01 أبريل 2010

إد وود

ملصق فيلم إد وود
فيلم إد وود (1994) الفيلم الثاني في سلسلة الأفلام التي تعاون فيها الثنائي تِم بِرتُن وجوني ديب، وأكثر أفلام الاثنين اقتراباً من جوهر الإنسانية الرقيق والهش. قليلة الأفلام التي تصور الفرح والألم والبهجة والشك والتفاؤل والفن مثلما يفعل فيلم إد وود الذي كرم بهِ بِرتُن المُخرج الذي يُعتقد أنه أسوأ مُخرج على الإطلاق.
يعتقد بعض النقاد أن فيلم إدوارد سيزرهاندز (1990) - أول عملٍ مشترك بين بِرتُن وديب - الفيلم الذي يُقدم فيه بِرتُن شهادته الفنية بوصفه مخرجاً، وشهادته الإنسانية على الحياة بأوضح صورة، غير أن فيلم إد وود شخصي أكثر من إدوارد سيزرهاندز، وأكثر صدقاً وقُرباً إلى القلب. كُل شخصيات الفيلم شخصياتٌ واقعية - على خلاف شخصيات إدوارد سيزرهاندز - ومع ذلك، فإنها تُمثِل جو الغرابة والطرافة الذي يُميز بِرتُن، فإدوارد د. وود الابن يجمع حوله المنبوذين والمختلفين والموصومين مثلما يفعل تِم بِرتُن مع أطفاله الذين لفظهم المجتمع. ورغم أن بِرتُن مُخرجٌ ناجح يحظى بتمويل لا بأس به ليصنع أفلامه الناجحة، إلا أن جزءاً منه - ومن أي مُخرجٍ - يستطيع أن يجدَ نفسه في إد وود الذي يُشبه نفسه بأورسون ويلز، ويتحدث إليه ويلز نفسه عن همٍ مشترك بينهما - وبين كُل المخرجين: المساومة على رؤية المخرج الفنية لإرضاء المُمولين.
تم برتن مع جوني ديب وسارة جيسيكا باركر أثناء تصوير الفيلماختار بِرتُن تصوير فيلمه بالأبيض والأسود ليُحافظ على جو الفترة التي يتحدث عنها الفيلم، وليُعطي انطباعاً بالتقادم والانتماء إلى عالمٍ آخر يختلف عن العالم الحالي. اختيارُ بِرتُن للأبيض والأسود كان خياراً كارثياً في شباك التذاكر، لكنه كان خياراً موفقاً فنياً، إذ ركز على الأبيض والأسود، الظل والنور، ودرجات الألوان الوسطى بينهما في فيلمه. مُنذُ افتتاحيته - التي صمُمت لتستوحي افتتاحيات أفلام إد وود، خصوصاً الخطة التاسعة من الفضاء الخارجي- والفيلم يُقدم احتفاء بالسذاجة والفطرية. لا توجد خدعٌ متطورة في أفلام إد وود، ولا محاولات لإيهام المتلقي بأن ما يجري على الشاشة حقيقي. لا ينطلق وود من فلسفة تقتضي مشاركة المتلقي في الخداع، لكن من فكرة أن الرؤية العامة التي تحكم العمل ما يُهِم، والباقي مُجرد تفاصيل يُمكن التغاضي عنها. عندما يعترض ممولو الخطة التاسعة من الفضاء الخارجي على وضوح الديكور وبدائية الأخطاء التي يرتكبها وود، يرد عليهم معترضاً: "ألم تسمعوا بالتعطيل الإرادي لعدم التصديق أبداً؟" لا تهم تفاصيل المشهد، طالما أنه يروي قصةً معينة.
مقدمة الفيلم التي يُلقيها كريزول (جيفري جونز) من داخل تابوت تبدو هزلية لأول وهلة، إذ يسأل المشاهدين: "هل يُمكن لقلبك تحمل الحقائق الصادمة لقصة إدوارد د. وود الابن الحقيقية؟" - في إشارة لمقدمات أفلام إد وود التي يُفترض أنها مرعبة - لكن الهزل يتلاشى مع مرور أحداث الفيلم، فأحداث قصةُ إدوارد د. وود الابن تحتاج فعلاً إلى قلبٍ شجاع ليتحمل عمق الفيلم الإنساني، والمرآة التي يحملها في وجوه مشاهديه، لا ليروا أشكالهم، بل ليروا دواخلهم. يُرينا الفيلم ببساطة إد وود الإنسان، لا المخرج الرجيم الذي دمغه نقادُ السينما بوصمة أسوأ مخرج في التاريخ، ووُجِدت بعد موته طائفة تتبعه وتتبع ممثليه. لا يُدافع الفيلم عن أفلام وود، ولا يحاول أن يُظهِر أنه كان مُخرجاً رائعاً أُسيء فهمه، لكنه يُرينا العالم من خلال عينيه المنبهرتين المتفائلتين.
فيلم إد وود يُعيد النظر في كثيرٍ من الخرافات الفنية؛ هُناك اعتقادٌ شائع يرى أن الفنان العظيم ينبغي أن يكون طفلاً منبهراً مندهشاً، وإد وود كان طفلاً مندهشاً منبهراً متسع العينين لكنه لم يكن فناناً عظيماً. كانت عنده رؤية فنية، وكان مولعاً بفنه حقاً، ومثابراً، لكنه مع ذلك لم يتمكن من صُنعِ أفلامٍ جيدة. تعرض إلى النبذ الذي تعرض له جيمس كاميرون وتِم بِرتُن، لكنه لم يصنع تيتانك وآفاتار ولم يحقق أعلى المبيعات في شباك التذاكر، كما أنه لم يحول شغفه بالأشياء الغريبة إلى مصدرِ قوةٍ له كما فعل حامي المنبوذين الآخر تِم بِرتُن. إد وود كان صاحب رؤية - مثل الفنانين العظماء - لكنه لم يكن صاحب حرفة، لذلك فشل، فالرؤية لا تصنع عملاً فنياً وحدها. يدفع الفيلم المشاهدين للتساؤل عمّا يعنيه الفنُ حقيقة، وعن واقعية المقاييس الفنية المفروضة على الأعمال الفنية.
مثل بقية أطفال بِرتُن، إد وود طفلٌ منبوذ، لكنه طفلٌ يحمي بقية الأطفال المنبوذين الآخرين. يعمل إد وود مع أصدقائه دائماً - مثل تِم بِرتُن - ويقاوم نظام الإستوديوهات بالنجم الوحيد الذي يمكنه إقناعه بالعمل معه: بيلا لوغوسي. ورغم أن هوليوود قد أدارت ظهرها لبيلا لوغوسي منذ زمنٍ، إلا أن إد وود يؤمن به، ويحاول أن يجد له عملاً فيها باستمرار. كما أنه يتمسك بفريقه البائس، ويهرع لمساعدة فامبايرا عندما تفقد عملها، ويُقنع تور جونسون باحتراف التمثيل.
