29 أبريل 2008

الثاني: أنت لست ستيفن كنغ

(مع الاعتذار لمن يحملون اسم ستيفن كنغ، ويزيد عددهم عن ألفٍ وخمسمائة شخصٍ في الولايات المتحدة الأمريكية)

تحاول نظرياتٌ كثيرة تفسير النجاح المذهل لستيفن كنغ، يتضمن معظمها عناصر التوقيت (انبعاث الرعب الأعظم في السبعينات) والحظ (مخرج عبقري يحول روايته الأولى إلى فيلمٍ ناجح)، ومعرفة واسعة بجمهوره (هناك سببٌ يجعل معظم رواياته تدور في أمريكا المعاصرة). حتى أن ستيفن كنغ نفسه قال في محفل عام أن الموهبة كانت الجزء الأسهل في مسيرة نجاحه.
أتى وقت اعتقد فيه القادمون الجُدد الكُسالى أن كُل ما عليهم فعله هو كتابة كتابٍ سميك ومخيف عن بيلي القرد الملوث بالشحم الذي يوقف الشاحنات، والوحش ذي الفم الكبير الذي ينسكب منه اللعاب من قلب أمريكا المظلم، وسيكتب لهم الناشرون شيكاتٍ من سبعة أرقام. لكن – كما يستطيع أي ستيفن كنغ مستنسخ باحثٍ عن الشهرة أن يخبرك – انبعاث الرعب قد انتهى منذ أمدٍ بعيد.
هناك سببٌ يجعل ستيفن كنغ يستمر في الكتابة. قد يكون عقدان من النجاح وربع مليار دولار دافعاً عقلانياً للاستمرار، لكنني أرى شخصياً أن السبب الذي يجعله يستمر في الكتابة الآن هو نفسه الذي جعله يستمر بعد أربع رواياتٍ مبكرةٍ فاشلة، حزمة مجلات، ووظيفة في مغسلةٍ بستين دولاراً في الأسبوع.
هناك مكانٌ في السوق لكاتب رعب يبيع كثيراً، لكنه لن يكون أنت.

شون لندسي، 31 أكتوبر 2006
Reason #2: You Are Not Stephen King

ملاحظة:
السبب الثالث عشر: أنت لست دان براون

تعليق: ولستَ جي. كيه. رولنغ
أجل، لستَ جي. كيه. رولنغ أيضاً.
أولئك الذين لا يزالون في مرحلتي العمرية، يعرفون رولنغ خيراً مما يعرفون كنغ – الذي سمعوا به عن طريق الإنتاجات السينمائية الأحدث لأعماله كالميل الأخضر، والنافذة السرية، و1408– وبالنسبة لهم، فإن رولنغ هي المقياس المطلق للنجاح الأدبي باعتبارها أول كاتبة في العالم تصبح مليارديرة من الكتابة فقط، وتتحول إلى أحد أكثر الأشخاص تأثيراً في العالم.
(GO SISTER! GO!)
بسبب شعبية هاري بوتر الطاغية، انتشرت صرعة (الفان فيكشن) في العالم، بلغات لم يخطر على بال نقادها يوماً أنهم سيواجهون شيئاً كذلك – أنظر: عالم أكلة الموت: الحُب في زمن الرحيل – وأصبح رائجاً كتابة أدبٍ (فانتازي) على منوال هاري بوتر، إما في صورة فان فيكشن صريح، أو في هيئة متخفية لا تخدع أحداً بوهم أن الوافد الجديد سيصبح رولنغ القادم، وسيتحدى أسطورة هاري بوتر. وفي بلادِ تعتبر الأدب الفانتازي (قلة قيمة) كالبلاد العربية، يعتبر مقلدو رولنغ أنفسهم كشهداء المسيحية الأوائل الذين ألقاهم أباطرة الرومان للأسود، فالنقاد يكرهونهم، والجمهور لم يعتد عليهم بعد. إنه المجد من جميع أطرافه!
رولنغ هي رولنغ، ولن يستطيع أحدٌ أن يكون هي، أو أن يكون رولنغ القادم. صحيح أن هُناك صخباً كثيراً حول الأدب الفانتازي هذه الأيام، وصحيح أن النقاد أخذوا ينفضون غبار كتب الحكايات التي سخروا منها قبل أجيال ليؤرخوا له، لكن الواقع أنه لا أحد من مقلدي رولنغ سيستطيع أن يركب جواد الفانتازيا الجامح ليختال به.
وحتماً، لن تكون أنت من سيدخل الفانتازيا إلى الأدب العربي من أوسع الأبواب.

27 أبريل 2008

الأول: أنت لا تشتري كتباً!

كم كتاباً اشتريت في السنوات الخمس الماضية؟
خمن، ثم استبعد الكتب التي تقع في أحد التصنيفات التالية:
  • غير الخيالية
  • الهدايا
  • الكتب التي تباع في التصفية
  • الكتب المستعملة
  • كتب المشاهير (التي يكتبها عنهم كاتب شبح)
  • المنشورة قبل 2001
إذا كان مجموع الكتب المتبقية قد أصبح صفراً، تخلَ عن عبث أن تكون كاتباً منشوراً. فوراً.
إذا بقيت لك كتبٌ بعد الاستبعاد، واصل الاستبعاد:
  • المؤلفون المكرسون (قبل 2001)
  • أي شيء منشور وقد كُتب عليه (الأفضل مبيعاً) أو (أوبرا)
  • الكتب التي أوصى بها صديق أو فردٌ في العائلة
  • أي شيء لمؤلف تعرفه شخصياً
إذا تبقت لك كتبٌ بعد هذا الاستبعاد، تهانينا. انتقل إلى السبب الثاني.

إذا لم تخاطر بالمراهنة على كاتبٍ جديد وغير مثبت في السنوات الخمس الأخيرة، فلماذا – بحق الجحيم – تفترض أنه سيوجد من سيُخاطر باقتناء كتابٍ لك أنت؟

شون لندسي، 30 أكتوبر 2006
Reason #1: You Don't Buy Books

تعليق: ليس ثمة موجبٌ للدهشة!
باعتبار أننا حالياً في عام 2008، ينبغي أن يكون التساؤل عن الكتب المنشورة قبل 2003، والكتاب المكرسين قبل هذا العام. تبقى الفكرة واحدة في جميع الأحوال، فإذا لم يُخاطر المرء باقتناء كتابٍ لكاتبٍ جديد لم يثبت بعد أنه موهوب، أو مُعترفٌ به نقدياً، كيف يعتقد أن هناك من سيقرأ له؟
السبب الأول من أسباب التوقف عن الكتابة ليس اكتشافاً جديداً أو مفاجئاً، ولكونه أول سببٍ ما يُبرره، فمنذ زمنٍ والكُتاب الجدد يتهمون الكتاب الكبار بأنهم يجافونهم، ويتذمرون من عداء الجمهور لهم. لكن، في ظل ظروفٍ معيشية تزداد صعوبة من يومٍ لآخر، يصبح الكتاب - شيئاً فشيئاً - سلعة كمالية ينبغي الحرص عند اقتنائها، فاقتناء كتابٍ رديء يشبه رمي المال في القمامة، وعندها يكون الأسلم الالتزام باقتناء كتبٍ لكتابٍ معروفين كضمانة على جودة المنتج. الاقتناء لاسمٍ (يبيع) مثل غابرييل غارسيا ماركيز، إيزابيل أليندي، نجيب محفوظ. أو كتابٍ (يبيع) لأسبابٍ عديدة: مصادرة، إهدار دم الكاتب، ضجة عالمية تثار حوله، فيلمٌ ينتج عنه. وفي الغالب، فإن الاتجاه في السوق العربية هو تفضيل الكتب الأجنبية، بالإنكليزية أحياناً – مكتوبة بها أصلاً أو مترجمة إليها عن لغاتٍ أخرى – مع تجاهلٍ تام لأي ترجمة عربية بغض النظر عن جودتها. وعندما يحاول قراء الكتب الأجنبية الكتابة، يكتبون بشبه عربية كسيحة، لأنهم لا يقرأون بها، سواء ما كتب بها أصلاً، أو نُقل إليها عن لغةٍ أخرى.
كلٌ يقرأ لسببه الخاص، أو أسبابه الخاصة، ومن النادر أن يكون ضمن أسباب القراءة التعرف على كاتبٍ جديدٍ لم ينصح به أحد، ولم يسمع به أحد قبلاً. القراءة ليست مرادفاً للثقافة، والثقافة ليست مرادفاً للشجاعة، والشجاعة ليست مرادفاً للتهور الذي يقود المرء إلى المقامرة بمالٍ شحيحٍ لشراء كتابٍ جديدٍ بائس لكاتبٍ يحاول أن يتهجى مفردات العالم خارجه قبل أن يتهجى عالمه.

