12 نوفمبر 2008

نادر المُجالِد - 5

رالف نادر عن الصراع العربي الإسرائيلي، باراك أوباما، وجون مكين - يوتيوب
رالف نادر يُعلق على الغزو الإسرائيلي للبنان - يوتيوب
رالف نادر مع ديفد ليترمان: لقد هلكنا جميعاً! - يوتيوب يقول نادر لليترمان: "هُناك وسيلة واحدة تنقلنا إلى استخدام الطاقة الشمسية بسرعة البرق، أن تحصل إكسون على الشمس!"
رسالة إلى رالف نادر - يوتيوب رسالة تلومه على انتخاب بوش، وتحثه على عدم الترشح في الانتخابات الحالية لصالح باراك أوباما (مع أن بين نادر وأوباما خلاف كبير)
نادر 2008 - يوتيوب تسجيل فردي، هناك تشويش في الصوت، لكن ما يقوله مُهم عن تاريخ تأثير الحزب الثالث في أمريكا. يقول إن اعتبار نادر وناخبيه مُخربون (تأثير المُخرب) تحويلٌ لهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية
دفاعاً عن رالف نادر - يوتيوب تسجيل فردي بدقة ممتازة. يُعطي خمسة أسبابٍ لدعم نادر في الانتخابات الأمريكية:
1- الديموقراطية
إذا كان هُناك نسبة صغيرة من السكان تريد نادر أن يكون رئيساً، فينبغي أن يعبروا عن آرائهم في الانتخابات.
2- النزاهة
فعل نادر لحماية حقوق وإرادة المواطنين الأمريكيين أكثر مما فعله أوباما وكلنتون ومكين مجتمعين. نادر أنزه شخصية سياسية في أمريكا.
3- نفوذ الشركات وإساءاتها
رالف نادر تحدى الشركات بمفرده، وهذا ما لا يجرؤ على فعله أي سياسي آخر في أمريكا. نفوذ الشركات القوة الأكثر تدميراً للعملية الديموقراطية في أمريكا اليوم، ومع ذلك يصوت الأمريكيون انتخاباتٍ وراء انتخابات لمرشحين تقدمهم الشركات.
(يصف رالف نادر بوش - في تسجيل ليبرمان - بأنه شركة متنكرة في شكل إنسان)
4- الهوس بالذات
إذا تمحور هوس نادر حول إقامة حكومة حقيقية تهتم بالناس، فسأختار شخصيته المهووسة على أي من دمى الدعاية التي يدعونها مرشحين.
5- أفكار نادر هي (أفكارنا)
حملة نادر أكثر من مجرد تدخل غريب في انتخابات لمرشحين مدعومين وممولين جيداً. حملة رالف نادر تُعطي صوتاً للقضايا الأمريكية، وتنقل أفكار العموم إلى طاولة الديموقراطية الأمريكية.
"إذا لم تحركوا مؤخراتكم وتطلبوا ديموقراطية أفضل، لا أحد سيفعل ذلك!"
رالف نادر: عودة المحارب (إعلان ساخر من عالم الحرب WoW) - يوتيوب
Ralph Nader for President in 2008
ترجمة رالف نادر من موقع infoplease
أمريكيون يقولون الحقيقة: رالف نادر
تحليل مواضيع الأخبار المرتبطة بنادر من موقع Salon
رالف نادر يدخل سباق 2008 الرئاسي - من سي إن إن بالإنكليزية
رالف الحقيقي: صفحة في كُره نادر، لا توجد كلمةٌ واحدة حسنة - أو حتى محايدة - عنه فيها، أخذت منها الكاريكاتير في نادر المجالد - 1
تريلر وثائقي "رجل غير عقلاني" - يوتيوب
رالف نادر: أوباما يستغل عقدة الأبيض - من سي إن إن بالعربية
من يخشى عودة نادر؟ تحليل ممتاز لعلاء بيومي في قسم المعرفة من موقع الجزيرة بالعربية، عثرت عليه بالصدفة حين قررت البحث عن نادر بالعربية
رالف نادر يُغني Be Prepared - فلاش طريف يدمج أغنية "استعدوا" مع مشاهد مُركبة لخُطب نادر، ورسوماتٍ عن سياسته تظهر جون كيري وجورج دبليو بوش بشكلٍ مُضحك (حملة 2004)

10 نوفمبر 2008

نادر المُجالِد - 4

(رالف نادر في 1982، بواسطة ميكي آيدر)

هل تعلمت أن تؤمن أم أن تفكر؟
يقول رالف نادر في الفيلم الوثائقي المُعَد عن حياته رجل غير عقلاني أن أباه - نثرى نادر - كان يسأله دائماً حين عودته من المدرسة: هل تعلمت اليوم أن تؤمن أم أن تُفكر؟ ويتخذ سؤال أبيه المُستمر مدخلاً لوصف علاقته بكل أشكال السلطة وفلسفته في الحياة داعياً الجميع إلى التفكير بدل أن يؤمنوا بما قيل (ويُقال) لهم دون إعمال عقولهم فيه. لو أن الناس فكروا فيما يُقال لهم، لوجدوا أن كثيراً من المُسلمات ليست مُسلماتٍ فعلاً، وأنها خدعٌ وحيلٌ من أشكال السُلطة المُختلفة لإقناعهم بأن حياةً أفضل ليست من حقهم، وأن هُناك من يعرف أفضل منهم، ويملك أن يُحدد لهم آراءهم وتوجهاتهم وأفكارهم. ليتوقفوا عن (عيش) حيواتهم، ويصبحوا مُجرد (عابرين) في حيواتهم هم. ليتفرجوا وكأنهم ضيوف على أنفسهم لا يملكون حقاً فيها، ويتحولون إلى مجرد أرقامٍ وأشكالٍ ملونة في الإحصاءات المُختلفة. لتنمحي هوياتهم شيئاً فشيئاً حتى تنمحي أسماءهم، ومن ثم يصبحون متغيراتٍ يستدعيها المُبرمج متى شاء من قاعدة البيانات، ويحذفها متى شاء.

امتلك نثرى نادر - والد رالف - مطعماً كان يجمع فيه زبائنه ليتناقشوا حول الأمور السياسية والمعيشية المُختلفة فيما يُشبه مُنتدى نقاشٍ محلي يديره نثرى ويُشارك فيه الزبائن. وفي هذا الوسط النقاشي الذي يملك كُل فردٍ فيه رأياً خاصاً به نشأ رالف الذي أخذ مفهوم مطعم أبيه حيث يملك كُل امرئٍ صوتاً مساوياً للآخر، وأخذه إلى واشنطن دي سي ليحاول إقناع السياسيين بأن كُل ناخبٍ مساوٍ للآخر، البيض والصفر والسود والهسبان، الأغنياء والفقراء، أولئك الذين يملكون تأميناً صحياً وأولئك الذين لا يملكون. كُلهم يملكون الحق في أن تُسمَعَ آراءهم، وفي ألا يتنمر عليهم السياسيون ورؤساء مجالس الشركات الكُبرى معلنين أنهم وحدهم من يملكون الحقيقة المُطلقة، وأنهم يملكون الحق في تسميم الضعفاء بالأغذية المُعدلة والكيماويات التي تلقيها مصانعهم والأشربة المغشوشة والأدوية التي لا تشفي بل تُمرِض، ويملكون الحق في قتلهم بسياراتٍ معيوبة وإجراءات سلامة لا تُراعي شروط السلامة وتأمينات صحية تسرق قوتهم لتنبذهم على قارعة الطريق.

