والطريق يصعب،
ولا أعرف لِم!
(واصل اضحاكي. دعنّا ننتشِ،
فالطريق طويل، ونحن نواصل،
نحاول أن نسعد قليلاً.)
تعال وتمش في الجانب الموحش،
دعني أقبلك بشدّة والمطر ينهمر،
فأنت تحب فتياتك مجنونات.
اختر كلماتك الأخيرة،
هذه المرة الأخيرة،
فأنا وأنت مولودان لنموت.
ضائعة، غير أنّي عرفتُ الطريق.
مُبصرةً، غير أنّي كُنت عمياء.
كُنت مشوشة وأنا صغيرة،
أحاول أخذ ما يمكنني الحصول عليه،
مرعوبة لأنني لم أحصل على كُل الأجوبة.
يا حبي،
لا تُحزِّني، ولا تُبكني.
فالحب لا يكفي أحياناً، والطريق يصعُب.
- لانا دِل ري
05 نوفمبر 2013
ندامة الكاتب
قديماً، اقتُرِحَ علّي أن أضع قائمة بمائة فيلم وفيلم قد تَحسُن مُشاهدتها، لفائدة من يُحِب مُشاهدة الأفلام من قُراء هذه المدونة. وقد خطر لي أن أجمع في القائمة الأفلام ذات الموضوع الواحد تحت تبويبات فرعية، وكان الموضوع الأول - والوحيد - فيها عن فيلمي المريض الإنكليزي (١٩٩٦) والكفارة (٢٠٠٧). الصِلةُ بين الفيلمين كانت في موضوعهما الذي يدور في حقبة الحرب العالمية الثانية، وموضوعهما ليس الاقتتال، بل الحُب الذي تجعله الحرب مُستحيلاً.
غير أنّه قد خطر لي أن فيلم الكفارة يتشابه في موضوعه مع فيلم آخر: أغرب من الخيال (٢٠٠٦). فيلم أغرب من الخيال فيلم أمريكي صغير كتب السيناريو له زاك هِلم وأخرجه مارك فورستر. قصة الفيلم تتحدث عن موظف في مصلحة الضرائب الأمريكية يُسمى هارولد كريك، حياته دقيقة كالساعة، تمضي بلا توقعات أو مفاجآت حتى يسمع ذات يومٍ صوت راوية تروي أفعاله وأفكاره بصيغة الغائب. يعرف هارولد أنّه لا يُعاني من الضلالات والأوهام، فيبحث عن أستاذٍ في الأدب ليُساعده، ويعثر على د. جولز هيلبرت. في البداية، يصرف هيلبرت كريك لأنّه يعتقد أن مشكلته مُخترعة، كما أنّه يُلاحِظ أنّ كريك مُصابٌ بوسواسٍ قهري يُجبره على عد الدرج ومربعات البلاط والخطوات وغيرها من أمور.
يقول هارولد كريك إنّه خائف لأن الصوت في رأسه قال: "ولم يكن يعرف أن موته كان وشيكاً." مما أثار اهتمام جولز هيلبرت الذي قد درس فصولاً عن هذه العبارة في الأدب، وكتب عنها عدة أوراقٍ بحثية. في الوقت نفسه تظهر شخصية الروائية غريبة الأطوار كارِن آيفل التي تحاول كتابة رواية منذ عشر سنوات، وتخلف مواعيدها لدار النشر فتُرسل مُساعدة لحثها على الكتابة. كذلك، يتعرف هارولد كريك على أنّا باسكال، مالكة مخبز حلويات تتمرد على دفع الضرائب التي تعتقد أنها تُستخدم في تمويل الحروب، وتكتب رسالة لمصلحة الضرائب تبدأها بقولها: "عزيزي الخنزير الإمبريالي".
بعد محاولات عديدة لاستكشاف طبيعة القصة التي يجد هارولد كريك نفسه فيها - التي قد تروق للمهتمين بكتابة الأدب - يتوصل إلى رقم هاتف كارِن آيفل التي تكتب قصته، ويُناشدها ألا تقتله. في ذلك الوقت، تكون قد توصلت إلى الطريقة المُلائمة لقتله، وتدون الملاحظات على مظروف - فيما لا تتحقق الأحداث التي تكتبها إلا حين تكتبها على الآلة الكاتبة.
يقرأ الأستاذ جولز هيلبرت الرواية ويجدها تُحفة، وعيناً من عيون الأدب الإنكليزي، ويطلب منها أن تُعطي هارولد الخيار. هارولد، موظف الضرائب المهووس الذي تمضي حياته منتظمة كالساعة ولا شأن له بالأدب يجد الرواية جيدة، ويطلب منها أن تنهي الرواية على الآلة الكاتبة، وتقتله.
يُمكِن أن تُقال عن الفيلم أشياء كثيرة - بما في ذلك نقدٌ شديد اللهجة لشخصية manic pixie dream girl التي تؤديها ماغي جلينيهال، وانتقادٌ للتكُلف في الفيلم، حيث أسماء كل الشخصيات هي أسماء لعلماء ومهندسين، وأسئلة هيلبرت الثلاثة والعشرين مُحاكاة لمسائل هيلبرت الثلاث والعشرين في الرياضيات - غير أنّه، في أحد وجوهه، فيلم عن ندامة الكاتب. كارِن آيفل تدخل في نوبة ندمٍ عنيفة بعد مقابلة هارولد كريك، لأنها مُعتادة على قتل شخصياتها، وتأخذ في التفكير فيهم من جديد، وتفكر في حياتهم خارج النص التي قد تكون سلبتها منهم.