25 أبريل 2008

مائة سبب وسبب للتوقف عن الكتابة!

إذا أردت التوقف عن الكتابة، فلن أحتاج لمائة سببٍ وسبب.
يكفيني سببٌ واحدٌ لأتوقف عن الكتابة، هو أن أكف عن أن أكون "شبه مريضة بالظلال" كسيدة شالوت، لأصبح مريضة بها تماماً. حينئذٍ ستختلط أوراق الوجود، ولن يعود ثمة واقعٌ أو خيال. ستصبح الكتابة عدماً، وستتوقف عن كونها وسيلة للوجود.

بعيداً عن هذه الأفكار شبه الفلسفية، يُقدم شون لندسي في مدونته مائة سبب وسبب للتوقف عن الكتابة 101 Reasons to Stop Writing أسباباً واقعية لوضع الأقلام جانباً، وإغلاق برامج معالجة الكلمات، ومحاولة البحث عن مهنة أفضل بدل تضييع العُمر في الظلال، وتضليل القراء بكلماتٍ متقاطعة يدعوها أصحابها أدباً.
حتى الآن، وضع لندسي سبعة عشر سبباً للتوقف عن الكتابة، وينوي المتابعة حتى يُنهي جميع أسبابه المائة ويضيف عليها سبباً. التاريخ الذي يتوقعه للانتهاء من أسبابه هو الرابع والعشرون من مارس 2016، ولا يبدو أن بُعد التاريخ يفت من عضده. ففي الطريق، قد يتوقف كثيرون عن الكتابة، وعند الاكتمال، ستكون الأسباب تذكيراً لكل شاردٍ جديد يشاء أن يكتب.
الفكرة الأساسية للمدونة هي أن الكُتاب قد لقوا تشجيعاً زائداً عن اللزوم ليكتبوا، بحيث صار من الواجب الآن إحباطهم ليتوقف سيل الأدب الرديء عن الإنهمار على القراء كمطر الضفادع الشهير. الحديث عن اتباع الأحلام بات قديماً جداً، وبات من الواجب الآن رد من أصابتهم لوثة الكتابة إلى جادة الصواب، وإرشادهم إلى أعمالٍ تنفع المجتمع بدل الإسهام في انحلاله بإعدام الذائقة الجمالية له.
قد يسقط خلال المسيرة أدباء كان مُقدراً لهم أن يُنتجوا أدباً عظيماً، لكن لندسي مستعدٌ للتضحية ببضعة أدباء جيدين مقابل الخلاص من طوفان الهراء الذي تطبعه المطابع يومياً، والذي ينتشر كالهواء في كُل مكانٍ، يزيده الفضاء السايبري تمدداً، ليتفوق على الهايدرا ذات الرؤوس السبعة التي كُلما قطع منها رأسٌ نبتت مكانها أخرى.
أسلوب لندسي ساخر، منطقه قوي، وحجته دامغة يصعب النيل منها أو زعزعتها. ما يجعل نشر أسبابه ومقالاته أمراً يستحق، لأن قراءة أسبابه السبعة عشر، تدل على أن المشاكل الأدبية لا تختلف بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالم العربي إطلاقاً، بل إن المرء قد يُعمم ليقول أن مشكلة انتشار الأدب الرديء واحدة في كُل العالم، تُعاد صياغة التعبير عنها بطرقٍ مختلفة في لغاتٍ مختلفة.
بالإضافة إلى الأسباب للتوقف عن الكتابة، يُزود لندسي ضحايا أشباه الكتاب بمثبطات على هيئة بطاقاتٍ وهدايا للمناسبات المختلفة تحمل عبارات تهدف إلى تثبيط عزيمة شبه الكاتب ورده عن غيه. هُناك أيضاً اقتباساتٌ ذكية من كتابٍ وناشرين عن الكُتاب الذين لا يستطيعون الكتابة، وتعليقاتٌ مختلفة على أحداثٍ أدبية في الولايات المتحدة والعالم الغربي عموماً. ومعارك عنيفة ضد مسابقة "كتابة رواية في شهر" وما شابهها من مارثونات أدبية جنونية تجري في الغرب.
أعتقد أن ما يكتبه لندسي نقدٌ ذكي جداً للأدباء الجدد الذين يحولون فشلهم الأدبي، ولغتهم الرديئة، وقواعدهم التي لم يسمع بها عالم لغة من قبل، وتعبيراتهم الركيكة، وأساليبهم الفجة، وتذاكيهم المفضوح إلى ما يدعونه (كتابة جديدة) ستقلب كُل المقاييس. يقول لهم: "هذا مكانكم، فلا تحاولوا خلط الأوراق وقلب الحقائق." ولذلك قررتُ أن أترجم أسبابه، ومتفرقاتٍ من مقالاته - ذات علاقة بالواقع الأدبي العربي - إلى العربية، وأنشرها في مدونتي بعد إضافة تعليقاتي على النص - خارج الترجمة -، فأخذت الإذن منه مباشرة، وقبل ذلك بسرور.
الأسبابُ آتيةٌ بالعربية، لعلها تلقي حجراً في البركة الراكدة، أو يُسمع لها صدى في الوادي البعيد!

