03 أبريل 2008

غبار النجوم: رحلة محكمة النسيج

أبلى فيلم غبار النجوم حسناً في شباك التذاكر لفترة لا بأس بها، وتحدث الناس عنه لفترة حديثاً لا بأس به، ويستحقه.
الفيلم ينتمي إلى نوعية أفلام الفانتازيا التي فتحت لها أفلام سيد الخواتم وهاري بوتر بوابة الازدهار، فازداد الطلب عليها، وبات على هوليوود أن تُتنتج نصف دستة - على الأقل - منها كل عامٍ. غير أن أفلام الفانتازيا - التي تعتمد معظمها على أصولٍ روائية - ليست ذات مستوى فني لائق غالباً، فهي عبارة عن مشاهد متفرقة تجمعها انفجارات مولدة حاسوبياً مثل هاري بوتر، أو خيبات تامة مثل سجلات نارنيا، وبين الاثنين كومة أفلامٍ معطوبة الحبكة، ومعطوبة الأداء.
غير أن الفيلم الذي أخرجه ماثيو فون عن رواية نيل غايمان يستحق أداءه الجيد في شباك التذاكر، والمديح الذي ناله. فعلى خلاف الكثير من أفلام الفانتازيا، يمتاز غبار النجوم بأن حكايته منسوجة جيداً، بحيث لا يضيع المشاهد الذي لم يقرأ الرواية - كما يضيع عند مشاهدة هاري بوتر مثلاً -. ورغم أن عدد شخصياته التي تقوم بالرحلة كبير نسبياً، إلا أنه لا يفلت الخيط ولا يسمح لنا بأن ننسى وجود إحدى الشخصيات - كما في فيلم البوصلة الذهبية مثلاً-.
غبار النجوم من أفلام الرحلة التي ينضج فيها البطل حسب تحليل فلاديمير بروب للأسطورة الشعبية، حيث يخرج البطل في رحلة قد حُذِرَ منها غير مرة، ليجلب شيئاً إلى الوطن يكتسب به ميزة، أو يكمل به نقصاً، ويعارضه أشرارٌ يُعاقَبُون في النهاية، ثم يحصل على مبتغاه ويعود مكللاً بالمجد. الفيلم وفي للمبادئ البروبية، فبطله تريستان يسعى إلى جلب النجمة لحبيبته فيكتوريا، ولفعل ذلك فإن عليه أن يعبر الجدار إلى الكون السحري الواقع خلف الجدار في مدينة (وول)، الجدار الذي يحرسه تسعيني يستطيع القفز بمهارة شاب في العشرين.
تريستان ثورن يُريد أن يجلب النجمة - التي تصبح حبيبته - إلى فيكتوريا قبل عيد ميلادها الذي يحل بعد أسبوع لينافس همفري - غريمه الأكثر جاذبية وثراء - الذي ذهب إلى إيبسويتش ليجلب لها خاتم زفاف. وفي طريقه، يكتشف أن أمه من سكان ما وراء الجدار. في الآن ذاته، يُلقي الملك المحتضر لمملكة ستورمهولد الواقعة وراء الجدار بياقوتة حمراء لتصبح في حوزة النجمة الساقطة، وتنقلب بيضاء إلى أن يمسها أميرٌ من دمٍ ملكي فيصبح ملكاً. وبحثاً عنها ينطلق ابناه، الأكبر، برايموس، والأصغر، سبتموس، بعد أن تخلص الأخير من إخوتهما الخمسة المتبقين كما تقتضي تقاليد البلاط لتحديد الأخ الوارث للعرش، وحاول التخلص من أخيه الأكبر الذي نجا من محاولته الأخيرة لقتله.
النجمة الساقطة فتاة جميلة وبريئة، تقع في حفرة بركانية ولا تعلم شيئاً عن مكانها وما ينتظرها. يوقظ سقوطها ثلاث شقيقاتٍ ساحراتٍ يردن قتلها وانتزاع قلبها لاستعادة شبابهن، فيرسلن إحداهن لمطاردتها والعثور عليها، وهكذا تلتقي جميع أطراف الرحلة على هدفٍ هو الوصول إلى النجمة.
تصوير الفيلم جميل. يُركز على جماليات الصورة ويترك الانفجارات الحاسوبية إلى حين الحاجة إليها. معظمه تم تصويره في الخارج بإحساسٍ عالٍ بالألوان، وبعناصر اللوحة. على عكس معظم أفلام الفانتازيا والرعب، فإن الفيلم لم يُصور في الظلام، أو في أبيض أحادي الطبقة معظم الوقت، بل صُور بكامل الألوان بشكلٍ يبدو معه أحياناً وكأنه قد رُسم بالزيت!

