03 يوليو 2008

Functional English

كنت أخطط للكتابة عن المادة التي أكرهها كما لم أكره مادة أخرى منذ دخلت مستعمرة الهنود بوصفها - رغم كونها بغيضة - مدخلاً للتأمل والتفكير - والأفكار التي أوحت لي بها الشيء الوحيد الذي يجعلني أتقبل فكرة الساعات التي أمضيتها في دراستها -، غير أن عادة الرياح أن تجري بما لا تشتهي السفن، فامتحان هذه المادة اليوم يغريني بأن أكتب مذمة طويلة في المادة وفي من يُدرسها، وهذا أمرٌ جلل، فلستُ من هواة انتقاد أساتذتي.
يعني اسم المادة الإنكليزية الوظيفية، أو كما في جدول المواد: الإنكليزية التطبيقية، وكلاهما ترجمتان لاسمٍ يفتح الباب واسعاً أمام التأمل في وظائف اللغة، غير أن الاسم خدعة، فالمادة ليست إلا المراسلات التجارية والرسمية وكتابة السير الذاتية ورسائل التغطية. (يزينها) قول مدرس المادة أنه إنما يُدرسها لتلاميذ لا يُميزهم شيء، أما المميزون فلا يحتاجون أي سيرٍ ذاتية أو مراسلاتٍ رسمية: "المميزون يفرضون شروطهم، أما الباقون [أنتم] فيخضعون لقواعد مربكةٍ ومعقدة في المراسلات الرسمية والسير الذاتية، ويهدفون فقط إلى إرضاء مستخدميهم".
في سنتنا الأولى داخل مستعمرة الهنود كنا كالغنم - وما زلنا كذلك بشكلٍ أو بآخر - ثم بدأنا نقرأ الأدب حقاً، ونطلع على سير استثنائيين منهم: رالف والدو إمرسون، هنري ديفد ثورو، إميلي ديكنسون، كريستوفر مارلو، جون ميلتون، وفرجينيا وولف. كلهم شجعان متمردون خرجوا عن العرف والقواعد واختطوا لأنفسهم نهجاً لم يسمحوا لأي كان أن يقيدهم فيه. كل منهم قدم شيئاً جديداً مختلفاً، ولم يلق بالاً إلى أي مستخدمين، قراء، سلطات من أي نوعٍ كان. الأدب يعلم الإنسان أن يتمرد ليكون ذاته، فكيف تسول لهم أنفسهم حبسنا هكذا بعد أن قويت فينا بذرة التمرد؟
سيق إلينا تبرير أول عندما أُعلن عن إضافة هذه المادة إلينا، أننا - وقد بلغنا من الكبر مبلغنا - نعجز عن كتابة رسالة رسمية لائقة إلى إدارة المستعمرة فتجد أحدنا يكتب لكبيرنا تظلماً بهذا الشكل:
Dear Dr. X,
Good morning.
How are you?
I hope my letter will arrive while you are in good health and state.
Dear sir, I would like to draw your attention to my grades that I feel unjust.....
وتحتفظ إدارة المستعمرة بهذه الرسالة (النموذج) وبرسائل أخرى على ذات النمط بين وثائقها السرية التي ستعرض للجمهور بعد ثمانين عاماً.
قالوا لنا أن هذا النموذج في الكتابة إلى رئيس القسم ليس خاطئاً فقط، بل معيباً أيضاً لأنه يخلو من أي نبرةٍ رسمية ويتحدث مع رئيس القسم بصفته الشخصية لا بصفة منصبه، بينما ليس المهم في المراسلات الرسمية الشخص وإنما المنصب الذي يشغله، لذا ينبغي علينا أن نوجه رسائلنا إلى العميد، رئيس القسم، المسؤول الفلاني... من دون أي تحديدٍ لأي أسماء، وبدون أن نسأله عن صحته ونتمنى أن تصله رسالتنا وهو في أتم الصحة والعافية!
النموذج الجديد باردٌ وناءٍ، وفوق ذلك يُطلب منا أن نجعل نبرة الرسالة مهذبة تهذيباً أدنى إلى الإساءة كما أرى، فنحن لا نخاطب بشراً وإنما نخاطب آلات. البشر يصابون بالصداع ويرسب أبناؤهم في المدارس ويعانون من ارتفاع الأسعار، أما هذه الرسائل فتفترض أنهم لا يعانون من أي مشاكل، وأنهم مستعدون للتعامل بفعالية مع أي رسالةٍ باردة تصلهم.
قد يكون هذا ما ينبغي في مراسلات الأعمال التجارية، لكننا حين نراسل رئيس قسمنا نشعر بالخجل من أن نتعامل معه بهذه الطريقة التي تخلو من أي حساسية بينما نعرف قدر المجهود الذي يبذله في القسم، وتأثيره الفادح على صحته. هذه المادة الباردة لا تقدر أننا نأمل دائماً في أن يؤثر دعاؤنا الغيبي إيجاباً على صحة مستقبل رسائلنا فيصبح بخير، وأن يشعر بتعاطفنا معه وتقديمنا صحته وسلامته على أي مشاغل دنيوية أخرى، بوصف احترام الذات البشرية لتفردها الإنساني قيمة مطلقة السمو في الحياة.
تصر الإنكليزية الوظيفية على أن نستخدم الكلمات بمعناها المباشر، لا مجازات مسموحة في اللغة، لا تبريرات، لا إطناب. اقتصادٌ تام في اللغة، واستخدام لأبسط مفرادتها أحادية المعنى والدلالة بحيث تتجرد من أي إيحاء غير الإشارة المباشرة إلى أشياء مادية خارج اللغة: نقود، نقود، نقود!..
هذا مفهوم فلسفي، فالمال بوصفه عصب الحياة المادية يمثل فلسفة. والاقتصاد في اللغة الذي يحولها إلى مجرد وسيلةٍ للإشارة إلى المادة فلسفة تعطي مدخلاً للتفكير في سياقات اللغة المختلفة ووظائفها.
لغة المراسلات الرسمية هي النقيض التام للشعر. انقلاب الماديين على وعورة اللغة وتمرد أخيلتها والأقاصي التي تقود إليها بوصفها كائناً حياً محولين إياها إلى أدوات إشارةٍ عديدة وظيفتها إعلام القارئ بأننا نتحدث عن: كمبيوتر دل إنسبايرون 6400 بمعالج مزدوج النواة من إنتاج إنتل بسعر ألفي دولار للوحدة - كما جاء في امتحان اليوم - لا أكثر ولا أقل.
مشكلتي مع الإنكليزية الوظيفية - التي آمل التخلص منها إلى الأبد - أنها تدفعني للتفكير في كل شيء يختلف عنها. افتراضها الرئيسي - في السياق الذي ندرسه - أننا مجموعة من الروبوتات التي تخلو من أي شعورٍ وتفكير، أو أننا مجموعة بشرٍ تامي الترويض بحيث نخلوا تماماً من أي شعور. الواقع يخالف هذا الافتراض تماماً، لذا يُمطر التلاميذ معلمهم دوماً بمختلف الأسئلة - التي يراها غبية - بينما تعكس ذعراً عاماً من جمود لغة الرسميات وخلوها من الحياة.
آمل أن أحصل على درجاتٍ جيدةٍ في الامتحان لأنني لا أريد لهذه المادة القاحلة أن تقف في طريقي، لكنني أعرف أنني أشبه فلورنتينو أريثا بشكلٍ أو بآخر، ولن أستطيع يوماً كتابة رسالة رسمية مهما حاولت.
ربما يحتاج الأمر حباً عظيماً لكتابة رسالةٍ تصل في اقتصادها اللغوي وتجردها الشعوري الحد الذي تتطلبه رسالة عملٍ مثالية.