24 أبريل 2008

جيوب مثقلة بالحجارة

I told you. She was crazy !
كان هذا تعليقي على صرخات الاستنكار والاحتجاج التي عمت صف التحليل الأدبي حين تحدث الدكتور الجديد عن انتحار فرجينيا وولف من الوحدة. لامتني اللائمات لأنني أخفيت عنهن الحقيقة المروعة عن تلك السيدة البغيضة، مع أنني قد قلت للجميع منذ سنتنا الأولى أن وولف كانت "غريبة أطوارٍ موهوبة على نحوٍ ما"، مجنونة - بالتعبير الشعبي -، وانتهت إلى إغراق نفسها ذات صباحٍ بعد أن ملأت جيوبها بالحجارة في نوبة كآبة شديدة.
لماذا انتحرت فرجينيا وولف؟
بقي السؤالُ مُحيراً حتى الآن، وسبب كونه كذلك امتلاك كُلٍ لإجابةٍ ما عليه. علماء النفس المحدثون ينفون عن وولف صفة "غريبة أطوارٍ موهوبة على نحو ما" ليصنفوها في خانة المصابين باضطراب ثنائية القطبية Bipolar Disorder الذي أصبح شهيراً هذه الأيام، وسرعان ما سيصبح موضة أدبية بعد أن ولت أيام الشيزوفرينيا والتوحد. المنظرون الأدبيون يتحدثون عن الوحدة القاتلة التي أوقعتها في شراكها. رجال الدين يتحدثون عن أزمة إيمان - إن وُجد من الأساس -. وهُناك آخرون يتحدثون عن مؤامرة من زوجها اليهودي ليونارد وولف جعلتها تفقد توازنها وتنتحر.
(هذه نظرية وجيهة عند الأخذ في الاعتبار أن وولف قد أعد العُدة لينتحر مع زوجته إذا ما احتل النازيون بريطانيا، الأمر الذي بوحي بفكرة الانتحار لزوجته التي يعلم تماماً أنها غير متزنة.)
انتحار فرجينيا وولف كان مصدراً للدراسات والأخبار، وحتى الإشاعات والفضائح - رغم أنني أعتقد أن انتحارات الأدباء ليست أحداثاً استثنائية لأنهم صنفٌ يحمل بذور فنائه فيه، ومن لم ينتحر منهم بملئ جيوبه بالحجارة والخوض في نهرٍ بارد صباحاً، أو تفجير رأسه برصاصة بندقيته، أو بقر أحشائه بسيف، أو بخنق نفسه بالغاز؛ انتحر بالحياة -، حتى أنه يكاد يطغى على حياتها أحياناً.
قبل أن أعرف فرجينيا وولف، كُنت أسمع لماماً مع مصطلح "تيار الوعي". يُقال أن قراءة روايات تيار الوعي صعبة جداً، لذلك تجنبتها حتى كبُرت، وتجنبت معها فرجينيا وولف التي ظل كتابها: غرفة تخص المرء وحده A Room of One's Own في الرف الثالث من الخزانة القريبة من الباب في مكتبة أبي باعتباره الكتاب الذي سأقرأه حين أكبر لأدخل عالم فرجينيا وولف الغامض والمعقد. كُل يومٍ، كُنت أراقب الكتاب من بعيدٍ بانتظار أن أكبر لأقرأه بناء على قراري الشخصي. وبين حينٍ وآخر ألقي نظرة على سيرة فرجينيا وولف العملاقة التي كتبها ابن أختها كوينتن بل، وصورتها المرسومة على الغلاف الأمامي شبحُ مضحك لامرأة رقيقة حتى أنني كنت أخشى لمس الكتاب لئلا تنكسر. وتحت وطأة الإحساس بالزمن، قررت أن النضج قرارٌ وليس وقتاً، فاستخرجت غرفة