09 يناير 2010

إنجيل الغيتو

لأولئك الذين يريدون اتباعي
يداي مبسوطتان.
بينما تغرق الشمس الحمراء – أخيراً –
في تلال الذهب،
ويحل سلامٌ على هذا المحارب الشاب،
بصمت أصوات المدافع.

لو كان لي أن أتذكر أيام صباي،
لجلست وتحسرت، مفكراً في نعم الأيام الطيبة.
أتوقف وأحدق في الصبية، يذهب قلبي إليهم
ذلك أنهم اختُبِرُوا، وعاشوا تحت الضغط
وكل شيء تغير هذه الأيام.
الكل خجلٌ من الصغار لأن الحقيقة تبدو غريبة،
وبالنسبة لي، فإنها معكوسة. تركناهم في عالم ملعون، وهذا مؤلم
لأنهم – في أي يومٍ – سيضغطون على الزر
وكلكم مُدان، كأن مالكوم إكس وبوبي هوتون ماتا بلا ثمن.
لا تتركوني غارقاً في دمعي، فالعالم كئيب،
لكنك حين تمسح عينيك، تراه بوضوح.
لا داعي لأن تخافني،
فلو سمعتني، ربما شجعتني.
ليس الأمر كونك أسود أو أبيض، فكلنا بشر.
آمل أن نرى الضوء قبل أن ينتهي العالم.
بشارتي للغيتو.

لأولئك الذين يريدون اتباعي
يداي مبسوطتان.
بينما تغرق الشمس الحمراء – أخيراً –
في تلال الذهب،
ويحل سلامٌ على هذا المحارب الشاب،
بصمت أصوات المدافع.

قل لي، أترى تلك العجوز؟ أليس محزناً
أن تعيش على أكياس القمامة؟ لكنها سعيدة بالقليل الذي تملكه.
وهناك امرأة جُنت من المخدرات،
وأظنها تلد طفلاً.
أنا لا أمضي، تاركاً كل شيء يتلاشى. فقد استجرنا من الرمضاء
بشكلٍ آخر من العبودية.
حتى الآن أًخذَل!
أتساءل، ما إذا كانوا سيأخذون كل شيء بينما أحتفظ بشجاعتي؟
أرفض أن أكون قدوة،
أحدد أهدافاً، أتحكم بحياتي، وأشرب من قواريري.
أرتكب أخطاء. أتعلم من الجميع.
وعندما تتم حياتي قولاً وفعلاً،
فإنني أراهن على أن أخي هذا سيُبلي خيراً مني.
ولو أزعجتك، فلا تغضب.
لا تنسَ أبداً أن الرب لم ينتهِ مني، بعد!
أشعر بيديه على رأسي،
وعندما أكتب قوافيّ، أعمى، تاركاً الرب يفعل فعله.
فهل أنا أقل قداسة
لأنني اخترت تدخين الحشيش وشرب البيرة مع رفاقي؟
قبل أن نجد السلام في العالم،
ينبغي علينا أن نوقف الحرب في الشارع.
بشارتي للغيتو.

لأولئك الذين يريدون اتباعي
يداي مبسوطتان.
بينما تغرق الشمس الحمراء – أخيراً –
في تلال الذهب،
ويحل سلامٌ على هذا المحارب الشاب،
بصمت أصوات المدافع.

يا مالك الملك، أتسمعني أتكلم
لأدفع ثمن كوني محكوماً بجهنم؟

31 ديسمبر 2009

الخالد

يُرهقني بقائي هنا
تخنقني مخاوفي الطفولية.
إذا كان عليك الرحيل،
ليتك ترحل فقط!
لأن حضورك لا يزال متلبثاً هنا،
ولن يتركني وشأني.
هذه الجروح لن تشفى،
وهذا الألم حقيقي أكثر مما ينبغي،
وهناك الكثير مما لا يُمكن للزمن محوه.

عندما بكيت، مسحت دموعك
كلها.
عندما صرخت، صارعت مخاوفك
كلها.
وأمسكت بيدك لنعبر هذه السنين
كلها.
وأنت لا تزال تملك نفسي...
كلها.

كنت تأسرني بنورك الوهاج
والآن يُقيدني النور الذي خلفته
وجهك يسكن أحلامي التي كانت هانئة
وصوتك يطرد كُل عقلٍ
بقي لي.