غير أن الخُلاصة الأهم لمقابلتها مع هارولد كريك قرارها تغيير الرواية. جولز هيلبرت، أستاذ الأدب الصارم، يُقرر أن الرواية لا بأس بها، لكنها ليست عيناً من عيون الأدب الإنكليزي كما كانت في نُسختها الأصلية، وتقول كارِن آيفل إن هذا جيد. لا بأس في أن تكتب رواية ليست عظيمة ولا بديعة. إن جزءاً من النضج الذي تمر به كارِن آيفل التسليم بأنّ كتابة رواية جيدة يكفي فحسب. وكارِن آيفل التي تُضحي بالمجد الأدبي والخلود لأجل حياة هارولد كريك، موظف الضرائب، ليست كارِن آيفل التي كانت تزور المستشفيات لتشاهد الناس يموتون ويتعذبون فتحظى بالإلهام للكتابة.
الكفارة فيلم مأخوذ عن رواية بالاسم نفسه كتبها إيون مكيوان، عن كاتبة أخرى، براوني تالِس، الطفلة الطفرة، التي تبدأ في الكتابة مُذ كانت في الثالثة عشرة، وتسيء تفسير العلاقة الغرامية بين شقيقتها الكُبرى سيسيليا وابن مُدبرة منزلهم روبي ترنر. براوني تتدخل تدخلاً عنيفاً ومأساوياً حين تتعرض قريبتها التي تماثلها عمراً للاغتصاب، فتشهد بأنها رأت المعتدي، وأنّه روبي ترنر. لا يُصدق أحدٌ روبي الذي لا يستطيع أن يُثبت وجوده في مكانٍ آخر وقت حدوث الجريمة، ولأن الضحية لم ترَ المُعتدي، فإن روبي يُسجن، ومن ثم يُرسل إلى الحرب رغم كونه الابن الوحيد لأمه.
سيسيليا تترك عائلتها، وتلتحق بالعمل ممرضة في لندن، في انتظار روبي الذي تؤمن ببراءته. براوني، في الثامنة عشرة، تُدرِك ما جنته. كما أنها تعرف المُعتدي الأصلي، وتعرف أنّه قد تزوج بالضحية الآن ولا يُمكِن مُحاكمته من جديد. في نهاية الفيلم، تظهر براوني تالِس عجوزاً، وتقول إنها على وشك أن تفقد ذاكرتها وناصية اللغة، لذلك فقد كتبت أخيراً الكتاب الذي أرادت أن تكتبه طوال حياتها، الكفارة.
بشكلٍ ما، فإن الكفارة تُحفة براوني تالِس الأدبية. لكن براوني تعزو تأخرها في كتابة الكتاب إلى كونها لا تستطيع تقبل حقيقة ما حدث: روبي ترنر مات في الحرب ولم يعد، وشقيقتها ماتت أثناء قصف لندن. ماتا في نفس العام، شابين يافعين تحطمت حياتهما بسبب وشاية من طفلةٍ مُرفهة. تقول براوني إن الحياة غير رحيمة، لذلك فقد أنعمت على الحبيبين تعيسي الحظ برحمةٍ نهائية في كتابها. لقد جعلتهما يعودان إلى بعضهما البعض، ويعيشان معاً، بل وتواجههما، وتعترف لهما بالفاعل الحقيقي، وتسمح لروبي ترنر بمواجهتها بحقيقة ما فعلته، وبأن يقول لها إن بوسعها التفريق بين الخطأ والصواب في الثالثة عشرة.
كفارة براوني تالِس منقوصة، فهي لا تأتي من اعترافٍ بالذنب - وبالتالي، التكفير عنه - بل من محاولة فرض نفس المنظور المُرفه الذي تفرضه على من هم حولها مُذ كانت في الثالثة عشرة. براوني تالِس تتخيل أن الكتابة تُعطيها حقاً إلهياً، وتعفيها عن مواجهة الحقيقة، الأشياء كما حدثت، وذنبها الكبير فيما حدث. هي تعترف بأنها غيرت الأحداث، وأن أختها وحبيبها قد ماتا شابين ولم يجتمعا مُجدداً، لكنها - في الوقت نفسه - ترى في فعلها الأخير، كتابة رواية تجمع فيها شملهما من جديد فِعل رحمة من قبلها. إنها هي، المتسببة في هذه المأساة بسبب الجهل والغرور والعناد، ما زالت تملك، على حافة الموت الدماغي، الغرور الكافي لتُغطي على ذنبها بما تعتقد أنّه فعل رحمة. لتعتقد أنها تتفضل على سيسيليا وروبي بمكانٍ مُتخيل حُرما منه في الحقيقة. بشكلٍ ما، فإن رحلة براوني تالِس تعود بها إلى نُقطة البداية: شخصية تنطلق من حِسٍ كبير بالتسلط والرفاهية، واعتقادٍ عميق بأن قُدرتها على الكتابة يُعطيها سيطرة مُطلقة على حياةِ الآخرين. إنها، من جديد، تستخدم سيسيليا وروبي لراحتها الشخصية. لراحتها من التشوش في سن المُراهقة، ولراحة ضميرها في الشيخوخة.
غير أنّه قد خطر لي أن فيلم الكفارة يتشابه في موضوعه مع فيلم آخر: أغرب من الخيال (٢٠٠٦). فيلم أغرب من الخيال فيلم أمريكي صغير كتب السيناريو له زاك هِلم وأخرجه مارك فورستر. قصة الفيلم تتحدث عن موظف في مصلحة الضرائب الأمريكية يُسمى هارولد كريك، حياته دقيقة كالساعة، تمضي بلا توقعات أو مفاجآت حتى يسمع ذات يومٍ صوت راوية تروي أفعاله وأفكاره بصيغة الغائب. يعرف هارولد أنّه لا يُعاني من الضلالات والأوهام، فيبحث عن أستاذٍ في الأدب ليُساعده، ويعثر على د. جولز هيلبرت. في البداية، يصرف هيلبرت كريك لأنّه يعتقد أن مشكلته مُخترعة، كما أنّه يُلاحِظ أنّ كريك مُصابٌ بوسواسٍ قهري يُجبره على عد الدرج ومربعات البلاط والخطوات وغيرها من أمور.