الموسيقى المرافقة مميزة وتعلق بالذهن، تعمق الإحساس بعظمة الرحلة في عالمٍ فانتازي ساحر تطير فيه السفن في الهواء، ويعمل بحارتها على صيد العواصف وبيعها في الموانئ السماوية. يصطاد القبطان شكسبير (روبرت دي نيرو) تريستان والنجمة مع بحارته، ويكتشفان أنه رجلٌ طيب رغم سمعته الدموية - التي بناها بحرص ودهاء رغم أنه شاذ -. يعلمهما شكسبير ويساعدهما ويوصلهما إلى قُرب وول بينما تتعقد الرحلة.
الساحرة لاميا (ميشيل بفايفر) تفقد شبابها وتذوي بسرعة متحولة إلى مسخٍ كريه، سبتموس (مارك سترونغ) يُقرر أن يحصل على النجمة أيضاً ليصبح ملكاً وخالداً إلى الأبد، النجمة (كلير دينز) تحب تريستان (تشارلي كوكس) الذي بدأ الوقت ينفذ منه. تلتقي جميع الأطراف قرب الجدار قبل أن تنتقل الأحداث إلى قصر الساحرات الثلاث بعد أن قبضت لاميا على النجمة والأميرة أونا أم تريستان وشقيقة سبتموس، فيضطر الاثنان إلى اللحاق بهن حيث المواجهة النهائية التي ستسفر عن قتل سبتموس وانضمام شبحه إلى أشباح إخوته الستة القتلى، ومقتل شقيقتي لاميا التي ستهزمها النجمة بالبريق. بعدها يعثر تريستان على الياقوتة التي تتعرفه باعتباره أميراً من دمٍ ملكياً، ويصبح حاكم ستورمهولد.
حين تعبر خصلة شعر يفين (النجمة) الجدار فإنها تتحول إلى لا شيء عدا غبار النجوم. كل ما وراء الجدار يبقى حيث ينتمي، فلا مكان في عالمنا اليومي للنجوم التي تسقط لتصبح فتيات، ولا للساحرات، أو السفن الطائرة صيادة العواصف. تريستان الذي كان فتى بقالة ضئيل الشأن يصبح ملكاً وراء الجدار، فهناك عالمه، حيث يفوز الحالمون بالنجمة والمملكة، فيما يبقى العالم الذي يخلو من السحر عالماً كئيباً، لا مكان فيه للحالمين، ولا للنجوم.
ميشيل بفايفر أدت أداء رائعاً وشجاعاً، فقليلاتٌ من يقبلن أن تشوه صورتهن بهذه الصورة المرعبة في دور. روبرت دي نيرو يحضر حضوراً قصيراً لكنه مميز بتفرد حضور دي نيرو. مارك سترونغ أضفى عمقاً ومهابة على شخصية بروتيوس، وكان الحصان الأسود في العرض. بيتر أوتول يضفي شخصيته المميزة على المشهد الوحيد الذي يظهر فيه. أما كلير دينز وتشارلي كوكس، فأداؤهما مقبول.
غبار النجوم فيلمٌ محبوك بشكلٍ جيد عن رحلة حافلة بالمغامرات يتحول فيها صبي إلى رجل. رحلةٌ عن البلوغ لا تثير اليأس، أو الألم، وتحفل بالغموض والدهشة والسخرية اللاذعة اللطيفة في الآن ذاته.

هناك تعليق واحد: