28 يونيو 2009

وقت للأفلام - 1

الحرب العالمية الثانية
أُنتجت أفلامٌ كثيرة كانت الحرب العالمية الثانية في خلفية أحداثها، وكثيرٌ منها يستحق المُشاهدة، غير أنني أتذكر اثنين منها بشكلٍ خاص: المريض الإنكليزي والكفارة. كِلا الفيلمين مُكيفٌ عن روايةٍ بنفس الاسم. المريض الإنكليزي عن رواية مايكل أونداتجي الحاصلة على جائزة بوكر، والكفارة عن رواية إيوان مكيوان التي يعتبرها البعض أفضل رواياته قاطبة. لا يتوقف التشابه بين الفيلمين عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ثيمة الحب الذي لا يتحقق الموجودة في كلا الفيلمين، وموقع الحدث الذي لا يتعلق بالجنود والقتال بقدر ما يتعلق بالأفراد الذين اعترضت الحرب حيواتهم. تشابه آخر بين الفيلمين يكمن في اقتحام الحرب للحصون البعيدة التي تحتمي بها الشخصيات، الصحراء في المريض الإنكليزي، ودارة آل تالس في الكفارة.
غير التشابه في الثيمات والمُعالجات، يتشابه الفيلمان في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، وتقريباً، فقد ترشح الفيلمان في نفس الفئات. يختلف الفيلمان فقط في أن عدد الجوائز التي فاز بها المريض الإنكليزي تزيد عن عدد تلك التي فاز بها الكفارة.
على أن تشابه الفيلمين لا يُقلل من قيمة أيٍ منهما الفنية كعملٍ مستقلٍ، فخصائص الفيلمين الأسلوبية مميزة، ومساراتهما الحكائية مختلفة، كما أن المعمار الفيلمي يختلف في الفيلمين الذين يقدمان قراءتين مختلفتين للحرب العالمية الثانية تشتركان في عرضهما للمعضلة الأخلاقية التي تعاني منها شخصيات وجدت نفسها في خضم حربٍ طاحنةٍ.