حاولت جاهدة أن أقنع نفسي بأنك رحلت
لكنني – رغم أنك لا تزال معي –
بقيت وحيدة ووحيدة.
فهذه الجروح لن تُشفى،
وهذا الألم حقيقي أكثر مما ينبغي،
وهناك الكثير مما لا يُمكن للزمن محوه.

20 أكتوبر 2009

فاينز - 2

فاينز في دور براند(فاينز في دور براند)

مقابل صبيانية لورد فولدمورت وهملت، يأخذ براند ومارك أنتوني وأوديب الأمور بجدية شديدة. هدوء براند الغريب، وخطابة مارك أنتوني المتفجرة، وثقة أوديب المتغطرسة تقود هذه الشخصيات إلى سقوطها المأساوي المُحتَم - رُبما باستثناء مارك أنتوني الذي لن يسقط حتى مسرحية أنتوني وكليوباترا.
حين لا يُطابق حساب الفرد حساب العالم

في سعيه إلى الرب، يُضحي براند بكُل شخصٍ قد يكون قريباً إليه. ويصعد منحدراً مستقيماً إلى الأعلى، لكنه ينتهي في القاع مُحطماً بعد أن دمرته الشياطين التي سكنته. يعتقد براند نفسه مُخلصِاً، ويؤمن بأنه يسعى لخلاص روحه ومن حوله، لكنه إذ يُجاهد ليُعتق روحه من النار، يُعتقها من الإنسانية. مُقترب فاينز لأداء شخصية براند المُعقدة والعاصفة هادئ هدوء الثلج الذي يُحيط ببراند، لكنه هدوء مُخيف ومُظلم. جنون براند واضحٌ في هدوئه، وفي خضوعه المُطلق لما يعتقد أنه القوة العُليا. ما كان يُفترض ببراند إبسن أن ينطقه بقوةٍ وحسم، ينطقه براند فاينز بخضوع غريب. في خطاباته العاصفة حرارةٌ مبعثها اقتناع براند الراسخ. براند ليس مجرد قسٍ كالفني متطرف في زُهده، بل إنه مُلهَمٌ - أو مجنون - يرى خلاصه وخلاص العالم مُرتبطاً بالانعتاق من كُل نيرٍ دنيوي.

هدوء فاينز العنيف في براند، وجنونه الدموي المُظلم يتحول خطابة عنيفة وحيوية ومُتفجرة في أداءه لدور مارك أنتوني في الإنتاج الملحمي المُعاصر لمسرحية شكسبير الشهيرة يوليوس قيصر. في البداية، ليس مارك أنتوني أكثر من مجرد سكير يُبقيه يوليوس قيصر في حاشيته لأنه يُسليه - يُمضي فاينز مُعظم المسرحية قبل مقتل قيصر مرتدياً قميصه الداخلي وسروالاً أبيض -، ثم يتحول إلى خطيبٍ عنيفٍ ومُتفجر بعد مقتل قيصر. يُشير أنتوني للجريمة والمجرمين، ويقود بخطابته بروتوس والمتآمرين إلى موتهم. انفجار مارك أنتوني العنيف وخُطبه العصماء لا تُناسب مُهرج قيصر الذي يُلقي به السُكر في كُل مكانٍ حول القصر. لكن عربدة أنتوني العنيفة، وولاءه لقيصر يُبرران تحوله الدرامي. في أداءه، يختار فاينز إظهار جانب أنتوني العنيف في رقصه على المسرح أثناء سكره، وفي اشتراكه في مُسابقة رياضية بناء على طلب قيصر، حركاته متوترة، متشنجة، عنيفة، وتوحي بأن مارك أنتوني أكثر بكثير مما يظنه فيه من حوله.

يقترب مارك أنتوني من جثة قيصر الدامية، ويتحقق من موته، ليُشير بوضوحٍ إلى القتيل وإلى قتلته، ويبدأ انفجاره العنيف مُطالباً بالثأر لقيصر، وبالعدالة له. لولا خطابة مارك أنتوني وصرامة شخصيته، والعُنف الذي توحي به حركاته، لكان بإمكان مارك بروتوس النجاة من غائلة مؤامرة قتل يوليوس قيصر، ولرُبما كتب التاريخ أن قيصر كان طاغية، وكان قتلته أبطالاً. شخصية مارك أنتوني الحادة تُشير بوضوح إلى أنه سيسقط سقوطاً مأساوياً قادماً، لأنه لا يزنُ عواطفه، ولا يعرفُ غير أن يُلقي بنفسه في وسط النيران.