يقول هارولد كريك إنّه خائف لأن الصوت في رأسه قال: "ولم يكن يعرف أن موته كان وشيكاً." مما أثار اهتمام جولز هيلبرت الذي قد درس فصولاً عن هذه العبارة في الأدب، وكتب عنها عدة أوراقٍ بحثية. في الوقت نفسه تظهر شخصية الروائية غريبة الأطوار كارِن آيفل التي تحاول كتابة رواية منذ عشر سنوات، وتخلف مواعيدها لدار النشر فتُرسل مُساعدة لحثها على الكتابة. كذلك، يتعرف هارولد كريك على أنّا باسكال، مالكة مخبز حلويات تتمرد على دفع الضرائب التي تعتقد أنها تُستخدم في تمويل الحروب، وتكتب رسالة لمصلحة الضرائب تبدأها بقولها: "عزيزي الخنزير الإمبريالي".
بعد محاولات عديدة لاستكشاف طبيعة القصة التي يجد هارولد كريك نفسه فيها - التي قد تروق للمهتمين بكتابة الأدب - يتوصل إلى رقم هاتف كارِن آيفل التي تكتب قصته، ويُناشدها ألا تقتله. في ذلك الوقت، تكون قد توصلت إلى الطريقة المُلائمة لقتله، وتدون الملاحظات على مظروف - فيما لا تتحقق الأحداث التي تكتبها إلا حين تكتبها على الآلة الكاتبة.
يقرأ الأستاذ جولز هيلبرت الرواية ويجدها تُحفة، وعيناً من عيون الأدب الإنكليزي، ويطلب منها أن تُعطي هارولد الخيار. هارولد، موظف الضرائب المهووس الذي تمضي حياته منتظمة كالساعة ولا شأن له بالأدب يجد الرواية جيدة، ويطلب منها أن تنهي الرواية على الآلة الكاتبة، وتقتله.
يُمكِن أن تُقال عن الفيلم أشياء كثيرة - بما في ذلك نقدٌ شديد اللهجة لشخصية manic pixie dream girl التي تؤديها ماغي جلينيهال، وانتقادٌ للتكُلف في الفيلم، حيث أسماء كل الشخصيات هي أسماء لعلماء ومهندسين، وأسئلة هيلبرت الثلاثة والعشرين مُحاكاة لمسائل هيلبرت الثلاث والعشرين في الرياضيات - غير أنّه، في أحد وجوهه، فيلم عن ندامة الكاتب. كارِن آيفل تدخل في نوبة ندمٍ عنيفة بعد مقابلة هارولد كريك، لأنها مُعتادة على قتل شخصياتها، وتأخذ في التفكير فيهم من جديد، وتفكر في حياتهم خارج النص التي قد تكون سلبتها منهم.
غير أن الخُلاصة الأهم لمقابلتها مع هارولد كريك قرارها تغيير الرواية. جولز هيلبرت، أستاذ الأدب الصارم، يُقرر أن الرواية لا بأس بها، لكنها ليست عيناً من عيون الأدب الإنكليزي كما كانت في نُسختها الأصلية، وتقول كارِن آيفل إن هذا جيد. لا بأس في أن تكتب رواية ليست عظيمة ولا بديعة. إن جزءاً من النضج الذي تمر به كارِن آيفل التسليم بأنّ كتابة رواية جيدة يكفي فحسب. وكارِن آيفل التي تُضحي بالمجد الأدبي والخلود لأجل حياة هارولد كريك، موظف الضرائب، ليست كارِن آيفل التي كانت تزور المستشفيات لتشاهد الناس يموتون ويتعذبون فتحظى بالإلهام للكتابة.
الكفارة فيلم مأخوذ عن رواية بالاسم نفسه كتبها إيون مكيوان، عن كاتبة أخرى، براوني تالِس، الطفلة الطفرة، التي تبدأ في الكتابة مُذ كانت في الثالثة عشرة، وتسيء تفسير العلاقة الغرامية بين شقيقتها الكُبرى سيسيليا وابن مُدبرة منزلهم روبي ترنر. براوني تتدخل تدخلاً عنيفاً ومأساوياً حين تتعرض قريبتها التي تماثلها عمراً للاغتصاب، فتشهد بأنها رأت المعتدي، وأنّه روبي ترنر. لا يُصدق أحدٌ روبي الذي لا يستطيع أن يُثبت وجوده في مكانٍ آخر وقت حدوث الجريمة، ولأن الضحية لم ترَ المُعتدي، فإن روبي يُسجن، ومن ثم يُرسل إلى الحرب رغم كونه الابن الوحيد لأمه.
سيسيليا تترك عائلتها، وتلتحق بالعمل ممرضة في لندن، في انتظار روبي الذي تؤمن ببراءته. براوني، في الثامنة عشرة، تُدرِك ما جنته. كما أنها تعرف المُعتدي الأصلي، وتعرف أنّه قد تزوج بالضحية الآن ولا يُمكِن مُحاكمته من جديد. في نهاية الفيلم، تظهر براوني تالِس عجوزاً، وتقول إنها على وشك أن تفقد ذاكرتها وناصية اللغة، لذلك فقد كتبت أخيراً الكتاب الذي أرادت أن تكتبه طوال حياتها، الكفارة.
بشكلٍ ما، فإن الكفارة تُحفة براوني تالِس الأدبية. لكن براوني تعزو تأخرها في كتابة الكتاب إلى كونها لا تستطيع تقبل حقيقة ما حدث: روبي ترنر مات في الحرب ولم يعد، وشقيقتها ماتت أثناء قصف لندن. ماتا في نفس العام، شابين يافعين تحطمت حياتهما بسبب وشاية من طفلةٍ مُرفهة. تقول براوني إن الحياة غير رحيمة، لذلك فقد أنعمت على الحبيبين تعيسي الحظ برحمةٍ نهائية في كتابها. لقد جعلتهما يعودان إلى بعضهما البعض، ويعيشان معاً، بل وتواجههما، وتعترف لهما بالفاعل الحقيقي، وتسمح لروبي ترنر بمواجهتها بحقيقة ما فعلته، وبأن يقول لها إن بوسعها التفريق بين الخطأ والصواب في الثالثة عشرة.
