07 أبريل 2008

عَالَمُ أَكَلَةِ المَوْت: الحُبُ فِي زَمَنِ الرَحِيْل

بعد أن مَنَ الله علينا بالشفاء من الإعجاب بسلسلة هاري بوتر لما أسلفنا فيه من كون خاتمتها صفعة تنبيه لمن أكبروها، كما لتواتر الأخبار عن كون دمبلدور - مدير هوغوورتس الشهير- (رجلاً) أعزكم الله، ولإساءة رولنغ البالغة إلى لورد فولدمورت وبيلاتريكس لسترانج. وقد يكون الله شفانا لبلوغنا أول الشباب، وكما يُقال: "أول الشبة عقل ولا جنان". أبعد الله عنا الجنان وإياكم.
أقول، بعد أن مَنَ الله علينا بالشفاء من الإعجاب بالسلسلة، عدت لأحوم قريباً من أجوائها بإغواء صديقتي سيرا، وذلك بقراءة مُسلسلٍ - يُفترض أنه رمضاني - يعتمد على جزء منها، ليبني عالم أكلة الموت بعد سقوط المملكة البريطانية والتخلص من هاري بوتر وجماعته. - هذه هي المدينة الفاضلة! -
عالم أكلة الموت يتخذ هيئة الدراما - في حواراتٍ ومشاهد وأفعال تعيد تمثيل الحدث في الزمن الحالي - وينطوي على جوهرها باعتبارها إعادة تمثيل للحياة تغوص فيما هو جوهري وأصيل في الذات الإنسانية. وباعتباره دراما (تلفزيونية) يخرق المسلسل وحدات أرسطو الثلاث، وحدة المكان، والزمان، والفعل ليقيم زمنه الخاص المستمر في عالم أكلة الموت بعد خمس سنواتٍ من انتصار الجمهورية، وقبل أربعين سنة من انتصارها، ويعبر هذا المسار الزماني جيئة وذهاباً دون أن يوحي بوجود خللٍ في البنية الدرامية، أو يستخدم خدعة الذكريات، فالزمن فيه متصل، وما حدث في الأمس مستمرٌ إلى اليوم.
يبدأ المسلسل متخذاً هيئة كوميديا خفيفة معدة لتسلية القراء بعد الإفطار، معتمداً على طرافة العالم الجديد وطرافة مسمياته، والعلاقات بين أفراده الذين يكرهون بعضهم البعض بـ (توقير). ولا ضير في قليلٍ من التشبه بالمسلسلات الأمريكية منهياً الحلقات - عند مفرقٍ حساس - بعبارة: (من إنتاج منزل سالازار سليذرين)، متبوعة بأسماء ضيوف الحلقة بالتفصيل، وبطريقة ساخرة طريفة، فالكاتب يشكر البوم لمجهودها في إيصال الرسائل بين شخصيات الحلقة، ولربما كان سيكون أبلغ في سخريته وتأثيره لو أضاف الجمهور إلى قائمة الضيوف باعتباره شريكاً هاماً في الحلقة.
غير أن المسلسل يتخذ منحنياتٍ مختلفة تخرج عن إطار الكوميديا وتبدأ في الاقتراب من حافة التراجيديا، فتُضاف عناصر الخوف، والفقد، والسلطة، والطغيان، والحب، والعنصرية، والجريمة، والعقاب، والمسخ إليه، ليغوص عميقاً في الدواخل الإنسانية، ويبني شخصياتٍ من لحمٍ ودمٍ تتفاعل فيما بينها بنسيجٍ محكم في حبكة متقنة النسج. المسلسل قاسٍ في تعريته للنفس الإنسانية، وكشفه للعلاقات بين الأفراد. ورغم أنه يتخذ هيئة خيالية في الجمهورية البريطانية السحرية المفترضة، إلا أن رسمه للشخصيات واقعي ومؤثر.