ملصق فيلم المريض الإنكليزيالمريض الإنكليزي
المريض الإنكليزي The English Patient واحدٌ من أكثر الأفلام التي حُط من قدرها في تاريخ السينما، ومع ذلك نالت ثناء نقدياً ودخلت سجل الأوسكار بعددٍ كبيرٍ من الجوائز. أقدم ذكرياتي عن هذا الفيلم تعود إلى الموجة الساخرة التي اجتاحت برامج التلفاز والأفلام التي سخرت من المريض الإنكليزي، وفي طفولتي اعتقدت أن المريض الإنكليزي فيلمٌ عن شخصٍ مريضٍ بمرضٍ لا علاج له. أخيراً شاهدت الفيلم ووجدته مكتمل العناصر الفنية، بحيث كانت السخريات الكثيرة منه مجحفة.
يدور الفيلم في الصحراء العربية خلال الحرب العالمية الثانية. عقدته الأساسية علاقة حبٍ تنشأ بين كاثرين كليفتون المستكشفة البريطانية وزوجة أحد عملاء المخابرات البريطانية وبين زميلها في الحملة الجغرافية لاستكشاف الصحراء المغربية الكونت المجري لازلو دو ألماشي. تنشأ علاقة الحُب في الصحراء، وتعيش كاثرين علاقة محرمة مع ألماشي في القاهرة أثناء غياب زوجها جيوفري الذي يؤدي مُهماتٍ للمخابرات البريطانية. تنفجر الحرب وتأخذ المجر جانب ألمانيا في دول المحور، فيصبح ألماشي العدو. تستمر ثيمة العدو في السيطرة على علاقة ألماشي برفاقه السابقين - وكاثرين - حتى تصل ذروتها في مشهد اعتقاله من قبل من جاء يطلب منهم العون، ثم خيانته الكلية.
تُروى قصة كاثرين وألماشي عن طريق استعادة تشبه الحلم، فعقدة الفيلم تبدأ بقيام بعض القبائل الصحراوية بتسليم طيارٍ متفحم للقوات البريطانية التي تفشل في معرفة أي شيء عن هويته، فتلقبه بالمريض الإنكليزي وتُسلمه للأطباء الذين يأخذونه معهم في رحلتهم عائدين إلى بريطانيا. تقرر ممرضة كندية اسمها هانا البقاء معه في ديرٍ إيطالي يتعرض للقصف بعد أن عانت خسارة المقربين إليها، وبعد أن أصبح المريض الإنكليزي عبئاً على الفريق الطبي. في الدير الإيطالي ينضم إليهم عميل مخابرات كندي يتعرف على ألماشي من كتاب التواريخ لهيردوت الذي يحمله معه دائماً، وينوي قتله لأنه فقد أصابعه بسبب تواطؤ ألماشي مع القوات الألمانية. يظهر أن ألماشي عميلٌ ألماني مطلوب من قبل الحلفاء، لكن ألماشي لا يؤكد شيئاً في استعادته لقصته مع كاثرين. ينضم إلى المقيمين في الدير ضابط سيخي من وحدة نزع الألغام يقع في حب هانا، ويعقد صحبة مع المريض الإنكليزي والعميل الكندي لتتشابك قصص الأربعة وتقدم خلفية إنسانية غنية لأحداث الحرب العالمية الثانية. في النهاية، تتفرق الصحبة بعد أن تحرر الجميع من عبء الحرب.
إخراج أنتوني منغيلا - الذي كتب السيناريو كذلك - للفيلم رائع، فجميع عناصره متآلفة في نسيج جميل لتخلق صورة مليئة بالتفاصيل الدقيقة والحية للحرب العالمية الثانية وتدخلاتها القدرية في حياة البشر، ووقوع أشخاصٍ عاديين ضحايا لمؤامرات دولية لا علاقة لهم بها، ومن ثم محاولة التعافي من حالة الدمار الإنساني التي سببتها الحرب. لا تظهر مشاهد الحرب الفعلية من إطلاق رصاصٍ وقصف بالقنابل إلا في بداية الفيلم، ولا تظهر الحشود العسكرية إلا في لقطاتٍ محدودة، غير أن الحرب حاضرة في كُل مكان حضوراً كُلياً. ولا يكاد يُفلت من الحرب غير الصحراء الساكنة مترامية الأطراف، قبل أن تصبح الصحراء نفسها مسرحاً للحرب والخراب الذي يُصيب النفوس.
في فيلم المريض الإنكليزي تضافرت عوامل الإخراج والتصوير والتمثيل لتُنتج فيلماً مُكتمل العناصر الفنية. فريق التمثيل قدم شخصياتٍ لا تُنسى من لحمٍ ودم، وقدم التصوير السينمائي مشهدية بصرية غنية تُصبح فيها الصحراء وزخرفة معمار القاهرة القديمة أجزاء من صورة بصرية شديدة الغنى في الشكل وفي الرموز الجمالية. الكاميرا في فيلم المريض الإنكليزي لا تُثرثر أبداً، بل تأخذ موقفاً من السرد وتدخل في نسيج الفيلم.
يظهر العرب في الفيلم في خلفيات باهتة وقليلة التأثير، فهم شخصيات شبحية، إما تخدم الأوروبيين، أو تُنقذ واحداً منهم لأسبابٍ غير مفهومة. تأثير الحرب على العرب لا يظهر، لأنهم آخر خارج المُعادلة، لكن الفيلم لا يروي قصة عربية، بل يروي قصة الضمير الأوروبي الذي مزقته الحرب العالمية الثانية، بعد أن أثقل تاريخه الاستعماري كاهله.

المريض الإنكليزي (1996) - أنتوني منغيلا (سيناريو وإخراج) - تمثيل: ريف فاينز (لازلو دو ألماشي)، كريستين سكوت توماس (كاثرين كليفتون)، جولييت بينوش (هانا) - ميراماكس (إنتاج)