كفارة براوني تالِس منقوصة، فهي لا تأتي من اعترافٍ بالذنب - وبالتالي، التكفير عنه - بل من محاولة فرض نفس المنظور المُرفه الذي تفرضه على من هم حولها مُذ كانت في الثالثة عشرة. براوني تالِس تتخيل أن الكتابة تُعطيها حقاً إلهياً، وتعفيها عن مواجهة الحقيقة، الأشياء كما حدثت، وذنبها الكبير فيما حدث. هي تعترف بأنها غيرت الأحداث، وأن أختها وحبيبها قد ماتا شابين ولم يجتمعا مُجدداً، لكنها - في الوقت نفسه - ترى في فعلها الأخير، كتابة رواية تجمع فيها شملهما من جديد فِعل رحمة من قبلها. إنها هي، المتسببة في هذه المأساة بسبب الجهل والغرور والعناد، ما زالت تملك، على حافة الموت الدماغي، الغرور الكافي لتُغطي على ذنبها بما تعتقد أنّه فعل رحمة. لتعتقد أنها تتفضل على سيسيليا وروبي بمكانٍ مُتخيل حُرما منه في الحقيقة. بشكلٍ ما، فإن رحلة براوني تالِس تعود بها إلى نُقطة البداية: شخصية تنطلق من حِسٍ كبير بالتسلط والرفاهية، واعتقادٍ عميق بأن قُدرتها على الكتابة يُعطيها سيطرة مُطلقة على حياةِ الآخرين. إنها، من جديد، تستخدم سيسيليا وروبي لراحتها الشخصية. لراحتها من التشوش في سن المُراهقة، ولراحة ضميرها في الشيخوخة.
16 أكتوبر 2013
الموتى غير الهادئين
مسلسل دكتور هو مسلسل خيالٍ علمي وفانتازيا شهير في بريطانيا، بل إنّه من علاماتها الثقافية مثله مثل شِرلُك هولمز وجيمس بوند. يُشبه المُسلسل مسلسل منطقة الشفق الأمريكي، إذ يعتمد على مجموعة من القصص الغرائبية المنفصلة في كُل سلسلة. الفرق بين العملين أن منطقة الشفق يعتمد على قصصٍ لا يربط بينها إلا أنها عجيبة أو مُرعبة، بينما يعتمد دكتور هو على شخصية محورية تخوض كل المغامرات، هي شخصية الدكتور، الفضائي صاحب القلبين، الذي يملك القدرة على التنقل في الزمن، ويُسافر بلا توقف بحثاً عن المغامرات. منطقة الشفق يعرض تفاصيل القصة بالكامل، ويُعلِق عليها بصوت الراوي المحايد، ويترك مساحة للجمهور ليتأمل فيها - الجمهور الذي يكون غالباً مفزوعاً. في المقابل، فإن الجمهور يتعلق بالدكتور في دكتور هو، ويخوض معه مغامرة مليئة بالتشويق - والرعب الخالص في كثير من الأحيان. (وانعكاس الأدوار بين الأمريكان والبريطانيين طريف.)
مع ذلك، لا يخلو دكتور هو من عرض إشكالياتٍ علمية وفلسفية وأخلاقية، والكثير من مغامراته تبعث على التفكُر. في واحدة من حلقات السلسلة الأولى في البعث الجديد لمسلسل دكتور هو البريطاني - من بطولة كريستوفر إكلستُن - أفضل تجسد للدكتور في رأيي -
يُسافر الدكتور مع رفيقته روز تايلر إلى كارديف ١٨٦٩ حيث يستيقظ الموتى. وفي كارديف التي يستيقظ فيها الموتى، تستعرض الحلقة طيفاً واسعاً من الأخلاقيات البشرية، والأخلاقيات الفضائية. واضعة خمس شخصياتٍ متعارضة في مواجهة مباشرة: الدكتور، الفضائي. روز، الأرضية القادمة من القرن الحادي والعشرين. تشارلز ديكنز، اشتراكي القرن التاسع عشر. غوينيث، الخادمة اليتيمة التي تستطيع مُخاطبة الأشباح وتريد الذهاب إلى الجنة مع والديها. والحانوتي الجبان الذي يُمثِل أخلاقيات رب العمل الفكتوري التقليدي.
في بداية الحلقة، يظهر شابٌ مُلتاع يقف عند تابوت جدته مع الحانوتي. يطلب الشاب دقيقة بمفرده مع التابوت، فيخرج الحانوتي. تصحو الجدة وتأخذ في خنق حفيدها، فيعود الحانوتي، ويُعلِق بأن "الأمر يحدث من جديد". تهرب الميتة، ويذهب الحانوتي مع خادمته للبحث عنها. من الحوار بين الحانوتي والخادمة، يتضح أن هذا قد حدث من قبل، واستيقظ الموتى وهربوا. (الحانوتي يدعوهم the stiffs "اليوابس".)
مهمة الحانوتي وخادمته تنقسم إلى جزئين: البحث عن الميتة الهاربة - بعد أن حُنِطَت، وكِتمان الأمر عن سُكان كارديف حتى لا تشيع الفضيحة. خوف الحانوتي من الفضيحة يستحوذ عليه حتى يعطل حواسه البشرية، فلا يعود قادراً على إدراك أنّ هروب الجُثث مسألة خارقة للطبيعة، وتهدم نظام العالم بأكمله. الخوف المرضي من الفضيحة يختلط بجنون الاضطهاد، فهو يعتقد أن هروب الجثث لا تبعات له غير تشويه سمعته بين جيرانه وأهالي كارديف، بوصفه الحانوتي العاجز الذي تهرب "يوابسه" من دون أن يستطيع ضبطها. ويتصور الحانوتي أن الأمور لن تسوء طالما بإمكانه استعادة الجثث الهاربة وكتم الأمر عن الجيران.