في أوديب، يُقدم فاينز أوديب واثقاً من نفسه إلى حد الغطرسة. أوديب يهزأ بالعراف الأعمى، وبالكورس الذي يُخبره الحقيقة. أوديب الذي يلعن نفسه دون أن يعرف، حارماً نفسه من قطرة ماء تسقيه إياها الشفقة لأنه جلب اللعنة على طيبة. خطابُ أوديب عن جالب اللعنة مُخيف، ليس فقط في مُفارقة أن أوديب يُلقي قدره هو، بل في التشفي الكامن في كلمات أوديب. أوديب مُصمم على تعذيب جالب اللعنة بهدوء تام، وهو مستعدٌ لإلحاق الأذى به من دون التفكير في أي رحمةٍ قد يستحقها جالب اللعنة الغافل. غطرسته تأتي من كونه ملك طيبة المتوج الذي لا يُنازعه أحدٌ سلطته. ثقته لأنه قد قتل لايوس وتزوج امرأته يوكاستا، وامتلك بذلك الدولة والفراش، غير مُدركٍ للعبة الآلهة، ولكون لايوس أباه ويوكاستا أمه. في مسرحية مليئة بالمُفارقات، تتحول خطوات أوديب من غطرسة الملك إلى تذلل طالب الرحمة. أوديب يبكي بناته اللائي لن يُريدهن أحدٌ، فأبوهن أخوهن، وأمهن جدتهن. وفجأة يجد نفسه ابناً عاقاً، وأباً عاجزاً عن حماية أبنائه، وملكاً معزولاً. الخلل في شخصية أوديب يكمن في غروره وإيمانه بعلوه، ويقوده هذا الخلل إلى القاع زاحفاً على الأرض مُضرجاً بالدماء بعد أن فقأ عينيه يسأل الخلاص من قضاءٍ أنزله بنفسه غير عالم. - والدُماء تلوث براند، ومارك أنتوني، وأوديب قُرب نهايات المسرحيات الثلاث -.

في التراجيديات الثلاث، تُحاول الشخصيات الثلاث فرض رؤيتها على العالم، لكن هذه الرؤى - التي قد تكون نبيلة المقاصد - تنتهي إلى سقوط دموي فاجع - قد لا يتحقق تماماً في يوليوس قيصر -، وفي أداء فاينز المُميز لهذه الشخصيات الثلاث، يقترب منها بهدوء موحياً بما سيلي من سقوط مُثل براند إلى هاوية الجنون، وصعود مارك أنتوني العنيف، واكتشاف أوديب لحقيقته المُروعة التي تهز كُل حصون ثقته المُستعارة وتُزلزله هاويةً به إلى قاع الخراب. يُدرك فاينز أن الخلل في هذه الشخصيات يكمن في أن العالم لا يسير وفق ما تتوقعه، وأن هذا الاختلاف سيولد حركاتٍ درامية عنيفة، فيُضيف عُمقاً درامياً وعُنفاً بمقتربه الهادئ الذي يُطمئن المُشاهد الغافل ليأخذه معه في رحلاتٍ عاصفة إلى الجانب المُظلم من الحياة.

14 أكتوبر 2009

فاينز - 1

فاينز في دور هاملت
طريقة الممثل البريطاني ريف فاينز في الحوار أنيقة، أفكاره عميقة، تشبيهاته أدبية، ولغته راقية. موضوعه الأثير التمثيل، وأقرب إليه منه الشخصيات المُعذّبة والمضطربة التي يُجسدها في الأفلام وعلى خشبة المسرح. يُحاول فاينز فهم شخصياته وإضافة شيء من روحه إليها، وينتج عن محاولاته تأملاتٌ عميقة في طبيعة البشر والشر في العالم.
تأملات فاينز في طبائع الخلق تجعل أدواره صعبة النسيان، وخياراته في تجسيد شخصياته مغامرة تبدو غريبة وحادة المذاق أحياناً، غير أنها آسرة بشكلٍ ما. فأفكار فاينز، وتقمصه للشخصيات، وطريقته في الإلقاء مزيج من الفكر والثقافة والموهبة والإلهام.