ملصق فيلم الكفارةالكفارة
الحُب أيضاً محورٌ في فيلم الكفارة Atonement، لكن الفيلم الذي يرصد تجربة الحرب العالمية الثانية المروعة في إنكلترا يدور حول ثيمة أخرى أكثر سيطرة هي ثيمة النُضج. الطفولة والانتقال إلى مرحلة المُراهقة أمرٌ صعب، ولينضج الإنسان لا بُد من كفارةٍ ينبغي دفعها. كذلك، فإن بعض الأخطاء المُرتكبة في تشوش الطفولة مُدمرة إلى الحد الذي يجعلها تتطلب كفارة تستمر حتى نهاية العمر.
تدور أحداث فيلم الكفارة خلال الحرب العالمية الثانية، وتكشف تأثيراً يمتد حتى زمنٍ قريب. ويُروى بطريقتين: واحدة مُحايدة تروي الأحداث كما هي، والأخرى تروي الأحداث ذاتها من وجهة نظر فتاة عمرها ثلاثة عشر عاماً هي براوني تالس التي ترى العالم – على أعتاب الحرب العالمية الثانية – مشوشاً وغامضاً، وتحاول في هذا التشوش تفسير ما تراه أمامها، لكن تفسيراتها تسبب تعقيداتٍ كثيرة.
شقيقة براوني الكُبرى، سيسليا، تحب روبي ترنر ابن مدبرة منزلهم الذي يطلب من براوني توصيل رسالة إلى أختها. يُرسل روبي بالخطأ رسالة تحتوي على كلماتٍ بذيئة تقرؤها براوني وتُقرر مع ابنة عمها لولا أن روبي مهووس، وأنه لا شك سيؤذي سيسيليا. تُسيء براوني تفسيرٌ أمورٍ أخرى تجري بين شقيقتها وبين روبي. وحين يُكتشف أن لولا قد اغتُصِبت في حديقة دار تالِس، تتهم براوني – الشاهدة الوحيدة – روبي وتُكرر اتهامها، فيُقبض عليه ويُرسل إلى الجبهة في فرنسا.
تنفصل سيسليا عن أسرتها التي لم تصدق براءة روبي، وتتصدع الصلات العائلية التي تربط آل تالس. بعد خمس سنوات، تتطوع براوني كممرضة لتمرض الجنود الجرحى، وتحاول التكفير عن جزء من ذنبها تجاه روبي وسيسليا، بينما يتبادل الاثنان الرسائل على خلفية المعارك التي يخوضها روبي في الجبهة.
آخر الفيلم تظهر براوني تالس روائية في السبعين من عمرها، ويُجري معا مذيع – المخرج أنتوني منغيلا في آخر ظهور له قبل وفاته – مقابلة ليسألها فيها عن عملها الأخير الكفارة، فتخبره بأنها روت في روايتها الأخيرة قصتها مع شقيقتها وحبيب شقيقتها في محاولة للتكفير عن الذنب الذي ارتكتبه بحقهما منذ ما يقرب من ستين عاماً.
يُصور المُخرج جو رايت فيلم الكفارة من وجهتي نظر مختلفتين، هما وجهة نظر براوني وما حدث حقاً، وفي معظم الفيلم تتداخل وجهتا النظر، فلا يعود مُمكناً التفريق بينما حدث حقاً، وبين ما تعتقد براوني أنه قد حدث، بالإضافة إلى تداخل مشاهد الحرب العالمية خصوصاً موقعة دنكرك حيث يبدو أن العالم كُله قد تداخل بحيث صار مُتعذراً معرفة ما حدث حقاً، أو لماذا حدث.
تُرافق أحداث الفيلم موسيقى داريو مارينيلي – الحائز على جائزة أوسكار أفضل موسيقى أصلية (2008) – لتزيد من عُمق الفيلم، فمارينيلي يوظف صوت الآلة الكاتبة الذي يُشكل خلفية أحداث الفيلم المفصلية ويُحوله إلى موسيقى سريعة خاطفة متوترة، كأنها ضربات القدر تكتب حيوات الشخصيات. بعيداً عن الآلة الكاتبة التي تكتب القدر، تُرافق موسيقى مارينيلي المعنونة "مرثاة دنكرك" مشاهد وصول جنود الحلفاء إلى دنكرك، وتُضيف إلى الشعور الحلمي الذي يحيط بها. مشاهد الجنود في دنكرك مرثاة لعبثية الحرب وعدم يقينية الحياة في ظلها. ومع تقدم أحداث الفيلم، يتضح الدور الهام الذي تلعبه مقطوعات داريو مارينيلي في الأحداث كأداة فيلمية تُستخدم لتحقيق الأثر الدرامي المطلوب، كالحوار والحدث والصورة.
تصوير شيموس مكغارفي يدخل ضمن نسيج الفيلم ليُكمل بقية عناصره الفنية، فالكاميرا عنصرٌ فيلمي رئيسي تُشارك في إظهار اختلاط الحقائق وتشوش وجهات النظر. تقف الكاميرا أحياناً موقفاً مُحايداً لتُشاهد من بعيد، لكنها في طريقة تقديمها للمشهد تأخذ دوماً موقع الرائي، ويتحول موقع الرائي إلى موقع المُتهِم في المشهد الذي تكشف فيه براوني الحقيقة بشأن المُعتدي الحقيقي على ابنة عمها، إذ تفاجئها الكاميرا كمن قُبض عليه يرتكب ذنباً.
الكفارة التي أمضت براوني تالس حياتها تدفعها، شبيهة بكفارة أوروبا تجاه الحرب العالمية الثانية التي أعادت تشكيل الشخصية الأوروبية من جديد. ومحاولتها تلطيف الوقائع التي عاشتها لتجعل الذكرى أكثر قابلية للاحتمال شبيهٌ بمحاولات إعادة رواية تاريخ الحرب بطريقة تستبعد عبثيتها وهمجيتها في محاولة لحمل ما تبقى من الضمير الإنساني على السُبات.