بطبيعة الحال، لا يُمكِن كِتمان هروب الجثث وقتاً طويلاً. الجدة الهاربة تذهب إلى المسرح لتستمع إلى الرجل العبقري القادم من لندن - يتضح أنّه تشارلز ديكنز - وتُحدِث هُناك (فضيحة) بسبب الأشباح الزرقاء التي تخرج منها. يقفز الدكتور ورفيقته إلى الأحداث، وينضم تشارلز ديكنز إليهم، فتصير الفضيحة مضمونة للحانوتي. حينئذٍ، يستسلم فحسب. يُسلِم بالأمر في سكينة ودِعة، كشخصٍ أصابته مُصيبة لا راد لها. فيجلس، ويُحني رأسه كأنّه خروف على وشك أن يُذبح، ويعترف بأن سُمعة البيت سيئة، لذلك اشتراه بسعرٍ رخيص، وهو يتصور أن اعتقاد الناس بأن البيت مسكون بالأشباح يُناسب مهنة الحانوتي، ويصنع دعاية طيبة لعمله.
تشارلز ديكنز يرفض الحديث عن الأشباح، لأنه رجلٌ عقلاني - اشتراكي، كما تُلمِح الحلقة - ويرفض وجود تفسيرٍ خُرافي للمظالم والأمراض الاجتماعية التي قضى عُمره في الكتابة عنها ومحاربتها. مع ذلك، فإنّه يبقى مع الدكتور ورفيقته - روز - بسبب الفضول، ولأن الدكتور مُعجب به، يُكثر من المديح له والإطراء. كذلك، فإنّه يرغب في كشف الخُدعة المُتقنة التي كان مُتيقناً من أن الخادمة والحانوتي يُمارسانها، وبشكلٍ ما، يُساعدهما فيها الدكتور وروز.
الخادمة تملك القُدرة على التخاطب مع الأرواح، وقراءة الأفكار، والدكتور يطلب منها أن تكون وسيطاً بينه وبين الأرواح التي تسكن الموتى. بطبيعة الحال، فإن الدكتور لا يعتقد أنها أرواح أو أشباح، بل يتعرف عليها على أنها مخلوقات غازية متطورة، لكنّه بحاجة إلى وسيط يتحدث معها، والخادمة تتحدث معهم.
يتضح أن الأرواح كائنات هاربة من حربٍ كونية - هناك دائماً حربٌ كونية في حلقات دكتور هو ، لكن الحرب التي هربت منها هذه المخلوقات هي حربُ الزمن العظيمة التي أثرت على كُل الكائنات "العُليا" في الكون، وأفنّت التايم.لوردز (سادة الزمن)، شعب الدكتور - وفي حالة ضعفٍ شديدة تجعلها على وشك الفناء. تقول الكائنات إنها بحاجة إلى الجثث البشرية بوصفها وسيطاً تحيا فيه، وإلا ستفنى.
هُنا يظهر الفرق بين الدكتور وبين روز وتشارلز ديكنز - الذي يرفض الفكرة برُمتها ويغادر المنزل في غضب - فالدكتور يتقبل أن تتخذ الكائنات الغريبة من الجثث البشرية سكناً لها للحفاظ على بقائها، فيما ترفض روز - البشرية - ذلك رفضاً قاطعاً، من باب (الاحترام) للموتى. الدكتور يرى إن البشر قد ماتوا وانتهى الأمر، فلِمَ لا تُستخدم الجُثث التي يُخلفونها في الحفاظ على حيواتٍ أخرى؟ وهو يرى أن ذلك لا يختلف عن التبرع بالأعضاء في شيء، فالمتوفي يتبرع بأعضاء جسده السليمة للحفاظ على حيوات بشرٍ آخرين، والمبدأ نفسه ينطبق على التبرع بالجثث للحفاظ على حيوات هذه الكائنات القادمة من مجرة أخرى. بطبيعة الحال، تعريف الحياة عند الدكتور أوسع بكثير من تعريف الحياة المُتعارف عليه عند البشر، ويقصر الحق في الحياة على البشر دون غيرهم من الكائنات الأخرى.
في الخيال العلمي، ثمة مجازات مُتعارفٌ عليها، منها السايبورغات والمخلوقات الفضائية، وكلاهما يرمزان لـ(الآخر) و(المُختلف) في المُجتمع البشري. تاريخياً، لم يكُن حق الحياة مكفولاً إلا لأعراقٍ بشرية بعينها - ولا يزال حتى الآن غير مكفولٍ لكُل الأعراق البشرية - والدكتور هُنا يُسائل هذا الافتراض الأساسي في الخيال العلمي برُمته: لماذا البشري مُقدم دوماً على الفضائي؟ ولماذا البشري الميت أهم من الفضائي الحي؟
غير أن المسألة ليست فقط في أن البشر قردة غير متطورة - كما يصفهم الدكتور حين يتوتر ويأخذ في صب الإهانات العرقية عليهم - لا يُمكنها إدراك المنظور الأخلاقي الواسع للدكتور - الكائن الأعلى. فالجثث البشرية التي تتلبسها الكائنات الغازية العاقلة لا تزال مُحتفظة بأفكار وآمال ومخاوف وطموحات صاحبها البشري. وحين تدخل الكائنات الغازية في الجثث، فإنها تمارس آخر ما كان البشري يفكر فيه قبل موته. تحاول إنجاز أعماله المُعلقة، بغير إدراكٍ شامل، وبغير إرادة. إنها تستمر في الحركة ببواقي الرغبات والمخاوف البشرية التي كانت لصاحبها. بعبارة أخرى، البشر غير قابلين لإعادة التدوير بشكلٍ كامل. يُمكِن الاستفادة من بعض الأعضاء البشرية، غير أن الموتى البشريين لا يصلحون لأن يكونوا مزرعة تربية كائنات غازية هاربة من حرب الزمن العظيمة.