تخص المرء وحده من رفه، ونقلته إلى غرفتي حيث يُقيم منذ سنوات. قرأته، ومنذ أن قرأته شغفتني فكرة الغرفة التي تخص المرء وحده، خزانة أسراره، وملاذه بعيداً عن الآخرين الذين هم الجحيم كما وصفهم سارتر ولم يُخطئ. قيل كثيرٌ عن كتاب وولف، وما زال يُقال، باعتباره أول (مانفستو) نسوي يعطي إطاراً فكرياً للحركة النسوية في الأدب، لكن كل هذه الفوضى لم تكن تخصني. كانت الغرفة تخصني، وذكاء فرجينيا وولف الحاد، سخريتها اللاذعة، وطبيعتها الحادة التي تخالف صورتها الرقيقة.
في صورتها الشهيرة، تبدو فرجينيا ستيفن وولف امرأة حزينة، ضائعة، هشة، تبدو مجنونة، بل شبه مريضة بالظلال كسيدة شالوت. وبمجرد النظر إلى صورتها، أعرف لماذا تحتاج غرفة خاصة لتحميها من الحضور الثقيل للآخرين، الحضور الذي يكاد يسحق وجودها الشفيف، ويكسر عالمها الشبحي إلى قطعٍ مبعثرة لا نهائية. الآخرون اضطرابٌ كوني يُعكر سلامها الداخلي ويحوله إلى حروب طاحنة مع كائناتٍ لا ترى، وأفكارٍ لا يُمكن اكتناهها. حضورهم يُعمق عزلتها، ويهز أركان صفائها الداخلي. إنهم يأتون، يمضون، يأتون، يمضون، يهزون رؤوسهم وأيديهم، يشتبكون في نقاشاتٍ لا تنتهي، يزعجونها لأمورٍ تافهة، يضحكون، يصرخون، يعوون كالكلاب. يبعثرون روحها، وينثرون دواخلها، ثم يرحلون وقد تركوا المكان حُطاماً.
حتى في صورها اللاحقة بعد أن أصبحت امرأة ناضجة، وخرجت من وصاية السير ليزلي ستيفن إلى زواجٍ مستقر بليونارد وولف لتصبح سيدة مجتمع، وناشرة طموحة، وواحدة من أعمدة جماعة بلومزبري، لم تختلف فرجينيا وولف. سمنت قليلاً، ورسم الزمن مروره على ملامحها، لكنها احتفظت بتعبيرها الخاص. هي لا تنتمي إلى المكان، ولا تعرف أحداً فيه، ليست مدعوة، حضورها ليس مرحباً به. هي مجرد ظلٍ زائد عليها أن تختفي بسرعة، حتى لو كانت هي صاحبة المكان. فلا بُدَ من أنها لا تنتمي إليه. هي لا تنتمي لأحد. العالم خارج رأسها مجرد ظلالٍ لمخلوقات متوحشة، في داخلها، كُل شيء صافٍ، مرتب، وقور، لائق. هي سيدة الأشياء كلها، وهي وحدها تملكها. وحدها المدعوة إلى المكان الذي لا تخشى فيه أن تكون زائدة. غير أن الآخرين يستمرون في دك حصونها، حصناً، حصناً. تحملتهم لتسعة وخمسين عاماً، حتى بات الاحتمال عذاباً لا معنى له. لم تعد تطيق انعدام سلامها، ولا هُم يطيقون جنونها. الجنون الآن ألا تمضي نحو سلامها الخاص. في الصباح الباكر، سترتدي معطفها، وتملأ جيوبها بالحجارة، وتمضي إلى النهر. سيقولون أنها مجنونة، وسيبقون يقولون أنها مجنونة، ستكون جثتها قبيحة ومتورمة حين يجدونها، لا يهم. ستمضي الآن نحو غرفتها، حيث لا يزعجها الآخرون، حيث تبقى وحدها بسلام. ستمضي، بدون أي شيء غير جيوبٍ مثقلة بالحجارة.