صبيٌ صغير شديد الأذى

رُبما كان دور لورد فولدمورت - الذي قدم فاينز لجمهور هاري بوتر العريض - أقل أدواره قُرباً إلى نفسه، لكنه يُحاول من حينٍ لآخر التصالح مع الدور، والحديث عن طبيعة فولدمورت المشطوبة باليُتم والحرمان ورُهاب الموت والجنون المُبكر. مع ذلك، يبدو واضحاً في الأفلام أنه يتسلى بالدور متجولاً بعباءة سوداء قديمة - رُبما كان سكروج مكداك قريب أكلة الموت، لذا لا يشعرون بحرج وهم يبخلون على زعيمهم بعباءة جديدة -، ومتلوياً ومزمجراً في موقع التصوير كما يحلو له. ليس الأمر أنه يستخف بالدور، لكنه أدرك أن لورد فولدمورت قد وصل مرحلة بعيدة من الجنون تجعله مرحاً بشكل سوداوي، ومبتهجاً بالمعارك والتسلل إلى الوزارة. أفعال فولدمورت جدية ونتائجها مأساوية، لكن فولدمورت لا يحملها على محمل الجد أبداً، ويرتكبها بمرحٍ وخفة. حتى في مُلاحقته المحمومة لهاري، فإنه لا يستطيع إلا أن يكون ساخراً وطريفاً لأنه محمي بحصنه العقلي الذي يفصله عمن حوله عاطفياً وفكرياً، ويفصله عن الواقع - وقد يكون ذلك لأنه يتجول في موقع التصوير بعباءة شديدة التهوية. مشكلة فولدمورت أنه أذكى من اللازم، وأكثر رُهاباً من اللازم، لذلك لا يحمل الدمار على محمل الجد - كالأشرار الآخرين الذين يكادون ينفجرون لفرط إحساسهم بأهمية ذواتهم وما يفعلونه، وهو في ذلك أكثر إخافة ممن عداه، لأنه يجد بهجة صبيانية في الأذى، ولا يستطيع أن يتحمل مسؤولية أفعاله الأخلاقية، أو أن يُدرك الأذى الذي يُلحقه بالأرواح. الأذى بالنسبة إليه مُبهج، لذا يقوم به.

خيار فاينز في أداء الدور بهذا الشكل صعب لأنه قد لا يُرضي نسبة كبيرة من المشاهدين كانت تتوقع فولدمورت أكثر جدية وصرامة، وأقل مرحاً وطيشاً. فولدمورت صبياني بطريقة فاينز، وصبيانيته خطيرة، فشرير آخر أكثر جدية كان ليعامل أعدائه برحمة أكبر.

قبل دوره في هاري بوتر بسنواتٍ، فاز فاينز بجائزة توني لأفضل ممثل مسرحي في دور رئيسي عن دور هملت الذي يراه واحداً من أقرب أدواره إلى نفسه - ليكون أول ممثل يحصل على جائزة عن هذا الدور. أداء فاينز للدور الشهير لم يأخذ هملت على محمل الجد، ولم يُحاول أن يُضفي عليه الكبرياء والعظمة التي يحاول الممثلون الآخرون إضفاءها عليه. فقدم هملت أميراً مدللاً يركض على المسرح حافياً طوال الوقت، ويتحدث بالألغاز في محاولة لجذب انتباه أمه التي أحنقه أنها تزوجت وانصرف اهتمامها عنه - فرانشيسكا آنيس التي (سيخرب) بيته بسببها. قدم هملت الطفل المشاغب الذي يتسبب في مآسٍ مروعة - والجميع يموت في هذه المسرحية - رؤية مُغايرة للمأساة التي يُفتَرض أنها تعبيرٌ عن محنة المثقف في مُجتمع لا يستوعب معضلته العقلية، بينما هاملت فاينز ليس مثقفاً بل قارئ كتبٍ نهم -وبينهما فرقٌ بين. هملت - هنا - شيطانٌ صغير يرتكب مختلف الشقاوات ليُزعج أمه وعمه وأوفيليا وسكان القصر، ويُرهقهم بجنونه المُصطنع الذي تزيده حدة صبيانيته الشديدة وولعه بالمشاغبة. هلاوس هملت وأشباحه وسؤال كينونته وهواجسه عن الانتقام كانت كُلها نواتج خيالاته الطفولية الجامحة، وأفكاره الصبيانية الشيطانية.