01 يوليو 2008

Atonement


الكفارة فيلمٌ مأخوذ عن رواية، بدون قراءة أي شيء عنه قبل مشاهدته، وحتى مع تفويت اسم إيوان مكيوان في قائمة صناع الفيلم. عمق الفيلم والثقة التي تتحرك بها الشخصيات في متاهتها أدبيتان. طريقة تتابع الأحداث، المضي قدماً وعودة في الزمن، إعادة تمثيل الحدث من وجهاتِ نظرٍ مختلفة؛ الارتباك الطفولي في النظر إلى العالم؛ تشوشه؛ محاولة البحث عن يقينٍ يزيد الأمر ارتباكاً؛ المناطق الرمادية بين الطفولة والنضج، كلها أشياء روائية، ما كان لفيلمٍ أن يحملها بهذه الثقة لو لم يكن لها أصلٌ في كتاب.
كثيراً ما تأتي الاقتباسات الدرامية للروايات في السينما مخيبة لآمال القراء، لم أقرأ رواية الكفارة، لكنني أعتقد أن الفيلم أبعد ما يمكن عن أن يكون خيبة أملٍ، فهو واحدٌ من أكثر إنتاجات الروايات السينمائية إبداعاً في إخراجه وتصويره وتمثيله وموسيقاه بحيث يُصنف مع المريض الإنكليزي والحب في زمن الكوليرا - الذي صدر معه في نفس العام - في نفس الخانة، ويقع من حيث النجاح النقدي والحظ مع الأوسكار في موقعٍ وسط، فهو أقل حظاً من المريض الإنكليزي ذي الأوسكارات التسعة، وأكثر حظاً من الحب في زمن الكوليرا الذي خرج صفر اليدين بدون ترشيح.
صوت الآلة الكاتبة لازمة الفيلم منذ لحظته الأولى، الصوت الذي حوله الموسيقار داريو مارينيلي إلى موسيقى خالصة استحق عليها أوسكار أفضل إنجازٍ في مجال الموسيقى - متغلباً على مرشحٍ عريق كآلان منكن، ومعيداً للجائزة بعض اعتبارٍ سقط عنها حين تجاهلت ترشيح أنتونيو بنتو - فتحول مرافقاً درامياً للأحداث، ومساهماً في سرد القصة. صوت الآلة الكاتبة صار جزءاً من نسيج الفيلم، ونسيج الحياة التي يعيد تمثيلها في امتيازٍ درامي خالص أكمله التصوير المحكم جمالياً، والإخراج الجيد، والمونتاج الشفاف الذي استطاع أن يروي حكاية مبعثرة روايةً أخاذة، ويأخذ موقفاً من الحدث، فيقود المشاهد في عالمٍ متشابك قوامه كفارةٌ ينبغي أن تُدفع للنضج.
تقنية الفيلم مضللةٌ في البداية، يرى المشاهد ما تراه براوني - في أداء مكتمل من سيرشيه رونين - ويأخذ وجهة نظرها من الأحداث. ثم يعود الفيلم ليروي الأحداث من وجهة نظرٍ محايدة ترى ما لا تراه براوني لتنكشف سلسلة الصدف والتراكمات المعقدة الناشئة عن الاستعداد لمناسبةِ عودة الأخ الأكبر إلى البيت والتي أدت ببراوني الطفلة إلى اتهام روبي ترنر حبيب أختها الكبرى سيسيليا باغتصاب قريبتهما لولا كوينسي. وعيها الطفولي كان واثقاً وقتها من أن اتهام روبي صحيح لا يدانيه شك. تصرفت بقوةٍ وثقةٍ قادت روبي إلى السجن، ثم إلى الحرب العالمية الثانية ليخدم كجندي مشاة في الجبهة. تغادر سيليا بيت أهلها في احتجاجٍ على الحيف الذي نال حبيبها، وتبقى على اتصالٍ به. تُدرك براوني أنها دمرت قصة حبٍ رقيقة بسبب سوء تفاهم، ويثقلها الذنب طوال حياتها، على برواني أن تؤدي كفارة الذنب الذي تعرف أن روبي لم يرتكبه، لكن، ما هي الكفارة؟
الفيلم نسيج شفاف من العلاقات الإنسانية بين أشخاصٍ معزولين في كينوناتهم الخاصة، ومهما حاولوا أن يتواصلوا، سيبقى كلٌ منهم في جزيرته الخاصة. صلاةٌ مستمرة للتكفير عن ذنبٍ ظاهر، وذنوب كثيرة مخفية أولها ارتباك التغير بين الطفولة والانكشاف على عالم الكبار في حافة النضج، محاولة الوصول إلى النضج، محاولة البحث عن حقيقةٍ لإصلاح ما حدث. تحدي النسيان، ثم التفكير في الذي حدث. هل حدث حقاً؟
"ربما كان ما كان محض سراب"

20 يونيو 2008

في بروج: مسألة شرف!

سُفكت كلماتٌ كثيرة على مذبح فيلم مارتن مكدوناه الأول، قبل الانتهاء منه بعدة أشهر، ثم عند إطلاقه في فبراير من هذا العام، ولا تزال الكلمات تُسفك حتى الآن. حصل مكدوناه على أوسكار أفضل فيلمٍ قصير في 2006 عن فيلمه ست طلقات، ثم قرر صيد السمكة الأكبر، الأفلام الروائية، بادئاً بفيلم في بروج الذي هلل له النقاد قبل أن يعرض، لأن صاحبه مسرحي مرضيٌ عنه نقدياً. ليس مسرحياً فحسب، وإنما مسرحياً (إيرلندياً) وهذه هي النقطة الأهم، فكتاب المسرح الإيرلنديون حالة خاصة في الدراما الحديثة. غير أنه- كما يحدث عادة مع الأفلام المحتفى بها نقدياً - حين يُراجع المرء المقالات النقدية التي قرأها عن الفيلم بعد مشاهدته، سيكتشف أنه لا بد قد قرأ مقالاتٍ عن فيلمٍ آخر.
أول الغرابات النقدية، وصف الفيلم بأنه كوميدي. الفيلم ليس كذلك أبداً، فالقيمة التي يتركها عند مشاهدة حالة صدمة. أحداث الفيلم جنونية بعض الشيء، وحوارات الشخصيات عبثية، وهذه ليست كوميديا بل سخرية عالية النبرة تصبغ الفيلم بصبغة داكنة. قد يبتسم المرء في بعض المشاهد، لكن الضحك يحتاج إلى معدةٍ حديديةٍ وعقل أجوف. غير أن المرء ينبغي ألا يُسرف في لوم هؤلاء النقاد، فهم أحفاد من افتروا الفرية الكبرى وأصروا على أن تاجر البندقية مسرحية كوميدية. أجل، تاجر البندقية مسرحية كوميدية، في بروج فيلمٌ كوميدي، والمهاتما غاندي كان تركياً.
لفيلمه - الذي يفترض به أن يكون خارج إطار السينما التجارية - يحشد مكدوناه طاقم ممثلين جيداً، يُصدره بأسماء كولن فاريل (راي)، بريندان غليسون (كِن)، وريف فاينز (هاري)، ثم يضيف إليهم كليمنتين بويسي (كلوي) التي استطاعت أن تحظى بوقتٍ على الشاشة لتمثل فيه. (هذا التواجد الغامض لثلاثة ممثلين من سلسلة أفلام هاري بوتر في فيلمٍ واحدٍ كان أمراً لاحظه المعجبون فوراً، لكنه لا يدل على شيءٍ غير أن وورنر بروز وظفت كُل الممثلين الإنكليز في السلسلة). طاقم الممثلين نقطة القوة الرئيسية في الفيلم، فكلهم أدى دوره بشكلٍ طبيعي - قدر الإمكان، باعتبار أن جميع الشخصيات تعاني من خللٍ نفسي أو وظيفي باستثناء كن -. واحدة من الغرابات النقدية انتقاد ريف فاينز - الذي يظهر في الثلث الأخير من الفيلم - باعتباره ناسخاً أداءه من بن كنغسلي في Sexy Beast، بينما لم أستطع أن أتبين هذا النسخ. الصفة الوحيدة المسيطرة على هاري (فاينز) هي الغضب، وهي ما يحدد شخصيته، غير أن فاينز ينجح في تمرير لحظاتٍ تظهر فيها مشاعر غير الغضب على وجهه، دون أن يفقد انطباع وجهه وحركاته الكلي الذي يوحي برجلٌ على وشك الانفجار.
يحاول فيلم في بروج أن يجد له هوية، دون أن يفلح في ذلك كثيراً. فيلم عصاباتٍ أوروبي يحاول أن يبدو مضحكاً، وسخرية من المدينة القروسطية بروج التي تشبه الحكايات الخرافية. قاتلان محترفان أحدهما قتل طفلاً، ويفترض بالآخر أن يقتله لذلك، ممثل قزم يظهر في مشاهد الكوابيس - إشارة إلى فيلم لا تنظري الآن -، منتجة أفلام تتجر بالمخدرات وتسلب السياح بمساعدة صديقٍ لها، بائع أسلحةٍ مهووس بالكلمات الغريبة، سياح أمريكيون بدينون، موظف سياحي مزعج، زعيم عصابة سايكوباثي. جميعهم في خليطٍ يضيف مكدوناه إليه عباراتٍ دينية عن المطهر والفردوس والجحيم، وحواراتٍ عبثية طويلة، ومشاهد عنفٍ سافر، ثم يحرك الكاميرا ببرود وملل قبل أن ينفجر في التتابع النهائي للفيلم محاولاً تحميل الفيلم بدلالاتٍ ودلالاتٍ. الفيلم كُله مشحونٌ بالدلالات، تجوال راي وكٍن في بروج، نظرية صديقهما القزم والحرب الخيالية التي يفكر فيها بينما يتعاطون المخدرات، وقوف هاري وكِن على قمة المدينة، انتحار هاري لأجل مبادئه. هي مسألة شرف، الفيلم يدور حول "مسألة الشرف" العبثية هذه، ويتوه في فوضى من الدلالات ليصل المرء معه إلى أن الفيلم لا يدل على شيء.
"ربما يكون هذا هو الجحيم، الأبدية بكاملها في بروج".
هذه عبارة الفيلم الختامية التي تحاول تلخيص رؤية مكدوناه للأمر برمته، ومن المرجح أنه محق.

ملاحظة:
فيلم في بروج الدعائي واحدٌ من أفضل الأفلام الدعائية لهذه السنة، لكنه مضللٌ بشكلٌ كبير. مكدوناه يواصل التآمر على مشاهديه بحذاقة، ومن ثم يشتكي صانعو الأفلام المستقلة من مقت الجمهور لأفلامهم!

13 يونيو 2008

عن الكتابة

(مختارات من اقتباسات مائة سبب وسبب للتوقف عن الكتابة)

كلي تأييدٌ لإبعاد الأسلحة الخطيرة عن أيدي الحمقى. لنبدأ بالآلات الكاتبة.
سولومون شورت

هُناك طريقة واحدة لكسب المال من الكتابة، هي الزواج بابنة ناشر.

أحاول - حقاً - ألا أشجع الكتاب الشباب. أبقهم بعيدين وصامتين هو شعاري.

أعتقد أنه ينبغي ألا أن يكتب أحدٌ سيرته الذاتية حتى يموت.

الكتب لا تنتهي، بل تُهجَر فحسب.

في كل مكان أذهب إليه، أُسأل عما إذا كنت أعتقد أن الجامعات تخنق الكتاب. أرى أن الجامعات لا تخنق عدداً كافياً منهم. هناك العديد من الكتاب الذين يبيعون كثيراً كان بالإمكان منعهم إذا توفر لهم معلمٌ جيد.

مخطوطتك جيدة وأصيلة، لكن الجزء الجيد فيها ليس أصيلاً، والجزء الأصيل ليس جيداً.

السبب في كون الكتب الجيدة قليلة أن قليلين جداً ممن يستطيعون الكتابة عارفون بأي شيء.

بعض المحررين كتابٌ فاشلون، غير أن معظم الكتاب كذلك.
إذا لم تزعج أحداً، فلا فائدة من الكتابة.
كنغسلي آمس
تخبرنا الرواية الجيدة الحقيقة عن بطلها، بينما تخبرنا الرواية الرديئة الحقيقة عن كاتبها.
جي. كيه. تشسترتون
إذا أمكن لكاتبٍ شاب الإقلاع عن الكتابة، فينبغي عليه ألا يتردد في فعل ذلك.