الأمر الآخر المُتعلق بأخلاقيات الدكتور أنّها تنطوي على تناقض مركزي: الدكتور مُسالِم ومُعادٍ للحرب، ويجول في الكون بأكمله بغير سلاحٍ سوى مِفكٍ صوتي يفتح به الأبواب ويفحص به الأشياء الغريبة، وورقةٍ تُخبر من يطلع عليها بأن الدكتور شخصية يحق لها التواجد في المكان أو الحصول على المعلومات التي يُريدها. ليس لدى الدكتور جيوش، ولا أسلحةٌ تؤذي وتقتُل. كما أن الدكتور مُهتم بكُل أنواع الحياة، ويُريد أن يُنقِذ كُل المخلوقات، مُعتقداً بأن لها الحق في الحياة والنجاة.
في الوقت نفسه، فإن لدى الدكتور أسراراً مُظلمة يُلَمَح بها باستمرار: الدكتور هو قاتِل بني جنسه - كما وصفه الشيطان ذاته في الجزء الثاني من السلسلة، مع الدكتور العاشر، ديفد تنانت. كما أنّه قاتل الدالِك - عرقٌ مُحارب استولِد خصيصاً من أجل قتال قوم الدكتور. وحين يعثر البشر على مُحارِب دالِك ناجٍ من المذبحة، بالصُدفة، فإن حِقد الدكتور الدفين يظهر كُله دفعة واحدة بشكلٍ مُخيف - أداء ليس له مثيل في السلسلة من كريستوفر إكلستُن. الدكتور يحب البشر - لأنهم يُشبهون قومه - وفي الوقت نفسه فإنّه يحتقرهم بشدة، ومن وقتٍ لآخر، فإنّه يُهينهم بشدة إهاناتٍ عرقية. (بالذات عندما يتوتر حيال مصير بني جنسه، الذين تسبب في فنائهم.) ومع أنّه يُدافع عن البشر في وجه بني جنسه الذين يقررون إزالة الأرض من مكانها، واستعادة كوكبهم المفقود، غاليفري، في مكانها، فإنّه يُدافع عن حقِ البشر في الوجود بسلام، حتى مع كونهم كائناتٍ غير متطورة. (وهذا قرارٌ عجيب، بالنظر إلى أن البشر مُستقبلاً سيتسببون في فظائع لا حصر لها.)
بالإضافة إلى ذلك، فإنّه، حين يطول بقاء الدكتور العاشر، تأخذ أعراض "مُتلازمة الإله" في الظهور عليه، فهو يكره أن يموت بسبب رجلٍ تافه لا شأن له مثل ويلفريد العجوز، كما أنّه يُقرر إنقاذ شخصية مشهورة من بني البشر كان مُقرراً لها الموت في وقتٍ مُعين، وموتها نُقطة ثابتة في الزمن - مثل حرب الزمن العظيمة - لأنّه قد سئم من إنقاذ الأشخاص الذين لا شأن لهم، والذين لا يُهِم موتهم من نجاتهم أحداً غير أنفسهم وعدداً محدوداً ممن يُحبون. الدكتور هُنا يُناقِض نبوءته الخاصة: كُل أنواع الحياة مُهمة، ولا توجد حياةٌ أهم من حياة.
هذه المُعضلات الأخلاقية، وتناقضات الدكتور المركزية لا تُحل، بل تعود باستمرار. حين يتغير الدكتور، ويظهر له تجسدٌ جديد، فإنّه يأتي جديداً، راغباً في الحياة من جديد، ثم يأخذ في العودة تدريجياً إلى ميوله الظلامية. بل إن ثمة تجسداً ضائعاً للدكتور - يُعتقد أنّه الدكتور التاسع الحقيقي داخل الكانُن الهوفي - هو المُتسبب في مذبحة الزمن العظيمة. بالتأكيد، لا تنقص الدكتور - بكل تجسداته - المُبررات لأفعاله الشنيعة، غير أنّه يُراجِع نفسه باستمرار، ويحتفظ مع نفسه برفيقٍ دوماً ليردعه عن غيه إذا تمادى. (مع أن الجوانب المُظلمة في الدكتور تظهر حتى في وجود رفاقٍ له، كما حدّث للدكتور الحادي عشر مع مرافقيه آيمي بوند وروري ويليامز، حين حبسهم سيد الأحلام في عالمين مختلفين، وأعطى لآيمي الخيار لإنقاذهم في عالم، وتركهم يموتون في الآخر. الخُدعة كانت أنها لو اختارت العالم الخطأ، سيموتون فعلاً.)
في حالة "الموتى غير الهادئين"، حل الكاتب، مارك غاتِس، المُعضلة بتجنب مواجهة بين أخلاقيات الدكتور الفضائية (العُليا) وأخلاقيات روز البشرية (الدُنيا)، وجعل الكائنات الغازية تُكشر عن أنيابها، وتستولي على الجثث البشرية لعمل جيشٍ من الزومبي اللذين يهدفون إلى محو الحياة البشرية عن وجه الأرض. الحل النهائي لم يأتِ من الدكتور، أو روز، أو حتى تشارلز ديكنز - الذي عاد بسبب فضوله، وبسبب اكتشافه لطريقة يُمكِن بها تقليل قوة المخلوقات الغازية. الحل جاء من الخادمة، غوينيث، التي افتدت البشرية بحياتها، وأجلت الصدام بين هذه المُعضلات الأخلاقية لزمن.
هُنا يظهر الفرق بين الدكتور وبين روز وتشارلز ديكنز - الذي يرفض الفكرة برُمتها ويغادر المنزل في غضب - فالدكتور يتقبل أن تتخذ الكائنات الغريبة من الجثث البشرية سكناً لها للحفاظ على بقائها، فيما ترفض روز - البشرية - ذلك رفضاً قاطعاً، من باب (الاحترام) للموتى. الدكتور يرى إن البشر قد ماتوا وانتهى الأمر، فلِمَ لا تُستخدم الجُثث التي يُخلفونها في الحفاظ على حيواتٍ أخرى؟ وهو يرى أن ذلك لا يختلف عن التبرع بالأعضاء في شيء، فالمتوفي يتبرع بأعضاء جسده السليمة للحفاظ على حيوات بشرٍ آخرين، والمبدأ نفسه ينطبق على التبرع بالجثث للحفاظ على حيوات هذه الكائنات القادمة من مجرة أخرى. بطبيعة الحال، تعريف الحياة عند الدكتور أوسع بكثير من تعريف الحياة المُتعارف عليه عند البشر، ويقصر الحق في الحياة على البشر دون غيرهم من الكائنات الأخرى.