جاءت روز بوزين إلى الولايات المُتحدة الأمريكية من زحلة في البقاع اللبنانية، واستقرت في وينستد، كونيتيكت، ثم تزوجت نثرى نادر في 1925، لتصبح روز نادر. كانت روز مُعلمة، درسَت الفرنسية والعربية، وكانت أول مُعلمةٍ تُعلِم خارج مدينتها، لكن شهرتها في وينستد جاءت من كونها ناشطة سياسية واجتماعية ذات تأثيرٍ واسع، ومن مواجهتها الشهيرة للسناتور بريسكوت بوش - جد الرئيس السابق جورج دبلبو بوش - في 1955، عقب فيضان كارثي في الولاية. اقتربت روز من بريسكوت بوش في تجمع عامٍ، وانتهزت فُرصة تقديمه يده للمصافحة، فأبقت يده بين يديها وهي تهزها (مصافحة)، مُصرة على ألا تترك يده وهي تشرح له بالأمثلة لماذا تحتاج المدينة إلى سد، ولم تتركه حتى وعدها بالمساعدة في دفع التماس السد قُدماً في واشنطن دي سي. تحقق طلب روز نادر، ولاحقاً دعت إلى بناء مركزٍ لرعاية الأطفال في المدينة، وتأسيس نادٍ للمتحدثين يُحضر المتحدثين العالميين إلى المدينة ليلقوا المحاضرات، وتوسعة مركز الرعاية الصحية وصيانته. كما أنها استخدمت صفحات الرأي في الجرائد الأمريكية الشهيرة للتعبير عن آرائها في مُختلف القضايا الاجتماعية والسياسية. وفي 1982 كتبت في صحيفة نيويورك تايمز شاجبةً استخدام (عبارات المشاهير) مثل: "بصراحة" و"بكل صدق" و"لأقول الحقيقة" قائلة بأن هذه العبارات تُعطي شعوراً بانعدام الثقة شاع جداً بين الناس بحيث أصبح واجباً إيجاد لغةٍ جديدةٍ موثوقة للتعامل بين الساسة والناس.

روز بوزين التي توفيت عن تسعة وتسعين عاماً أورثت ابنها طبيعتها المشاكسة التي لا تلين حتى تنال ما تعتقده حقاً لها. إنجازات روز المحلية تحولت إلى إنجازاتٍ وطنية - وعالمية - على يد ابنها الذي حارب لتطبيق قواعد السلامة في السيارات، ولحماية البيئة وتقليل تلوث الهواء، ولأجل العدالة الاجتماعية. ومع طبيعة نثرى نادر سياسية التوجه، فإن رالف نادر قد ورث عن أبويه ميوله السياسية، وطريقته في العمل، وقراراته التي قد يوجد من يعتبرها (غير عقلانية)، وإحساسه بالعدالة الاجتماعية، والانتماء العميق إلى عائلته وقيمها.