22 أبريل 2008

أيام غريبة: مقاطع مبعثرة من حيوات الآخرين


كُلٌ يُشاهد الأفلامَ لسببٍ.
قد يكون لأنها أفلامٌ تحتل قائمة العشرة الأوائل في شباك التذاكر الأمريكي. أفلامٌ من نوعٍ يُفضله. وقع عليها مخرجٌ متميز. نصحه بها مُحرر النيويورك تايمز في مراجعته الأسبوعية التي يرسلها على البريد الإلكتروني. ......................
ينتمي فيلم أيام غريبة إلى أفلام الخيال العلمي التي لا أحبها. مخرجته كاثرين بيغلو مخرجة متميزة حقاً، لكن ليس إلى الدرجة التي تجعلني أشاهد كُل أفلامها لمجرد أنها لها. جيمس كاميرون مخرج جيد صاحب رؤية للعالم تمتاز بالبارانويا عبر عنها جيداً في فيلميه Terminator 1 and 2، ومن ثم تخلى عنها في 1998 لينال جائزة أوسكار عن تيتانك، لكنه ليس مفضلاً عندي بحيث أشاهد فيلماً لمجرد أنه كتب السيناريو له، كما أنه صاحب قصته. أحتاجُ إلى سببٍ لأشاهد الفيلم. وجدته! ريف فاينز!
فيلم أيام غريبة أولُ بطولة مطلقة لريف فاينز، وربما يكون الفيلم الوحيد الذي يظهر فيه من أوله إلى آخره من دون أن يكون مشوهاً. لذا يحتل مكانة مميزة لدى جمهور فاينز، وإن كان فيلماً من تلك الأفلام التي تُنتجُ لغرض أن تؤدي أداءً سيئاً في شباك التذاكر لا علاقة له أبداً بتراجع مداخيل السينما العامة.
يبدأ الفيلم بداية مُربكة حقاً، فالأحداث تجري من وجهة نظر الشخصية. والكاميرا تركض يُمنة ويُسرة متعثرة وكأنها عينا فارٍ من الشرطة بعد فشل عملية سطوٍ مسلحٍ يقوم بها مع اثنين من أصدقائه. تنتهي العملية بموته. ومن ثم يبدأ الفيلم حقاً، فيقدم الشرطي السابق وتاجر الحيوات المسجلة الحالي ليني نيرو (ريف فاينز) يتجادل مع وكيله التقني طالباً منه مقاطع لا تنتهي بالفشل أو الموت لأنها تجربة مريرة. أحداث الفيلم تبدأ عشية الثلاثين من ديسمبر 1999 وتمتد حتى دقيقتين من أول يناير 2000، ومحورها سعي ليني لتحرير صديقته السابقة فيث جستن (جولييت لويس) من سيطرة مغني الروك فايلو غانت وعصبته، وإقناعها بالعودة إليه. إيقاع الفيلم سريع ومتلاطم في محاولة للإمساك بخيوط أحداثٍ متفرقة عنيفة يتضح في النهاية أن خيطاً واحداً