14 مايو 2009

أوبئة موسمية!

قائمة من منظمة الصحة اللغوية ببعض الأوبئة اللغوية الموسمية المنتشرة في الفضائين السبراني والطباعي:

عن البقدونس نرغي
ينتشر مرض أنفلونزا شبه الجملة المقدمة على الجملة الفعلية في المواقع على الشبكة انتشاراً وبائياً يفوق انتشار أنفلونزا الخنازير في العالم الواقعي، فتجد الجميع يكتب: عن الحياة نتكلم، عن الثقافة نتحدث، عن الطب نتحاور.... بشكلٍ يجعل استخدام بناء الجملة القديم والصحيح: نتكلم عن شيء ما حيث الجملة الفعلية من الفعل والفاعل تسبق شبه الجملة من حرف الجر والمجرور شيئاً ما قبل تاريخياً كالمستحاثات، بحيث صار استخدام التعبير الصحيح أمراً (غير) أدبي، ومن الضرورة بمكان تحاشيه كما يتحاشى الصحيحُ الأجربَ، بينما يُقدم شبه الجُملة على مُبتدأ نكرة، لا على جملة فعلية، كقولهم: في البئر قطة.
أصول الوباء: يُشتبه في أن منبع الوباء قد جاء من سلسلة روايات مصرية للجيب، غير أن هذا الاشتباه غير مدعومٍ بأدلة قاطعة، وعليه فإن منظمة الصحة اللغوية توصي بالتحفظ في وضع السلسلة في الحجر اللغوي.

مائعاً جاء الزبادي
النطاق الجغرافي لانتشار متلازمة تقديم الحال على الجملة أقل اتساعاً من النطاق الجغرافي لانتشار أنفلونزا شبه الجملة المقدمة على الجملة الفعلية، لكن نسبة انتشاره الحالية تدعو إلى اتخاذ تدابير احترازية لمنع تفشي الوباء بشكلٍ كارثي يتعذر إصلاحه. موقع الحال الأصلي في الجملة يلي الفعل والفاعل، ولا يجوز تقديمه إلا في حالاتٍ محدودة بالدلالة المُبتغاة من التحويل، فقلب الجملة الأصلية: جاء الرجل غاضباً إلى غاضباً، جاء الرجل يضع التأكيد على حال الغضب، ويقلب غرض الجملة من الإعلام عن مجيء الرجل غاضباً إلى الإعلان عن غضب الرجل. لا يُعقل - بطبيعة الحال - أن يكون الحال مُقدماً في كُل الجمل التي تحتويه لأن امتهان تقديم الحال بهذه الطريقة نزع عنه دلالته.
أصول الوباء: لا تُعرف أصول الوباء على وجه الضبط أو التقريب، غير أن ثمة من يتكهن بكون مصدر الوباء مجموعة من الكتابات (الأدبية) الجديدة التي خدمت كحاضن مثالي للفيروس. وعليه، توصي منظمة الصحة اللغوية بالتزام الحذر التام، وباستخدام الفاصلة (،) بعد الحال في حالة الاضطرار إلى تقديمه.

فليأت الحساء
في فترةٍ ما كان النطاق الجغرافي لانتشار داء الفلأله أكثر اتساعاً من نطاق انتشار أنفلونزا شبه الجملة المقدمة على الجملة الفعلية ومتلازمة تقديم الحال على الجملة معاً، غير أن داء الفلألة آخذٌ في الانحسار بعد أن خسر مناطق نفوذه لأوبئة أخرى. الفاء حرف عطفٍ غالباً، غير أنها قد تقترن بجواب الشرط في الجُمل الشرطية المجزومة بشروطٍ معينة، وقد تكون فاء سببية كأن يقول أحدهم: ألا تحل عندي فأطعمك الحساء؟ وقد تسبق اللام في حالات أخرى غير شائعة - تكون فيها الفاء سببية أيضاً - فيقول أحدهم: أيدّعون ذلك! ويحهم! فليأتوا بحسائهم فنتذوقه! حيث الفاء سببية تُجيب على استنكارٍ وتحدٍ. ظهور داء الفلألة عند الأمر المُجرد غير المسبوق بما يستدعي حضور الفاء السببية علامة خطيرة على تفسخ البنية اللغوية تستدعي تدخل منظمة الصحة اللغوية.
أصول الوباء: لا تُعرف أصول هذا الوباء أيضاً، لا على وجه الضبط ولا على التقريب، غير أن منظمة الصحة اللغوية تُحذر من منتديات الشبكة العنكبوتية (المتأدبة) وبعض المدونات المتصفة بهذه الصفة كذلك بوصفها حاضنات مثالية للداء. وتوصي بالتزام الحذر التام عند استخدام الفاء واللام قبل الفعل المضارع بقصد الأمر.