إد وود (جوني ديب) وبيلا لوغوسي (مارتن لاندو)صداقة إد وود وبيلا لوغوسي من أجملِ الصداقات التي يُصورها الفن، ومن المقومات التي تجعل فيلم إد وود ما هو عليه حقاً. إد وود مخرج أفلامٍ شاب يُريد أن يُثبت نفسه في المدينة التي لا ترحم، منبهرٌ ومتفائل دوماً. وبيلا لوغوسي نجمٌ هجرته الأضواء وهجرته هوليوود يُخطط للموت عمّا قريب هرباً من شيخوخة لا ترحم يستهلكها المرض والفقر والإدمان. يلتقيان صدفة بعد أن يُرفَض فيلم وود، وتبدأ صداقتهما التي يعتقد البعض أن وود استغل خلالها شهرة بيلا لوغوسي. في الفيلم، لا يوجد استغلال: بيلا وإد صديقان. يستعين بيلا بصديقه إد في مواجهة عجزه وشيخوخته، ويقاتل إد لأجل أن يحصل لنفسه ولبيلا على مكانٍ في هوليوود. تفاؤل إد الدائم وانبهاره بالحياة يتفاعل بشكلٍ عفوي مع سخرية بيلا المريرة، ومعاً يَضحَكَان ويَحزَنان ويتوجعان ويُوجِعان.
يأتي صحافيون لتصوير بيلا في المصحة التي يُعَالج فيها من الإدمان، فيطردهم إد، عندها يُعاتبه صديقه على طرده لهم، لقد ضيع عليه فرصة العودة إلى الصفحة الأولى ولو من بابِ الشماتة في مصيبته. إذا كانوا يُريدون أن يقتاتوا عليه، فلماذا يمنعهم؟ هذا عملهم. حوارُ بيلا وإد يصل أحياناً إلى درجة استشهادٍ شبيهة بتلك التي يُفترض أنها كانت لدى القديس فرانسيس: إذا كان يسرهم أن يسخروا منا، فلماذا نمنعهم من السخرية منا؟ في حفل افتتاح فيلم عروس الوحش، يكاد الجمهور يفتك بإد وبيلا وبقية الفريق، وبعد نجاتهم بالكاد. يضحك بيلا: "نعم! كان ذلك عرضاً افتتاحياً حقاً!" لقد كاد الجمهور يفتك بهم، وهذا أكثرُ حيوية من أن يشخر النقاد أثناء عرضهم، أو يصفق الجمهور، أو يخرج كأنه لم يدخل.
رفع بيلا لوغوسي الابن قضية على تِم بِرتُن ودينيس دي نوفي - منتجي الفيلم - ليمنع تصوير الفيلم وإظهار والده بشكلٍ لا يرضاه. الحكم النهائي جاء في صالح بِرتُن وفريقه، لأن لوغوسي شخصية عامة مملوكة للجميع، لا علامة تجارية يُمكن لورثته حصرُ استخدامها. قضية بيلا لوغوسي الابن تطرح سؤالاً آخر عن الخيانات العائلية الصغيرة التي نُريد لها أن تُنسى، لكنها تعود وترفض الرحيل. وعلى عكس لوغوسي الابن، ساعدت كاثي وود - أرملة إد وود - فريق الفيلم على تقديم العملِ الذي يشهدُ على وجود إد وود الإنساني.
يُصور إد وود أفلامه في أتعسِ ظروفٍ يُمكن تصورها، ولا يُعيد تصوير المشهد أبداً لأنه يرى كُل شيء كاملاً. انبهاره ليس مزيفاً، ورفضه لإعادة عملِ أي شيء ليس عن ضيق أفق، بل لأنه يرى كُلَ شيء كاملاً، ويُردد سطور الحوار منبهراً ودمعةٌ في عينه. تقول صديقته الأولى إن أفلامه سيئة جداً ولا أحد يشاهدها، وإنه يُضيع حياته وحياة أصدقائه، فيتوقف قليلاً، لكنه يُواصل - بعد ذلك - سعيه المحموم مع أصدقائه، حاشية المنبوذين المحيطة به.
في سعيه للحصول على التمويل يلجأ إد وود إلى تاجر لحومٍ لا يفقه شيئاً عن الأفلام، ومن ثم يُقنع الكنيسة المعمدانية بأن تُمول له فيلمه الأشهر الخطة التاسعة من الفضاء الخارجي بعدها اثني عشرَ فيلماً عن الحواريين من أرباح الفيلم. لأجلِ ذلك، يُقنع أصدقاءه جميعاً - طاقم الفيلم - بأن يتلقوا العماد، ويفعلون ذلك جميعاً لأجله. وفي ليلة افتتاح الفيلم، يبكى تأثراً لأن ذلك الفيلم الذي سيتذكره العالم به، وينطلق في المطر وبسيارة مملوءة بالمياه ليتزوج صديقته كاثي أوهارا التي ستصير زوجته لعشرين عاماً قادمة بكل ما فيها من مرارة وألم وبهجة. ينتهي الفيلم متفائلاً، ويقول إن إد وود بعدها انحدر إلى الإدمان - من دون أن يعرض هذه النهاية - ليبقى وفياً لروحه الإيجابية. بذلك، يكون الفيلم متناغماً، ومكتملاً فنياً. الفيلم لا يبدأ متفائلاً لينتهي بالتشاؤم والخراب، لكنه يحافظ على إيقاعه الذي ينظر إلى الحياة نظرةً إيجابية، ويتقبل الجميع كما هم. إد وود لا يُصدِرُ الأحكام، ويتقبل الجميع من دون تشكيك أو تساؤل. ورغم أنه قد يظهر كمن يعيش في الوهم، إلا أنه يُجبِرُ مشاهديه على سؤال أنفسهم عن حقيقتهم، وعن حقيقة العالم الذي أقاموه في خيالهم ووقفوا يحاكمون العالم الحقيقي وفقاً له. إن كُلَ شيءٍ كاملٌ كما هو، وأي تصورٌ عقلاني يُحدد الكامل لا يعدو كونه مُجرد زيف.
يُجبرنا الفيلم على إعادة النظر في تقييمنا السطحي للحياة: من السهلِ أن نجلسَ في مقاعد مريحةٍ ونحكم على مخرجٍ ما بأنه أسوأ مُخرجٍ في التاريخ، لكن حكمنا هذا يُسقِطُ من الاعتبار كُل الحيثيات المتعلقة بحياة هذا المخرج، وبالأفلام التي أنتجها. رُبما لم يُخرِج المواطن كِن، لكنه فعل ما بوسعه، وحاول أن يبقى وفياً لفنه، ولأصدقائه، ولما يعتقده مهماً في الحياة.
لا يستطيع كُلُ قلبٍ احتمال الثقل الحقيقي لقصة إدوارد د. وود الابن الحقيقية. يقول تِم بِرتُن هذا بفيلمٍ جميل مكتملٍ فنياً، يتشارك تصويره ومونتاجه مع موسيقاه لتجسيد السيناريو المكتوب بشجن، ويُكمل التمثيل الممتاز فيه أركانه.

إد وود (1994) - تِم بِرتُن (إخراج وإنتاج) - دينيس دي نوفي (إنتاج) - تمثيل: جوني ديب (إد وود)، مارتن لاندو (بيلا لوغوسي)، سارة جيسيكا باركر (دولوريس فولربيل موراي (بني بريكنردججورج ستيل (تور جونسون)، باتريشيا أركيت (كاثرين أوهارا) - سكوت ألكساندر ولاري كارازويسك (سيناريو) - ستيفان زابسكي (تصوير) - كريس ليبنزون (مونتاج) - هوارد شور (موسيقى) - أفلام تتشستون (توزيع)

23 مارس 2010

عوفل

مطلع هذا الشهر كان يوم اللغة العربية الذي احتُفِل به في كُل الدول العربية - تقريباً - بندواتٍ عن اللغة العربية، واحتفالاتٍ وتجمعات. قبل عقد ندوةٍ عن اللغة العربية، شاهدت في التلفاز برنامجاً خفيف الدم على إحدى قنوات اليمن الفضائية جعل من قضية فرض اللغة العربية الفُصحى على الشعب بالقانون محور حلقته. يُقدم البرنامج برنامجاً داخل البرنامج، وكأن هُناكَ برنامجاً يُغطي ردود الفعل الشعبية على فرض قانون اللغة العربية، فنرى مراسلي البرنامج الافتراضي ينزلون إلى الأسواق ليتحدثوا مع باعة الخضار والفواكه الذين أُجبِروا على استخدام اللغة العربية الفصحى في الترويج لبضائعهم ويذهبون لتسجيل لقاءات مع طلاب المنازل، والشبان في الشوارع، وحتى في البيوت. وبحركة ذكية وطريفة من المخرج، يُقدم لنا ا، لبرنامج الوضع اليومي للناس، فنرى زوجين يتشاجران بلهجتيهما المحليتين، وفجأة ينزل عليهما القرار كلكمة قاضية، فيسقطان، ومن ثم يضطران للنهوض والشجار بالعربية الفصحى، وعندما لا تُسعف اللغة الزوج، يحاول خنق زوجته! ويُقدم لنا حواراتٍ يومية معتادة، ثم يأتي القانون كصاعقة سماوية توقف الحال. كذلك، يُتيح البرنامج المجال لطالبةٍ من مدارس الصفوة لتشتكي من امتحان (العوفل) الذي صار عليها النجاح فيه لتحصل على شهادة جامعية، بالإضافة إلى امتحان التوفل الأمريكي. تقول الطالبة كلاماً منطقياً مفاده: "لماذا علمتمونا منذ البداية أن العربية لغة لا تُناسب العصر؟ وجعلتمونا نتنافس في المدارس الأمريكية والأوروبية منذ الطفولة؟ لا حق لكم الآن في إجبارنا على تعلم اللغة العربية بعد أن بلغنا من العمر مبلغاً يجعل تعلمها عسيراً عُسرَ تعلم الصينية بوصفها لغة رابعة!"
يطرح البرنامج أفكاراً هامة، ففكرة الخنق بديلاً عن العجز اللغوي وحدها حكاية. رُبما يخلق فرض استخدام الفُصحى في التعاملات اليومية حالة من العُسر اللغوي تؤدي إلى استبدال اللغة بوصفها وسيلة تواصل إلى وسائل أخرى في التواصل. الفكرة شعرية! خنق زوجته لأنه لم يعد قادراً على الكلام معها، لأن اللغة عجزت، ومعها عجز هو، وصار القتل الفعل الوحيد المُمكن للخروج من حالة العجز التي فرضها موت اللغة!
امتحان العوفل غمزةٌ في قناة من يحاولون فرض امتحان في اللغة العربية شرطاً لدخول التعليم الجامعي - أو حتى اجتيازٍ المرحلة الثانوية - بوصفه معادلاً لامتحان التوفل الأمريكي. توفل بالإنكليزية: TOEFL، كلمة مركبة من الأحرف الأولى لعبارة: Test of English as a Foreign Language، مما يعني أن عوفل ستعني شيئاً من قبيل: Arabic of English as a Foreign Language، وهذا كلامٌ مُركَبٌ غير منطقي، من قبيل الكلام الذي يقوله بائعو الامتحانات هؤلاء.
حضرت بعد البرنامج ندوةً للغة العربية أَمها جمعٌ غفيرٌ من أساتذة الجامعة الذين لا يُكمل بعضهم جملة عربية سليمة إعرابياً - حتى أن الجمهور انفعل آخر الأمر، وصار يُصحح للمتحدثين بشكلٍ جماعي، من دون سابق تنسيق - وجمعٌ من موظفي المنظمة العربية للثقافة والعلوم، وكثيرٌ من المثقفين. وفي الندوة تجلت فاشية المثقفين الذين يطالبون السلطات بإصدار قانونٍ لغوي يُحرِمُ الحديث بغير الفُصحى، ويُحرم الكتابة باللغات الأجنبية على لافتات المحلات التجارية، ويُجبر كل طالبي التوظيف على الخضوع إلى اختبارِ كفاءة في اللغة العربية، ويربط الترقيات والعلاوات بإتقان العربية. كُل هذه تحركاتٌ فاشية، وكأن المواطن يحتاج إلى مصدر رعبٌ جديد، وتهديد جديد له في رزقه ومعيشته! بهذه الطريقة، يخون المثقفون - غير المستنيرين - الشعب، ويتحولون إلى أداةٍ قمعية جديدة. خصوصاً وأنهم لا يتقنون العربية، وكُلُ ما لديهم حصيلة عجيبة من الإحصاءات والمقارنات: الإنكليزية في حالة أفضل من العربية مع أن 40% من كلماتها عربية - ولا أدري مصدر هذه النسبة، ينبغي أن نتمثل سياسة فرنسا اللغوية - مع أن سياسات فرنسا اللغوية تدخل في باب الإرهاب الثقافي، ينبغي توحيد منهج اللغة العربية في كُل الدول العربية! ينبغي إضافة كلمة "العربية" إلى أسماء كُل الدول العربية - ويبدو لي أن أصحاب هذا الاقتراح على علاقة بالقناة الشهيرة.
لو كلف أحدٌ خاطره عناء التفكر في المسألة اللغوية حقاً، لوجد أن العرب لم تجتمع يوماً على قياسٍ واحدٍ للعربية، وأوضح مثالٌ على ذلك المدرستان الكوفية والبصرية في النحو، مما ينقض فرض المنهج الموحد على الدول العربية جميعها. الاختلافات اللغوية شائعة في كُل لغات العالم، فليست إنكليزية الولايات المتحدة الأمريكية ذات إنكليزية المملكة المتحدة ذات إنكليزية أستراليا ذات إنكليزية الهند. لكُل واحدة من هذه الدول نسختها الخاصة عن الإنكليزية - ولا تحمل أياً منها كلمة "الإنكليزية" في أسماءها، فلا يوجد شيء اسمه "المملكة المتحدة الإنكليزية" على حدِ علمي. فرنسية فرنسا ليست فرنسية بلجيكا، وليست ألمانية ألمانيا الألمانية التي يتحدثونها في سويسرا مثلاً. وفي عملية التطور التاريخي للغات، تكاملت أنسجة اللغات، بحيث يصعب أن يفصل أحدهم نسبةً معينة، ويقول إن خمسين في المائة من الإنكليزية فرنسي مثلاً. هذا الكلام من النوعية التي ينبغي أن يكون المستمع إليها عاقلاً.
المشكلة اللغوية مشكلةٌ شائعةٌ في كُل لغات العالم، فمن يدعون أن طُلاب اليمن - مثلاً - يُجيدون الإنكليزية أكثر من العربية، يجهلون حقاً المذابح التي يرتكبها خريجو أكاديميات الصفوة في حق اللغة الإنكليزية - التي لا يتحدثون سواها - بحيث يصير كلامهم معرضاً حيوياً لكل أنواع الانتهاكات المرتكبة بحق اللغة. المسألة ليست في الطلاب العرب، وإنما في كُل طلاب العالم، بحيث يظهر أن إنكليزية جديدة ستتطور من هذه المذابح بحقها، أو على الأقل لغة كريولية وسيطة، شبيهة باللغات الكريولية في جزر الكاريبي مثلاً.
الإنكليزية نفسها ليست لغةً على قياسٍ موحد، فإنكليزية الكُتُبِ تصلح في أوكسفورد، لكنها لا تصلح في الشارع حيث خليطٌ من تنويعات الإنكليزية يكاد يصمُ السامع، ويُشعره بأن كُلَ فردٍ يتحدث لغةً مختلفة. وغير ذلك، فالإنكليزية لغةٌ طبقية، إذ أن طبقة المرء تتحدد من لغته وطريقة نطقه. الأمر الذي لا يشيع في العربية بهذا الشكل القاطع.
مشكلة اللغة العربية في المجمعات اللغوية الخاملة، وفي الأهواء التسلطية للمثقفين الذين لا يتسع فهمهم للمسألة اللغوية، وفي سوق العمل العالمي الذي يقتل كل اللغات اليوم، لا العربية فحسب. بينما ما تحتاجه العربية فعلاً تأهيلٌ صحيح لمعلميها في المدارس الابتدائية والثانوية، وتحسينٌ لمناهج تدريسها، ونشرٌ للمحتوى المعرفي بالعربية. مشكلتنا أننا لا نُنتج محتوى ثقافياً قابلاً للتوزيع عالمياً، لذلك تبقى لغتنا محصورة. فكم أفلام الكارتون العربية؟ وكم تُنتج السينما العربية من أفلام؟ من يُشاهدها؟ كم نسبة محتوى الشبكة العالمية المكتوب بالعربية؟ كُل هذه أمورٌ تؤخر انتشار اللغة العربية، كما يفعل مثقفوها الفاشيون الذين يستخدمونها أداة تعذيب.
واحدٌ من أهم المشاريع الناشرة للمحتوى المعرفي الحُر بالعربية النسخة العربية من موسوعة ويكيبيديا العالمية. أعتقد أن المشاركة في تنميتها أهمُ بكثيرٍ من حضور أي ندوة جعجعة. الموسوعة مفتوحة للجميع، وفي كُل مجالات المعرفة، ولا تُشكِل نادياً خاصاً من المثقفين الفاشيين - قد يكون هناك توجهات فاشية لدى بعض محرريها، لكن أساس المشروع قائم على مبدأ اللا سلطوية، أي أن الكُل متساوون، مما يقمع الميول الفاشية ويمنعها من الازدهار.
وقديماً تساءل ريكس هاريسون: "لماذا لا يتعلم الإنكليز الكلام؟"

10 مارس 2010

فيفا لا ميتا!

(كُنت قد جهزت هذه التدوينة لتًنشَر بعد شقيقتها "شارب الوغد" مباشرة، غير أن ردود الفعل على التدوينة السابقة جعلتني أفكر في حذفها أو في عدم نشرها. هذه الأفكار لا تعدو كونها أفكاراً عابرة، لأن تنفيذها معناه الإذعان إلى شكلٍ مُقَنَعٍ من أشكال الإرهاب الفكري الذي اتضح لي بما لا يدع مجالاً للشك أن كُل من يكتب معرضٌ له، سواء تحدث عن التابوهات الثلاثة، أو عن كرة القدم، أو عن برامج التلفاز. بهذه الطريقة، نُثير ضجة كبيرة حول شيء لا يستحق، وتُستنزف جهودٌ كبيرة كان يُفترض توجيهها نحو أشياء أكثر أهمية. ورغم أنني أؤمن بأن الجدل الذي ثار بسبب التدوينة السابقة ليس إلا زوبعة في فنجان - مع احترامي العميق والمبدأي لكُل المناقشات الإيجابية الجادة فيها، ولكل المعلقين الأعزاء على اختلاف آرائهم ومشاربهم وأساليبهم - يبقى أن حقي في أن أقول ما أشاء مقدسٌ لا يُمَس، وأن هذه تدوينة كتبتها لأنشرها في مدونتي الخاصة. قد تُغضب هذه التدوينة البعض، وهذا أمرٌ يؤسفني كثيراً لأنني أكره أن أضايق أحداً، لكن، لا بُدَ مما ليس منه بُد، لأنه إذا بدأنا بالامتناع عن إبداء الرأي في ما وراء الطبيعة لأننا قد تُغضب البعض، فسنمتنع غداً عن إبداء الرأي في كل ما نقرأ لئلا نسيء إلى محبيه، وسنمتنع بعدها عن إبداء الرأي فيما نُشاهد أو نسمع. الاختلاف واردٌ جداً، وقد يكون حاداً أحياناً، لكنه ضروري. مع ذلك، ينبغي أن أُذكِر بأنني ما كُنتَ لأستهلك مواردَ فكرية وإلكترونية في مناقشة شيء لا أحترمه ولا أعتقد بأهميته).
بعد أن ابتعدنا عن فاتني النساء والنساء المجنونات وحالة التلبس الرفعتي، يبقى في سلسلة ما وراء الطبيعة الحافلة بكثيرٍ مما يدعو إلى التوقف عنده لاستكناهه، ولم يكن مُمكناً الوقوف عليه كله مرةً واحدةً:
دليل الكاتب المبتدئ إلى تفادي اختبار مهارته الأدبية
واحدةٌ من العبارات التي تتكرر في السلسلة حتى توشك أن تصير (لازمة) وصف العلاقات المعقدة بين الشخصية في السلسلة بأنها "تحتاج إلى أديب من وزن دوستويفسكي ليكتب عنها"، وبذلك يتنصل الكاتب من أدنى التزامٍ للقارئ - والناقد - بأن يبين التفاصيل الدقيقة للعلاقات بين الشخصيات، ودوافعها الشخصية، ونوازعها الذاتية المعقدة، مما يضع القارئ في داخل العمل الأدبي، ويمكنه من أن يعيش "الحياة السرية" للشخصيات، التي يعتقدها إي. إم. فورستر السبب الوحيد الذي يبرر كون الرواية رواية! بهذه الطريقة، يكسب الكاتب شيئين: يتفادى الوقوع في متاهات بناء الشخصية المُرهقة، ويلبس قناعاً من التواضع الزائف يقطع الطريق على أي منتقدٍ من مبدأ أن "العبد الفقير إلى الله معترفٌ بالتقصير". لا بأس، فكل كاتب يكتب كما يحلو له، و(يتناص) مع النص والكاتب الذي يروق له. لكن أبسط حقوق القارئ أن يعرف إلى أي علاقة معقدة من علاقات شخصيات دوستويفسكي يُشير الكاتب، لذا كان من الواجب أن يُضاف هامش في كل مرة ترد فيها هذه العبارة، ليوضح للقارئ نوع العلاقة التي يبحث عنها بالضبط: هل هي علاقة الابن غير الشرعي بأبيه الحقيقي في المراهق؟ أم العلاقة بين راسكولينكوف والعجوز في الجريمة والعقاب؟ أم العلاقة بين الإخوة وأبيهم في الإخوة كارامازوف؟ أم؟ أم؟ أم؟............... فدوستويفسكي كاتبٌ غزير الانتاج، وكل علاقات شخصياته معقدة، مما قد يؤدي إلى ضياع القارئ في المتاهة الإنسانية العملاقة التي يمثلها أدب دوستويفسكي.
يُمكن للكاتب الناشئ أن يجد في هذه الطريقة ضالته التي تُريحه من إرهاق الكتابة، فيكتب عن معركة حربية قائلاً: "ويُمكن للقارئ الرجوع إلى الحرب والسلام لتولستوي، فهذه المعركة تحتاج إلى أديب مثله ليصفها."ويكتب عن حفلةٍ يكثر فيها الشرب ويسوء الأدب فيقول: "من قرأوا غاتسبي العظيم يعرفون هذا الجو المشوش الذي يفقد فيه المجتمع كله تركيزه." ويتحدث عن وحشٍ أسطوري يعيش تحت الماء فيقول: "إنه يُشبه آلهة لفكرافت التي تعيش في الأعماق، خصوصاً كُتُولو." وإذا خشي أن يكون قد نقل هذه العبارة بالمسطرة من ما وراء الطبيعة، فيُمكن له أن يقول: "إن من قرأ موبي ديك يعرف تماماً شعور آخاب حين ظهر اللوياثان الهائل، ولمعرفة ماهية اللوياثان، فيُمكن الرجوع للكتاب المقدس، وكتاب لوياثان لتوماس هوبز." وليس من الضرورة أن يكون قد قرأ كل هذه الأعمال، لكن ذكرها يعطي انطباعاً بسعة ثقافته، وقد يكون من بين قرائه قارئٌ فضولي لا تقر نفسه إلا بقراءة هذه الكتب، فيكسب أجر هدايته إليها، ويُصبح ذا فضلٍ عليه. كذلك، يُمكن للكاتب أن يختصر الحديث عن جريمة فيكتب: "وهذه الجريمة المعقدة تشبه الجرائم التي تتحدث عنها أغاثا كريستي، ولا يقدر سواها على حبكها، لذلك لن أضيع وقتي ووقت القارئ بالحديث عنها، باختصار: لقد كانت جريمة معقدة، وقد كان القاتل هو شلضم أبو خنفر."
لولا هوليوود!
لولا مدراء الإضاء والتصوير في الأفلام الهوليوودية - والمصرية أحياناً - وكذلك مخرجيها، لعانت سلسلة ما وراء الطبيعة عُسراً شديداً في إيجاد طرقٌ لوصف المشاهد وكيفية إضاءتها. لحسن الحظ أنه من الممكن الآن أن نصف الإضاءة على رأس البطل بأنها شبيهة بالإضاءة المسلطة على مارلون براندو في فيلم الأب الروحي، وأن الأشرار يُشبهون النازيين في الأفلام، وأن الجنائز في الليل تذكِر بمثيلتها في شيء من الخوف، وأن كل الزومبي يُشبهون الزومبي في الأفلام. صارت هناك مكتبة بصرية جاهزة لاقتباس مشاهد الهنود الحُمر والنيران المتوهجة تنعكس على جلودهم المدبوغة بالشمس، ومعارك الكاهن الأخير الشبيهة بمعارك بروس لي، ومشاهد الحملات في جبال الهيملايا.
قد سبق الحديث عن الأصول السينمائية للسلسلة، وهنا لا نقصد أكثر من تحية هوليوود ومخرجيها ومصوريها ومدراء إضاءتها.
وانت مالك؟
كادت أغاثا كريستي تُطرد من نادي كُتاب الجريمة لأنها خرقت قاعدة صارمة في الأدب منذ عهد أرسطو: يجب أن يثق المتلقي بالراوي، في روايتها الكلاسيكية مقتل روجر أكرويد. مسوغات الطرد كانت أن كريستي قد هزت أُسس أدب التحري التي تقوم على أن يعرف القارئ المعلومات التي يعرفها المحقق أو الراوي كاملة. مع ذلك، لم تُطرد من النادي، ولم تعد الكرة، وبقيت رواية مقتل روجر أكرويد عملاً كلاسيكياً.
في ما وراء الطبيعة، ينتهج رفعت إسماعيل النهج ذاته، فيخفي المعلومات عن القارئ عمداً، كأن يقول إنه لم يتزوج في حياته ثم يتضح إنه تزوج وأنجب وضاع ابنه. أو يقول إنه التقى بفرانتز لوسيفر مراتٍ عديدة - لا تذكر السلسلة منها غير أربعٍ - ولا يهتم بتوضيح ملابسات هذه اللقاءات لقرائه، بل يكتفي بالقول - بغموض - إنه صار يعرفه لكثرة لقاءاتهما. ويتكتم على لعبة تبادل الأرواح بينهما التي بشر بها في العدد الثالث. هُناك أيضاً طريقة رفعت إسماعيل التقليدية الفظة في صرفِ فضول القراء حول زواره أو أعماله بالقول إن ذلك ليس من شأنهم، فليس من شأنهم معرفة من تكون ريم أو كيف صار صديقاً للكينونة وما هي. وأكثر من ذلك، يُضللهم عامداً طول الخط، فيقول إن خريولسن هو لوسيفر، ثم يقول إن خريولسن الماشي في الظلال، وبعد ذلك يقول إنه سجين الزنزانة الذي أطلقه. الحال هُنا إما أن رفعت كذاب مرضي، أو كثير النسيان، أو أن كلمة "خريولسن" تعني مسخاً ويُمكن أن تُطلق على أي شيء خارق في السلسلة.
يبدو أن السلسلة ستنتهي من دون أن تغلق أياً من جيوبها المفتوحة، ورفعت إسماعيل قادرٌ على هذه الفظاظة. كما أنه لا يوجد نادٍ لكتاب التشويق يُمكن أن يُطرد منه المرء لو ضلل القراء أو أخفى عنهم المعلومات عمداً.
ديجا فو!
تتكرر عبارات كثيرة في ما وراء الطبيعة بالنص، فغير عبارة التعريف بالنافاراي المعتادة: "حين تغرب الشمس، وتلطخ دماؤها ثوب المساء الأزرق......." - مع التحفظ على الكناية الدموية المتناقضة مع الهدوء والسلم الذي يُفترض تلازمهما مع عقيدة النافاراي - وجملة فرانتز لوسيفر الأبدية: "إني بك أسعد، ولك قلبي يطرب." - التي كان يُفترض بها أن تُصيب شخصاً ملولاً مثل رفعت "بنزفٍ مخي" منذ زمن بعيد - تتكرر عبارات أخرى في السلسلة بشكلٍ غريب. هناك عبارة رفعت إسماعيل المحفوظة عن حبه للأطفال وهم رُضع، وعن كراهيته لهم عندما يبلغون السن التي تتلوث فيها ركبهم بالميكروكروم. تتكرر هذه العبارة بنصها في كُل مرة يُقابل فيها رفعت طفلاً، وأكثر من هذا، ضلت هذه العبارة طريقها إلى واحدة من مقالات الكاتب بالنص، من دون تغيير كلمة.
عندما كنت أدرس، أخبروني عن اختراع لغوي يُسمى إعادة الصياغة، فمن غير المقبول - جمالياً - تكرار نص: "يذهب أحمد إلى المدرسة كُل يوم" في كل مكان، بل يجب إعادة صياغته في كل مرة يتكرر فيها، كأن يُقال: "حضور أحمد إلى مدرسته منتظم." أو: "لا يتغيب أحمد عن مدرسته أبداً." مع تردي المستوى التعليمي المستمر، لن أستغرب إذا اتضح لي أنهم كانوا مخطئين.
وغير تكرر العبارات بالحرف، هُناك أيضاً تكرارٌ غريبٌ للأفكار. فمُعظم الأفكار التي تولد في ما وراء الطبيعة تجد طريقها إلى إصدارات أخرى، فنجد - على سبيل المثال - البانشي التي يُعاقب بها الساحر الإفريقي رفعت إسماعيل في الأبجدية تتكرر مع محفوظ حجازي في الآن نفتح الصندوق بنفس الأحداث والوقائع، كما تتكرر مغامرة القرين مع الاثنين. هُناك قصصٌ أخرى من خارج ما وراء الطبيعة تتكرر بحرفيتها في أماكن أخرى، لكن موضع اهتمامنا الرئيسي ما وراء الطبيعة.
سوق الأسهم
كما أن سوق الأسهم يصعد ويهبط فجأة، ويمر بفترات ركودٍ دورية، تمر السلسلة بفترات ركودٍ من فترة لأخرى، فتصدر سلسلة أعداد متميزة، ثم تصدر سلسلة أعدادٍ لا ينطبق عليها الوصف السابق، إلى أن يأتي عددٌ يُعيد الدائرة الإيجابية. آخر الدوائر الإيجابية كانت تلك البادئة مع العلامات الدامية والمنتهية في الطوطم. مشكلة ألا تنحسر موجة الركود في المدى القريب للإصدارات، لأن السلسلة شارفت على النهاية، وهناك الكثير من الجيوب المفتوحة التي تنتظر غلقها. كما يُقال: "الأمور بخواتيمها."، ولا نتمنى لعقدين من المغامرات الساحرة إلا خاتمة على ذكرى جميلة لعقدين من الرعب.

28 فبراير 2010

مدونة كتب

مُدونة كُتب اسمٌ يُفيد تخصص المدونة في الكتب، والمدونة - المُدارة بجهود فردية - تتخصص فعلاً في عروض الكُتب ومراجعاتها وتغطيات معارض الكتاب. هذا التخصص نادرٌ في المدونات العربية، فمعظم المدونين يفهمون مصطلح (مدونة متخصصة) بمعنى الكتابة عن البرمجيات والتقنيات الإلكترونية أو (التنمية الذاتية). لذا تُقدم هذه المدونة خدمة يحتاجها قطاعٌ كبيرٌ من مستخدمي الإنترنت العرب، بتصميم أبيض وأزرق أنيق يبتعد عن التصاميم البنية الكئيبة التي يُصر أصحاب المواقع المعنية بالكتاب والكتابة على نشر الكآبة بين القراء بها.
أغلب المشاريع المهمة في العالم بدأها أفرادٌ منتجون استطاعوا إقناع أفرادٍ منتجين آخرين بالانضمام إليهم، لا لتكوين قطيع في هيئة جمعية أو مؤسسة، بل لتحقيق هدفٍ مشترك بطريقة المشاركات الفردية الفعالة. وهذا ما تفعله مدونة كُتب إذ تدعو قراءها للمشاركة بمراجعاتهم للكتب، وتنشر مراجعات الكتب من مدونين مختلفين، ومن قراء لا يُدونون. بهذه الطريقة، يُصبح كلُ مهتمٍ بالكتب معنياً بالمشاركة في عملية إنتاج محتوى المدونة، من دون أن يفقد فرديته. إضافة إلى ذلك، تُحفز المدونة قراءها على المشاركة في إثراء محتواها بمسابقات دورية، تكون جوائزها كُتباً من ورقٍ وحبرٍ تُذكِر من نسوا بحميمية الكتاب الحقيقي، ولا مادية الكتاب الإلكتروني.
حالياً، تُغطي المُدونة معرض الكتاب في الرياض، ورُبما - إذا صار لها قراء في دول العالم العربي المختلفة - تُغطي معارض الكتاب العربية المختلفة من صنعاء إلى نواكشوط، ورُبما معارض الكتاب العالمية - من مشاركين يُقيمون خارج العالم العربي. بوجود المشاركين المتحمسين، يُمكن للمدونة أن تُقدم صورة بانورامية لحركة الكتاب في العالم العربي؛ وفي الوقت عينه، تُقدم رؤية ذاتية للكُتب، لأن اختيار الكُتب المعروضة يعود لمراجعيها.
أفضل ما جاءت به حركة ويب 2.0 فكرة مشاركة المستخدم في إنتاج المحتوى، هكذا يتحول مستخدمو الإنترنت من مستهلكين إلى منتجين يُساهمون في إنتاج المعرفة العالمية. تشترك مدونة كُتب في هذه الفلسفة مع موسوعة ويكيبيديا العالمية، ويختلف التطبيق قليلاً، فآلية النشر تختلف، كما أن المدونة تُشجع الفردية - لأن الكتب في حد ذاتها إعلانات عن الهوية الفردية - بينما تُشجع ويكيبيديا على لا شخصانية المشاركات. وفي الحالتين، فإن المشاركة في هذه المشروعات تُثري المحتوى المعرفي العام، والرصيد الفردي للمساهم الذي يتحول من مستهلك سلبي، إلى مشارك إيجابي.
مُدونة كُتب تستحق من كل مُحبي الكتب كافة أشكال الدعم، وفي هذه الصفحة تشرح أشكال الدعم التي تطلبها أكثر من غيرها. كتابة عرضٍ لكتابٍ مرة كُل شهر سيكون تمريناً مفيداً لكل قارئ محبٍ للكتب، كما أن مناقشة الكُتب المعروضة باستمرار يجلي الغوامض ويولد مزيداً من الأفكار. هكذا، يُمكن أن تصير المدونة نادياً لكل محبي الكتب.
الخطوة الأولى في دعم هذا المشروع - الذي وجدته عن طريق محركات البحث، ولا أعرف شيئاً عن القائمين عليه غير أن فكرتهم رائعة - الكتابةُ عنه، والخطوة الثانية ستكون إرسال مراجعة كتابٍ لهم - بإذن الله - عندما أنتهي من موجة الكتب بالإنكليزية بين يدي. أتمنى قراءة مساهماتكم هناك، وأرجوكم جميعاً تذكر شيء هامٍ عند التعرض لكتاب: لا يُمكن قياس عظمة أي كتابٍ على مقياسٍ رقمي. الكلمات أكثر تعقيداً من الأرقام، والتجارب الفردية غير قابلة للقياس بأي مقياس مادي. كلما رأيت تقييماً للكتاب بالنجوم أو الأرقام أو غير ذلك، تأذت عيناي، وشككت جدياً في فهم المُقيِم لحقيقة الأدب!
قراءة سعيدة، ومراجعات سعيدة للجميع!

26 فبراير 2010

تيرا ليرا

(سيدة شالوت، سيدني متيارد)

ما أخرج سيدة شالوت من برجها الرمادي في جزيرة شالوت كان صوتاً، وما حبسها فيها كان صوتاً. فبالإضافة إلى الصور البصرية الجميلة فيها، تمتاز القصيدة بصورها الصوتية المتناسقة مع مشاهدها لتكوين التأثير الكلي الموحي بالقدر الذي يعصف بالفنان. بنية القصيدة الظاهرية رُباعية، حيث تنقسم إلى أربعة أقسام، كل قسمٍ فيها يضم مجموعاتٍ من أربعة أسطر تنتهي بكلمات: شالوت، كاميلوت، أو لانسلوت بشكلٍ يحافظ على إيقاع القصيدة الهامس في ترجماتها.
تصف بداية القصيدة جزيرة شالوت والطريق إلى كاميلوت كما يظهر في مرآة سيدة شالوت، لكنها لا تظهر نفسها إلا في آخر مقاطع القسم الأول، عندما يسمع الحصادون أغنيتها، ويعتقدونها جنية:
وَحْدَهُمِ الحَاصِدُون؛ الحَاصِدُونَ مُبْكِرَاً
عَبْرَ حُقُولِ الشَعِيْر سَمِعُوْا أُغْنِية
يتردد صداها بهيجاً واضحاً،
من النهر الملتف
مُتجهاً إلى كاميلوت.
وبحلول القمر، تهمس الحصادة
التي أنهكها جمع الحُزم في
الأكوام المعرضة للهواء، مصغية،
"هذه هي الجنية،
سيدة شالوت."
صوت سيدة شالوت - الذي لا يُمكن وزنه أو تحديد طوله وعرضه وارتفاعه - الدليل الوحيد على وجودها، لأن أحداً لم يرها من قبل. لكن الصوت الذي يتردد بشكلٍ غامض يُجردها من كيانها المادي ويحولها إلى جزء من السحر. وصوتٌ غامض لا تعرف مصدره - ولا تصرح به القصيدة - حبسها رهينة الظلال التي تنسجها ليلاً ونهاراً.
هناك تنسج في الليل والنهار
نسيجاً سحرياً بهيج الألوان.
سمعت همسة تقول؛
أن اللعنة ستحل عليها
إن هي أبداً نظرت إلى الأسفل
حيث كاميلوت.
لم تعرف أبداً ما قد تكونه اللعنة،
لذا استمرت تنسج بثبات وعناية،
سيدة شالوت.
بنفس المنطق الذي جعل سيدة شالوت جنية في خيال الحصادات لأنهن لم يرينها بل سمعن صوتها، أذعنت للصوت الذي همس لها بأن لعنة ستحل عليها إن هي نظرت من النافذة، رغم أنها لا تعرف مصدره، ولا تعرف ما قد تكونه اللعنة التي ستحل عليها. بقيت في جزيرتها الصامتة تنسج وتغني، الصوت الوحيد الذي تسمعه - عدا صوت اللعنة - صوتها الذي يصل إلى الحصادات، ولأنها لا تسمع غير صوتها، فإن كل الصور التي تعكسها المرآة تصير ظلالاً خالية من الروح، لأنها مشاهد صامتة.
والذي أخرج سيدة شالوت من الجزيرة لم يكن مرأى سير لانسلوت، بل صوته، فوصفه الذي يستغرق معظم القسم الثالث من القصيدة لا يلفت اهتمام سيدة شالوت، بل الصوت الذي ينبعث منه ويبدد صمت الجزيرة:
برق اللجام المرصع بالجواهر،
شبيهاً بفروع النجوم
المُعلقة في المجرة الذهبية.
دقت أجراس اللجام مرحة،
بينما ركب إلى كاميلوت.
شدهت أجراس اللجام سيدة شالوت، وربما لذلك صمتت ولم يسمعها سير لانسلوت. تستمر القصيدة في وصف مرآه الجميل:
كالغالب عبر الليل الأرجواني،
تحت عناقيد النجوم اللامعة،
بعض من شهاب مُتحدٍ، ضوء متثاقل
يتحرك فوق الساكنة شالوت.
اتقد جبينه العالي في نور الشمس،
على حوافره الصقيلة تقدم حصانه الحربي،
من تحت خوذته تدفقت
خصلات شعره الفاحمة بينما ركب؛
ركب إلى كاميلوت.
لكن ذروة المشهد لم تأتِ إلا حين غنى سير لانسلوت نفسه، فوميضه في المرآة لم يُحرك سير لانسلوت، بقدر ما حركتها أغنيته:
من الضفة ومن النهر
ومض في المرآة البلورية،
"تيرا ليرا"، قرب النهر
غنى سير لانسلوت.
صوت سير لانسلوت الصوت الوحيد الذي سمعته سيدة شالوت بعد صوت اللعنة، لذا كانت لأغنيته المرحة قوة تعادل قوة اللعنة جعلتها تترك المغزل والنسيج، وتعبر الغرفة لتطل من نافذتها مباشرة:
تركت النسيج، وتركت المغزل،
عبرت ثلاث خطوات عبر الغرفة،
رأت زنابق الماء تُزهِر،
رأت الخوذة والريشة،
ونظرت هناك إلى كاميلوت.
لم ترَ سيدة شالوت سير لانسلوت، بل خوذة وريشة، لكنها نظرت إلى كاميلوت التي لم ترَ من قبل غير أبراجها العالية في مرآتها. جاء صوت سير لانسلوت نداء للخروج يُلغي الصوت الذي حبسها في الجزيرة، ويجبرها على النظر إلى المكان الذي ينبغي أن تكون فيه.
تطاير النسيج عائماً في الهواء،
تصدعت المرآة من طرف إلى طرف،
"حلت علي اللعنة!"
صاحت سيدة شالوت.
تطاير النسيج في كل مكان لأن عالم سيدة شالوت القديم قد انقلب، وتصدعت مرآتها من طرفها إلى طرفها الآخر دلالة على انكسار السحر إلى الأبد، لقد حلت اللعنة على سيدة شالوت، وطُردت من جنة الظلال الصامتة إلى العالم الحقيقي حيث ينبغي أن تذهب إلى كاميلوت وتكشف للعالم عن وجودها وتجابهه.
حين تعثر سيدة شالوت على مركب، فإن أول ما تفعله أن تكتب اسمها على مقدمته ليعرف العالم من تكون. ثم تخرج في النهر تتلاعب بها الريح التي تحمل أغنيتها الأخيرة إلى كاميلوت المشغولة بمباهج الحياة فيها عن مأساة سيدة شالوت التي غادرت جزيرتها الصامتة. تموت سيدة شالوت في أغنيتها، وتصل إلى كاميلوت ميتة فتنطفئ كل أصوات البهجة، ويخاف الفرسان والسيدات والسادة من دخول سيدة شالوت الميتة في قاربها، ويصطفون على ضفة النهر كأنهم يُلقون النظرة الأخيرة على جثمان ملكة عظيمة. ثم تأتي الخاتمة باعتراف سير لانسلوت بوجود سيدة شالوت، وبالبهاء الذي منحها الله إياه.
يُمثل سير لانسلوت في هذه الحكاية الشخص المتمتع بمباهج الحياة، الشخص الحقيقي الذي يُريد الفنان الوصول إليه، ويُمثل كل ما يفتقده في سجنه المنسوج من الظلال. كاميلوت - التي تصلها سيدة شالوت ميتة - الحياة التي تؤثر فيها بأغنيتها وبحضورها النهائي المؤتلق بحيث يصير وصولها حدثاً تتوقف عنده كاميلوت بأكملها، بعد أن تردد صدى أغنيتها. ما يختتم القصيدة صوتٌ أيضاً: اعتراف لانسلوت:
وحده لانسلوت من أطرق هنيهة،
قال: "إن لها وجهاً جميلاً،
وهبه الله من رحمته البهاء،
سيدة شالوت."
الصوت مثل الاسم، حضورٌ مجرد يبقى بعد زوال المجسد من لحمٍ ودم، مثل الريح التي قال بريشت إنها وحدها ما يبقى من المدن التي عبرتها. شيء لا يُمكن أن يقبضه أحدٌ، كالأحلام التي يُطاردها الفنان طوال حياته. ما بقي يشهد على مرور سيدة شالوت ليس سوى صدى صوتٍ وظلالٍ واسم.

لورينا مكنيت تغني القصيدة من يوتيوب.
عرض للوحات جون ويليام ووترهاوس، وفي الخلفية كورال فرانشيسكو لانديني: "وداعاً، أيتها السيدة الجميلة! وداعاً!".