في الخيال العلمي، ثمة مجازات مُتعارفٌ عليها، منها السايبورغات والمخلوقات الفضائية، وكلاهما يرمزان لـ(الآخر) و(المُختلف) في المُجتمع البشري. تاريخياً، لم يكُن حق الحياة مكفولاً إلا لأعراقٍ بشرية بعينها - ولا يزال حتى الآن غير مكفولٍ لكُل الأعراق البشرية - والدكتور هُنا يُسائل هذا الافتراض الأساسي في الخيال العلمي برُمته: لماذا البشري مُقدم دوماً على الفضائي؟ ولماذا البشري الميت أهم من الفضائي الحي؟
غير أن المسألة ليست فقط في أن البشر قردة غير متطورة - كما يصفهم الدكتور حين يتوتر ويأخذ في صب الإهانات العرقية عليهم - لا يُمكنها إدراك المنظور الأخلاقي الواسع للدكتور - الكائن الأعلى. فالجثث البشرية التي تتلبسها الكائنات الغازية العاقلة لا تزال مُحتفظة بأفكار وآمال ومخاوف وطموحات صاحبها البشري. وحين تدخل الكائنات الغازية في الجثث، فإنها تمارس آخر ما كان البشري يفكر فيه قبل موته. تحاول إنجاز أعماله المُعلقة، بغير إدراكٍ شامل، وبغير إرادة. إنها تستمر في الحركة ببواقي الرغبات والمخاوف البشرية التي كانت لصاحبها. بعبارة أخرى، البشر غير قابلين لإعادة التدوير بشكلٍ كامل. يُمكِن الاستفادة من بعض الأعضاء البشرية، غير أن الموتى البشريين لا يصلحون لأن يكونوا مزرعة تربية كائنات غازية هاربة من حرب الزمن العظيمة.
الأمر الآخر المُتعلق بأخلاقيات الدكتور أنّها تنطوي على تناقض مركزي: الدكتور مُسالِم ومُعادٍ للحرب، ويجول في الكون بأكمله بغير سلاحٍ سوى مِفكٍ صوتي يفتح به الأبواب ويفحص به الأشياء الغريبة، وورقةٍ تُخبر من يطلع عليها بأن الدكتور شخصية يحق لها التواجد في المكان أو الحصول على المعلومات التي يُريدها. ليس لدى الدكتور جيوش، ولا أسلحةٌ تؤذي وتقتُل. كما أن الدكتور مُهتم بكُل أنواع الحياة، ويُريد أن يُنقِذ كُل المخلوقات، مُعتقداً بأن لها الحق في الحياة والنجاة.
في الوقت نفسه، فإن لدى الدكتور أسراراً مُظلمة يُلَمَح بها باستمرار: الدكتور هو قاتِل بني جنسه - كما وصفه الشيطان ذاته في الجزء الثاني من السلسلة، مع الدكتور العاشر، ديفد تنانت. كما أنّه قاتل الدالِك - عرقٌ مُحارب استولِد خصيصاً من أجل قتال قوم الدكتور. وحين يعثر البشر على مُحارِب دالِك ناجٍ من المذبحة، بالصُدفة، فإن حِقد الدكتور الدفين يظهر كُله دفعة واحدة بشكلٍ مُخيف - أداء ليس له مثيل في السلسلة من كريستوفر إكلستُن. الدكتور يحب البشر - لأنهم يُشبهون قومه - وفي الوقت نفسه فإنّه يحتقرهم بشدة، ومن وقتٍ لآخر، فإنّه يُهينهم بشدة إهاناتٍ عرقية. (بالذات عندما يتوتر حيال مصير بني جنسه، الذين تسبب في فنائهم.) ومع أنّه يُدافع عن البشر في وجه بني جنسه الذين يقررون إزالة الأرض من مكانها، واستعادة كوكبهم المفقود، غاليفري، في مكانها، فإنّه يُدافع عن حقِ البشر في الوجود بسلام، حتى مع كونهم كائناتٍ غير متطورة. (وهذا قرارٌ عجيب، بالنظر إلى أن البشر مُستقبلاً سيتسببون في فظائع لا حصر لها.)
بالإضافة إلى ذلك، فإنّه، حين يطول بقاء الدكتور العاشر، تأخذ أعراض "مُتلازمة الإله" في الظهور عليه، فهو يكره أن يموت بسبب رجلٍ تافه لا شأن له مثل ويلفريد العجوز، كما أنّه يُقرر إنقاذ شخصية مشهورة من بني البشر كان مُقرراً لها الموت في وقتٍ مُعين، وموتها نُقطة ثابتة في الزمن - مثل حرب الزمن العظيمة - لأنّه قد سئم من إنقاذ الأشخاص الذين لا شأن لهم، والذين لا يُهِم موتهم من نجاتهم أحداً غير أنفسهم وعدداً محدوداً ممن يُحبون. الدكتور هُنا يُناقِض نبوءته الخاصة: كُل أنواع الحياة مُهمة، ولا توجد حياةٌ أهم من حياة.
هذه المُعضلات الأخلاقية، وتناقضات الدكتور المركزية لا تُحل، بل تعود باستمرار. حين يتغير الدكتور، ويظهر له تجسدٌ جديد، فإنّه يأتي جديداً، راغباً في الحياة من جديد، ثم يأخذ في العودة تدريجياً إلى ميوله الظلامية. بل إن ثمة تجسداً ضائعاً للدكتور - يُعتقد أنّه الدكتور التاسع الحقيقي داخل الكانُن الهوفي - هو المُتسبب في مذبحة الزمن العظيمة. بالتأكيد، لا تنقص الدكتور - بكل تجسداته - المُبررات لأفعاله الشنيعة، غير أنّه يُراجِع نفسه باستمرار، ويحتفظ مع نفسه برفيقٍ دوماً ليردعه عن غيه إذا تمادى. (مع أن الجوانب المُظلمة في الدكتور تظهر حتى في وجود رفاقٍ له، كما حدّث للدكتور الحادي عشر مع مرافقيه آيمي بوند وروري ويليامز، حين حبسهم سيد الأحلام في عالمين مختلفين، وأعطى لآيمي الخيار لإنقاذهم في عالم، وتركهم يموتون في الآخر. الخُدعة كانت أنها لو اختارت العالم الخطأ، سيموتون فعلاً.)
في حالة "الموتى غير الهادئين"، حل الكاتب، مارك غاتِس، المُعضلة بتجنب مواجهة بين أخلاقيات الدكتور الفضائية (العُليا) وأخلاقيات روز البشرية (الدُنيا)، وجعل الكائنات الغازية تُكشر عن أنيابها، وتستولي على الجثث البشرية لعمل جيشٍ من الزومبي اللذين يهدفون إلى محو الحياة البشرية عن وجه الأرض. الحل النهائي لم يأتِ من الدكتور، أو روز، أو حتى تشارلز ديكنز - الذي عاد بسبب فضوله، وبسبب اكتشافه لطريقة يُمكِن بها تقليل قوة المخلوقات الغازية. الحل جاء من الخادمة، غوينيث، التي افتدت البشرية بحياتها، وأجلت الصدام بين هذه المُعضلات الأخلاقية لزمن.
02 سبتمبر 2013
العدالة الاجتماعية؟
يبدو، في بعض الأحيان، أن العدالة الاجتماعي مُصطلحٌ يستخدمه المصلحون الاجتماعيون عندما يرغبون في تجنب غضب السُلطات الذي قد يواجهونه إذا تحدثوا عن الإصلاح السياسي في نظامٍ ديكتاتوري. من الأسهل الدعوة إلى العدالة الاجتماعية، عِوِض الدعوة إلى العدالة السياسية، العدالة الطائفية والعرقية، أو العدالة الاقتصادية. حتى في نظامٍ ديموقراطي، فإن الحديث عن الظلم السياسي أو العرقي - أو كليهما - يُضايق العامة. الحديث عن الظلم الاجتماعي يحظى بقبول أكثر بكثير من أي نوعٍ آخر من أنواع الظلم الواقعة على الأفراد والجماعات. مصطلح العدالة الاجتماعية، كذلك، أسهل تسويقاً على أساسٍ ديني، فنظرياً، لا يُمكِن ادعاء أن هناك ديناً قد يدعو إلى مجتمع يسحق الفقراء والضعفاء بلا رحمة.
العدالة الاجتماعية، كذلك، مُصطلحٌ يُمكِن تسويقه للرأسماليين والاشتراكيين معاً، بل ويمكن حتى تسويقه للشيوعيين. المصطلح لا يُرهِب الرأسماليين باستخدام كلماتٍ مرعبة مثل "المساواة". وفقاً للتفسير الرأسمالي للعدالة الاجتماعية، فإن الكل يحتفظ بحصص النفوذ والثروة التي في حيازتهم، وما عليهم إلا إظهار العطف والرحمة بمن هم أقل منهم حظاً. في المقابل، يقبل الاشتراكيون العدالة الاجتماعية على أنها تسوية بينهم وبين بقية العالم الرأسمالي، ففي منظورهم، تتعلق العدالة الاجتماعية بخلق مجتمع متوازن يقل فيه عدد الناس الذين يقعون ضحايا لطبقتهم أو دخلهم أو لونهم أو عرقهم أو جنسهم.
مفارقة مصطلح العدالة الاجتماعية أنّه قابلٌ للتمدد - في بعض الأحيان - ليشمل العدالة السياسية والعرقية والطائفية والاقتصادية، بما أن المجتمع هو الناتج عن هذه الأنظمة - السياسية والاقتصادية والعرقية - وأي خللٍ في المجتمع ينجم عن الخلل فيها. مصطلح العدالة الاجتماعية يُمكِن - كذلك - أن يتقلص ليتحول إلى مجرد نوعٍ من الصدقة والإحسان الذي يتجنب الحديث عن الطغيان، المغالطات التاريخية، وخرافات التفوق. وفي هذه الحالة، فإن العدالة الاجتماعية تتحول إلى حبة مسكن، هدفها تهدئة الأوجاع التي تظهر في المجتمع باستخدام حلولٍ مؤقتة، لكنها لا تزيل مسببات الخلل الاجتماعي، وبسبب دورها المُهدئ، فإنها تسمح للاعتلالات التي تطرأ على المجتمع بالتمدد والانتشار.
كذلك، ينبغي ملاحظة أنّه لا يمكن تحقيق أي إصلاح سياسي أو اجتماعي من دون حِسٍ عميق بالعدالة الاجتماعية في مجتمعٍ بعينه، ومن دون أن تكون راسخة فيه. العدالة الاجتماعية والإصلاح كأنهما أُروبورس، في حالةٍ بناء ونقضٍ مستمرة، ولا يمكِن فصلهما عن بعضهما البعض.
في مسألة العدالة الاجتماعية، لا توجد أجوبة حاسمة وشاملة. المفهوم نفسه ذاتي، يُمكِن للناس أن يُفكروا بشأنه معاً، ويطرحوا أفكارهم حوله، ويتناقشوا فيها، من دون أن يقرروا إجابة واحدة حاسمة ونهائية. الطريق إلى العدالة الاجتماعية يبدأ بالتشكيك في كُل المسلمات المجتمعية والعرقية والاقتصادية والسياسية، إذ أن هذه المسلمات تنطوي في داخلها على ظلمٍ عميق.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)