الكفارة (2007) – جو رايت (إخراج) – كريستوفر همبتون (سيناريو) – داريو مارينيلي (موسيقى) – تمثيل: سيرشيه رونن (براوني في سن الثالثة عشرة)، كيرا نايتلي (سيسليا) ، جيمس مكفوي (روبي) – يونيفرسال (إنتاج)

تدوينة سابقة عن فيلم الكفارة.

14 مايو 2009

أوبئة موسمية!

قائمة من منظمة الصحة اللغوية ببعض الأوبئة اللغوية الموسمية المنتشرة في الفضائين السبراني والطباعي:

عن البقدونس نرغي
ينتشر مرض أنفلونزا شبه الجملة المقدمة على الجملة الفعلية في المواقع على الشبكة انتشاراً وبائياً يفوق انتشار أنفلونزا الخنازير في العالم الواقعي، فتجد الجميع يكتب: عن الحياة نتكلم، عن الثقافة نتحدث، عن الطب نتحاور.... بشكلٍ يجعل استخدام بناء الجملة القديم والصحيح: نتكلم عن شيء ما حيث الجملة الفعلية من الفعل والفاعل تسبق شبه الجملة من حرف الجر والمجرور شيئاً ما قبل تاريخياً كالمستحاثات، بحيث صار استخدام التعبير الصحيح أمراً (غير) أدبي، ومن الضرورة بمكان تحاشيه كما يتحاشى الصحيحُ الأجربَ، بينما يُقدم شبه الجُملة على مُبتدأ نكرة، لا على جملة فعلية، كقولهم: في البئر قطة.
أصول الوباء: يُشتبه في أن منبع الوباء قد جاء من سلسلة روايات مصرية للجيب، غير أن هذا الاشتباه غير مدعومٍ بأدلة قاطعة، وعليه فإن منظمة الصحة اللغوية توصي بالتحفظ في وضع السلسلة في الحجر اللغوي.

مائعاً جاء الزبادي
النطاق الجغرافي لانتشار متلازمة تقديم الحال على الجملة أقل اتساعاً من النطاق الجغرافي لانتشار أنفلونزا شبه الجملة المقدمة على الجملة الفعلية، لكن نسبة انتشاره الحالية تدعو إلى اتخاذ تدابير احترازية لمنع تفشي الوباء بشكلٍ كارثي يتعذر إصلاحه. موقع الحال الأصلي في الجملة يلي الفعل والفاعل، ولا يجوز تقديمه إلا في حالاتٍ محدودة بالدلالة المُبتغاة من التحويل، فقلب الجملة الأصلية: جاء الرجل غاضباً إلى غاضباً، جاء الرجل يضع التأكيد على حال الغضب، ويقلب غرض الجملة من الإعلام عن مجيء الرجل غاضباً إلى الإعلان عن غضب الرجل. لا يُعقل - بطبيعة الحال - أن يكون الحال مُقدماً في كُل الجمل التي تحتويه لأن امتهان تقديم الحال بهذه الطريقة نزع عنه دلالته.
أصول الوباء: لا تُعرف أصول الوباء على وجه الضبط أو التقريب، غير أن ثمة من يتكهن بكون مصدر الوباء مجموعة من الكتابات (الأدبية) الجديدة التي خدمت كحاضن مثالي للفيروس. وعليه، توصي منظمة الصحة اللغوية بالتزام الحذر التام، وباستخدام الفاصلة (،) بعد الحال في حالة الاضطرار إلى تقديمه.