06 نوفمبر 2008

نادر المُجالِد - 3


بعد فوز باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، يبدو الأمر وكأن الولايات المتحدة الأمريكية قد استعادت حُلمها. لم يرَ العالم خيرَ أوباما من شره بعد، ولا يزالُ الوقتُ مُبكراً للحكم على فترة رئاسته التي اكتسبت صفة (تاريخية) قبل أن تبدأ حتى. استعاد الحزب الديموقراطي قُدرته على حشد الجماهير مع الناخبين الجُدد الذين بلغوا السن المُناسبة للتصويت في هذه الانتخابات. تغير العالم، وما زال رالف نادر لم يتغير. لكن، هل يتغير كُل شيء حقاً؟ أم أن نادر مُحق في ما قاله: "خياراته [أوباما] محدودة، فإما أن يكون العم سام لشعب هذا البلد، أو العم توم للشركات العملاقة". بالمناسبة، نال نادر ستمائة وواحداً وستين ألفاً وثلاثمائة وثلاثة وعشرين صوتاً في التصويت الشعبي، مما يعني أن هُناك من يؤمن به رغم كُل ما يُقال عن أوباما "الذي يدفع الأمة للبكاء فخراً".
ما الذي يستحق القتال لأجله؟
يُجالد نادر لأجل العديد من القضايا، لكن أهم قضية يُقاتل لأجلها - كما يُمكن أن يُعرف من سجله الانتخابي - قضية استقلاله. تقليدياً، يُصنف نادر مع الخُضر، وخاض معهم انتخاباتٍ أو اثنتين دون أن ينضم إلى الحزب، كما ترشح مع حزب الإصلاح (مستقلاً)، وفي هذه الانتخابات دخل مستقلاً - وتحالف معه حزب الحرية والسلام - بينما رشح الخُضر عضوة الكونغرس (السوداء) سنثيا مكيني، ورشح الإصلاح تيد وايل. يؤمن نادر بأهمية الحزب الثالث في إحداثٍ تغييراتٍ اجتماعية، وتوعية الناس بحقوقهم، لكنه يؤمن أيضاً بأهمية حفاظه على استقلاله وصوته الفردي. نادر ليس فرداً في جماعة، ويُريد الحفاظ على هويته وصوته كفرد لخدمة الجماعة الأكبر. الجماعة التي تفوق حزباً أو ولاية أو حتى دولة. خدمة المصلحة الإنسانية العُظمى لن تتم إلا عن طريق تحقيق الإنسان لهويته الفردية، وحفاظه على صوته المستقل، ووعيه بذاته ومكانه من العالم، ووجود الآخرين حوله.
الجماهير تكرهك
أخطر أنواع النفاق نفاق الجماهير، ونادر يعرف ذلك جيداً، لذا يُجازف بالتعرض للكراهية القومية وينتقد أوباما - مُمثل الأمة - في يوم الانتخابات، مُذكراً بتاريخه مع الشركات، ليُحذر الجماهير من رفع آمالها عالياً. لا يملك أوباما خطة تأمين صحي حقيقية، وصوت من قبل لزيادة ميزانية الجيش، كما دعم قرارات الحرب على العراق، أوباما ترسٌ في الآلة السياسية الهائلة التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية. أثارت تصريحات نادر عاصفة من الحنق عليه، وجعلته - ببساطة - مكروهاً، لكنه يتسلح بإيمانه بالحقيقة. حذره مذيع أخبار فوكس نيوز من أن ميراثه السياسي سيُلطَخ، ومن أنه سيفقد تأثير (المخرب) الذي يقوم به دائماً في الانتخابات الرئاسية، لكنه رد عليه بأنه ليس سوى مُتنمر يحاول قلب الحقيقة، لقد تساءل عما إذا كان أوباما سيصبح رئيساً عظيماً أم مجرد دمية شركات، بينما حرفت (الميديا) أقواله لتحول الجدل من أفعال أوباما، إلى تأثير (العم توم) وسواد بشرته.
المُجالد في عزلته
في 1971، أسس نادر مُنظمة المواطن العام لتكون مظلة تجمع نشاطاته التي يقوم بها مع جماعةٍ من المُتطوعين يُعرفون بفرسان نادر Nader's Riders، ومن إصدار تشريعات سلامة المركبات، تشعبت نشاطات نادر العامة ونشاطات جماعة فرسانه التي أعيد تشكيلها عدة مرات قبل أن تبدأ في التلاشي. تشعبت قضايا نادر الفرعية، وزادت عداواته بسبب أسلوبه الهجومي، وصراحته التي يعتبرها الكثيرون غير ضرورية. زادت المعارك، وزادت حدة الهجمات، ومعها زادت عُزلة نادر.
لا يزال نادر يطرح الأسئلة الصعبة، ويقول ما يخشى الكثيرون قوله، لكن ما يقوله لا يُعجب الجماهير كما لا يُعجب النُخب الحاكمة. شيئاً فشيئاً، يتحول نادر إلى نذيرٍ لا يتمنى أحدٌ سماع ما يقوله، لأنه لا يجلب أنباء مُريحة. يعتقد نادر أن خطته هي الوحيدة الصالحة لإنقاذ البلاد، ولا يُفاوض عليها. لكن هدفه الحقيقي ليس أن ينتخبه الناس، بقدر ما يُريد أن يسمعوا ما لديه ليقوله، وليكونوا أكثر وعياً بحقوقهم السياسية، ولئلا تخدرهم الخُطب البليغة. يتكلم نادر ببساطة ووضوح: الحالة سيئة يا قوم، ولن تصبح على خير ما يُرام قريباً!
مع أسلوبه الهجومي، ووجوده الطويل على الساحة السياسية الأمريكية، تذبذبت علاقات نادر بالجمهور الأمريكي الذي يُقر له بكونه واحداً من أهم مائة شخصية ساهمت في تشكيل التاريخ الأمريكي، لكنه لا يُجمع على الكيفية التي ساهم بها نادر في تاريخ أمريكا. هل كانت مُساهمة نادر إيجابية أم سلبية؟ وهل كانت الأحجار التي ألقاها في بحيرة السياسة الأمريكية قضايا حقيقية أم فرقعاتٍ إعلامية لشخصٍ لا يُمكن أن يقاوم حُب الظهور لديه؟
ينحدر نادر من أسرة مُعمرة، وقد يعيش ليخوض انتخاباتٍ أخرى. حتى وفاته، لا يُمكن أن يُقيم التاريخ نادر تقييماً مُنصفاً بينما لا يزال لاعباً على الساحة. ميراث نادر السياسي والاجتماعي جُزء من تاريخ أمريكا والعالم، لكن النظرات المُتبصرة فيه لا يُتوقع أن تأتي قريباً.