يجمعها. رجلا الشرطة الذين يطاردان بائعة الهوى آيريس بشراسة سادية مريعة. خطابات جيركو ون النارية عن بيع المسيح ويوم الدينونة. العنف المتفجر في كُل المدينة بين السُلطة والمتمردين وكأن فارس الحرب قد خرج من الختم الرابع كما جاء في سفر الرؤيا. ليني نيرو الذي يبيع لأناسٍ مقاطع من حياةِ أناسٍ آخرين. تجاربهم، أحاسيسهم، أفكارهم. يتاجر بالأحلام والحيوات المسجلة رقمياً على أقراصٍ مضغوطة، مباشرة من رؤوس أصحابها. ويعيد تكرار عيش مقاطع من حياته المتشظية عاجزاً عن الخروج من الماضي. محاولات صديقته ميسي (أنجيلا باسيت) مساعدته بعد أن أصبح هدفاً لمطاردٍ مجهول أرسل إليه قرصاً مضغوطاً يتضمن اغتصاب وقتل آيريس التي كان الشرطيان يلاحقانها سابقاً. آيريس صديقة فيث، ما يجعلها في خطر. يحاول ليني إنقاذها دون فائدة، ففي كُل مرة ترفضه وتنبذه. القرص الذي تسبب في قتل آيريس كان عن قيام اثنين من رجال الشُرطة بإعدام جيركو ون أحد أعمدة المجتمع الأسود. تقرر ميسي أن تذيع حقيقة مقتل جيركو ون للعالم. وفي محاولتها مع ليني لاكتشاف قاتل آيريس والهروب من مطاردة الشرطة الشرسة لهما، يقنعهما ماكس (توم سايزمور) صديق ليني أن الشرطة قد نظمت فرقة إعدام للتخلص من كُل العناصر المشاغبة في المدينة، لتستمر المطاردة، ويتضح في النهاية أن كُل ما سبق كان خيط أكاذيب. وينتهي كُل شيء على خيرٍ بتخلي ليني عن تهريب حيوات الآخرين، وعن فيث (الإيمان)، لأجل حبه الحقيقي، ميسي.
يعد الفيلم وعوداً كبيرة، لكنه - بعد ساعتين ونصف من اللهاث خلف فتات الحقائق - ينتهي نهاية تصالحية تقليدية، قد تكون نهاية ملائمة لأي فيلمٍ آخر إلا فيلمٌ صُمِمَ - عن عمد - ليُرهق المشاهد. يصل الفيلم إلى خاتمة للعنف الذي يطحن المدينة برجل الشرطة الصالح، وإلى حلٍ للانسحاب من الحياة وفقدان الإيمان عن طريق الحب. أداء ريف فاينز وأنجيلا باسيت لدوريهما كان إحدى حسنات الفيلم، أما جولييت لويس وأداءها المزعج لدور فيث - المزعج والذي يضيف بكائية عقيمة إلى الفيلم - فقد كان أبرز مناطق الضعف في الفيلم. في النهاية، أيامٌ غريبة فيلمٌ غريبٌ حقاً!