فليأت الحساء
في فترةٍ ما كان النطاق الجغرافي لانتشار داء الفلأله أكثر اتساعاً من نطاق انتشار أنفلونزا شبه الجملة المقدمة على الجملة الفعلية ومتلازمة تقديم الحال على الجملة معاً، غير أن داء الفلألة آخذٌ في الانحسار بعد أن خسر مناطق نفوذه لأوبئة أخرى. الفاء حرف عطفٍ غالباً، غير أنها قد تقترن بجواب الشرط في الجُمل الشرطية المجزومة بشروطٍ معينة، وقد تكون فاء سببية كأن يقول أحدهم: ألا تحل عندي فأطعمك الحساء؟ وقد تسبق اللام في حالات أخرى غير شائعة - تكون فيها الفاء سببية أيضاً - فيقول أحدهم: أيدّعون ذلك! ويحهم! فليأتوا بحسائهم فنتذوقه! حيث الفاء سببية تُجيب على استنكارٍ وتحدٍ. ظهور داء الفلألة عند الأمر المُجرد غير المسبوق بما يستدعي حضور الفاء السببية علامة خطيرة على تفسخ البنية اللغوية تستدعي تدخل منظمة الصحة اللغوية.
أصول الوباء: لا تُعرف أصول هذا الوباء أيضاً، لا على وجه الضبط ولا على التقريب، غير أن منظمة الصحة اللغوية تُحذر من منتديات الشبكة العنكبوتية (المتأدبة) وبعض المدونات المتصفة بهذه الصفة كذلك بوصفها حاضنات مثالية للداء. وتوصي بالتزام الحذر التام عند استخدام الفاء واللام قبل الفعل المضارع بقصد الأمر.

إن عصيدتنا لخيرٌ من عصيدتكم!
ينتشر الوسواس التوكيدي القهري انتشاراً مزمناً، إذ أنه أحد أعراض البارانويا العربية المستفحلة. ويُعلن هذا الوسواس عن نفسه في هيئة العبارات المؤكدة كأن أحداً يُعارض المتكلم على طول الخط. الجملة - في اللغة العربية، إحدى اللغات الحية والعهدة على ويكيبيديا - تبدأ خبرية هكذا: سعيد بائس، فإذا توسم القائل في المستمع عدم تصديق أكدها بقوله: إن سعيداً بائسٌ، فإذا استمر المستمع في إنكاره لما قيل جاءته الجملة شديدة التوكيد: إن سعيداً لبائس! غير أن المتكلم (الذي لا نعلم حالته العقلية) يرى أن المستمع (الذي لا نعلم حالته العقلية كذلك) يكذبه قبل أن يتكلم، فيأتي كلامه كله مؤكداً: إن عصيدتنا لخيرٌ من عصيدتكم فإننا قد قمنا بإضافة الدقيق الفاخر إليها، وإن دقيقنا ليأتي من سوبر ماركت المدينة، وإن الدقيق الفاخر لعلامة على جودة العصيدة كما يعلم أي محب حقيقي للعصيدة، وإننا لمحبون للعصيدة!
أصول الوباء: ترى منظمة الصحة اللغوية أن أصل الوباء كامن في جنون الاضطهاد الذي يسم العقلية العربية منذ قرون، فالمتحدث يفترض دوماً أن المستمع يفترض فيه الكذب وسوء الطوية، ويأخذ أقواله على محمل الاستخفاف. توصي منظمة الصحة اللغوية المصابين بوسواس التوكيد القهري باللجوء إلى أساليب المعالجة النفسية المطولة المستخدمة في علاج أمراض الوسواس القهري، وتوصيهم باستشارة طبيب نفسي مؤهل لأن هذه المشكلة لا تُحل بكتب التنمية الذاتية التي تساهم في تدهور حالة المصابين بالوسواس التوكيدي القهري.