11 يونيو 2008

ابنة بولين الأخرى

فيلم ابنة بولين الأخرى The Other Boleyn Girl من الأفلام التي انتُظرت هذه السنة، وأثارت جدلاً كبيراً بين من يعتقد أن الفيلم تحفة فنية، ومن يعتقد أن الفيلم فشلٌ ذريع، وإهدارٌ لميزانية كبيرة في قصةٍ سخيفة بإخراجٍ رديء، وتمثيل أكثر رداءة. آخرون - بريطانيون - يعتقدون أن الفيلم فشل لأن ممثليه الرئيسيين الثلاثة غير بريطانيين: ناتالي بورتمان (آن بولينسكارليت جوهانسون (ماري بولين)، وإريك بانا (هنري تيودور)، وهذا ادعاء شوفيني لا تأثير له من الناحية الفنية في هذا الفيلم.
الفيلم مأخوذ من رواية تاريخية بذات العنوان للمؤلفة البريطانية فليبا غريغوري التي عملت كمستشارة في الفيلم، ما يسقط حق المطالبة بالدقة التاريخية للفيلم، فالرواية لا تتسع لتقديم شرحٍ تاريخي دقيق، والفيلم دراما ينبغي أن تأخذ منظوراً لتستطيع من خلاله إعادة تمثيل الأحداث وفق رؤية صانعي الفيلم. حاول صانعو الفيلم الالتزام بالخط الزمني للأحداث كما وردت تاريخياً، وتصرفوا في الأحداث ذاتها وفق رؤيتهم الدرامية، على أنني أرى أن فترة انفصال كنيسة إنكلترا عن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية واحدةٌ من أكثر فترات التاريخ الإنكليزي امتلاء بالأحداث والوقائع التي لا تحتاج إلى أدنى معالجةٍ فنية لتنسج رواية فخمة النسيج.
قصة فيلم ابنة بولين الأخرى مقبضة ومظلمة، فلا مكان للفضيلة أو الشرف أو الكرامة في بلاط هنري الثامن، ملك إنكلترا سيء السمعة. والقصة عن واحدةٍ من أكثر الأسر تدنيساً في التاريخ، أسرة بولين التي حل بها البلاء بعد أن كانت آن بولين ملكة ذاتَ يوم. توماس بولين وصهره توماس هاورد يتاجران بماري وآن كسلعتين تضمنان مزيداً من النفوذ لهما، ويرتقيان على حساب ماري - أولاً - التي تحولت إلى بغي، ثم على حساب آن التي كانت أكثر طموحاً من أختها، وأرادت أن تكون ملكة. لا يسلم جورج بولين كذلك، وإن كان ما يتعرض له من حيفٍ أقل مما يلحق بشقيقتيه، فيُجبر على الزواج من جين باركر التي ستقوده إلى حتفه مع شقيقته آن لاحقاً.
ابنة بولين الأخرى كانت ماري في البداية، لأن الأب والخال قررا أن آن الطموحة ستسعى لأن تكون عشيقة الملك، غير أن الرياح هبت في اتجاه ماري، لتنزوي آن في الظل باعتبارها ابنة بولين الأخرى، ثم تُنفى إلى فرنسا عقب فضيحة زواجها السري من هنري برسي، دوق نورثمبرلاند.
يُعيد توماس بولين وتوماس هاورد آن إلى لندن بعد أن تراجعت حظوظ ماري بسبب حملها المهدد بالإسقاط، فتبدأ انتقامها من شقيقتها التي أقصتها، مستحوذة على كل اهتمام هنري الثامن، لينفذ رغباتها ويجعلها ملكة، الأمر الذي ينقلب عليها في النهاية. لتنتهي مغامرة صعود آل بولين غير المشرفة نهاية مريعة بإعدام آن وجورج بولين، ونفي ماري بولين في الريف مع رجلٍ تحبه. ثم موت توماس وإليزابث بولين بعد عامين من مقتل طفليهما. وإعدام ثلاثة أجيال من أبناء توماس هاورد الذي صدق على إعدام ابني أخته.
بولين وهاورد يفتقدان الشرف، إليزابث هاورد بولين عاجزة عن حماية أبنائها، أبناء بولين الثلاثة لا يملكون ذرة شجاعةٍ تجعلهم ينجون بأنفسهم من الإنحطاط الذي وصلوا إليه بتشجيع من يُفترض أن يحثوهم على الفضيلة، غير أن الوحش الأكبر ليس سوى هنري الثامن نفسه، الذي حاول صانعو الفيلم تقديمه باعتباره شخصاً معتدل الطباع، وملكاً جيداً. هنري الثامن مخادع، جبان، متسلط، يفتقر إلى الشرف بقدر افتقار بولين وهاورد إليه. أداء إريك بانا للدور جاء باهتاً جداً، فلم يكن للملك الحضور المفترض لشخصية متسلطة بهذا القدر، بل بدا زائداً وضائعاً في الثياب الفاخرة التي يكتسيها. سعيداً بأن (يتموضع) للتصوير مرتدياً كل تلك الأكوام من القماش بحيث نسي أن يمثل. ناتالي بورتمان بالغت في أدائها حتى كاد يتحول إلى مهزلة، والشخص الوحيد الذي بذل جهداً ليمثل حقاً كان سكارليت جوهانسون، لكنها لم تنقذ الفيلم الذي تفنن جستن تشادويك في تحويله إلى مجموعة مشاهد سطحية، لا شفيع لها. فحتى حركات الكاميرا في الفيلم كانت غير محسوبة وكأن المخرج قرر أن يترك كل شيء للفنيين لينصبوا كاميراتهم حيث شاءوا.
فيلم ابنة بولين الأخرى خدعةٌ محضة. كان يمكن له أن يكون فيلماً عميقاً، لكنه تحول إلى مجموعة صورٍ متحركةٍ لشخصياتٍ لا عمق لها، وقصةٍ عنيفةٍ وصاخبةٍ تخلو من المعنى.