يتناص المسلسل مع التقليد الأدبي العالمي، فشخصية فولدمورت تتناص -وتتماس- مع شخصية هيثكليف من مرتفعات ويذرنغ لإميلي برونتي، والقاضي رودلفوس لسترانج يتناص مع القاضي كلود فرولو، وميلجانجوس يُذكر بأوليفر تويست لتشارلز ديكنز، وتستمر بيلاتريكس كنموذج للطفلة الأزلية الجميلة مثل ريميديوس في مائة عامٍ من العُزلة لغابرييل غارسيا ماركيز. لكن الإحالة الأكبر، هي إحالته إلى رائعة غابرييل غارسيا ماركيز الحُب في زمن الكوليرا، في مثلث حبه الممتد عبر الزمن: رودلفوس لسترانج، بيلاتريكس لسترانج، ولورد فولدمورت الذي يتناص مع ثلاثي ماركيز الشهير: فلورنتينو أريثا، فرمينا داثا، وخوفينال أوربينو في قصة حبٍ تتحدى الزمن. غير أن عالم أكلة الموت يصوغ حكايته الخاصة عن طفلة سيجنوس بلاك الجميلة التي أحبها وريث عائلة لسترانج، القاضي رودلفوس لسترانج، وهتك طفولتها إلى غير رجعة ليهجرها فجأة. بيلاتريكس التي لا تزال جميلة لكنها لم تعد طفلة تمردت على حبيبها الأول الذي هجرها ثم عاد إليها مبدياً الندم، وانطلقت بمفردها لتلتقي الرجل الذي سيصبح حُب حياتها الأكبر فيما بعد، لورد فولدمورت. لكن رودلفوس المجنون بالحب لن يخسر أمام فولدمورت بسهولة، وفولدمورت الذي جعله الحب غريباً عن نفسه سيجد نفسه مُخيراً بين الخلود، وبين القتال لأجل حبٌ قد خسره. اختار فولدمورت خلوده، لكنه بعد خمس سنواتٍ أمضاها حبيساً في صورته - من أجمل مشاهد المسلسل فولدمورت في البورتريه الخاص به، وهذه إحالة رائعة إلى صورة دوريان غراي - عاد ليطالب بمحبوبته بعد أن أدرك أن الحُب هو الشيء الوحيد الذي بقي له في عزلته داخل نفسه. سيصطدم بزوجها الشرعي رودلفوس لسترانج، وسينتزعها منه. لن يهنأ بها وهو حي. لم يكن أحدهما بكرم خوفينال أوربينو ليموت ويترك المحبوبة المشتركة للآخر، بل الواقع أن المحبوبة هي من رحلت لتتركهما وحيدين يلعقان جراحهما التي لن تندمل بعد أن وصلا إلى حافة حياتيهما، ولم يبقَ لهما إلا فقدهما الذي يوحدهما، والأسرار التي يحفظها كل منهما عن الآخر، والخذلان الذي تبادلاه، والخيانة التي قارفها كل منهما في حق الآخر. لورد فولدمورت لن يغفر لرودلفوس أنه سرق محبوبته، وتمادى حتى قتله، أو أوشك على ذلك. ورودلفوس لسترانج لن يغفر لفولدمورت أنه - هو الآخر - سرق محبوبته، وأذله علانية ساحقاً كبرياءه وكبرياء آل لسترانج. ولا أحد منهما يستطيع إيذاء الآخر، ليس لأجل بيلاتريكس التي أحبتهما فقط، بل لأنهما يشفقان على بعضهما البعض، ولأنهما - كفلورنتينو أريثا وخوفينال أوربينو - تدلها سنيناً في حب المرأة ذاتها.
لم يضع الكاتب خاتمة بعد لمسلسله، لكن القصة مكتملة وواضحة. عرفنا الحدوث وبقيت الكيفية. وحتى نعرف الكيفية، يبقى عالم أكلة الموت كوناً مفتوحاً على احتمالاتٍ عديدة، وأرضاً خصبة للاستكشاف، بشخصياته - التي تحدثت عن ثلاثٍ منها فقط -، وثيماته، وبنيته، وحبكته عن الحب والموت!