لـــــــــــــــ البـ ، طـ ا طس ــــذيـــــــــ المـ ، قلية ــــــــــذة
بدأ مرض جذام الجمل يتفشى في الفضاء السبراني بشكلٍ يستدعي اتخاذ تدابير عاجلة وحازمة للحد من التأثيرات المؤسفة لتشوه الجمل العربية بالجذام الذي يحولها إلى كتل خالية من المعنى يعافها النظر، ويؤدي إلى تدهور القدرات الإدراكية والسلوكية لدى المتعاملين بها. يتفشى الجذام الجملي في العناوين بشكلٍ رئيسي ، كما تظهر أعراضه على قصائد الشعر السبراني التي ترى منظمة الصحة اللغوية وجوب الحجر عليها منعاً لانتشار الوباء. تحذر منظمة الصحة اللغوية من هذا الوباء المعدي، وتدعو جميع المضطرين إلى التعامل مع الفضاءات السبرانية إلى التزام الحيطة والحذر عند الاقتراب من الجمل المجذومة.
أصول الوباء: تعتقد منظمة الصحة اللغوية أن أصل الوباء صناعي، وأنه قد جاء نتيجة لتجارب مباءات التخريب اللغوي التي تعرف بنفسها على أنها جماعات الشباب على الموضة، أو جماعات التجديد اللغوي، أو جماعات الدلع والغنج. وتُهيب بكل من يقترب من إحدى هذه البؤر سرعة الابتعاد عنها، وإبلاغ المنظمة والسلطات المحلية عنها.

ترجو لكم منظمة الصحة اللغوية السلامة من كل داء.

11 مايو 2009

ربة القدر

يا ربة القدر
يا مثيلة القمر
سنتك التحول
زمانك بدرٌ
وإما محاق.
الحياة مقيتة،
تغمينها،
ثم تريحينها
حين يقبضها الوهم.
الضعف والقوة
تذيبينهما كالثلج.

القدر: وحشي
وخالٍ،
عجلتك الدائرة شريرة
الوجود عدم
يتلاشى إلى لا شيء
متشحاً ظلالاً وأقنعة
تبتلينني الآن بلعبتك
تحنين ظهري العاري
لشرك.

القدر: في الرخاء والفضيلة
عدوي، يقتادني، يُثقلني،
يستعبدني دوماً.
لذا، الآن،
أعزف على الأوتار المهتزة
ولأن القدر يُهلك القوي،
ينتحب الجميع معي!

أندب جروح ربة القدر
بعينين دامعتين،
فكل ما وهبتني إياه،
سلبتني إياه.
حقيقة ما كُتب عن شعرها الجميل،
لكنها حين تحل لتقتنص سانحة،
صلعاء.

على عرشها كنت أجلس منتصباً
متوجاً بزهور الرغد كثيرة الألوان
مزهراً، سعيداً، ومباركاً.
الآن أهوي من حالقٍ،
محروماً من كل مجدِ.

تدور عجلة القدر،
أهوي مُحتقَراً،
يصعد آخر شاهقاً،
ليخش الهلاك!
لأنه قد كُتبِ على المحور:
الملكة هيكوبا.

03 مايو 2009

فوضى الغرباء

للغرباء دوماً فوضى ينثرونها
لكنني تعلمت محوها بطقطقة أصابعي
لا يمكنهم المشي ميلاً بحذائي إيف سان لوران
فأحكم ربطه، وأسير متخلصة منهم

جعلتهم يقولون: لا أصدق أنها فعلتها!
لم تفعلها!
جُنوا بطبيعتي الوحشية،
صاروا يقولون: نعم، فعلتها!
غير أنني لا أصدق أنها فعلتها!

حتى إذا حاولوا
ليس بإمكانهم السير ميلاً بهذا الحذاء
لا يمكنهم حتى ارتداؤه بشكل صحيح
حذاء السهرة أكبر من قدرتهم
فعشرة ملايين رجلٍ لا يمكنهم السير ميلاً بهذا الحذاء

أتبختر بضراوة
- حتى أن ستيفن قد استاء مني
ضاحكاً وساخراً مني وراء ظهري
لكنهم لن يحصلوا أبداً على أفضل ما عندي -
أراهم يرقصون رقصتي
وأسمعهم يغنون أغنيتي
أتفوق على الكل
لأنني نشأت هكذا

أمشي بفخر، لا أدع كراهيتهم تنالني
يتندمون حسرة
رؤوسهم تعلوا الماء ومع ذلك لا يمكنهم التنفس
تقعقع قدماي على الأرض بينما أخطو واثقة
وأتحداهم أن يسيروا ميلاً في حذائي

فحتى إذا حاولوا
ليس بإمكانهم السير ميلاً بهذا الحذاء
لا يمكنهم حتى ارتداؤه بشكل صحيح
حذاء السهرة أكبر من قدرتهم
فعشرة ملايين رجلٍ لا يمكنهم السير ميلاً بهذا الحذاء

01 مايو 2009

خضراء بلا لون

رغم أن الجميع - في المستعمرة - في حالة نكران للهوة التي تفصل بين جيلنا والأجيال السابقة، إلا أن مناسبة جديدة تحدث كل يوم - تقريباً - لتُذكرنا بأننا مختلفون - تماماً - حتى في تفسيرنا لأبسط العبارات. واحدة من هذه المناسبات - التي ظهرت فيها الفجوة الهائلة بين جيلنا وجيل أساتذتنا - كانت عندما قرر كبير المستعمرة الذي علمها السحر أن يُقدم إلينا عبارة نعوم تشومسكي الشهيرة التي فتنت جيله كمثال على العبارات السليمة لغوياً والتي لا تحمل أي معنى - كُنا نعرفها من قبل، بطبيعة الحال، لكنه أجبرنا على الإقرار بأننا لم نسمع بها:
الأفكار الخضراء بلا لونٍ تنام غاضبة.
Colourless green ideas sleep furiously.
مضى الدكتور في شرحه عن لا منطقية العبارة ولا جدواها رغم أنها سليمة من الناحية اللغوية، واصفاً إياها بأنه نوع من الكلام الفارغ الذي لا يُفسر ولا قيمة له، غير أنه قوطع مراراً حتى رضخ للأمر الواقع وسمح لنا بالتكلم لنعارض وجهة نظره تماماً. في الواقع، هذه العبارة واضحة ومفهومة ويمكن أن يكتبها أي صحفي مبتدئ في أي جريدة على وجه الأرض.
لكن، كيف ذلك؟ كيف تكون الأفكار خضراء وتكون بلا لونٍ في الوقت نفسه؟ كيف تكون الأفكار ملونة؟ كيف تنام؟ كيف تنام غاضبة؟
المسألة وما فيه أن هذا مجاز شائع الاستعمال حتى صار مستهلكاً وصار بديلاً للكلمات الأصلية. الجميع يعرف الطيف السياسي، المجاز صار العبارة الدالة على كنه الشيء. ماذا عن الأفكار الخضراء؟ هذا أكثر المجازات شيوعاً في الزمن الحاضر، الأفكار الخضراء المعتقدات البيئية. العبارة التي فتنت أجيالاً سابقة بلا معقوليتها تعني ببساطة:
أُحبِطَت التوجهات البيئية غير المُجيرة سياسياً مما أحنق الناشطين البيئيين.
بعد مناقشات ومناوشات، أقر الدكتور بأن في تفسيرنا للعبارة وجاهة، لكننا عدنا لنعترض، فالمسألة ليست تفسيراً وإنما المعنى الحرفي للعبارة فيما لو وُجدت مكتوبة على غلاف نيووزيك مثلاً! لا أحد سيُفكر في أي تفاسير أخرى - لا أحد من جيلنا على الأقل.
في مرحلة ما، حدث انقلاب في المعايير اللغوية والدلالية جعل ما فتن الأجيال الماضية صيغة مستهلكة من البلاغة الصحفية اليوم، وما أحنقهم الأمس محل تقدير اليوم. سنة الخلق.