رالف نادر وجدل العم توم عشية إعلان النتائج - يوتيوب

05 نوفمبر 2008

تغيير

"أسألكم أن تؤمنوا، ليس فقط بقدرتي على إحداث تغييرٍ في واشنطن، بل بقدرتكم أنتم".
- باراك أوباما

جعل تقرير قناة الجزيرة عن دلالات فوز أوباما الثقافية والسياسية منه مسيحاً مُخلصاً، وحول حُسين أوباما إلى الغريب المُنقذ الذي جاء ليبذر البطل الذي سيُخرج أمريكا من ليلٍ طويل. بينما خرج الأمريكيون قوافل ليصوتوا لأوباما منذ الصباح الباكر لأنهم أرادوا تغييراً، وأوباما مثل لهم التغيير. الذي تكلم ونَصَرَ أوباما لم يكن غير الملايين الذين خرجوا من بيوتهم ليُرسلوه إلى البيت الأبيض، لا ميلاد المُخلِص. كان قرار الجماهير. العالم يتغير، ولم يعد يُريد أن يربط التغيير بأفرادٍ، بل بقرارٍ جمعي. تأليه القادة لم يعد مُمكناً الآن، فالعالم يتغير بعد أن وصل في القرن العشرين إلى ما يقارب القاع.
حصل باراك أوباما على نسبة أصواتٍ كبيرة رغم عرقه وضعف خبرته السياسية، لكن ميزة وحيدة حُسبت له: شجاعته وإصراره على مواجهة القضايا مُباشرة. وخسر جون مكين رغم جو السباك الذي يُصر على إدراجه دائماً في المُناظرات - وربما كان جو السباك ما أكد للناخبين بعد مكين عن الغالبية الفقيرة في أمريكا والعالم -. في ظرفٍ آخر، كان مكين ليكون خياراً حسناً، لكن مكين - رغم شجاعته وثبات مواقفه - لم يستطع الوقوف في وجه التغيير، فالشعب لم يعد يريد الرجال البيض الأثرياء، ولم يعد يُريد سياسات المحافظين الجُدد التي قادت العالم إلى الخراب. احتفل الإفريقيون بفوز (الأخ) أوباما، واحتفل الفقراء والمسحوقون بعودة الحُلم الأمريكي. لكن أوباما - الذي يستطيع أن يفوز في أوروبا كذلك لو رشح نفسه هناك - في موقفٍ صعب، فلا شيء أسوأ من غضب أمةٍ خاب أملها فيمن اختارته مُمثلاً عن آمالها.
زمن التغيير لا يُريد مُخلصين، بل أفراداً قادرين على اتخاذ قرارٍ جمعي بالتغيير.