خيارات فاينز في هذين الدورين قد لا تروق للكثيرين، لكنها تطرح وجهاتٍ نظر جديدة حول الشخصية، وبنيتها العقلية والنفسية، وتفسيراً مغايراً للتفسيرات السائدة للأدب. وفي هذه الخيارات جرأة محمودة تنقض أنماط التلقي القائمة، وتقدم وجوهاً أخرى للحقيقة لم يُبحَث عنها - كما ينبغي - من قبل.

26 سبتمبر 2009

المنامة المقلمة

ملصق فيلم الصبي في المنامة المقلمةفيلم الصبي في المنامة المقلمة The Boy in the Striped Pyjamas واحدٌ من الأفلام التي ظُلمت لأسباب غير فنية، إذ أن الفيلم يحظى بكل ما يُمكن أن يجعل منه فيلماً ناجحاً للغاية، ومحبوباً من النقاد والجمهور. مع ذلك، فلم يُرشح الفيلم لأي من الجوائز الكُبرى - الأوسكار، الغولدن غلوب، وجوائز نقابة الممثلين - ولم يحظ بأي مكافأة لتكامل عناصره الفنية - وشأنه في ذلك شأن فيلم الحب في زمن الكوليرا، وإن كان الصبي في المنامة المُقلمة أكثر إحكاماً من ناحية السيناريو - وفوق ذلك، فالفيلم واحدٌ من الأفلام التي اصطلح على تسميتها "أفلام المحرقة" مثله مثل أفلام: قائمة شندلر، والحياة حلوة، ومنذ فترة قريبة القارئ، وجميعها أفلامٌ تحظى بانتشارٍ واسع وقبول عامٍ بين النقاد. ومع أن فيلم الصبي في المنامة المقلمة يتفوق على فيلم القارئ كثيراً، إلا أن الأخير نال الكثير من الثناء النقدي وحصل على عددٍ كبيرٍ من الجوائز، منها جائزة أوسكار أفضل ممثلة لكيت وينسلت.
مع ذلك، فالأفلام الجيدة لا تصنعها الجوائز، وفيلم الصبي في المنامة المقلمة واحدٌ من الأفلام التي تدل على أن العصر الحالي للسينما عصرٌ زاهٍ قادرٌ على إنتاج أفلامٍ جميلة مشغولة بحرفيةٍ عالية، كما أنه فيلمٌ ذو قيمة إنسانية عالية. وإن كانت ثيمة (المحرقة) التي يدور حولها عاملاً يصد عنه النقاد، أولئك الذين يؤمنون بالمحرقة كأنها دين، وأولئك الذين ينكرون حدوثها على حدٍ سواء. والواقع أن لادعاءات كلا الطرفين أساس: فمن يُنكر المحرقة - أو يراها في أحسن الأحوال ذريعة يهودية لابتزاز العالم - سيرفض الفيلم كإضافة جديدة إلى تراث الابتزاز اليهودي عن طريق الأفلام، ومن يؤمن بها يراه عرضاً لمأساة أسرةٍ نازية "يُصادر المحرقة ويحولها إلى قصةٍ عن النازية وطفلها الجميل كالدمية" كما فعلت مانولا دارجِس، ناقدة الأفلام في جريدة "نيويورك تايمز".
الفيلم مأخوذ عن رواية جيمس بوين بالعنوان ذاته، وله العمق الذي يُميز الأفلام المأخوذة عن أعمالٍ أدبية. ويعمل فيه المخرج مارك هرمان - الذي كتب السيناريو أيضاً - على تقديم فيلمٍ مشدود الأطراف، مع الاحتفاظ بكاميرا مُحلقة تتبع طفلاً صغيراً كثير الحركة. يحكي الفيلم قصة صبي في الثامنة من عُمره يُسمى برونو، يحب الاستكشاف والمغامرة ويريد أن يُصبح مستكشفاً، أبوه ضابطٌ نازي عالي الرتبة، وأمه ربة بيت لطيفة، وشقيقته الكبرى فتاة عادية تحب الدُمى. تتغير حياة برونو وأسرته حينما ينال أبوه ترقية وتنتقل أسرته إلى منطقة ريفية معزولة حيث لا أصدقاء هُناك، بل جنودٌ نازيون مخيفون. من نافذته، يرى برونو مزرعة غريبة حيث المزارعون يرتدون (مناماتٍ مقلمة) ويُخبر أمه بذلك، ليتضح أن أباه انتقل ليُدير معسكر اعتقالٍ نازي وأن المزارعين ذوي المنامات المقلمة ليسوا إلا السجناء اليهود في المعسكر. لا يُخبر أحدٌ برونو بالحقيقة، بل يتركونه يعتقد أن المعسكر البعيد مزرعة فعلاً. غير أن الصبي كثير الحركة يتسلل لاستكشاف الغابة وما وراءها ليصل إلى أسوار المعسكر، حيث يقابل صبياً في مثل سنه يُسمى شمو. ومع الوقت، يُصبح برونو وشمو صديقين من خلال أسوار السياج، ويظل برونو يعتقد أن المنامات المقلمة والأرقام التي عليها لعبة يلعبها شمو ورفاقه في المعسكر.
غير أن حياة برونو تتعقد أكثر بمعاملة الملازم كوتلر - مرافق العائلة - للعامل اليهودي في المنزل، وبإصرار معلمه وأخته وأبيه على أن اليهود هم العدو. ويزداد الأمر سوءاً حين تكتشف أمه بالصدفة سر الرائحة الكريهة التي تنتشر في المكان، فتتسمم علاقاتها بأبيه. ثم يُصدم برونو في أبيه حينما يتغاضى أبوه عن قيام الملازم كوتلر بضرب العامل اليهودي حتى الموت. يتحول اندفاع برونو الطفولي إلى خوفٍ ممن حوله، وشعورٍ بالذنب لصداقته لشمو الذي يُفترض أن يكون عدوه. حتى يجد شمو في منزله مكان العامل السابق، فيقدم إليه بعض الحلوى ببراءة ويخبره عما تقوله أخته عن اليهود ويقوله المعلم. يدخل الملازم كوتلر ويتهم شمو بسرقة الطعام، فيدافع شمو عن نفسه بأن صديقه برونو أعطاه أياه. ويُنكر برونو الخائف أن يكون قد عرف شمو من قبل، ليسقط الطفل هو الآخر في مهلكة الإنكار والذنب.
يحاول برونو الاعتذار من شمو - الذي يتعرض لضربٍ مبرح يختفي على إثره فترة طويلة - ويعودان صديقين. ثم تقرر أم برونو أنها يجب أن تعود بطفليها من المعسكر قبل أن تخسرهما، فابنتها غريتل قد بدأت تتحول إلى نازية نموذجية، وابنها برونو محاصر بالذنب والإنكار. يذهب برونو لوداع شمو، لكنه يُقرر أن يُساعده في إيجاد والده أولاً ليعوضه عن إنكاره إياه من قبل، ويرفع عن نفسه شعوره بالذنب.
الفيلم مبني على التفاصيل الصغيرة في علاقة برونو بشمو، والشر الذي يدور في المكان الجميل والهادئ ينكشف تدريجياً من دون أن يُدركه الطفل الذي يُحب الاستكشاف، غير أن براءته لا تحميه من الشعور بالخوف والذنب. والأسرة النازية في الفيلم أسرة عادية ومحبة، لا يتميز أيٌ من أفرادها بأي شرٍ ظاهر. غير أن الأب يسقط في قبوله للممارسات النازية وتعطيله لضميره بدعوى أن هذا واجبه الوطني، ويسقط في سكوته عن قتل كوتلر للعامل اليهودي في بيته، ويسقط عندما يبلغ بكوتلر نفسه لأن كوتلر لم يشِ بأبيه المعارض للحزب النازي. ويأتي سقوط الأب الأكبر، حين يقتنع برونو - من مشاهدته لفيلمٍ عن المعسكرات النازية - أن المساجين مثل شمو ينعمون بحياةٍ جميلة تغريه باستكشافها.
رغم بساطة الفيلم الظاهرية، فإنه يدور على مستوياتٍ عديدة، وطبقاته كثيرة التعقيد. فالفيلم عن البراءة التي تعيش قرب الشر الذي يبتلعها في النهاية، والفيلم عن التوحش الإنساني الذي يبلغ مبلغاً يجعل الإنسان ينزع الإنسانية عن الآخرين ليعذبهم. لا توجد شخصية نازية أحادية البعد في الفيلم - باستثناء المعلم هر ليتس - ولعل ذلك ما أحنق النقاد اليهود، بينما الشخصيات اليهودية غائبة، أو أحادية البعد. فرولف - قمندان المعسكر - أبٌ وزوجٌ مُحب، وليس مجرد ضابطٍ نازي بلا روح. والملازم كوتلر النازي العدواني إنسانٌ بطريقته، فبسبب رفضه الوشاية بأبيه يُرسل إلى الجبهة، ورغم معاملته الكريهة لشمو فإنه يحب برونو - على طريقته. وإلسا - الأم - امرأة لطيفة ومُحبة، وأمٌ عظيمة. وغريتل التي تتحول من فتاة مُحبة للدمى إلى فتاة مخلصة للنازية ضحية للبروباغندا التي تشيع في البيت.
فيلم الصبي في المنامة المقلمة ليس عن المحرقة التي تقضي على اليهود فحسب، وإنما عن المحرقة التي تلتهم الأسرة النازية. فالصبي في المنامة المقلمة برونو كما هو شمو. (ما يُذكر بانتقال الأدوار في فيلم ابنة بولين الأخرى، ففي البداية تكون الأخرى ماري بولين، ثم تصبح آن بولين). والمحرقة آذت اليهود، لكنها سلبت روح ألمانيا أيضاً. والناتج، فيلمٌ يُقدم رؤية إنسانية للنازيين واليهود، ولألمانيا التي مزقتها المحرقة. كما أنه يُقدم رؤية للكيفية التي يبيع بها الإنسان روحه تدريجياً للشر بسبب ضعفه، والأكاذيب التي ينسجها لنفسه، أو ينسجها الآخرون حوله.
أداء الممثلين في الفيلم آسر، بحيث يصعُب أن ينأى المشاهد بنفسه عن الشخصيات، ويجد نفسه متعاطفاً معها إلى النهاية. كما أن الإخراج وتصوير بنوي ديلوم في غاية الجمال، حيث تصبح الكاميرا أداة للتعبير، فتحلق مع برونو حينما ينطلق ليستكشف العالم، وتدور معه مندهشة من عالم الكبار، وتخاف من الجنود معه. ثم تتحول إلى شاهدةٍ عليه حين يُنكر صديقه، وحين يتسلل ليشاهد كيف تُقدم النازية حياة الجنود. تواجه الكاميرا الأب في النهاية، وتتعاطف مع الأم. لكنها تنتهي شاهدة محايدة. أما موسيقى جيمس هورنر المصاحبة للفيلم فترافق الكاميرا منذ المشهد الأول لتحلق مع برونو في مقطوعاتٍ جميلةٍ متفردة تدخل في نسيج الفيلم، وتخدمه. الفيلمُ من إنتاجٍ بريطاني ساهمت فيه هيئة الإذاعة البريطانية BBC وشركة ميراماكس، وأنتجه ديفد هيمان، مُنتج سلسلة أفلام هاري بوتر الشهير.

الصبي في المنامة المقلمة (2008) - مارك هرمان (إخراج وسيناريو) - تمثيل: آسا بترفيلد (برونو)، جاك سكانلون (شمو)، فيرا فارميغا (الأم)، ديفد ثويلز (الأب)، آمبر بيتي (غريتل)، روبرت فريند (الملازم كوتلر) - ديفد هيمان (منتج) - بنوي ديلوم (تصوير) - جاك هورنر (موسيقى) - BBC وHeyday (إنتاج) - ميراماكس (توزيع)

شريط الصبي في المنامة المقلمة الصوتي - موسيقى: جاك هورنر - من موقع يوتيوب