إن عصيدتنا لخيرٌ من عصيدتكم!
ينتشر الوسواس التوكيدي القهري انتشاراً مزمناً، إذ أنه أحد أعراض البارانويا العربية المستفحلة. ويُعلن هذا الوسواس عن نفسه في هيئة العبارات المؤكدة كأن أحداً يُعارض المتكلم على طول الخط. الجملة - في اللغة العربية، إحدى اللغات الحية والعهدة على ويكيبيديا - تبدأ خبرية هكذا: سعيد بائس، فإذا توسم القائل في المستمع عدم تصديق أكدها بقوله: إن سعيداً بائسٌ، فإذا استمر المستمع في إنكاره لما قيل جاءته الجملة شديدة التوكيد: إن سعيداً لبائس! غير أن المتكلم (الذي لا نعلم حالته العقلية) يرى أن المستمع (الذي لا نعلم حالته العقلية كذلك) يكذبه قبل أن يتكلم، فيأتي كلامه كله مؤكداً: إن عصيدتنا لخيرٌ من عصيدتكم فإننا قد قمنا بإضافة الدقيق الفاخر إليها، وإن دقيقنا ليأتي من سوبر ماركت المدينة، وإن الدقيق الفاخر لعلامة على جودة العصيدة كما يعلم أي محب حقيقي للعصيدة، وإننا لمحبون للعصيدة!
أصول الوباء: ترى منظمة الصحة اللغوية أن أصل الوباء كامن في جنون الاضطهاد الذي يسم العقلية العربية منذ قرون، فالمتحدث يفترض دوماً أن المستمع يفترض فيه الكذب وسوء الطوية، ويأخذ أقواله على محمل الاستخفاف. توصي منظمة الصحة اللغوية المصابين بوسواس التوكيد القهري باللجوء إلى أساليب المعالجة النفسية المطولة المستخدمة في علاج أمراض الوسواس القهري، وتوصيهم باستشارة طبيب نفسي مؤهل لأن هذه المشكلة لا تُحل بكتب التنمية الذاتية التي تساهم في تدهور حالة المصابين بالوسواس التوكيدي القهري.

لـــــــــــــــ البـ ، طـ ا طس ــــذيـــــــــ المـ ، قلية ــــــــــذة
بدأ مرض جذام الجمل يتفشى في الفضاء السبراني بشكلٍ يستدعي اتخاذ تدابير عاجلة وحازمة للحد من التأثيرات المؤسفة لتشوه الجمل العربية بالجذام الذي يحولها إلى كتل خالية من المعنى يعافها النظر، ويؤدي إلى تدهور القدرات الإدراكية والسلوكية لدى المتعاملين بها. يتفشى الجذام الجملي في العناوين بشكلٍ رئيسي ، كما تظهر أعراضه على قصائد الشعر السبراني التي ترى منظمة الصحة اللغوية وجوب الحجر عليها منعاً لانتشار الوباء. تحذر منظمة الصحة اللغوية من هذا الوباء المعدي، وتدعو جميع المضطرين إلى التعامل مع الفضاءات السبرانية إلى التزام الحيطة والحذر عند الاقتراب من الجمل المجذومة.
أصول الوباء: تعتقد منظمة الصحة اللغوية أن أصل الوباء صناعي، وأنه قد جاء نتيجة لتجارب مباءات التخريب اللغوي التي تعرف بنفسها على أنها جماعات الشباب على الموضة، أو جماعات التجديد اللغوي، أو جماعات الدلع والغنج. وتُهيب بكل من يقترب من إحدى هذه البؤر سرعة الابتعاد عنها، وإبلاغ المنظمة والسلطات المحلية عنها.

ترجو لكم منظمة الصحة اللغوية السلامة من كل داء.

11 مايو 2009

ربة القدر

يا ربة القدر
يا مثيلة القمر
سنتك التحول
زمانك بدرٌ
وإما محاق.
الحياة مقيتة،
تغمينها،
ثم تريحينها
حين يقبضها الوهم.
الضعف والقوة
تذيبينهما كالثلج.

القدر: وحشي
وخالٍ،
عجلتك الدائرة شريرة
الوجود عدم
يتلاشى إلى لا شيء
متشحاً ظلالاً وأقنعة
تبتلينني الآن بلعبتك
تحنين ظهري العاري
لشرك.

القدر: في الرخاء والفضيلة
عدوي، يقتادني، يُثقلني،
يستعبدني دوماً.
لذا، الآن،
أعزف على الأوتار المهتزة
ولأن القدر يُهلك القوي،
ينتحب الجميع معي!

أندب جروح ربة القدر
بعينين دامعتين،
فكل ما وهبتني إياه،
سلبتني إياه.
حقيقة ما كُتب عن شعرها الجميل،
لكنها حين تحل لتقتنص سانحة،
صلعاء.

على عرشها كنت أجلس منتصباً
متوجاً بزهور الرغد كثيرة الألوان
مزهراً، سعيداً، ومباركاً.
الآن أهوي من حالقٍ،
محروماً من كل مجدِ.

تدور عجلة القدر،
أهوي مُحتقَراً،
يصعد آخر شاهقاً،
ليخش الهلاك!
لأنه قد كُتبِ على المحور:
الملكة هيكوبا.

03 مايو 2009

فوضى الغرباء

للغرباء دوماً فوضى ينثرونها
لكنني تعلمت محوها بطقطقة أصابعي
لا يمكنهم المشي ميلاً بحذائي إيف سان لوران
فأحكم ربطه، وأسير متخلصة منهم

جعلتهم يقولون: لا أصدق أنها فعلتها!
لم تفعلها!
جُنوا بطبيعتي الوحشية،
صاروا يقولون: نعم، فعلتها!
غير أنني لا أصدق أنها فعلتها!

حتى إذا حاولوا
ليس بإمكانهم السير ميلاً بهذا الحذاء
لا يمكنهم حتى ارتداؤه بشكل صحيح
حذاء السهرة أكبر من قدرتهم
فعشرة ملايين رجلٍ لا يمكنهم السير ميلاً بهذا الحذاء

أتبختر بضراوة
- حتى أن ستيفن قد استاء مني
ضاحكاً وساخراً مني وراء ظهري
لكنهم لن يحصلوا أبداً على أفضل ما عندي -
أراهم يرقصون رقصتي
وأسمعهم يغنون أغنيتي
أتفوق على الكل
لأنني نشأت هكذا

أمشي بفخر، لا أدع كراهيتهم تنالني
يتندمون حسرة
رؤوسهم تعلوا الماء ومع ذلك لا يمكنهم التنفس
تقعقع قدماي على الأرض بينما أخطو واثقة
وأتحداهم أن يسيروا ميلاً في حذائي

فحتى إذا حاولوا
ليس بإمكانهم السير ميلاً بهذا الحذاء
لا يمكنهم حتى ارتداؤه بشكل صحيح
حذاء السهرة أكبر من قدرتهم
فعشرة ملايين رجلٍ لا يمكنهم السير ميلاً بهذا الحذاء

01 مايو 2009

خضراء بلا لون

رغم أن الجميع - في المستعمرة - في حالة نكران للهوة التي تفصل بين جيلنا والأجيال السابقة، إلا أن مناسبة جديدة تحدث كل يوم - تقريباً - لتُذكرنا بأننا مختلفون - تماماً - حتى في تفسيرنا لأبسط العبارات. واحدة من هذه المناسبات - التي ظهرت فيها الفجوة الهائلة بين جيلنا وجيل أساتذتنا - كانت عندما قرر كبير المستعمرة الذي علمها السحر أن يُقدم إلينا عبارة نعوم تشومسكي الشهيرة التي فتنت جيله كمثال على العبارات السليمة لغوياً والتي لا تحمل أي معنى - كُنا نعرفها من قبل، بطبيعة الحال، لكنه أجبرنا على الإقرار بأننا لم نسمع بها:
الأفكار الخضراء بلا لونٍ تنام غاضبة.
Colourless green ideas sleep furiously.
مضى الدكتور في شرحه عن لا منطقية العبارة ولا جدواها رغم أنها سليمة من الناحية اللغوية، واصفاً إياها بأنه نوع من الكلام الفارغ الذي لا يُفسر ولا قيمة له، غير أنه قوطع مراراً حتى رضخ للأمر الواقع وسمح لنا بالتكلم لنعارض وجهة نظره تماماً. في الواقع، هذه العبارة واضحة ومفهومة ويمكن أن يكتبها أي صحفي مبتدئ في أي جريدة على وجه الأرض.
لكن، كيف ذلك؟ كيف تكون الأفكار خضراء وتكون بلا لونٍ في الوقت نفسه؟ كيف تكون الأفكار ملونة؟ كيف تنام؟ كيف تنام غاضبة؟
المسألة وما فيه أن هذا مجاز شائع الاستعمال حتى صار مستهلكاً وصار بديلاً للكلمات الأصلية. الجميع يعرف الطيف السياسي، المجاز صار العبارة الدالة على كنه الشيء. ماذا عن الأفكار الخضراء؟ هذا أكثر المجازات شيوعاً في الزمن الحاضر، الأفكار الخضراء المعتقدات البيئية. العبارة التي فتنت أجيالاً سابقة بلا معقوليتها تعني ببساطة:
أُحبِطَت التوجهات البيئية غير المُجيرة سياسياً مما أحنق الناشطين البيئيين.
بعد مناقشات ومناوشات، أقر الدكتور بأن في تفسيرنا للعبارة وجاهة، لكننا عدنا لنعترض، فالمسألة ليست تفسيراً وإنما المعنى الحرفي للعبارة فيما لو وُجدت مكتوبة على غلاف نيووزيك مثلاً! لا أحد سيُفكر في أي تفاسير أخرى - لا أحد من جيلنا على الأقل.
في مرحلة ما، حدث انقلاب في المعايير اللغوية والدلالية جعل ما فتن الأجيال الماضية صيغة مستهلكة من البلاغة الصحفية اليوم، وما أحنقهم الأمس محل تقدير اليوم. سنة الخلق.

07 أبريل 2009

أطفال بِرتُن

تِمْ بِرتُن في حفل استقبال جوائز مجلة إمباير وجيمسون/ تصوير: غارِث غاي، وكالة ألفا(تِمْ بِرتُن في حفل استقبال جوائز مجلة إمباير وجيمسون
تصوير: غارِث غاي، وكالة ألفا)

ليس مُستغرباً أن يُصدر المخرج الأمريكي الشهير تِمْ بِرتُن مجموعةً شعرية في 1996 عن دار فيبر وفيبر الشهيرة - ناشرة مجموعات ت. س. إليوت الشعرية، ومن بينها: كتاب الجُرذ العجوز عن القطط العملية - عنوانها: موت صبي المحارة الحزين، ومضمونها قصائد ورسومات عن أطفالٍ منبوذين بسبب هيئتهم وأقدارهم المحزنة، فهُناك "الفتاة التي تحولت إلى سرير"، و"الفتى الروبوت"، و"دمية الفودو"، و"الصبي العصا الذي يحب الفتاة عود الكبريت"، و"الفتاة كثيرة العيون" من بين قصائد أخرى كلها حول أطفالٍ مشوهين أو غريبي الخلقة بشكلٍ يتعذر معه قبولهم في المجتمع، ويجعل المجموعة تقترب من الرعب أحياناً. رسومات بِرتُن الطفولية ذات الطابع المُميز تحول الرُعب في الكتاب إلى تصويرٍ مُبالغٍ فيه يتعذر معه أن يكون حقيقياً، لكنه يبقى مرعباً وغريباً ومُنتمياً إلى عالمٍ آخر.
في أعمال تِمْ بِرتُن جانبٌ مُظلم مُخيف يمتزج بالكوميديا أحياناً، لكنه يبقى مُظلماً ومُرعباً. موضوعه المُفضل المنبوذون يظهر في كل أفلامه، حتى في الفيلم الذي صنع شهرته: باتمان (1989). أثار فيلم باتمان - الذي أعقب فيلمين (برتنيين) هما مغامرة بي-وي الكُبرى، وعصير الخنفساء - جدلاً كبيراً لأجوائه المُظلمة التي تختلف تماماً عن أجواء سلسلة باتمان المفرحة في السبعينيات، وأغضب بعض من كانت لهم علاقة بالسلسلة الأصلية. إعادة بِرتُن لاختراع باتمان وفق مفهومه الخاص أثبت كونه مُربحاً، رغم أنه مُظلم، وسمح لبِرتُن بتقديم رؤيته الخاصة عن شخصية الجوكر المشوهة (جاك نيكلسن) وعن ظُلمة غوثام المُقبضة. ثم أعقبه فيلم عودة باتمان ليُقدم نموذجاً أوضح عن الطفل البرتني المنبوذ: البطريق (داني ديفيتو) - واحدة من قصائد موت صبي المحارة الحزين تحمل عنوان "جيمي، الصبي البطريق البشع". كانت أجواء الفيلم الثاني أكثر ظلمة وكآبة من الفيلم الأول بكثير، وقد غابت عنها سخرية الجوكر وحسه السوداوي بالفكاهة، لتُستبدل بحقد البطريق وتشوهه الذي يعكس تشوهاً في أعماق غوثام. بعدها، توقف برتن عن العمل في سلسلة باتمان، وتراجعت جودة أفلام باتمان اللاحقة إذ أنها حاولت الحفاظ على الخط البرتني من دون أن تُفلح في تقديم نمط شخصياته بطريقة مُقنعة. - قبل أن ينهض كريس نولان بالسلسلة من جديد مُعطياً إياها روحاً جديدة لم تتخلَ تماماً عن أطفال بِرتُن المنبوذين وإن استبدلت المناخ النفسي الهائل لتشوه الشخصيات بانفجار في الحركة. -
الشخصية الرئيسية في فيلم إدوارد سيزرهاندز واحدٌ من أطفال بِرتُن المفضلين (يلعب الدور جوني ديب، الممثل المفضل عند بِرتُن)، طفلٌ اخترعه مخترعٌ غريب الأطوار توفي قبل أن يُتم صياغة يدي إدوارد، ليبقى إدوارد بيدين كالمقصات. يعيش إدوارد في ضاحية هادئة لا تتقبله، لكن أفرادها يحاولون التعرف عليه بغرض الرياء الاجتماعي، ويستغله كُلٌ منهم لأغراضه الخاصة. يرى جوني ديب وفنسنت برايس أن إدوارد سيزرهاندز سيرة ذاتية لطفولة تِمْ بِرتُن في ضواحي كاليفورنيا الراقية، حيث لم ينسجم ولم ينتمِ لأنه كان مختلفاً.
يُقدم تِمْ بِرتُن في فيلمي إد وود والمريخ يُهاجم! آيةَ تقديرٍ ساخرة لأفلام الخيال العلمي الرخيصة التي كان يُشاهدها في طفولته، فيُحيي في الفيلم الأول المخرج إد وود الابن الذي وُصف مرةً بأنه "أسوأ مُخرج في العالم"، وفي الثاني صُناع أفلام الكوارث وتُراث الرُعب الأرضي من المخلوقات القادمة من المريخ لتهاجمنا. يأخذ فيلم المريخ يُهاجم! كثيراً من ثيمات حرب العوالم لهربرت ج. ويلز بطريقةٍ ساخرة، ويجمع مجموعة متنافرة من الشخصيات في حبكةٍ ساخرةٍ تنتهي نهاية هزلية.
بعد كوميديا مرعبة ومُقبضة في المريخ يهاجم! قدم بِرتُن فيلماً مُقبضاً آخر: سليبي هولو الذي يتبع أسلوب الرعب القوطي - بروحٍ برتنية - ويتحدث عن طفلٍ برتني آخر فقد رأسه فاندفع يحتز رؤوس الآخرين ليجد رأسه. تقديم بِرتُن لأسطورة سليبي هولو كان مرعباً إلى حدٍ جعل الكثيرين يحتجون على كمية العنف الزائدة فيه. مع ذلك، حظي الفيلم بثناء نقدي لا بأس به، وكان علامةً على خروج بِرتُن عن خطه السوداوي ونمطه في الإخراج المُعتمد بكثافة على الظلمة والظلال.
في 2000، قدم بِرتُن فيلم كوكب القردة الذي قلل مُعظم النقاد من شأنه بوصفه نسخة فشارٍ عن الفيلم الأصلي، وغضب عليه كثيرون من معجبي تِمْ بِرتُن لخروجه التام عن البرتنية إلى الحد الذي وُصف معه دور بِرتُن في الفيلم بأنه الدور الذي يؤديه عامل يومية مأجور. مع ذلك، حقق كوكب القردة نجاحاً مادياً كبيراً في شباك التذاكر الأمريكي.
عاد تِمْ بِرتُن لمُبالغاته الفنية الساخرة في التصوير والتشخيص مع فيلم السمكة الكبيرة في 2003، ورُشح فيلمه هذا لعدة جوائز غولدن غلوب من دون أن يفوز بواحدة - وهي عادة بِرتُن مع الأوسكار والغولدن غلوب.
في تشارلي ومصنع الشكولاتة عاد بِرتُن من جديد إلى عوالمه الفانتازية المُقبضة، متحدثاً عن طفلٍ منبوذ - ويلي وونكا - يحاول الانتقام من أطفالٍ منبوذين آخرين. أعجب الفيلم النقاد كثيراً، وكان بالإضافة إلى نجاحه النقدي نجاحاً كبيراً في شُباك التذاكر الأمريكي.
بعد أن أثبتت البِرتُنية أنها تربح كثيراً - باتمان، سليبي هولو، تشارلي ومصنع الشكولاتة، وإلى حدٍ ما كوكب القردة - أصبحت لبِرتُن دالةٌ على شركات الإنتاج، ونفوذ كبيرٌ في هوليوود يجعله واحداً من قلةٍ يُمكنهم أن يفعلوا ما يحلوا لهم في أفلامهم من دون أن يجرؤ أي مديرٍ تنفيذي في إستوديوهات هوليوود على اعتراض طريقهم. خياراتُ بِرتُن كانت مُكلفة إنتاجياً، وغريبة الأطوار فنياً، وغير مؤكدة النجاح جماهيرياً، لكن ثقل اسم بِرتُن سمح له بتقديم فيلمه المُتحرك العروس الجثة الذي كان أكثر كآبة وإفزاعاً من أن يتوجه لجمهور الأطفال. في العروس الجثة يعود بِرتُن إلى أطفاله المنبوذين وعوالمه التي لا يُمكن أن تتلاقى، وطريقته المميزة في الرسم والتحريك، وألعاب الظُلمة التي يُجيدها. وبه أثبت أن البرتنية تحظى بالرضا النقدي، وبالقبول الجماهيري العريض. طريقة بِرتُن في فيلم العروس الجُثة الذي صُور بأسلوب التحريك والتوقيف أثرت في أفلامٍ كثيرةٍ لاحقة أحدثها كورالين.
مشروع بِرتُن الأكثر طموحاً في سنواتٍ عديدة كان تقديمه لمسرحية ستيفن سوندايم الشهيرة سويني تود: حلاق شارع فليت الشيطان. وفيه تعاون مع شريكة حياته هيلينا بونام كارتر وصديقه جوني ديب من جديد ليُقدم أول فيلمٍ موسيقي له يتميز بأجواء بِرتُن المُقبضة، وطريقته في التلوين واختياراته في طرق التصوير، وشخصياته المنبوذة المشوهة نفسياً بشكلٍ يستحيل معه إصلاحها. كمية العُنف والدماء في الفيلم أثارت اعتراضات بعض النقاد الذين استغرب بعضهم عدم اعتراض الرقابة على كميات الذبح في الفيلم، وانزعج بعض المشاهدون من توالى مشاهد الذبح وتقطيع اللحم على خلفياتٍ موسيقية. مع ذلك، فإن فيلم سويني تود واحدٌ من العلامات البرتنية المهمة، ويمتاز بتقديمه لجماليات أسلوب الإخراج البرتني، والأجواء البرتنية التي تجمع عوالم لا يُمكن جمعها، وتُقدم الشرير والمشوه والمُريع كجُزء من الحياة التي تكتسي ظلالاً مُهيمنة كتعبير عن هيمنة الشر.
بعد فيلم سويني تود قرر بِرتُن الانضمام إلى روبرت زيميكس ومجموعة المخرجين الذين قرروا ركوب قطار التصوير الحاسوبي ثلاثي الأبعاد السريع مع فيلمه المُقبل أليس في بلاد العجائب. ليستعين بأحدث تقنيات هوليوود في إحياء رواية لويس كارول على الطريقة البرتنية.
في كُل مشاريع تِمْ بِرتُن أطفالٌ منبوذون مشوهون أرواحهم هشة وحضورهم مُسيطر، هُناك ظُلمةٌ مهيمنة على المشهد، ومزج ألوانٌ بطريقة تعبيرية خاصة تُميز أعمال بِرتُن عن سواها. قد يكون أطفال بِرتُن الفنان الذي لا يُمكنه أن ينسجم في مجتمعه أبداً، وقد يكونون تعبيراً عن عملاق الحضارة الذي داس على كُل الضعفاء في طريقه. أطفالُ برتن جانب الحياة الذي تخفيه الظلال ولا نراه غالباً.