02 نوفمبر 2008

فولند

فولند، الشيطانُ في رواية بولغاكوف المُعلم ومارغريتا، استمرارٌ للتقليد الأدبي الذي أرساه مفستوفيليس، الشيطان الذي يفوق فاوست إنسانيةً في كثيرٍ من الأحيان، ففولند (الأجنبي) الذي يظهر فجأة في شوارع موسكو مُخلِصٌ - بطريقته - يقود المُعلم ومارغريتا إلى السكينة، مُحققاً لهما خلاصاً لم يكن ليأتي لو لم يُرسله الله أداةً له. فولند يعملُ مع الله والمسيح، ولا يضره أن يتلقى الرسائل عبر متى العشار ليهزأ من أمنيته بخلو الأرضُ من الظلال، فالظل رديف النور، والعالم لا يكتمل إلا بوجود فولند والمسيح فيه. الجميعُ أبناء الرب، وأدواته في الخلق، حتى بيلاطس البُنطي الذي غُفَرَ لهُ آخر الأمر.
يظهر فولند مع حاشيته من حيثُ لا يعلم أحدٌ ويُقدم نفسه إلى صفوة المُجتمع الأدبي في موسكو - كما يُفترض - فيُحاجج الشاعر إيفان بزدومني والأديب ألكساندر برليوز رئيس رابطة الماسوليت الأدبية حول وجود المسيح، مُقدماً رواية أخرى لمُقابلة المسيح مع بيلاطس البُنطي للمرة الأولى بوصفه شاهد عيانٍ مُباشر، كما أنه يتحدث عن الكيفية التي أوحى بها لإيمانويل كانت بمبادئ فلسفة الشك على مائدة الإفطار. يقود فولند ورفاقه بزدومني إلى حافة الجنون بسلوكهم الغريب، لكنهم سُرعان ما يتخلون عنه ليتسلطوا على مُدير مسرح المنوعات (الفاريته) ليخدييف مستوليين على شقته التي كان يتقاسمها مع برليوز الذي أصبح مرحوماً، الشقة رقم خمسين في شارع السادوفايا - وهي شقة شهيرة في الأدب - ومحولين إياها إلى مسرحٍ لأكثر الأحداث غرائبية في الأدب.
جاء فولند - مع رفاقه: كرفيوف، بهيموث، عزاييلو، وهيلا - لينتقم من الأشرار ويُجازيهم سوء ما عملته أيديهم، وليجعل أهل موسكو يسيرون عُراةً في الشوارع جزاء لنفاقهم وريائهم. قد تُفسَرُ أفعال فولند على أنها نقدٌ لاذع للستالينية المُتطرفة، وقد يرى بعض القساوسة في رواية المُعلِم ومارغريتا تمجيداً للشيطان، لكن بولغاكوف لا يسعى لتمجيد فولند أو نقد ستالين بقدر ما يُقدم رؤية لخطة الخلق التي يلعب فيها كُل مخلوقٍ دوراً مُهماً. لقد كان دورُ بيلاطس البُنطي - الذي ظل يبحث عن الغُفران لآلاف السنين - مُهماً في تاريخ الشعوب المؤمنة بإلهٍ واحد رغم أنه كان وثنياً، أما بالنسبة للشيطان، فالكثير ينسون - أو يتناسون - أنه كان أحد المُقربين، وأنه رغم تحديه لله لا زال من عباده. الشيطان يلعبُ دوراً هاماً في حياة البشرية مُنذ خلق آدم، وهو أقرب إلى الإنسان من الوريد، فكيف يُمكن تجاهل دوره في خُطة الخلق؟ حتى أفعال الشيطان الأشدُ قسوةٍ لها ما يُبررها آخر الأمر، لأنه وعصبته يغيرون حياة موسكو تماماً، ويقتادون المُعلم إلى السكينة بعد رحلةٍ خيالية في الجوانب الأكثر ظلمة وغموضاً.
فولند قوةٌ إيجابية، ورغم كونه رمزاً، إلا أن شخصيته تتميز بأنها ذات أبعادٍ مُركبة لا يُمكِن أن تُسطَح. سُخرية فولند اللاذعة من كُل شيء، وشكواه من ألم ركبتيه، وتجواله في حفلته مُرتدياً مبذله بينما تُعزَفُ موسيقى هللويا أشياء أكثر عُمقاً بكثير من أن تُفسَرَ بُثنائية بسيطة: الخير - الشر، فكُل ما هو مخلوق عائد إلى الخالق.

كورس هللويا من ميسيا هاندل (يوتيوب).