هناك 4 تعليقات:

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
    نهنئكم بشفائكم من الإعجاب بسلسلة هاري بوتر ونسأل الله أن يشفينا أيضاً، خصوصاً بعدما ذكرتم من تشنيع السيدة رولنغ الموقرة على زعيم أكلة الموت المفدى لورد فولدمورت وحبيبته السيدة بيلاتريكس لسترانج الموقرة، كما لتشنيعها على السيد ألباس دمبلدور غير الموقر، وتحريضها للأطفال على الفساد و(فلتان) العيار..
    يجب إخفاء هذا التحليل المتميز - كما هي كُل مواضيع هذه المدونة المتميزة دوماً - عن عيني الكاتب السليذريني المجهول وإلا بلغ به الغرور حداً لا يُطاق، خصوصاً مع المماثلة بين الثلاثي: بلاك لسترانج فولدمورت والثلاثي: داثا أريثا أوربينو. الأمر الذي سيجعل كاتبنا الموقر يغلق الورشة، ويطالب بزيادة أجره ليصبح مماثلاً لأجر رولنغ، قبل أن يضع الحلقة الأخيرة التي طال انتظارها.
    علاقة الحب ثلاثية الأطراف القائمة بين بلاك ولسترانج وفولدمورت استمرت ما يقارب ثلاثين عاماً متصلة قبل أن تموت بيلاتريكس فجأة وقد حسمت أمرها لتهرب مع حبيبها الأزلي لورد فولدمورت، ويقع فولدمورت فريسة للعذاب لكونه سبب وفاة بيلاتريكس - حسبما يعتقد ميلجانجوس -..
    بيلاتريكس، الطفلة التي وجدت نفسها حائرة بين رجلين بالغين أكبر منها بكثير، يتقاتلان على حبها، وفي الوقت ذاته يعذبانها بحبهما رحلت لتتركهما وحيدين يجتران مرارتهما، بعد أن وصل كلٌ منهما بالفعل إلى حافة حياته، وآن أوان التكفير عن الخطايا التي ارتكبها كلٌ منهما في حياته..
    شقاء بيلاتريكس - على العكس من سعادة فرمينا داثا التي طردت أريثا بنفسها - كان كفارتها، كما كان تحولها إلى مستذئبة، وجنونها، ثم موتها المفاجئ على أعتاب السعادة..
    ربما كان التكفير واحداً من ثيمات المسلسل الرئيسية، ففي عالم أكلة الموت، يجب أن يدفع الجميع كفارة أخطائهم كما يرى روالد لسترانج الذي حاول أن يحمي ابنه رودلفوس من دفع ثمنٍ باهظ لأفعال شبابه..
    قد يكون هناك تناصٌ فعلاً بين شخصيتي القاضي رودلفوس لسترانج والقاضي كلود فرولو، غير أن الاختلاف الرئيسي بينهما يكمن في حقيقة فهم كلٍ منهما للقانون، فلسترانج قاضٍ حقاً، لكنه لا يحترم القانون ولا يهابه، يحتقره ويزدريه، ويرغب في مهاجمته من عقر داره، بينما يعتقد فرولو (على العكس) أنه رجل الله في الأرض، ومنفذ قوانينه. ويكمن التناص بينهما في هوس كلٌ منهما الجنوني بفتاة في السادسة عشرة.
    الكثير مما يمكن قوله عن المسلسل والتدوينة، لكن الضيف الذي يُطيل يُثقل..
    خالص تحياتي وتقديري..

    ردحذف
  2. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
    تكررت سيرة القضاة في المدونة ما يؤذن بخراب ذمتها، فلم أسمع بقاضٍ غير ذي ذمة فاسدة من قبل.
    كاتب سليذرين يعرف المكتوب هنا، وأظنه سيحسب حساب خطواته جيداً.
    مسألة التكفير جرى الحديث عنها، في المعظم على لسان روالد لسترانج ذي الشخصية المتشددة، والذي يسلك - رغم أن شخصيته قد نُمطت من قبل - سلوكاً شيطانياً خادعاً فينسل كالماء ليشل بيلاتريكس بوعدٍ يربطها بابنه. شخصيات الآباء مثل روالد لسترانج وسيجنوس بلاك، والأمهات مثل درويلا بلاك ويوديكا بوتر لسترانج تحتاج إلى تحليلٍ مفصل، فالأباء كالأبناء، شخصيات تلعب أدواراً هامة في نسيج عالم أكلة الموت.
    القاضي رودلفوس لسترانج فاسد الذمة كالقاضي كلود فرولو الذي يعمل قاضي تفتيش أيضاً. رُبما كان رودس لسترانج، سلف رودلفوس الشهير، قاضي تفتيش أيضاً! كانت لتكون سخرية تجاوزت الحد، أن يوجد ساحرٌ بين قضاة التفتيش!
    تحول بيلاتريكس إلى مستذئبة انكشاف لتوحش روحها في وحشتها، وجنونها الذي يكاد يكون مطبقاً في اشتداد وطأة شعورها بالذنب تجاه فولدمورت، ووطأة اتهام رودلفوس لها.
    الضيف الذي يهرف بما لا يعرف هو الذي يثقل، أما الذي يعرف ما يقوله، فلا يُثقل أبداً. والضيف محل ترحابٍ دائماً.

    ردحذف
  3. هيرموني كان يجب ان تتزوج هاري

    ردحذف
  4. I realise it is foolish, it's even closer to a mad venture. But I wish I could read the beautifully melancholy fan fiction you refer to just once again; a wish I have pursued in vain. Do you have any link or any way for me to just read it once again?

    ردحذف